من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
الأبيات في الحية
قال النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلةمن الرفش في أنيابها السم ناقع
ضئيلة أفعى وذلك أنها دقيقة قليلة اللحم، تقول العرب: سلط الله عليه أفعى حارية، يريدون أنها تحري أي ترجع من غلظ إلى دقة ومن طول إلى قصر، وذلك أنه يذهب تقادمها رطوبتها ويشتد سمها إذا أسنت. وقال آخر في ذلك ويروي للنابغة الذبياني:
حارية قد صغرت من الكبرصل صفّاً ما ينطوي من القصر
وقال آخر وهو جاهلي فيما قال الجاحظ:
أنعته من حنش أفعى أصمقد عاشن حتى هو لا يمشي بدم
فكل ما أفضل منه الجوع سم
قال: الأفعى إذا هرمت أقنعها النسيم ولم تشته الطعم، ويقال: إنه ليس في الحيوان شيء أصبر على الجوع منها. وقال النابغة:
تناذرها الراقون من سوء سمّهاتطلقه حيناً وحينا تراجع
ويروي: من شر سمها، ومن سوء سمعها، يريد أنها لا تسمع الرقية، ويقال لها صلّ إذا كانت كذلك، تطلقه يعني الملسوع أي تخف عنه تارة وتشتد عليه تارة وكذلك السليم. وأنشد الأصمعي للمزق العبدي:
كما تعتري الأهوال راس المطلّق
يسهّد من نوم العشاء سليمهالحلى النساء في يديه قعاقع
كانوا يجعلون الحلى في يدي السليم والخلاخل يحركونها لئلا ينام فيدب السم فيه.
وقال أعرابي:
ترى في بياض الصبح وجه سليمهكأن به آثار شام مولّع
وهذه صفة وجه السليم. وقال ذو الرمة:
وكم حنش ذعف اللعاب كأنهمن الشرك العامي نضو عصام
بأغبر مهزول الأفاعي مجنّةسماوته منسوجة بقتام
الحنش الأفعى، وذعف قاتل، يقال موت ذعاف أي سريع الإجهاز، والعصام حبل القربة، والنضو الخلق، شبه الأفعى بذلك، وقوله بأغبر أي هذا الحنش بموضع أغبر لا ماء فيه، وأفاعيه مهزولة لأنها في جدب فهو أخبث ما يكون لها، مجنة ذات جن.
وقال يذكر القانص وقترته:
يبايته فيها أحمّ كأنهإباض قلوص أسلمته حبالها
وقرناء يدعو باسمها وهو مظلمله صوتها إرنانها وزيا لها
أحم يريد حية إلى السواد ما هو، والإباض حبل يشد على مأبض البعير في رسغه، أسلمته يريد أنه انحلّ فبقي ينجرّ، وقرناء أفعى ذات قرون، وهو مظلم أي داخل في ظلمة، له صوتها يقول يبين له وذلك أن لها حفيفاً إذا مشت لخشونة جلدها.
وقال الراعي وذكر القانص في قترته:
تبيت الحية النضناض منهمكان الحب يتسع السرار
النضناض القلق الذي لا يثبت، ويقال هو الذي يحرك لسانه، ويريد أن الصائد في قفر.
وقال أبو النجم:
وباتت الأفعى على محفورهاباللجف من تصغيرها
أراد باتت الأفعى على محفورة لها والمحفورة الحفرة لها لا تباليها وهو مصدر في معنى مفعول مثل ميسور ومعسور باللجف أي بالموضع الذي لجفه الصائد، تستحييه لا تقدم عليه من تصغيره لها، وهذا مثل.
تأشيرك يحتكّ في تأشيرهامرّ الرحا تجري على شعيرها
يقول تدب وتلتوي وجلدها خشن مثل المنشار فله صوت كصوت رحى تطحن شعيراً.
ومثله له:
تحكي له القرناء في عرزالهامرّ الرحا تجري على ثفالها
عرزالها موضعها. وقال وذكر الحر:
وأجمت أحناشه العرزالا
يقول جاء الحر وبرد لها باطن الأرض فكرهته.
توعده بالأخذ أو هريرهاتضّرم القصباء في تنّورها
أي تقبل إليه فكأن ذلك إيعازاً لها بأن تأخذه وتوعده بصوتها أيضاً وذلك الصوت كتضرم النار في القصب في تنور وللنار في القصب حفيف.
يوقر النفس على توقيرهايعلم أن لا شيء في تنغيرها
يقول يوقّر النفس على أنها وقور يعلم أن لا شيء يضرها في تنغير الحية وهو تغضبها مع القدر.
في عاجل النفس وفي تأخيرهامتى يمت يحي إلى نشورها
يقول لا يضره ذلك في عاجل حتف النفس وفي آجله لأنه موقن بالقدر وعالم بأنه مبعوث بعد الموت، ويقال: بل أراد متى يمت الصائد أي ينام ينتبه بنشور الحية أي بانتشارها ومرها وجلدها لخفة رأسه. وقال آخر وذكر حية والبيت لموسى بن جابر الحنفي:
طرد الأروى فما تقربهونفي الحيات عن بيض الحجل
خص الأروى لأنها تأكل الحيات: وقال خلف الأحمر:
أبى الحاوون أن يطأوا حماهولا تسري بعقوته الذئاب
سئل خلف عن ذلك فقال: لأن الذئاب تأكل الحيات، ولا نعلم أن أحداً قال ذلك، والذئاب تأكل الضباب. وقال جرير لمجاشع:
أيفايشون وقد رأوا حفّاثهمقد عضّه فقضي عليه الأشجع
يفايشون يفاخرون، والحفاث حية لا سم لها تأكل الفأر، والأشجع الشجاع من الحيات، جعل الفرزدق حفاثاً ونفسه شجاعاً. وقال الشماخ:
لا تحسبني وإن كنت امرءً غمراًكحية الماء بين الطيّ والشيد
حية الماء لا سم لها ولا تضر، والشيد الجص، والطي طي البئر. وقال الأخطل:
فثم قالوا أنام الماء حيتهوما يكاد ينام الحية الذكر
فعظم كما ترى شأن حية الماء. وقال عبد الله بن همام السلولي في مثله:
كحية الماء لا تنحاش عن أحدصلب المراس إذا ما حلّت النطق
وقال آخر وذكر ناقته وروى الجاحظ هذا البيت لطرفة:
تلاعب مصنى حضرميّ كأنهتمعّج شيطان بذي خروع قفر
يعني زماماً شبه يلويه بتلوي حية، شيطان حية قبيح المنظر خفيف الجسم.
وقال آخر وذكر امرأة:
عنجرة تحلف حين أحلفكمثل شيطان الحماط أعرف
عنجرة سليطة، والحماط شجرة الواحدة حماطة وهم يقولون: كأنه شيطان حماطة، يريدون الحية كما يقولون ذئب الغضا، وذئب الخمر، وأرنب الخلة، وتيس الربل، وتيس الحلّب، وضب السحاء. وهي بقلة تحسن حاله عن أكله، وقنفذ برقة كأنه يكون أخبث وأعرف له عرف. وقال كعب بن زهير:
كأن شجاعى رملة درجا بهافمرا بنا لولا وقوف ومنزل
يعني الزمام والجديل شبهها بشجاعين، أي لولا وقوف ومنزل لقالوا حيتين، وقال الشماخ:
وكلهن يباري ثني مطّردكحية الطود وليّ غير مطرود
يباري يعارض، ثنى مطرد يعني زماماً طويلاً، وشبهه بحية الطود وهو الجبل لأنه في خشونة فهو يتلوى إذا مشى وجعله غير مطرود لأنه أراد أنه لم يطرد فيستعجل ويمر مرا مستقيما وشبه اضطراب زمامها إذا هي سارت بذلك. وقال آخر:
تلاعب مثنى حضرميّ كأنّهحباب نقاً يتلوه مرتحل يرمي
حباب نقا حية رمل فهو ألين الرمل يتثنى وإن كان مذعوراً مطروداً. وقال ذو الرمة:
كأن حبابي رملة حبوا لهابحيث استقرت من مناخ ومرسل
حبوا دنوا، مرسل أرسلت، شبه الزمام والخطام بحيتين، وقال ذو الرمة:
وأحوى كأيم الضال أطرق بعدماحبا تحت فينان من الظل وارف
أحوى يعني زماماً شبهه بحية، الضال السدر البري، أطرق بعدما حبا أي سكن بعد دنوه، والفينان الشجر الظليل، الوريق، وارف يكاد يقطر من النعمة، ولخضرته يقال هو يرف.
وقال المرار بن سعيد الفقعسي:
كأن لدى ميسورها متن حيةتحرك مشواها ومات ضريبها
مشواها بدنها كله غير الرأس لأن بدنها إذا ضرب كل شوى أي خطأ ليس هو مقتلها، يقال رميت فأشويت إذا أخطأت المقتل، والضريب الرأس لأنه مقتلها، فشبه الزمام بحية هذه صفتها. وقال الفرزدق:
كأن أراقماً علّقت براهامعلقة إلى عمد الرخام
شبه الأزمة بالحيات وأعناقها بعمد الرخام. وقال كثير:
كأنك مردوع بشّن مطّرديقارفه من عقدة البقع هيمها
مردوع منكوس. وقال قيس بن ذريح:
فوا كبدي وعاودني رداعيوكان فراق لبنى كالخداع
وشسّ أرض كثيرة الحمّى، يقارفه يخالطه وأراد تلسعه، عقدة جماعة شجر، والبقع الحيات، والهيم العطاش. وقال آخر يذكر حاوياً:
يدعو به الحية في أقطارهفإن أبي شم سفا وجاره
يشم تراب الجحر ليعلم أهو أفعى لا تجيب الرقية أم حية وريح كل واحدة منهما معروف.
وقال كثير:
وسودا مطراق إلى آمن الصفاأنيّ إذا الحاوي دنا افصدي لها
صد لها أي صفق لها، والحية مثل الضب والضبع إذا سمعا اللدم والهدّة والصوت الشديد خرجا ينظران، والحاوي إذا دنا من الجحر صفق بيديه ورفع صوته وأكثر من ذلك حتى تخرج الحية كما يخرج الضب والضبع. قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه " لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم فتخرج فتصاد " ثم قال كثير:
كففت يداً عنها وأرضيت سمعهامن القول حتى صدقت ما وعى لها
وقال آخر:
ولو أخاصم أفعى نابها لثقأو الأساود من صم الأهاضيب
لكنتم معها ألباً وكان لهاناب بأسفل ساق أو بعرقوب
العرب تقول: فلان أظلم من حية، لأنها لا تتخذ لنفسها بيتاً وكل بيت قصدت نحوه هرب منه ما فيه وتركه لها إلا الورل فإنه يأكل الحيات وهو ألطف بدناً من الضب وبراثنه أقوى من براثن الضب لأنه لا يحفر بها بنفسه كما يحفر الضب إبقاء عليها وربما أخرج الضب من بيته واستولى عليه ولذلك يقال أيضاً: أظلم من ورل، وهم يقولون أيضاً: أضل من حية، لأنها إذا خرجت من جحرها ثم وجدت جحراً دخلته ولم تعد إلى الأول. وقال آخر الكذاب الرمازي:
يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبرأنت لها منذر من بين البشرى
داهية الدهر وصماء الغبر
وقال يونس: داهية الدهر الحية كنيت بذلك لأنها ربما سكنت بقرب ماء إما غدير أو عين فتحمي ذلك الموضع وربما غير ذلك الماء في ذلك المنقع حينا وقد حمته، وقالوا: داهية صماء الغبر، تشبيهاً لها بالحية، وقالوا: صمام أيضاً تشبيهاً لها بالأفعى الصماء، وإنما قيل لها صماء لأنها لا تجيب الراقي فشبهت بالأصم كما قيل في الظلم أيضاً
لأنه لا يسمع لشراده وشدة نفاره. وقال الشاعر وذكر أفعى:
وتارة تحسبه ميتاًمن طول إطراق وإسبات
أصم أعمى لا يبجيب الرقىيفتّر من عصل حديدات
فجعله أعمى لطول سباته وإطراقه كما جعله أصم لأنه لا يجيب الرقي.
وقال أعرابي يصف عين الأفعى والبيت للراعي:
ويدني ذراعيه إذا شاء سادراًإلى رأس صل قائم العين أشنع
يقال إن عين الأفعى لا تدور والمقلة لا تزول. وقالت أعرابية جاهلية تصف أفعى:
وتدير عيناً للوقاع كأنهاسمراء طاحت من نفيض برير
إنما أرادت أنها تنظر يميناً وشمالاً لأن المقلة لا تزول والحية تبدي السلخ من ناحية عيونها في الربيع والخريف ولذلك يظن من يعاينها في ذلك الوقت أنها عمياء. وقال عنتر
له ربقة في عنقه من قميصهوسائره عن متنه قد تقدّدا
رقود ضحيّان كأن لسانهإذا سمع الأجراس مكحال أرمدا
والحية مشقوقة اللسان سوداؤه. وقال كثير يمدح:
يجرّر سربالاً عليه كأنهسبيّ هلال لم يفتّق شنائقه
يريد يجر قميصاً كأنه سبي هلال أي جلد حية، والهلال الحية شنائقه دخاريصه صيرها شنائق لأنها معلقة. وقال آخر وذكر النثرة وهي نجوم من الأسد:
في نثلة تهزأ بالنصالكانها من خلع الهلال
وقال رؤبة يذكر النساء:
لا تمكن الخنّاعة الناموساوتحصب اللعابة الجاسوسا
بعشر أيديهن والضغبوساحصب الغواة العومج المنسوسا
الخناعة التي تخنع أي تخضع وتدنو منهن بالريبة، والناموس الخادع الذي يسر الأحاديث ويهمس، والجاسوس الذي يتجسس منهن مالاً يرين، بعشر أيديهن أي تجدّ في ذلك كما قال:
شد بعشر حبله المخموسا
والضغبوس الضعيف من الرجال، والعومج الحية، والمنسوس
المسوق يقال نسه أي ساقة، يريد الطرود. وقال معقل بن خويلد:
أبا معقل لا توطئنك بغاصتيرؤوس الأفاعي في مراصدها العرم
يقول لا يحملنك بغضي على أن تقتل نفسك وتهلكها، والعرم القرط يقال: شاة عرماء، أراد رؤوس الأفاعي العرم في مراصدها ومراصدها حيث ترصد، يقال أنها تظهر مع أول الليل على قارعة الطريق وتستدير وتشخص رأسها معترضة لأن يطأها إنسان أو دابة فتنهشه.
وقال الكميت:
وإياكم إياكم وملّمةيقول لها الكانون صمى ابنة الجبل
ابنة الجبل الأفعى وهم، يشبهون الداهية بها، ومن أمثالهم: صمى صمام، و: صمى ابنة الجبل، و: جاء بالحية، وجاء بأم الرّبيق على أريق، وأم الربيق الحية، وجاء بأم بنات طبق، يضربون هذا مثلاً في الدواهي وأصله من الحيات. وقال آخر:
ألوى حيازيمي بهن صبابةكما يتلوى الحية المتشرق
والحية موصوفة بالصرد ويصيبها برد السحر فإذا طلعت الشمس تشرقت وتلوت في تشرقها.
وقال آخر:
قلائصاً مثل الأفاعي زلاًجمعن عزا وجمعن ذلا
هكذا صفة الأفعى لأنها أبداً نائمة مسبوتة فإن أنكرت شيئاً نهشنه كالبرق الخاطف في السرعة وقال آخر:
حتى إذا تابع ين سلخيناقبل وهو واثق بثنتين
بسمّة الرأس ونهش الرجلين
ذهب إلى آن لا يكون قاتلاً حتى تأتي عليه سنتان. وقال آخر:
ثم دنا من رأس نضناض أصمفحاصه بين الشراك والقدم
بمذرب أخرجه من جوف كم
قال: أنياب الأفاعي مصونة في أكمام ما لم تعض وكذلك مخالب الأسد لها كالغلف، قال أبو زبيد:
بحجن كالمحالق في فتوخيقيها قضة الأرض الدخيس
وقال البعيث يهجو رجلاً:
مدا من جوعات كأن عروقهمسارب حيات تسرّبن سمسما
يقول هو بادي العروق من سوء الحال فكأنها ممرّ حيات، تسربن سمسما أي انسبن، وسمسم مكان، ويروي: تشربن سمسما، أي سمّاً.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع