من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)
القافية اليائية
وقال في قصيدة أولها:
(كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافياً ..................)
وتنصِبُ للجَرْسِ الخفيِّ سوامعاًيَخَلْنَ مناجاةَ الضَّميرِ تناديا
قال أبو الفتح: هذا كقوله:
وأدَّبها طولُ القتال فطرفُهيُشير إليها من بعيدٍ فتفهَمُ
وقوله:
تُجاوبه فعلاً وما تسمعُ الوحيويُفهمها لحظاً وما يتكلَّمُ
يريد في الموضعين: ذكاءها وتيقُّظها. قال الشيخ: روايتي مسامعاً، وهذا عندي في المبالغة كقوله:
...............وجُبتُ هجيراً يتركُ الماَء صاديا
إذا كَسبَ النَّاسُ المعاليَ بالنَّدىفإنَّك تُعطي في نَداكَ المعاليا
قال أبو الفتح: أي عطاؤك يُعلي محل آخذه، وهذا أيضاً ممَّا يمكن قلبه، كأنه يقول: إذا اتفق لك كسب معلاةٍ انسلخت منها، لأنك لا تحسن رَبها وحِفظها، فكأنك قد سلَّمتها إلى غيرك ممَّن تحسُن به، وتقيم لديه.
قال الشيخ: قالوا معناه إذا كسب الناس الشرف وبعد الصِّيت وعلَّو المجد والمنزلة بالسَّخاء والنَّدى والعطاء، فإنك تُعطيها في نداك، فإن جميعها في ذلك لآخذه كقوله:
وقَبضُ نوالهِ شرفٌ وعزٌّ ..................
وعندي أنه يقول: إذا كسب الناس الممالك والولايات ببذل الأموال فيها والإنفاق عليها واستمالة قلوب الرجال بها وجمع الأهواء لهم ببذلها حتى يقدروا عليها، فإنك تُعطيها في نداك، أي: تنوط الولايات بالقُصَّاد وتسند الممالك إلى الزُّوار، فكأنه قال: إذا كسب الناس الممالك بالنَّدى، فإنك تُعطي في نداك الممالك، ويُؤيِّده قوله بعده:
وغيرُ بعيدٍ أن يزورَك راجلٌفيرجعَ مَلكاُ للعراقيين واليا
فقد يُعبَّر المُلك بالعلياء والعُلى كقوله:
تُسلِّيهمُ عَلياؤُهُم عن مصابِهمويشغَلُهمُ كسبُ الثَّناءِ عنِ الشُّغلِ
وقوله:
واللهِ سرٌّ في علاكَ وإنَّماكلامُ العدى ضربٌ مِنَ الهذَيانِ
وحقيق أن يكون ذلك، فإنه لا محل ولا منال في الدُّنيا أعلى من الممالك.
وقال في قطعة أولها:
(أريكَ الرِّضا لو أخفتِ النَّفسُ خافيا ..................)
ويُذْكرني تخييطُ كعبِكَ شقَّهومشيَك في ثوبٍ من الزَّيتِ عاريا
رواه أبو الفتح: من الزَّيت، وقال: يُذكر أنه كان مولاه زيَّاتاً.
قال الشيخ: هب أن مولاه كان زيَّاتاً، فكيف لبس هو ثوباً من الزَّيت على إعوازه وتعذُّر كونه؟ ولو قال قائل: أراد أن ثوبه مبتلٌّ من الزَّيت، فكأنه منه قيل: كيف يكون لابساً ثوباً من الزَّيت عارياً، والُّبس والمعرى لا يجتمعان، فامتناع معناه من
طرفيه، واعتياصه من وجهيه على روايته كما ترى، وإنما تصحيفٌ وقع، والرواية الزِّفت لا غير، أي: ومشيُك في ثوبٍ من القطران أسود منتنٍ من جلدك عارياً من غيره. والسَّلام.
(نجز الاستدراك بحمد الله تعالى ومنِّه، وصلَّى الله على سيدنا محمَّدٍ وآله، عن نسخةٍ خطيةٍ تمَّت كتابتها ليلة الاثنين الثامن عشر من ذي القعدة سنة هـ، وذلك في مساء يوم الأربعاء الموافقة سبعة وعشرين من شهر ذي الحجة سنة هـ، والحمد لله رب العالمين).
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع