من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)
القافية اللاَّميَّة
وقال في قصيدة أولها:
(إلامَ طَماعيةُ العاذلِ؟ ..................)
وإنِّي لأعشقُ منْ أجلكمْنُحولي وكلَّ امرئٍ ناحلِ
قال أبو الفتح: أي أعشق نحولي، لأن عشقكم أدى إليه.
قال الشيخ: معناه ما ذكر غيره أنه أجمله، واختصره، وما فسره. يقال: إذا كان العاشق صادقاً أحب عشقه كما أحب معشوقه، فالمتنبي قد زاد عليه درجتين، إذ جعله يعشق نحوله الذي ولَّده عشقه، وكل ناحل إذ يُشبهه في نحوله.
ولو كنتُ في أسْرِ غيرِ الهوَىضمِنتُ ضَمانَ أبي وائلِ
قال أبو الفتح: كان أبو وائل لما أسره الخارجيُّ ضمن لهم مالاً وخيلاً، فأقاموا على انتظاره، واستنجده سيف الدولة سراً، فأتاهم، وهم لا يشعرون به، فأبادهم، وقتل الخارجيَّ.
قال الشيخ: هذا شرح أمر أبي وائلٍ لا تفسير بيت القائل. والرجل يقول: لو كنت أسيرَ غير العشق لغدرت بالآسر، وفككت نفسي من أسره بضمانٍ كضمان أبي وائل: إذ فدى نفسه بضمان العين، وتفدهم فيه الحينُ، ولكن العشق لا يُبعث به، ولا يُغلب، ولا يُقدر عليه، ولا يُغدر، كقوله:
وُقيَ الأميرُ هوى العُيونِ فإنَّه ..................
وكقوله:
يستأسرُ البطلَ الكميَّ بنظرةٍ ..................
وما بينَ كاذَتِيِ المُستغيرِكما بينَ كاذَتِيِ البائلِ
قال أبو الفتح: المستغير الذي يطلب الغارة، أي: قد اتسعت فُروجُهن لشدة العدو، والبائل:
الذي انفرج ليبول، فتباعدت فخذاه.
قال الشيخ: شدَّ ما زلَّ تفسيره، وضلَّ تقديره، ظنَّ أن البيت صفة الخيل، وهو صفة الجيش، ولا أدري أتأمل ما قبله، فذهب عليه معناه، أو لم يتأمَّله، وفسره كما رآه، والمتنبي يصف الخيل فيما قبله، وذلك دليل على أن هذا صفة الجيش لا الخيل، فيقول:
شفنَّ لخمسٍ إلى مَن طلبنَ قبلَ الشُّفونِ إلى نازلِ
أي: لزم الجيش ظهور الخيل خمساً حتى أدركوا الخارجيّ بمثل هذا الركض العنيف، فنظرت الخيل إلى الخارجي المطلوب قبل نظرها إلى نازلٍ عن ظهورها، لأنهم ركبوها، ولم ينزلوا عنها حتى أدركوه، وقتلوه، فكان نظر خيلهم إليه قبل نظرها إلى نازلٍ عنها، ثم يقول: بقي النازلون عنها متسعاً ما بين أرجلهم للزومهم خمساً ظهور الخيل من التَّعب والنَّصب والإعياء، فكان كل واحد منهم كالبائل إذ تباعد ما بين رجليه حذر البول، وقد أحسن، وأجاد في هذا المعنى وهذا التشبيه كل الإحسان وكل الإجادة، والعجب من أن المفسر يقول: المستغير الذي يطلب الغارة، وهذا من صفة الجيش دون الخيل، ثم يعدل عنه إلى صفة الخيل.
فظلَّ يخضِّبُ منها اللِّحىفتىً لا يُعيدُ على النَّاصلِ
قال أبو الفتح: اللَّحى جمع لحية، ويُقال: لُحى بالضم، وهو شاذٌ قليلٌ،
والنَّاصل: المضروب بالنَّصل، وهو فاعل بمعنى مفعول كقولهم: ناقةٌ ضاربٌ، أي: قد ضربها الفحل، و (عيشة راضية)، أي مرضية أي: إذا ضرب إنساناً بسيفه لم يبق فيه ما يحتاج له إلى إعادة الضربة، ويجوز أن يكون معناه: لا يُنصل خضابُه، فيحتاج إلى إعادته.
قال الشيخ: من رأى التَّخضيب والنَّاصل في بيت، علم أنه لا يجوز أن يُحمل النَّاصل على المضروب حتى يحتاج إلى كل هذا التَّعسُّف والتَّكلُّف والاستشهاد على ما لا معنى له، وهو ما ذكره آخراً، أنه يخضب منها، أي: من الدِّماء، وإن لم يتقدم ذكرها، فإنها جارية بين الضَّرب والطِّعن أبداً. فتىً لا يعيد على النَّاصل، أي: لا يُعيد الخضاب على الشَّعر النَّاصل، فإن نصوله عنه خروج نفسه عن جسمه، وسمعت اللُّحى بالضَّم والقصر واللِّحاء بالمد والكسر كقوله:
...............فِرقاً تهزُّونَ اللِّحاَء الشِّيبا
يجودُ بمثلِ الذي رمتُمُفلَمْ تُدركوهُ على السَّائلِ
فإنَّ الحسامَ الخضيبَ الذيقُتِلْتمْ به في يدِ القاتلِ
قال أبو الفتح: أي يجود على السائل بمثل ضمان أبي وائلٍ لكم الذي لم تدركوه، ويعني بالحسام: سيف الدولة.
قال الشيخ: تفسير هذا البيت صواب، وتفسير الحسام خطأ فاحش، والعجب أنه يرى قوله: الحسام الخضيب في يد القاتل، ثم يفسره بسيف الدولة، ولا يعلم أنه لا يكون خضيباً بالدَّم، ولا يكون بيد القاتل، يُقتل به، وإنما الحسام الخضيب يكون في يده، وهو القاتل لهم به، وأفٍّ لمثل هذا الكلام، أفٍّ والسلام.
أمَا للخلافةِ منْ مُشفقٍعلى سيفِ دولتِها الفاضلِ؟
رواه أبو الفتح بالضَّاد معجمة والفاء. قال الشيخ: الحمد لله الذي وفقه حتى جعله فاضلاً لا ناقصاً، وإن كنا لم نسمع بالسيف الفاضل قطُّ، وسمعنا بالسيف المُقصل والقاصل والقصَّال وهو القطَّاع من القصل، وهو القطع والقصيل سُمِّي قصيلاً: لأنه مقطوع، ونعت السيف بالفضل دون القطع والقصل من الأوابد، فكيف غلط فيه؟ وكان يرى بعده:
يَقُدُّ عداها بلا ضاربويسرى إليهم بلا حامل
والقدُّ من عمل القاصل لا من عمل الفاضل، وتعجُّبي من رواياته الفاسدة المصحَّفة فوق تعجبي من معانيه المدخولة المزيفة، وأظنُّه قرأه عليه، ولم يحفظه، ولم يقِّيده، ونظر فيه بعد حينٍ من الدهر، ففسره على ما خيَّلت له.
وقال في قصيدة أولها:
(بنا منكَ فوقَ الرَّملِ ما بكَ في الرَّمْلِ ..................)
عزاَءكَ سيفَ الدَّولةِ المُقتدَى بهِفإنَّك نَصلٌ والشَّدائدُ للنَّصلِ
قال أبو الفتح: أي تعزَّ عزاءك يا سيف الدولة، والهاء في به عائدة على العزاء، ويُحتمل
أن تعود على سيف الدولة.
قال الشيخ: المُقتدى به هو سيف الدولة لا غير لا عزاءه كما قال فيه:
وأنتَ تعلَّمُ النَّاسَ التَّعزِّي ..................
وقال في قصيدة أولها:
(لا الحلمُ جاد به ولا بمثالهِ ..................)
لو لمْ تكنْ تجري على أسيافهِمُهجَاتُهمْ لجرتْ على إقبالهِ
قال أبو الفتح: هذه استعارة حسنة، لأنه جعل لإقباله جُثَّةً، تجري عليها مُهجاتهم.
قال الشيخ: ما جعل للإقبال جثَّة، لها شخص، ولا (عِجلاً جسَداً له خُوارٌ)، وإنما قال: من سلم من قتاله تلف في إقباله، كما قال:
فكم خرَّ في إقبالهِ من مصارعٍفقال له الإدبارُ لليدِ والفمِ
حتَّى إذا فني التُّراثُ سوى العُلىقصدَ العُداةَ منَ القنا بطوِالهِ
قال أبو الفتح: أي فني ما ورثه من المال، وبقيت معاليه، لأنه شحيح عليها ضنين بها.
قال الشيخ: فسر نصفه، وأهمل نصفه، وهو أحوج إلى الشرح من أوله، فإنه ظاهرٌ، وهذا خفيٌّ، نعم يقول: حتى إذا أعطى جميع تراثه غير المُلك الذي لا يُهب ولا يُعطى، ولا يُشرك فيه قصد العدى، فأخذ أموالهم للعطاء والهِبات كما قال:
كن لجَّةً أيُّها السَّماحُ فقدآمنَه سيفُه منَ الغَرقِ
وكما قال:
ولو جاز أن يَحووا عُلاكَ وهبتَها ..................
وقال في قصيدة أولها:
(أينفعُ في الخيمةِ العُذَّلُ؟ ..................)
فإنْ طُبعَتْ قبلكَ المُرهفاتُفإنَّكَ مِنْ قَبْلِها المِقصَلُ
قال أبو الفتح: ومعنى البيت أنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف، كأنك أنت أول من قطع، إذ لم يُر قبلك مثلك، ويؤكد هذا قوله فيما بعده:
(وإنْ جادَ قبلَك قومُ مضَوا ..................)
قال الشيخ: ما خلق الله من هذا شيئاً، وهذا المعنى فاسدٌ مردودٌ ببديهة العقل،
والرجل يقول: فإنك من قبلها المقصل، أي: بالحدة لا بالمدَّة وبالطَّبع والعمل لا الطَّبع الأول، يعني أنك من قبلها، أي: قبل قصلها تقصل في الحرب واللقاء للأعداء، فتقطع آمالهم قبل أن تقطع المرهفات آجالهم، وتخرق صفوفهم قبل أن تجلب السيوف حتوفهم، وتهزم نفوسهم قبل أن تحزَّ الصَّوارم رؤوسهم، فأنت المقصل القاطع قبل المرهفات بالفعل والطبع، وإن
كانت هي قبلك بالعمل والطبع، فخذ بالتعيين معناه، والتحقيق دون التخييل والتشبيه.
وقال في قصيدة أولها:
(أجابَ دمعي وما الدَّاعي سوى الطَّلَلِ ..................)
ما بالُ كلِّ فؤادٍ في عشيرتهابهِ الذي بي وما بي غيرُ منتقلِ
قال أبو الفتح: أي فجميعنا ثابت المحبة لها غير منتقل الهوى عنها.
قال الشيخ: الرجل يقول: وما بي، ليس يقول: ما بنا حتى ربما يتصور فيه ما ذكره، والمعنى غير ما ذهب إليه، فإن الرجل يقول: ما بالُ كل فؤاد في عشيرتها به الذي بي من الهوى والحب، وما بي ثابت في فؤادي غير منتقل عنه، فيحل بفؤاد غيري، وفي
كل فؤاد من عشيرتها ما في فؤادي، وهو لازم له غير منتقلٍ، فكيف يحلُّ بغيره ما لم ينتقل عنه؟ هذا شيءٌ عُجاب.
وقد أراني الشَّبابُ الرُّوحَ في بدنيوقد أراني المشيبُ الرُّوحَ في بَدلي
قال أبو الفتح: أي في غيري، يقول: كأن نفسه فارقته في المشيب.
قال الشيخ: ليس كذلك، وما أراد به ذلك، ومعناه أن الشباب أراه روحه في بدنه، فلما شاب أراه المشيب روحه في بدله، أي: ليس بدن الشباب بدن المشيب وبدل المشيب بدل ذلك البدن كما قال القائل:
وهت عزماتُك بعدَ المشيبِوما كانَ من حقِّها أن تهي
وأنكرتَ نفسَك لَّما كبرتَفلا هيَ أنتَ ولا أنتَ هي
تُمسي الأمانيُّ صرعى دونَ مبلغهِفما يقولَ لشيءٍ: ليتَ ذلكَ لي
قال أبو الفتح: أي دون أن يبلغ إلى قلبه، فتستميله أو إلى لسانه، فتجري عليه.
قال الشيخ: كان يجب أن يقول على هذا التفسير دون همته أو مُنيته
أو فكرته أو نهمته أو مطلبه لا دون مبلغه، ويا بُعد بين هذا المعنى والتفسير، فإنه يقول:
(تُمسي الأمانيُّ صرعى دونَ مبلغهِ ..................)
ومناله من الدنيا فما يُرى، ولا يتمنى شيئاً، ليس له، فيقول: ليته لي، فإن الدنيا بما فيها له.
وما الفِرارَ إلى الأجبالِ منْ أسدٍتمشي النَّعامُ به في معقِلِ الوَعِلِ؟
قال أبو الفتح: أي قد أخرج النَّعام عن البر إلى الاعتصام برؤوس الجبال.
قال الشيخ: هذا التفسير أفسد من كل فاسد، وما كان سيف الدولة يصيد النعام، أي يحاربها حتى ضيق عليها البر، فألجأها إلى الاعتصام عنه بالجبال، ومعناه ما يجدي فرارُ الروم عنه إذ يحاربها إلى الجبال، وهو من إقباله ويُمنه ودولته ييسِّر النَّعام للمشي في الجبال ومعاقل الأوعال. والنعام من الحيوان البادية لا تقرب الجبال، ولا ترتقي إليها، ولا تألفها، ولا تعمل فيها، ولا تعرفها، أي: إذا كان سيف الدولة وآثار دولته وإقباله بهذه الصفة، فما أجدى فرار الروم عنه إلى الجبال، فإنها لا تعصم تلك عنه وعن جنوده كما قيل:
يصِحُّ المُحالُ بإقبالهِويثبتُ في كفِّهِ الزِّئبقُ
وكما قيل:
وكفاكَ نادرةً بإقبالِ امرئٍبغدو بهِ البازي أسيرَ الدُّرُّجِ
في نظائر لها جمة.
ما كانَ نومَي إلاَّ بعدَ معرفتيبأنَّ رأيكَ لا يُؤتَى منَ الزَّللِ
قال أبو الفتح: أي ما لحقني السُّهو والتَّفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك وحلمك، فلو كان هذا في غير سيف الدولة لجوزت أن يكون قد طواه على هجائه، لأنه يمكن قلبه على أنه ما يؤتى من دهاءٍ وخُبثٍ.
قال الشيخ: ليس كذلك، فإنه يقول: ما كان قراري وسكوني بعدما رام الحُساد إفساد محلي عندك وتغيير حالي معك إلا فوق علمي بأن رأيك أعلى وأثبت وأسدُّ وأمتن من أن يعترضه زللٌ أو يعتوره خلل في شيءٍ، أو يجوز عليه تمويه وتشبيهٌ، فكان نومي فوق معرفتي به، أي: سكوني على هذه الثِّقة، ولولاها لما كانت.
وقال في مطلع مقطعة:
شديدُ البعدِ مِنْ شربِ الشَّمولِتُرُنجُ الهندِ أو طلْعُ النَّخيلِ
قال أبو الفتح: رفع شديد البعد، لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: أنت شديد البعد، ورفع ترنج الهند بالابتداء، كأنه قال: بين يديك أو في مجلسك ترنج الهند، إلا
أنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر، لأنه مشاهد، فدلَّت الحال عليه وعلى الضمير، فإن قيل: وما في إخباره عما في مجلسه، وهو بحضرته من الفائدة؟ وهل كان يشك في ذلك، فيجوز إخباره عنه؟ قيل: إنما جاز ذلك، لأنه ثناء عليه، فيقول له: أنت شديد البُعد من الشراب، وإن كان
بين يديك ما يُحضر في أكثر الأمر للشرب، فأثنى عليه، ونفى عنه الظِّنَّة، فجرى هذا مجرى قولك للرجل الذي لا تشك في فضله وشرفه: أنت فاضل، وأنت شريف لما في ذلك من وصفه وتقريظه وذكر محاسنه.
قال الشيخ: ما أغنى هذا البيت عن كل هذا الإغراب في الإعراب وكل الإضمار والإظهار، فإن ظاهره ينبئ عن خافيه ولفظه يؤدي ما فيه. وهو يقول: ترنجُ الهند أو طلع النخيل بعيد جداً عن شرب الشَّمول وما كونهما في مجلسك دليلاً على شربك لها، وما كل مكان يكونان فيه موجب للشراب وما كون هذا وذلك في مكان موجباً له. وشديد البُعد مرفوع بالابتداء وترنجُ الهند مرفوع بالجواب، وكُفيت مؤونة طول هذا الخطاب؟
وقال في قصيدة أولها:
(لياليَّ بعدَ الظَّاعنينَ شُكولُ ..................)
إذا كانَ شمُّ الرَّوْحِ أدنى إليكمُفلا برحتْني روضةٌ وقّبولُ
قال أبو الفتح: أي إذا كنتم تؤثرون شمَّ الرَّوح في الدنيا وملاقاة نسيمها، فلا زلت روضةً وقبولاً، وهي الريح التي تجيء من وراء القبلة نديَّة انجذاباً إلى هواكم ومصيراُ إلى ما تؤثرونه، وتكون سبب الدُّنِّو منكم.
قال الشيخ: شدَّ ما توعَّر في إعرابه حتى تقعر، وكيف يكون الرجل روضةً وقبولاً حتى يصل خليلاً؟ وهبه صار قبولاً وروضةً، فما فائدته في الدُّنِّو منهم؟ ولا راحة حينئذ له في الوصل ولا ألم في الهجر ولا علم بهذا وذاك ولا إحساس لهما. وعندي أنه يقول: إذا كان شمُّ الرَّوح أدنى إليكم وأقرب من إيثاركم وهواكم ومحبتكم، فلا فارقتني ولا زايلتني روضةٌ وقبولٌ حتى يكون ما تؤثرونه وتحبونه من هذا النسيم جامعاً بيني وبينكم وناظماً شملي وشملكم، وأكون بانتشافه شريكاً لكم فيه وقريباً منكم به وواجداً منه ما تجدونه وعالماً بأنكم شُركائي فيه وقُرنائي به، فأجد به تعلُّلاً باقترابكم وتفرُّجاً بكوني في حالة معكم وتروُّحاً إلى مناسبتكم فيه ومناسمتكم، فيكون بيني وبين ما تحبونه منه قربٌ واجتماعٌ، وإن كان بيني وبين من أحبهم منكم بعدٌ وافتراقٌ، وقد قِنع بدون ما قاله قومٌ، فقال:
وتقَرُّ عيني وهي نازحةٌما لا يقَرُّ بعينِ ذي الحِلمِ
وقال الآخر:
أليسَ اللَّيلُ يجمعَنُا جميعاً؟أليسَ شرابُنا من ماءِ وادِ؟
ويوماً كأنَّ الحسنَ فيهِ علامةٌبعثتِ بها والشَّمسُ منكِ رسولُ
قال أبو الفتح: في هذا البيت رائحة من قول الشاعر:
إذا طلعت شمسُ النَّهارِ فإنَّهاأمارةُ تسليمي عليكِ فيلِّمي
قال الشيخ: ما أرى في هذا البيت شيئاً من روائح البيت الثاني، بل فيه رائحة من قوله: إذا كان شمُّ الرَّوح وهذا البيت ما يُفاوحه ولا يراوحه بحالٍ، وإنما هو معطوف على قوله:
شفت كمدي واللَّيل فيهِ قتيلُ ..................
وأراد بالفجر: سيف الدولة، وكان لقيه به، وهو قد أشعل نيراناً عظيمة حتى أضاءت الليل كالفجر، فكنَّى عنها بالفجر، وقوله: شفت كمدي واللَّيل في درب القُلَّة قتيل، ذلك الفجر الذي كفاه ونفاه، شفت كمدي، أي: جابت عنِّي الليل، وكشفت وفرَّجت الكمد، ويدل على صحة قوله:
وما قبل سيفِ الدَّولةِ آثَّارَ عاشقٌولا طُلبت عندَ الظَّلامِ ذُحولُ
أي: بناره قدرت على إدراك ثأري على التَّبل وطلب الذَّحل عند ظلامه حين قتله في درب القُلَّة بفجر ناره فطلب ذحلي به من الظلام، وأدركت ثأري من الليل، ومُؤيده ما بعد البيت.
تسايرُه النِّيرانُ في كُلِّ مسلكٍبهِ القومُ صرعَى والدِّيارُ طُلولُ
ثم قال:
ويوماً كأنَّ الحسنَ فيه علامةٌبعثتِ بِها والشَّمسُ منكِ رسولُ
أي: ولقيت بعد هذه اللَّقية التي شفت كمدي، وبرَّدت كبدي، وأخذت بيدي حتى أدركت ثأري من الليل يوماً، هو النهاية في الحسن والطلاقة، كأن الحسن علامة من المعشوق فيه، والشمس رسول، جاءتني برسالته وعلامته، فلم يبق في الحسن غاية ولا لفرجه من الحزن نهاية ولا لاستبشاره وراحته أمداً ولا لابتهاجه وغبطته مثلاً إلا جمعها في صفة ذلك اليوم، ومثل ذلك اليوم الذي سفر عنه مثل ذلك الليل الذي وصفه يكون أعجب إليه وأحسن في عينيه من سائر الأيام كما وصفه، وهذا قريب من قوله:
لَيلُها صُبحُها مِنَ النَّارِ والإصباحُ ليلٌ منَ الدُّخانِ تَمامُ
ولكن هذه نار القِرى، وتلك نار إحراق القُرى.
وما قبل سيفِ الدَّولةِ آثّارَ عاشقٌولا طُلبتْ عند الظَّلامِ ذُحولُ
قال أبو الفتح: يقول لولا سيف الدولة لما وصلت إلى قُلَّة هذا الدرب حتى شفيت نفسي من الليل بملاقاة الفجر.
قال الشيخ: معنى شرحه كما هو، والذي ذكره فاسد، وفساده ظاهر، والمتنبي لو لم يكن بدرب القُلَّة الذي كان وصوله إليه متعذراً لولا سيف الدولة لما كان يلقى الفجر في سائر بسيط الأرض. المتنبي أينما كان من الدنيا ما كان يعوزه ملاقاة الفجر، وما لسيف الدولة في ملاقاته الفجر بدرب القُلَّة أثر، فإن درب القُلَّة في لقاء الفجر وسائر الدنيا شرعٌ، إنما أثره فيه نيرانه التي جعلت الليل نهاراً حتى أدرك المتنبي منه ثأراً.
فخاضت نجيعَ الجمعِ حتَّى كأنَّهُبكلِّ نجيعٍ لمْ تخضْهُ كفيلُ
قال أبو الفتح: أي علم من رآها تخوض الدماء العظيمة أنه لا يتعذر عليها خوض دمٍ بعد ذلك، أي: لا تروم قتل عدوٍّ فيصعب عليها.
قال الشيخ: ما في البيت وفيما قبله وبعده ذكر من العلم، وعبارة من رآها
واجتماع تلك الدماء لا يوجب أنه لا يصعب عليه قتل عدوٍّ بعدها البتَّة، ومعناه: إن خيله خاضت دماء الروم خوضاً عاماً شاملاً لمهجاتِهم بدمائهم حتى كأن سيف الدولة كفيلٌ بإراقة كل دمٍ لم تخضه خيله. أي: يريقه ويخوضه خيله إذ لم يذر منها حياً أحداً ولا دماً محقوناً إلا هَراقَه وأخاضه خيله.
ورعنَ بنا قلبَ الفراتِ كأنَّماتخرُّ عليهِ بالرِّجالِ سُيولُ
قال أبو الفتح: كنى بقوله: ورعن بنا قلب الفرات عن خوضها فيه، ولقد أجاد العبارة وأحسنها.
قال الشيخ: لقد اختصر تفسيره، وما أبصر تقصيره، وما أبعده عن معناه وما أعماه عمَّا رآه، الرجل ساحر في شعره باقعةٌ في سحره، وبعيدٌ أن تُدرك معانيه، سيما إذا أبدع معنى بعينه، وهذا من ذاك، وهو يقول: راعت الخيول قلب الفرات باقتحامنا له وهجومنا عليه حتى هاله وغير لونه وحاله، والمعهود والمعتاد أن تُراع قلوب الناس بخوض الفرات، ونحن أناس يُراع بنا قلب الفرات، ويدلُّك على صحته المصراع الثاني:
............ كأنَّماتخرُّ عليه بالرِّجالِ سيولُ
لقلة مبالاتهم بالأوحال، فكأنه سيولٌ لا تُبالي بالوقوع في الفرات لا رجالٌ.
وفي بطنِ هنزيطٍ وسمنينَ للظُّباوسمرِ القنا ممَّنْ أبدنَ بديلُ
قال أبو الفتح: هذا مثل قوله أيضاً:
وربَّوا لكَ الأولادَ حتَّى تصيبَهاوقَد كَعِبَت بِنتٌ وشَبَّ غُلامُ
قال الشيخ: أسخن الله عين الأبعد، ما أبعده عن الصواب في هذا التفسير المشتبه على البصير. قوله: فربَّوا لك الأولاد، كان قوله في سلمٍ واقعٍ بينهما، فقال: ليس في مدة هذه السِّلم إلا تربيتهم لك الأولاد حتى يُدركوا فتصيب البنين بالقتل والبنات بالسَّبي كما فعلت بهم فيما مضى حتى لم يبق فيهم من يُقتل ويُسبى، فيُحمل، وهذا في الحرب، ولا يحسن فيه ذلك المعنى، بل لا يجوز، فإن البُهَم فيها تُسفك دماؤهم، فتُراق، والحُرم والأولاد تُسبى وتُساق، فيخلوا المكان، ولا يبقى به بديل، فلا تبقى بتلك البلاد المفتوحة بنتٌ تكعب ولا
غلامٌ يشب، ومعناه، وفي بطن هنزيط وسمنين للسيوف والرماح بديلٌ عمَّن قتلن، أي: أبادت أهاليها، ودمرت من فيها، وأمَّرت عليها من يليها، وبثَّت عمَّالها في نواحيها، وأهلكت أقواماً، وأتلفت أقواماً، واستخلفت أقواماً، فهم بديل فيها للسيوف والرماح عمَّا أبادته بها من تلك الأشباح والأرواح.
على قلبِ قسطنطين منه تعجُبْوإن كان في الساقين منه كبولُ
قال أبو الفتح: تعجبٌ لما شاهده من شجاعته، وكبولٌ لأنه أسره، وقيده.
قال الشيخ: هذا تفسير أم تحيير؟ فكلاهما في معناه عسير، فلقد أومأ إلى طرفه، وعمَّى عن طُرفه، وهذا أيضاً من أسراره في أشعاره، فإن النَّاكب أبداً يكون قبيحاً في عين المنكوب، والسالب ذميماً في نفس المسلوب حتى لا يستعظم عظائمه ولا يستكثر مكارمه، ولا يتعجب من أفعاله، وإن كانت عجيبة، ولا يستغرب جميع أعماله، وإن كانت غريبة، بل يرى أفعاله صغيرة، وإن كانت كبيرة، ولئيمة وإن كانت كريمة، فلا يعجبه شيءٌ، وأفعال سيف الدولة مجاوزة معهود الطِّباع ومعتاد البشر في جميع الأنواع حتى يتعجب منها من هو في قيوده غاية مجهوده كما قال:
ومن شرف الإقدامِ أنَّك فيهمُعلى القتلِ موموقٌ كأنَّك شاكدُ
وإنَّ دماً أجريتَه بكَ فاخرٌوإنَّ فؤاداً رعتَه لكَ حامدُ
إذا كان بعضُ النَّاسِ سيفاً لدولةٍففي النَّاس بُوقاتٌ لها وطُبولُ
أغفله أبو الفتح، ولم يفسره. قال الشيخ: ما كنت لأشرح ما أغفله، غير أني رأيت كثيراً من المتَّسمين بالأدب والمتكلمين في ديوان هذا الرجل يعيبون عليه ويكثرون في هذا البيت، وينعونه، ويردون به عليه جهلاً منهم بمعناه، ومن جهل شيئاً عاداه، وغباوة منهم لأكثر معاني أبياته وقصور إفهامهم عن إدراك إبداعه، فشرحته ليرى به القادح فيه سقوطه وعجزه عن معانيه، وعساه يكفُّ عن الوقيعة في أعلام العلماء ونقيصة الفضلاء بضيق المعرفة وضعف الرأي، فما في العالمين أتمُّ نقصاُ من المنتقِّصين أولي الكمال. يقول الرجل: إذا كان بعض الناس، أي: غير سيف الدولة سيفاً لدولة إمامٍ نبغت فيها النوابغ، ونجمت فيها النَّواجم، وكثرت فيها الخوارج، وأعدَّت في الناس بوقاتٍ لتلك الدولة وطبول مناصبةٍ لها ومحاربةٍ، وقصداً إليها وطمعاً فيها وأخذاً منها، ويعجز ذلك البعض الذي هو سيف تلك الدولة عن قمعهم وتفريق جمعهم، ويقصِّر عن تلافيها وتقديم الواجب فيها حتى يستولي عليها البغاة، ويأخذها الشُّراة، فتتلاشى في حيفها بكلالة سيفها، فأما معك يا سيف الدولة فلأنك تحفظها بمائها، وتحوطها من جوانبها وأرجائها، وتمضي دونها في أعناق أعدائها، فلا ينبغُ فيها نابغٌ إلا قسرته، ولا ينجم لها ناجم إلا قتلته أو أسرته، فلا يبقى لها مُناوئٌ مناصبٌ، ولا لطرفٍ من
أطرافها غاصبٌ، وبدلُّك على ذلك ما قبله، وهو:
فدتكَ سيوفٌ لم تُسمَّ مواضياًفإنَّك ماضي الشَّفرتينِ صقيلُ
أي أمراء، لم تُسم باسمك لكلالهم ومضائِك وعجزِهم وغنائِك، وهذا كقوله فيه:
لو تحرَّفتَ عن طريقِ الأعاديربطَ السِّدرُ خيلّهم والنَّخيلُ
ودرى مَن أعزَّه الدَّفعُ عنهفيهما أنَّه الحقيرُ الذَّليلُ
يعني صاحبي العراق ومصر، فإن النخيل من شجر العراق والسِّدر من شجر مصر.
وقال في قصيدة أولها:
(دروعٌ لملكِ الرُّومِ هذي الرَّسائلُ ..................)
أتاكَ يكادُ الرَّأسُ يُجحَدُ عُنْقَهوتنقدُّ تحتَ الدِّرعِ منه المفاصلُ
قال أبو الفتح: أي يتبرأ بعضه من بعضٍ لإقدامه إلى المصير إليك هيبة لك.
قال الشيخ: لماذا يتبرأ بعضه من بعض لإقدامه، ولم يجترم جرماً يُعاقب عليه، ولا احتقب
عاراً يُلام ويوبَّخ به حتى يتبرأ بعضه من بعضٍ مخافة العقاب والإيلام أو حذار التغيير والملام؟ ولكن يكاد الرأس يبين عنه عنقه، وإذا بان عنه جحده وأنكره، ولم يعرفه، وذلك لفرط هيبته، والدليل عليه:
...............وتنقدُّ تحت الدَّرع منه المفاصلُ
أي: وتتقطع أوصاله ومفاصله لخوفه كما يكاد يبين رأسه عن عنقه لهيبته، وهذا كما قيل:
وطلَّقتِ الجماجمُ كلَّ قحفٍ ..................
وأكبرَ منه همَّةً بعثتْ بهإليك العِدا واستنظرتْه الجَحافِلُ
قال أبو الفتح: أي أكبر العِدا همته التي بعثت به إليك، أي: استعظموها، وسألته الجحافل أن يُنظرها بشغله سيف الدولة عنهم.
قال الشيخ: لم تبعثه همته إلى سيف الدولة، إنما بعثته إليه الروم، فكيف قال: أكبر العِدا همته التي بعثته إليك، وهم الباعثوه؟
ومعناه عندي: وربَّ رسولٍ أكبر من هذا الرسول همة ونفساً بعثته إليك العِدا، واستنظرته جيوشهم كما فسر، وجوابه: فأقبل من أصحابه، وهو مرسلُ، وعاد إليهم وهو عاذلُهم على تركهم المسارعة إلى طاعتك والدخول في جماعتك والاعتصام بطاعتك ليأمنوا هلاكهم، ويحموا نفوسهم وأهاليهم وأملاكهم واجتناب معارضتك بعين الخضوع والانقياد إذ لا طاقة لهم بك وبما لك من العُدد والعتاد والعساكر والأجناد.
إذا عاينتك الرُّوم هانتْ نفوسُهاعليها وما جاءت بهِ والمُراسلُ
هكذا رواه أبو الفتح (الرُّوم)، وروايتي (الرُّسل).
قال الشيخ: روايتي الرُّسل، وهو الصواب، وهذا يؤكد ما قُلنا، أي: إذا عاينتك هذه الرُّسل الرُّومية هانت عليهم نفوسهم والهدايا والرسائل التي جاءت بها، وكبيرهم الذي أرسلهم إليك وراسلَك على ألسنتِهم لرفعة مكانك.
إذا الجودِ أعطِ النَّاسَ ما أنتَ مالكٌولا تُعطينَّ النَّاسَ ما أنا قائلُ
قال أبو الفتح: أي لا تُعط الناس أشعاري فيُفسدوها بسلخِ معانيها.
قال الشيخ: ما أبعد هذا التفسير عن معناه، أكان سيف الدولة خازن أشعاره، فينسخها الناس حتى حجر عليها إنساخها؟ والمتنبي ما كان ينسخها الناس حتى لم يقف عليها أحد، ولا
ندري أيرضى الملوك بأن تخفى مدائحهم ولا تشتهر أم لا؟ ويستجيز شاعرٌ مجيدٌ أن لا تشيع أشعاره في الدهر ولا تطبق وجه الأرض؟ فإن كان الأمر على هذه الجهة فلمَ افتخرت الشعراء بضدِّها؟ كما قال البحتري:
تنالُ منالَ اللَّيلِ مِن كلِّ وجهةٍوتبدو كما تبدو النُّجومُ الطَّوالعُ
إذا ذهبت شرقاً وغرباً فأمعنتتَبَيَّنتَ مِن تزكو لديهِ الصَّنائعُ
وقال أيضاً:
على أنَّ أفوافَ القوافي ضوامنٌلشكركَ ما أبدى دُجى اللَّيلِ كَوكَبا
ثناءً تقصَّى الأرضَ نجداً وغائراًوسارت به الرُّكبانُ شرقاً ومغربا
وكما قال المتنبي:
وما الدَّهرُ إلاَّ مِن رواةِ قلائديإذا قلتُ شعراً أصبح الدَّهرُ مُنشِدا
فسارَ به من لا يسيرُ مشمِّراًوغنَّى به من لا يُغنِّي مغردِّا
وكما قال في كافور:
وشرَّق حتَّى ليس للشرقِ مشرقٌوغرَّب حتى ليس للغربِ مَغرِبُ
إذا قلُته لم يمتنع من وصولِهجدارٌ معلَّى أو خباءٌ مطنَّبُ
وكما قال فيره، وقد أخذ عنه:
تناشدَها الأنامُ وهم سُكارىومَن يصحو منَ الخمرِ الحلالِ؟
وأملاها الزَّمانُ على بنيهِبأنفاسِ الجنائبِ والشَّمالِ
وكما قال:
وجابت قوافيك البلادَ كأنَّمايرينَ بها في صبغِها مقَلةَ ابن ما
وأمثالها في الدواوين، لا يُحصى ولا يُحصر، ومعناه إن سيف الدولة كم كان يُغري به شعراءه حتى يتعرَّضوا له.
وهيهاتَ البحورُ منَ الثَّمادوهيهاتَ النُّجومُ منَ الرَّمادِ
وقصائد فيه ناطقة به، فالمتنبي يقول: أعطِ من شئت ما تملك، أي: لست أنفس بمالك على هؤلاء المتشاعرين، ولا تُلجئني بإشلاء أمثالهم عليَّ إلى مفارقتك والوفادة على غيرك ومدح سواك وإنشاد الشعر في غيرك، ويدلُّك على صحته ما بعده:
أفي كلِّ يومٍ تحتَ ضِبني شُويعرٌضعيفٌ يُقاويني قصيرُ يُطاولُ؟
لساني بنطقي صامتٌ عنه عاذلٌوقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازِلٌ
وأتعبِّ من ناداكَ من لا تُجيبُهوأغيظُ من عاداكَ من لا تُشاكلُ
وما التِّيهُ طِبِّي فيهمُ غيرً أنَّنيبغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ
أطاعتْكَ في أرواحِها وتصرَّفتْبأمرِك والتّفَّتْ عليكَ القبائلُ
قال أبو الفتح: قوله: والتفت عليك القبائل، مثل قوله فيه:
يهزُّ الجيشُ حولكَ جانبيهِكما نَفَضَت جَناحَيها العَقابُ
ويجوز أن يكون أراد إحداق أنسابها بنسبه، فأنه فيهم.
قال الشيخ: لا، ولكن التفت عليك القبائل: أي: احتفت بك والتفت عليك كما تلتفُّ الحاشية على كبيرهم والكتيبة على أميرهم، كما قال أبو تمَّام:
منقادةٌ لعارضٍ غربيبِكالشِّيعةِ التَّفت على النَّقيبِ
رأيتُكَ لو لم يقتضِ الطَّعنُ في العِداإليكَ انقياداً لاقتضتْه الشَّمائلُ
قال أبو الفتح: أي لو لم يطعك الناس هيبةً لأطاعوك محبة.
قال الشيخ: أظنُّه تفسير البيت الذي بعده، وليس بصوابٍ أيضاً ما ذكره، والبيت:
ومنْ لم تعلَّمهُ لكَ الذُّلَّ نفسُهمنَ النَّاسِ طُرَّاً علَّمتهُ المَناصلُ
فإن الرجل يقول: من لم يتذلل لك من جميع الناس بنفسه ذللته لك السيوف بمسه، وشتان الحبُّ والسيف العصيب، وما أدري كيف غيَّبه، فإما البيت الأول فهو من هذا التفسير بمكان الفلك الأثير، ومعناه عندي: رأيتك لو لم يقتضِ، ولم يأتك الطَّعن في الحرب لأتيت بالطَّبع، وبيان ذلك لو لم يقتضِ الطَّعن الانقياد والانجرار إليك والمجيء نحوك، من قدت الشيء فانقاد، لاقتضت شمائلك انقياداً إليه، فانقدت في الوغى إليه وسارعت نحوه، كقوله:
فلا تبلغاه ما أقول فإنهشجاع متى يذكر له الطعن يشتقِ
وليس هذا الانقياد من الخضوع في شيءٍ، ولا معنى له هاهنا، ولو أراده لقال لك ولا إليك.
وقال في قصيدة أولها:
(ذي المعالي فليعلُوَنْ مَنْ تعالى ..................)
أقلقتْهُ بَنِيَّةُ بينَ أُذْنّيهِ وبانٍ بغى السَّماَء فنالا
قال أبو الفتح: يعني قلعة الحدَثِ، وذكر مؤخر رأسه، لأن ذلك أبلغ في هجائه.
قال الشيخ: هذا عذره لا هجوه، يدلك عليه قوله، وهو:
لا ألومُ ابن لاوِنٍ مِلكَ الرُّومِ وإن كان ما تمنَّى مُحالا
ولم يذكر مؤخر رأسه، إنما ذكر هامته وقمَّته، وهما بين الأذنين، وما يُوضع على سواءِ الرأس لا يثبت، ولا تحسن العبارة عن البناء عليه، ومعناه: أقلقته قلعة الحدثِ التي بناها على قمَّتِه، فلا يجب أن يُلام على القلق وقلة الصبر تحتها، ويدلُّك على ذلك ما بعده:
كلَّما رامَ حطَّها اتَّسع البَنيُ فغطَّى جبينَه والقَذالا
فلو أراد بما بين أذنيه مؤخر رأسه وقذاله لما جاز أن يقول: غطى قذاله، فإنه كان
مغطى بكون البَنيِة عليه قبل أن يتسع البَني، والدليل على أنه أراد بما بين أذنيه قمَّته دون قذاله قوله: كلما رامَ، فبلغ من أمامه جبينه ومن ورائه قذاله، ولو كان على قذاله ومؤخر رأسه لغطى إذا اتسع من ورائه محاجه لا قذاله، فهذا يُبطل ما فسره فيه أوضح إبطالٍ كما ترى، ومعناه أنها مشرفةٌ على ما يخصه من مملكته فيقلقه حتى كأنها على هامته لذهاب صبره فيها، وكلما أراد أن يخربها حماها سيف الدولة، وزاد فيها من أرضه، فانبسطت وأحاطت بما أخذت خلفاً وقدّاماً، فكأنها تتسع حتى تنحدر من قمَّته، فيبلغ الجبين والقذال، ويأخذهما.
أخذوا الطُّرْقَ يقطعونَ بها الرُّسْلَ فكانَ انقطاعُها إرسالا
قال أبو الفتح: أي لما أبطأت الأخبار، وخالفت العادة، تطلَّع الناس لما وراء ذلك، فوقفوا على الخبر، فعادوا به إلى سيف الدولة.
قال الشيخ: حام حول المعنى، ولم يأت بالمنتقى، وهو يقول: أخذت الرَّوم الطُّرق حين قصدت الحدث، فلما انقطعت الأخبار والمسائلة انحبست بهم، فكان انقطاعها عنك إرسالاً إليك وإخباراً لك بعدما صار سبب علمك بهم.
وظُبىً تعرفُ الحرامَ منَ الحلِّفقدْ أفنتِ الدِّماَء حلالا
قال أبو الفتح: هذا مثلٌ ضربه، أي: سيوفه معوَّدة للضرب، فكأنها تعرف الحرام من الحلِّ.
قال الشيخ: ما أبعد ما فسره عمَّا عناه، فكأنه يقول: وسيوفٌ تعرف الدِّماء المحرَّمة، وهي دماء المسلمين، فلا تقدم على سفكها، والدِّماء المحلَّلة كدمار الرُّوم المشركين، فلا تفتر ولا تقصِّر عن سفحِها، وما فيه ضربُ مثلٍ ولا إبداع في عمل، يصفُها الدِّماء المحرَّمة وسفك
الدِّماء المحلَّلة على مقتضى الشَّريعة.
وقال في قصيدة أولها:
(ما لنا كلُّنا جوِيا رسولُ؟ ..................)
نحنُ أدرى وقد سألْنا بنجدٍ:أطويلٌ طريقُنا أم يطولُ؟
قال أبو الفتح: أي هو طويل في الحقيقة أم يطوِّله الشَّوق إلى المقصود؟ وهذا البيت يؤكد عندك ما ذكرته لك أنه أراده في قوله:
شِيَمُ الغانياتِ فيها فلا أدري لذا أنَّثَ اسمَها النَّاسُ أم لا؟
ألا تراه يقول بعد هذا؟
وكثيرٌ مِنَ السُّؤالِ اشتياقٌوكثيرٌ من ردِّهِ تعليلُ
قال الشيخ: فسره المتنبي بما بعده:
وكثيرٌ من السُّؤالِ اشتياقٌ البيت
أي نحن أعلم بمقدار المسافة بيننا وبين سيف الدولة ممن نسألهم شدة شوقٍ إلى حضرته وفرط نزاعٍ إلى معاودة خدمته، وهم يردُّون جوابنا تعليلاً وتمنيةً كما قال:
لكَ الخيرُ علِّلنا بها علَّ ساعةًتمرُّ وسهواءٌ منَ اللَّيل تذهبُ
فإذا العذْلُ في النَّدى زارَ سمعاًففداهُ العذولُ والمعذولُ
قال أبو الفتح: أي المعذول: الذي دخل العذل سمعه لا غيره ممن يردُّ العذل.
قال الشيخ: لا بل المعذول الذي يُعذل، دخل العذل سمعه ولم يدخل. ومعناه فداه العاذل والمعذول الذي يعذل على الجود، فإنه قاصر عن شأوه قاعدٌ عن أمده.
كلَّما صبَّحتْ دِيارَ عدوِّقالَ تلكَ الغُيوثُ: هذي السُّيولُ
قال أبو الفتح: يعني بالغيوث سيف الدولة وبالسيول مواليه وسلاحه، ضربه مثلاً، وذلك أن السيل عن الغيث يكون، فكذلك مواليه به قدروا وعزُّوا.
قال الشيخ: لا والله ليس مما فسره شيءٌ في البيت، ألم ير إلى الذي قبله حتى وضح له المعنى؟ وهو قوله:
وموالٍ تُحييهِمُ من يَديهِنِعمٌ غيرُهم بها مقتولُ
فرَسٌ سابحٌ ورمحٌ طويلُودِلاصٌ زَغفٌ وسيفٌ صقيلُ
ثم قال: كلما صبَّحت هذا النِّعم ديار عدوٍّ، قال: العدو: تلك الغيوث التي كان يُمطرها سيف الدولة مواليه، فتلك النِّعم هذه السيول التي صبَّحتنا، وذلك أن السيول تجتمع من الغيوث، ثم تسيل فتعمل عملها.
وقال في قطعة أولها:
(أحببتُ بِرَّكَ إذ أردتَ رحيلا ..................)
فجعلتُ ما تهدي إليَّ هديَّةًمنِّي إليكَ وظَرفَها التَّأْميلا
قال أبو الفتح: هذا البيت يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون أهدى إليه شيئاً، كان أهداه صديقه الممدوح إليه، فيكون هذا الاستعمال استعمالاً لما تركه ابن الرُّومي في قوله:
أيُّ شيءٍ أهدي إليكِ وفي وجهكِ من كلِّ ما تُهوديَ معنى؟
منكِ يا جنَّةَ النَّعيمِ الهداياأفأُهدي إليكِ ما منكِ يُجنَى؟
إلا أن المتنبي خبَّر أنه أهدى إليه ذلك الشيء بعينه، وأبن الرُّومي قال: كيف أُهدي إليك ما من عادة مثله أن يُهدى منك، فبينهما فصلُ لطيف؟ فهذا أحد المعنيين، والمعنى الآخر أن يكون أراد جعلت ما من عادتك أن تهديه إليَّ، وتزودنيه وقت فراقك هدية مني إليك، أي: أسألك أن لا تتكلفه لي، والقول الأول أشد انكشافاً وأظهر، والقول الثاني أقوى وألطف، وقوله: وظرفها التَّأميلا،
أي: جعلت تأميلي قبولك، ذلك مشتملاً على هذه الهدية كما يشتمل الظرف على ما فيه.
قال الشيخ: قبح الله القول الأول، وقد فعل، وأما القول الثاني، فهو المختار من المعاني، ولا يرتاب فيها مميزٌ، ولا يُراد لهما مبرِّزٌ.
وقال في قطعة أولها:
(قفا تريا ودْقي فهاتا المخايلُ ..................)
فقلقلتُ بالهمِّ الذي قلقَل الحشاقلاقلَ عِيسٍ كلُّهنَّ قلاقلُ
قال أبو الفتح: القلاقل: جمع قُلقُل، وهي النَّاقة الخفيفة، و (هن) من (كلهن) تعود على العيس لا على القلاقل، كأنه قال: قلاقل القلاقل، كما تقول: سراع السِّراع وخفاف الخفاف، وكذلك قولك: أفضل الفضلاء، وهو أبلغ في الوصف من أن تكون (هن) من (كلهن) عائدة على القلاقل، فتأمله يصح لك إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ: هذا وجهٌ حسنٌ، وسمعت في كلهن قلاقل، أي: كلهن حركات، جمع قلقلة لا قلقلٍ، وهذا أيضاً وجه ويُنظر إلى قوله:
ركبتُ مشمِّراً قدمي إليهاوكلّ عُذافِرٍ قلقِ الضُّفورِ
وقال في قصيدة أولها:
(صلةُ الهجرِ لي وهجرُ الوصالِ ..................)
ما تريدُ النَّوى منَ الحيَّةِ الذَّوَّاقِ حَرَّ الفلا وبردَ الظِّلالِ؟
قال أبو الفتح: أي: أيُّ شيءٍ بقي عليه بعد هذا؟ قال الشيخ: لم أفهم ما فسره به، ومعناه عندي: أنه يشكو النَّوى إذ تدور به أبداً في الآفاق، فتارة تُصليه حرَّ الهواجر وأخرى تُذيقه برد الغَدوات والعّشيَّات، فهي تقلِّبه من حالٍ إلى حال، وتقذف به ذات اليمين وذات الشِّمال، وهذا قريب من قوله:
...............وحُرَّ وجهي بحرِّ الشَّمسِ إذ أفلا
وقوله:
...............وأنصبُ حُرَّ وجهي للهجير
وقوله:
ذَراني والفلاة بلا دليلٍ ..................
والجراحاتُ عنده نغَماتٌسَبقتْ قبلَ سَيْبهِ بسُؤالِ
قال أبو الفتح: أي يلتذُّ الجراح كما يلتذُّ نغمة السائل، وقد مضى نظيره، ويجوز أن يكون المعنى أن من عادته أن يُعطي بغير سؤال، وإذا اتفق أن يسأله طالب قبل نواله ابتداء شق ذلك عليه، وبلغ منه ما تبلغ الجراحة من المجروح، ويؤكد هذا المعنى قوله أيضاً:
وإذا غَنُوا بعطائهِ عن هزّهِوالىَ فأغنى أن يقولوا: والهِ
ويؤكد المعنى الأول قوله أيضاً:
إذا سألوا شكرتَهمُ عليهوإن سكتوا سألتَهمُ السُّؤالا
قال الشيخ: القول الأول فاسد، والثاني سافر عن بعض المعنى ومخل ببعضه، وليس في البيتين اللذين استشهدهما على معنييه شهادة ودلالة على أحدهما، فتأمل البيتين والمعنيين لترى تباعدها وتنافيها والتباين الظاهر فيها، فإني لو اشتغلت بشرحها طال الكلام، وهي
أوضح من أن تُشرح، ومعناه أنه وصفه بالسماح وقلة المبالاة بالجراح، فقال: والجراحات ليست
عنده الجراحات المعروفة، فإنها لا تثني من غَربِه، ولا تؤثر في نفسه وقلبه، لكنها عنده نغمات سؤاله، سبقت قبل نواله، فهي التي تؤثر في نفسه، وتأخذ بمجامع قلبه، وتحرف جوانب صبره، وتهيّج من أسفه لتوقفه في النوال حتى يسبق بالسؤال، فالجراحات عنده هذه لا تلك.
ولهُ في جماجمِ المالِ ضربٌوقْعُه في جماجمِ الأبطالِ
قال أبو الفتح: أي: يهب الأموال، فيقتدر بذلك على رؤوس الأبطال.
قال الشيخ: هذا وجه ضعيف سخيف، فما بهبة الأموال يقدر على ضرب رؤوس الأبطال، وإن أراد بذلك تفرقة أرزاق الجند فيهم ليحاربوا، فسائر أصحاب الجيوش معه شرعٌ، وليس فيه معنى مخترع. ومعناه عندي: أنه يضرب في جماجم ماله ضرباً وقُعه في جماجم الأبطال من حيث أنه يقتلهم، فيأخذ مالهم بسيوفه ثم يفرِّقه في عطاياه، وينفقه على ضيوفه، فوقع هذا الضرب إذا في جماجمهم كما يقول:
حتَّى إذا فني التُّراثُ سوى العُلاقصدَ العُداةَ منَ القنا بطوِالهِ
وكما يقول:
بِضَربِ هامِ الكماةِ تَمَّ لهكسبُ الذي يكسبونَ بالملّقِ
إنَّما النَّاسُ حيثُ أنتَ وما النَّاسُ بناسٍ في موضعٍ منكَ خالِ
قال أبو الفتح: أي أنت الناس، فإن غبت عن موضعٍ، غاب عنه الناس.
قال الشيخ: لا كما يقول، والدليل عليه قوله: وما الناس بناسٍ في موضعٍ خالٍ منك. ليس يريد أنه الناس، ولكنه يريد أنه معنى الناس، فما هم بناسٍ دونه، فإنه إذا زال المعنى لم يبقَ في الأشباح فائدة.
وقال في أرجوزة:
(ومنزلٍ ليس لنا بمنزلِ ..................)
إذا تلا جاء المدى وقدْ تُلييُقعي جلوسَ البدويِّ المُصطلِي
قال أبو الفتح: أي إذا جاء متبوعاً لسرعته، يعني إن جثته كجثة الرجل لعظم جسمه على جدله وتعصيبه.
قال الشيخ: لا والله ما أدري بهذا التفسير، ولا بتفسير الثاني،
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع