لياليّ بعد الظّاعينين شكول
الشاعر: المتنبي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة فراق
هذه القصيدة من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة فراق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لياليّ بعد الظّاعينين شكول ... طوالٌ وليل العاشقين طويل
يــــبــــنّ لي البدر الّذي لا أريده ... ويخفين بدراً ما إليه سبيل
وما عشت من بعد الأحبّة سلوةً ... ولكــــنّــــنــــي للنّــــائبــــات حمول
وإنّ رحيلاً واحداً حال بيننا ... وفي الموت من بعد الرّحيل رحيل
إذا كان شمّ الرّوح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضةٌ وقبول
وما شرقي بالماء إلا تذكّراً ... لماءٍ به أهل الحبيب نزول
يحرّمه لمع الأسنّة فوقه ... فـــــليـــــس لظــــمــــآنٍ إليــــه وصــــول
أما في النّجوم السّائرات وغيرها ... لعــــيــــنــــي عــــلى ضــــوء الصّباح
ألم ير هذا اللّيل عينيك رؤيتي ... فــــتظهر فيه رقّةٌ ونحول
لقيت بدرب القلّة الفجر لقيةً ... شفت كمدى واللّيل فيه قتيل
"ويوماً كأنّ الحسن فيهـ، علامةٌ ... بعثت بها والشّمس منك رسول"
وما قبل سيف الدّولة اثّار عاشقٌ ... ولا طلبت عند الظّلام ذحول
"ولكــــنّه يــــأتي بكلّ غريبةٍ ... تروقــ، على استغرابها، وتهول"
رمى الدّرب بالجرد الجياد إلى العدا ... وما علموا أنّ السّهام خيول
شوائل تشوال العقارب بالقنا ... لها مرحٌ من تحته وصهيل
ومــــا هــــي إلا خطرةٌ عرضت له ... بحرّان لبّتها قناً ونصول
"همامٌ إذا ما همّ أمضى همومه ... بأرعنــ، وطء الموت فيه ثقيل"
وخيل براها الرّكض في كلّ بلدةٍ ... إذا عرّست فيها فليس تقيل
فلمّا تجلّى من دلوك وصنجةٍ ... عــــلت كــــلّ طــــودٍ رايــــةٌ ورعــــيــــل
على طرقٍ فيها على الطّرق رفعةٌ ... وفي ذكرها عند الأنيس خمول
"فما شعروا حتّى رأوها مغيرةً ... قباحاً، وأمّا خلقها فجميل"
سحائب يمطرن الحديد عليهم ... وكلّ مكانٍ بالدّماء غسيل
وأمسى السّبايا ينتحبن بعرقةٍ ... كــــأنّ جــــيــــوب الثّــــاكلات ذيول
وعادت فظنّوها بموزار قفّلاً ... وليــــس لهــــا إلاّ الدّخــــول قفول
فخاضت نجيع الجمع خوضاً كأنّه ... بكلّ نجيع لم تخضه كفيل
وكرّت فمرّت في دماء ملطيةٍ ... مــــلطــــية أمّ للبنين ثكول
وأضعفن ما خلّصنه من قباقبٍ ... فأضحى كأنّ الماء فيه عليل
ورعن بنا قلب الفرات كأنّما ... تخرّ عليه بالرّجال سيول
يطارد فيه موجه كلّ سابحٍ ... ســــواءٌ عــــليه غمرةٌ ومسيل
تراه كأنّ الماء مرّ بجسمه ... وأقــــــبـــــل رأسٌ وحـــــده وتـــــليـــــل
وفي بطن هنزيطٍ وسمنين للظّبَى ... وصمّ القنا ممّن أبدن بديل
طلعن عليهم طلعةً يعرفونها ... لها غررٌ ما تنقضي وحجول
تملّ الحصون الشّمّ طول نزالنا ... فتلقى إلينا أهلها وتزول
وبتن بحصن الرّان رزحى من الوجى ... وكـــــلّ عـــــزيــــزٍ للأمــــيــــر ذليــــل
وفي كلّ نفس ما خلاه ملالةٌ ... وفي كلّ سيف ما خلاه فلول
ودون سميساط المطامير والملا ... وأوديـــــةٌ مـــــجـــــهـــــولةٌ وهــــجــــول
لبسن الدّجى فيها إلى أرض مرعشٍ ... وللرّوم خطبٌ في البلاد جليل
فلمّا رأوه وحده قبل جيشه ... دروا أنّ كلّ العالمين فضول
وأنّ رماح الخطّ عنه قصيرةٌ ... وأنّ حديد الهند عنه كليل
فأوردهم صدر الحصان وسيفه ... فتىً بأسه مثل العطاء جزيل
جوادٌ على العلاّت بالمال كلّه ... ولكــــنّه بــــالدّارعــــيــــن بــــخيل
فودّع قتلاهم وشيّع فلّهم ... بضرب حزون البيض فيه سهول
على قلب قسطنطين منه تعجّبٌ ... وإن كان في السّاقين منه كبول
لعلّك يوماً يا دمستق عائدٌ ... فــــكم هاربٍ ممّا إليه يئول
نجوت بإحدى مهجتيك جريحةً ... وخلّفت إحدى مهجتيك تسيل
أتسلم للخطّيّة ابنك هارباً ... ويسكن في الدّنيا إليك خليل
بوجهك ما أنساكه من مرشّةٍ ... نصيرك منها رنّةٌ وعويل
أغرّكم طول الجيوش وعرضها ؟! ... عــــــليّ شـــــروبٌ للجـــــيـــــوش أكـــــول
إذا لم تكن للّيث إلا فريسةً ... غذاه ولم ينفعك أنّك فيل
إذا الطّعن لم تدخلك فيه شجاعةٌ ... هي الطّعن لم يدخلك فيه عذول
فإن تكن الأيّام أبصرن صولةً ... فقد علّم الأيّام كيف تصول
فدتك ملوكٌ لم تسمّ مواضياً ... فإنّك ماضي الشّفرتين صقيل
إذا كان بعض النّاس سيفاً لدولةٍ ... ففي النّاس بوقاتٌ لها وطبول
أنا السّابق الهادي إلى ما أقوله ... إذ القول قبل القائلين مقول
"وما لكلام النّاس فيما يريبني ... أصـــــولٌ، ولا للقـــــائليـــــه أصـــــول"
أعادي على ما يوجب الحبّ للفتى ... وأهــــدأ والأفــــكــــار فــــيّ تجول
ولا تطمعن من حاسدٍ في مودّةٍ ... وإن كنت تبديها له وتنيل
وإنّا لنلقى الحادثات بأنفسٍ ... كثير الرّزايا عندهنّ قليل
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتــــســــلم أعــــراضٌ لنــــا وعــــقــــول
فتيهاً وفخراً تغلب ابنة وائل ... فأنت لخير الفاخرين قبيل
يــــغــــمّ عــــليّاً أن يموت عدوّه ... إذا لم تــــغــــله بالأسنة غول
"شريك المنايا، والنّفوس غنيمةٌ ... فكل مماتٍ لم يمته غلول"
فإن تكن الدّولات قسماً فإنّها ... لمــــــن ورد المـــــوت الزّؤام تـــــدول
لمن هوّن الدّنيا على النّفس ساعةً ... وللبيض في هام الكماة صليل
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- السائرات: سير: السَّيْرُ: الذَّهَابُ؛ سارَ يَسِيرُ سَيْراً ومَسِيراً وتَسْياراً ومَسِيرةً وسَيْرورَةً؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيُّ، وتَسْياراً يَذْهَبُ بِهَذِهِ الأَخيرة إِلى الْكَثْرَةِ؛ قَالَ: فَأَلْقَتْ عَصا التَّسْيارِ مِنْه … (لسان العرب)
- برحتني: برح: بَرِحَ بَرَحاً وبُرُوحاً: زَالَ. والبَراحُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ بَرِحَ مكانَه أَي زَالَ عَنْهُ وَصَارَ فِي البَراحِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا بَراحَ، مَنْصُوبٌ كَمَا نُصِبَ قَوْلُهُمْ لَا رَيْبَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ فَيَكُونُ … (لسان العرب)
- حمول: حمل: حَمَلَ الشيءَ يَحْمِلُهُ حَمْلًا وحُمْلاناً فَهُوَ مَحْمول وحَمِيل، واحْتَمَلَه؛ وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: فَحَمَلْتُ بَرَّة واحْتَمَلْتَ فَجَارِ عَبَّر عَنِ البَرَّة بالحَمْل، وَعَنِ الفَجْرة بالاحْتِمَال، لأَن حَمْل … (لسان العرب)
- رحيل: (رَحَلَ) الرَّاءُ وَالْحَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُضِيٍّ فِي سَفَرٍ. يُقَالُ: رَحَلَ يَرْحَلُ رِحْلَةً. وَجَمَلٌ رَحِيلٌ: ذُو رِحْلَةٍ، إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الرِّحْلَةِ، وَالرِّحْلَةُ: الِارْتِح … (مقاييس اللغة)
- شرقي: شرق: شَرَقَت الشمسُ تَشْرُق شُروقاً وشَرْقاً: طَلَعَتْ، وَاسْمُ الْمَوْضِعِ المَشْرِق، وَكَانَ الْقِيَاسُ المَشْرَق وَلَكِنَّهُ أَحَدُ مَا نَدَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ … (لسان العرب)
- شكول: شكل: الشَّكْلُ، بِالْفَتْحِ: الشِّبْه والمِثْل، وَالْجَمْعُ أَشْكَالٌ وشُكُول؛ وأَنشد أَبو عُبَيْدٍ: فَلَا تَطلُبَا لِي أَيِّماً، إِن طَلَبْتُما، ... فإِن الأَيَامَى لَسْنَ لِي بشُكُولٍ وَقَدْ تَشَاكَلَ الشَّيْئَانِ وشَا … (لسان العرب)