من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)
القافية الميميَّة (٢)
وقال في قصيدة أولها:
(لهوى القلوبِ سريرةٌ لا تُعلَمُ ..................)
يا أختَ مُعَتنِقِ الفوارسِ في الوغَىلأخوكِ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ
قال أبو الفتح: يرميه بأخته وبالابنة، وقوله: ثم إشارة إلى المكان الذي يُخلى فيه للحال المكروهة.
قال الشيخ: لا والله ما أدري كيف أسفر عن وجوه فساده على كثرة ضروبه وتزاحم أمداده؟ معتنق الفوارس مدحٌ على كل حالٍ لا هجوٌ، وكيف يكون المهجو ممدوحاً في مصراع بيت ومهجواً في المصراع الثاني؟ وفي قوله: يا أخت معتنق الفوارس، أي دليل على رميه بها؟ فإني لا أرى فيه تصريحاً ولا تعريضاً ولا إيماءً ولا إبهاماً ولا إيحاءً، ولو اشتغلت بعد خلاَّته أضعت الوقت في إثباته، وهذا تشبيب بحبيبة قاسية القلب جافية غليظة الكبد جاسية منيعة رفيعة كقوله:
ويُضحي غُبارُ الخيلِ أدنى ستورهِ ..................
وقوله:
وما شرَقي بالماءِ إلاَّ تذكُّراً ..................
فقال: يا أخت معتنق الفوارس: البطل الذي يعتنق الفوارس في الوغى، فيقلعُهم عن سُروجهم بباعه لأخوك ثَمَّ، أي في الوغى، في ذلك المكان وحال اعتناقه
الفرسان، وهي الحال التي كلٌّ فيها محامٍ على روحه ومهجته غير مُبقٍ على أحدٍ ولا مواسٍ له أرق منك وأرحم، أي: أعطف على الناس وأرأف بالأرواح وأحسن إبقاء عليها منك على العشاق.
وقال في قصيدة أولها:
(فِراقٌ ومَنْ فارقتُ غيرُ مُذمَّمِ ..................)
فسَاقَ إليَّ العُرفَ غيرَ مكدَّرٍوسُقتُ إليه الشُّكْرَ غيرَ مُجمجَمِ
قال أبو الفتح: أي لم يكدِّره عليَّ كغيره، يعرض بمن سواه، وغير مجمجم، أي: ليس فيه عيب ولا إشارة إلى ذمٍّ، وهذا المعنى أيضاً يشهد بما ذكرته من طيِّه مديحه على الهجاء.
قال الشيخ: ما طواه على شيءٍ، ولا تعرض فيه بسيف الدولة، وإنما قال: ساق إليَّ العُرف
صافياً، وسقت إليه الشُّكر وافياً. وجمجم فلان في كلامه ومجمجمه: إذا لاكه، ولم يُفصح به.
لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنيا إذا لم تُرِدْ بهاسُرورَ محبٍّ أو مَساَءةَ مُجرمِ؟
قال أبو الفتح: كأنه خاطب نفسه كقول الأعشى:
ألم تغتمض عيناكَ ليلةَ أرمدا؟ ..................
وكقراءة من قرأ: (قالَ: اعلَم أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ). وهو أيضاً في النحو الذي ذكرته من رمزه، كأنه خاطب كافوراً، إلا تراه خلطه بخطابه إياه فيما قبل؟ ثم خاطبه أيضاً فيما بعد، فقال:
وقد وصلَ المُهرُ الذي فوقَ فَخذهِمنِ اسمِكَ ما في كلِّ عُنقٍ ومِعصَمِ
قال الشيخ: لم يخاطب به نفسه لا حقيقة ولا تشبيهاً، وما فيه رمزٌ، ولكنه من الرُّقى التي ذكرها، فقال:
وشعرٌ مدحتُ به الكركدنُّ ..................
وقد خاطب به كافوراً بلا كأنه، ويدلُّك عليه قوله قبله:
قد اخترتُك الأملاكَ فاختر لهم بِناحديثاً، وقد حكَّمتُ رأيَكَ فاحكمِ
فأحسنُ وجهٍ في الورى وجهُ مُحسِنٍوأيمنُ كفٍّ فيهمُ كفُّ منعمِ
وأشرفُهم مَن كانَ أشرفَ همةًوأكثرَ إقداماً إلى كلِّ مُعظَمِ
ثم قال:
لمن تُطَلبُ الدُّنيا إذا لم ترد بها ..................
وقد وصلَ المُهرُ الذي فوقَ فَخذهِمنِ اسمِكَ ما في كلِّ عُنقٍ ومِعصَمِ
قال أبو الفتح: أي أنت مالك كل حي فرساً كان أو إنساناً، وقد فسر هذا بقوله بعده:
لك الحيوانُ الرَّاكبُ الخيلَ كلُّهوإن كانَ بالنِّيرانِ غيرَ موَسَّمِ
قال الشيخ: هذا تفسير البيت الذي بعده الذي استشهد به، أما معنى هذا فإنه يقول: وقد وصل المهر الذي فوق فخذه من سمتك ما في كل عنقٍ ومعصمٍ، من سمتك: أي قد وسمت الأعناق بالأطواق والمعاصم بالأسورة والمِسك، فتلك سمات الأعناق، وهذه سمات المعاصم.
وقال في قطعة أولها:
(من أيَّةِ الطُّرْقِ مثْلَكَ الكَرَمُ؟ ..................)
ما أقدرَ الله أنْ يَجْزِي خليقتَهولا يصدّق قوماً في الذي زعموا
قال أبو الفتح: ما صدقوا، وللقد قامت الأدلة على كذبهم، والحمد لله سبحانه.
قال الشيخ: روايتي بالخاء لا بالجيم.
وقال في قصيدة أولها:
(حتَّامَ نحنُ نُساري النَّجمَ في الظُّلَمِ؟ ..................)
تبدو لنا كلَّما ألقَوا عمائمهَمْعمائمٌ خُلقتْ سُوداً بلا لُثُمِ
قال أبو الفتح: سوداً، أي شُعور رؤوسهم، وبلا لُثُم، أي: هم مُردٌ، يريد غلمانه.
قال الشيخ: ليس كذلك، وليس يريد المُرد بنفي اللُّثُم، لكنه لَّما ذكر العمائم ذكر اللُّثم،
لأنها معها ولازمة في العرب، فقال: تبدو كلما ألقوا عمائمهم عمائم من شعورهم: رؤوسهم ولمُمهم بلا لُثُم، لنه لا يكون مع تلك العمائم لُثم، والدليل عليه أن الأمرد يلتثم كالملتحي، فإن اللِّثام يُشد لدفع البرد أو الحر، أو الحياء والتَّنكير، والملتحي والأمرد فيهما سواء، ويدلُّك على هذا الموجب اللِّثام قوله:
وأوجهُ فتيانٍ حياءً تلثَّمواعليهنَّ لا خوفاً منَ الحَرِّ والبَردِ
صُنَّا قوائمَها عنهم فما وقعتْمواقعَ اللُّؤمِ في الأيدي ولا الكزَمِ
قال أبو الفتح: الكزم: القِصَر، أي: أيديهم قصارٌ للُّؤم.
قال الشيخ: هذا الذي ذكره ما يعرب عن معنى البيت شيئاً كما ترى، ومعناه عويص، فإنه متعلق بما قبله غامض من حيث يقول: المجد للقلم:
حتَّى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي:المجدُ للسَّيفِ ليسَ المجدُ للقلمِ
اكتب بنا أبداُ بعد الكتابِ بهِفإنَّما نحنُ للأسيافِ كالخدمِ
أسمعَتني ودوائي ما أشرتَ بهِفإن غفلتُ فدائي قِلَّةُ الفَهَمِ
منِ اقتضى بسوى الهنديِّ حاجتَهأجابَ كلَّ سؤالٍ عن هلٍ بلمِ
توهَّمَ القومُ أنَّ العجزَ قرَّبناوفي التَّقرُّبِ ما يدعو إلى التُّهَمِ
ولم تزل قِلَّةُ الإنصافِ قاطعةًبينَ الرِّجالِ وإن كانوا ذوي رحِمِ
فلا زيارةَ إلاَّ أن تزورَهمْأيدٍ نشأنَ معَ المصقولةِ الخُذُمِ
من كلِّ قاضيةٍ بالموتِ شفرتُهما بين منتقَمٍ منه ومنتقِمِ
ثم قال: صُنَّا قوائمها عنهم بترك محاربتهم لعوائق تعوق وعوادٍ تعدو، فما وقعت قوائمها مواقع اللُّؤم والكزم من أيديهم في حربنا وقتالنا، فإنهم جبناء في القتال لؤماء في الأحساب بخلاء بالنوال، فما يقع في أيديهم مواقع اللُّؤم والكزم، والعوادي التي تعدو عن قتالهم قلَّة موافقة الزمان وكثرة خلاف الإخوان وعوز مساعدة الأنصار والأعوان كقوله:
وحيدٌ منَ الخُلاَّنِ في كُلِّ بلدةٍإذا عَظُمَ المطلوبُ قلَّ المُساعِدُ
ويدلُّك عليه قوله:
هوِّنْ على بصرٍ ما شقَّ منظرُهُفإنَّما يقظاتُ العينِ كالحُلُمِ
قال أبو الفتح: شقَّ بصر الميت شقوقاً، فمعنى البيت: هوِّن على بصرك شقوقه
ومقاساة النَّزع والحشرجة للموت، فإن الحياة كالحلم يبقى قليلاً، فيزول، وقد قال أبو تمَّام:
ثمَّ انقضت تلكَ السِّنونُ وأهلُهافكأنَّها وكأنَّهم أحلامُ
قال الشيخ: سبحان الله ما أبعده عن الصواب، فكيف يتصور فيه شقوق البصر، والإنسان إذا بلغ شقوق بصره فقد مات، وفات التَّهوين وغيره على النفس؟ ولهذا قيل: شقَّ بصر الميت، ومنع من أن يُقال: شقَّ الميت بصره، لأنه يكون ويحلُّ به من غير أثر فيه وقدرة عليه، والرجل يقول: هِّون على بصرك ما شقَّ منظره عليه، ولم يسمع البيت عليه، فإنما اليقظة كالحلم تمرُّ وتنقضي، ويدلُّك عليه قوله:
كلامُ أكثرِ مَن تلقى ومنظرهُممَّا يشقُّ على الآذانِ والحدَقِ
ومعناه كقوله:
لا تلقَ دهرَكَ إلاَّ غيرَ مكترثٍما دام يَصحبُ فيه روحَكَ البدنُ
فما يديمُ سروراً ما سُررتَ بهِولا يردُّ عليك الفائتَ الحَزنُ
لباب المعنى وما يصله بما تقدمه أن يشكو الزمان وأبناءه، وأنه لا علاج لهذا الخطب غير السيف ومناصبة الحرب، ولا سبيل إليه لقلة المساعد على طلب الملك، ثم جع إلى وعظ النفس وتسليتها بهذا البيت.
القافية النُّونية
وقال في قصيدة أولها:
(الرَّأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعانِ ..................)
يتقيَّلونَ ظِلالَ كلِّ مطهَّمٍأجَلِ الظَّليمِ ورِبْقةِ السِّرحانِ
قال أبو الفتح: أي يتبعون آباءهم سبَّاقين إلى المجد والشرف كالفرس المطهَّم الذي إذا رأى الظَّليم، فقد هلك، وإذا رأى الذئب كان فكأنه مشدود بحبل في عنقه، والعرب إذا مدحوا إنساناً شبهوه بالفرس السَّابق، ويحتمل أيضاً أن يكون معناه أنهم يستظلُّون بأفياء خيلهم في شدَّة الحرِّ. يصفهم بالتَّغرُّب والتَّبدِّي.
قال الشيخ: المعنى هو الثاني، وليس الأول بشيءٍ، ولا بجائز، ومتى يجوز أن يُشبه ملك ابن ملوك وآباءهم بالبهائم؟ فكيف يحسن فيه وفي آبائه أجل الظَّليم وربقة السِّرحان؟ ولو تعجرف فيه وتعسَّف وأراده لما استعمل فيه الظِّلال، فإنها ليست من التَّقيُّل في شيءٍ، لا يُقال: فلانٌ يتقيَّل ظلَّ فلانٍ أو أبيه، ولو أراده لوضع موضعها خلال كل مطهَّمٍ وخصال كل مطهَّمٍ وفعال كل مطهَّمٍ فتبيَّنه.
يَغشاهمُ مطَرُ السَّحابِ مُفَصَّلاًبمهنَّدٍ ومثقَّفٍ وشنانِ
قال أبو الفتح: يعني بالسَّحاب الجيش، وشبهه به لكثافته قال الرَّاجز.
كأنَّهم لَّما بدوا مِن عَرعَرِمستلئمينَ لابسي السَّنوَّرِ
نشءُ سحابٍ صّيِّفٍ كَنَهوَرِ
قال الشيخ: كلا ما أراد به غير مطر السحاب. يقول: يغشاهم أي: يغشى الرُّوم في الانهزام مطر السحاب مفصَّلاً لا مجملاً كما يكون القطر، بل يقع أولاً على ما يظلُّهم من سيوفك ورماح خيلك التي ركبت أكتافهم، فتفرِّقُها وتفصِّلها هذه الأسلحة التي تكون فوق ظهورهم وهامهم في إحجامهم وانهزامهم، ثم يغشاهم بعدما تفرَّقت وفصِّلت كل قطرة منها سيفاً أو سناناً، وفيه صفةٌ لكثرتهم وتضايق الهواء عن أسلحتهم، ويدلُّك على أنه في الهزيمة قوله قبله:
فَرموا بما يرمونَ عنه وأدبروا ..................
حُرموا الذي أمَلُوا وأدركَ منهمُآمالَه من عاذَ بالحرِمانِ
قال أبو الفتح: أي حرموا الظَّفر بك، وأدرك آماله منهم من سلَم منك، لأنه حينئذ أمَّلَ
بالنَّجاة، فرجع بما أمَّله منها، وإن كان قد حرم ما كان قديماً أمَّله من الظَّفر بك.
قال الشيخ: سلم منك، ليس في البيت، وإنما حرموا آمالهم في الظَّفر بك كما فسره، وأدرك منهم آماله من عاذ بالحرمان، فرضي به إذ أدرك مأموله: لأنه قد حُرم أولاً. وروايتي: عاذ بالذَّال.
وقال:
كأنَّه زادَ حتَّى فاضَ مِنْ جسديفصارَ سُقْمي به في جسمِ كِتماني
قال أبو الفتح: كأنه، أي كأن الكتمان، فأضمره، وإن لم يجرِ له ذكر، لأنه إذا قال: كتمت دلَّ على الكتمان، وما علمت أن أحداً ذكر استتار سقمه، وأن الكتمان أخفاه غير هذا الرجل، وهو من بدائعه.
قال الشيخ: ما أدري ما هذا العمى المصَّمت، والهدى المصمت؟ وما أدري ما أقول غير أن أشرح معناه، فانظر فيه وفيما أتى به يبِن لك المحال الواضح من الشرحين، والكتمان إذا زاد حتى فاض عن الجسد فقد ظهر واشتهر. يقول الرجل:
كتمتُ حبَّك حتَّى عَنكَ تكرِمةًقُمَّ استوى فيكَ إسراري وإعلاني
أي ظهر لك لشدته وعجزي عن مكاتبته، فعلمتُه كأنه زاد أي: كأن الحبَّ لا الكتمان، فإن الحبَّ يزيد وينقص، والكتمان لا يزيد ولا ينقص حتى فاض من جسدي لعجزي عن كتمانه، فصار سَقمي بالحبِّ في جسم كتماني، فأضعفاه، وأعجزاه، وغلباه حتى ضعُف جسم كتماني عن احتمالهما، فسقط عنهما، وظهر الحبُّ.
وقال في قطعة أولها:
(إذا ما الكأسُ أرعشتِ اليدينِ .................)
أغارُ على الزُّجاجةِ وهْيَ تجريعلى شفةِ الأميرِ أبي الحُسّيْنِ
قال أبو الفتح: وهذا أيضاً من بدائعه في شعره، كأنه كنى به عن عشقِه له، كان كذاك أو لم يكن.
قال الشيخ: ما سمعنا من فسره لمعانيه بأبدع من عشق المتنبي لأمير مثله في السِّن أو قريب منه، يمدحه، وهذا الرجل يقول: أغار على الزجاجة ومحلها من شفتيه، ويودُّ لو كان زجاجة مثلها وينال مكانها لا عشقاً بل طلب خدمةٍ له وزُلفى منه، وهذا كثيرٌ في الأشعار
جداً، وقريب منه قوله:
ليتَ أنَّا إذا ارتحلتَ لك الخيلُ
وقوله:
وللحسَّادِ عذرٌ أن يشِحُّوا ..................
ويصرِّح بمعناه بما قيل. أي: أغار لبلدةٍ مسكونةٍ بيدي سواك ودرهمٍ مستخرجٍ، وما قبلُ:
أغارُ على ما بيننا أن تنوبَهُصُروفُ اللَّيالي أو يغيِّرَ حاليا
وليس في جميع هذا تصريح بالعشق ولا تعريضٌ منه.
وقال في قصيدة أولها:
(الحبُّ ما منعَ الكلامَ الألسُنا ..................)
وتوقَّدَتْ أنفاسُنا حتَّى لقدْأشفقتُ تحترقُ العواذلُ بيننا
قال أبو الفتح: أراد أشفقت أن تحترق، فحذف أن، ووجه الإشفاق على العواذل لئلا يرتابهنَّ أو ينمَّ احتراقُهنَّ على ما كانا فيه من حرارة أنفاسهما واحتدام موقعهما.
قال الشيخ: لفظ الإشفاق هنا ليس بلفظ حقيقي، إنما هو مجاز كقول عنترة:
إنِّي لأخشى أن تقولَ ظعينتي:هذا غبارٌ ساطعٌ فتَلبَّبِ
وليس معناه الخوف، إنما معناه توقُّع كون الشيء لا إشفاق عليهم من الاحتراق لطلب ديةٍ أو شيوع سرٍّ في مقةٍ، وهذا أوضح من أن يُشرح.
وكأنَّه والطَّعنُ مِنْ قُدَّامهِمتخوِّفٌ من خلفهِ أنْ يُطعنا
في بعض روايات أبي الفتح: متحرِّفٌ. قال الشيخ: وروايتي متخوِّف بالتاء والخاء والواو، أي: لا يولِّي ظهره البتة كقوله:
تقي جبهاتُهم ما في ذَراهم ..................
وإذا تحرَّف من خلفه، فقد تعطَّف وولَّى.
مَنْ ليسَ مِنْ قتلاهُ من طُلَقائهِمَنْ ليسَ ممَّنْ دانَ مِمَّنْ حيَّنا
قال أبو الفتح: يقول من أفلت من سيفه فهو طليقه، والذي لا يطيعه فهو أحد المحيّنين.
قال الشيخ: ما وفى بقسم الناس فيه حقه، فالناس بين قتيلٍ له وطليقٍ ودائنٍ وحائنٍ، فلا تخلو من هذه الأقسام الأربعة.
فطِنَ الفُؤادُ لما أتيتَ على النَّوىولما تركتَ مخافةً أنْ تَفطَنا
قال أبو الفتح: أي قد عرفت ما كان مني من شكرك والثناء عليك في حال غيبتك، ولم أتعرض لضدِّ ذلك لئلا ينمُّ إليك، أي: فلو لم أتركه إلا لهذا لتركته، وكان وشي به إليه، فكأنه مع هذا قد اعترف بتقصير كان منه ألا تراه يقول بعد:
أضحى فراقُكَ لي عليه عقوبةً ..................
قال الشيخ: هذا التفسير فاسد، لأنه يقول: قد عرفت ما كان مني من شكرك والثناء عليك في حال غيبتك، وهذا ليس مما يعبر عنه بالفطنة، إنما يعبر عنه بالسَّماع والعلم والعرفان، والبيت ناطق بالفطنة، وقوله: لم أتعرَّض لضدِّ ذلك لئلا ينمُّ إليك، أي: فلو لم أتركه إلا لهذا
فتركته أفسد وأسمج من الأول، لأن ضد الشُّكر الشِّكاية وضد الثناء الهجاء، ولا يُقال الممدوح: لم أتعرَّض لشكايتك وهجائك لئلا يبلغك، ولو لم أترك هجاءك إلا تخوُّفك لتركته، هذا ليس بكلام المكلَّفين، وهذا البيت يتعلَّق بقصة بينهما، لم أسمعها، ولا أعرف معناه لاشتباه قصته على غيره. أن هذا التفسير ليس بشيء.
وقال في قصيدة أولها:
(أفاضلُ النَّاسِ أغراضٌ لذا الزَّمَنِ ..................)
يستخبرونَ فلا أُعطيهمُ خبرَيولا يطيشُ لهم سهمٌ منَ الظِّنَنِ
قال أبو الفتح: مثل أول هذا البيت قول الرَّاجز:
وخبرٍ عن صاحبٍ لويتُوقلتُ: لا أدري وقد درَيتُ
يقول: سترت عنهم أمري مع ما فيهم من الذَّكاء والفطنة. يعظم بها قدر مطلبه ومرامه.
قال الشيخ: أي يستخبرونني فلا أخبرهم بشيءٍ، وهم يقدِّرون فيَّ، ويرون آثار العظمة والكمال وكرم الخصال وشرف الأفعال، وما تطيش سهام تُهمِهم فيَّ علي مسايرتهم حالي.
وقال في مطلع قصيدة:
قدْ علَّمَ البينُ منَّا البينَ أجفاناتدمَى وألَّفَ في ذا القلبِ أحزانا
قال أبو الفتح: أي قد علَّم البين أجفاننا والفراق، فما تلتقي سهراً وبكاءً. قال الشيخ: الرجل يقول: منَّا البين، وليس يقول: من عيوننا البين حتى يحسن فيه هذا التفسير، وإن فراقها للسهر والبكاء، ولو كان كذلك لكان كقول بشَّار:
جفِّت عيني عن التَّغميضِ حتَّىكأنَّ جفونَها عنها قصارُ
فلا تلتقي، وكذلك قول المتنبي:
بعيدةُ ما بينَ الجفونِ كأنَّما ..................
لا ولكنه يقول: قد علَّم الفراق أجفاننا فراقَّنا والبين عنَّا، ففارقتنا وبانت منَّا لكثرة البكاء كقول من تقدم:
استبقِ دمعَك لا يُودِ البكاءُ بهِواكُفف مدامعَ مِن عينيكَ تستبقُ
ليس الشُّؤُونُ على هذا بباقيةٍ ..................
وكقوله:
وقد صارتِ الأجفانُ قرحى منَ البُكاوصار بهاراً في الخدودِ الشَّقائقُ
تُهدي البوارقُ أخلافَ المياهِ لكموللمحبِّ مِنَ التَّذكارِ نيرانا
قال أبو الفتح: أي السحاب تسقيكم ويهيّج يرقُها تذكار المحب لكم.
قال الشيخ: فسر أوله، وأخلَّ بآخره، لأنه يقول: أهدت البوارق لكم الماء وللمحب من تذكاره بمعاهدكم ومرابعكم، أي: ودقها يسقيكم وبرقُها يملأ قلب العاشق نار الشوق إليكم.
وقال في قصيدة أولها:
(بمَ التَّعلُّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ؟ ..................)
تحملَّوا حملتْكمْ كلُّ ناجيةٍفكلُّ بينٍ عليَّ اليومَ مؤتَمنُ
قال أبو الفتح: هذا تشبيب قد أضمر في نفسه عتباً، وكانت عادةٌ منه، وق ذكرتها.
قال الشيخ: هذا كقوله:
وفارقتُ الحبيبَ بلا وداعٍوودَّعتُ البلادَ بلا سلامِ
وكقول من تقدمه:
وفارقتُ حتَّى ما أبالي من النَّوىالبيتان
وكقولهم:
رُوِّعتُ بالبين...
البيتان...
وكقولهم:
لا يمنعنَّك ..................
وقوله:
سهرتُ بعد رحيلي وحشةً لكمُثمَّ استمرَّ مريري وارعوى الوَسَنُ
قال في قصيدة أولها:
(عدوُّكَ مذمومٌ بكلِّ لسان ..................)
كأنَّ رقابَ النَّاس قالتْ لسيفهِ:رفيقُكَ قَيْسيٌّ وأنتَ يمانِ
قال أبو الفتح: أي لما كثر تقطيعه رقاب الناس، أغرت بين سيفه وبينه ليفترقا فتسلم.
قال الشيخ: شرحه ما قبله، وهو:
برغمِ شبيبٍ فارقَ السَّيفَ كفُّهوكانا على العِلاَّتِ يصطحبانِ
وذلك أن سيفه سقط من يده حين أُرسلت على رأسه الصخرة، فهذا يول: كأن الرقاب قالت لسيفه: شبيب قيسي، وأنتَ يمانٍ، فكيف تصطحبانِ؟ وبين قيسٍ واليمن عداوة الأبد.
أتُمسكُ ما أوليتَه يدُ عاقلٍوتمسكُ في كفرانهِ بعنانِ؟
قال أبو الفتح: يقول إذا كفر نعمتك من تُحسن إليه، لم تقبض يده على عنانه تخاذلاً وجُبناً.
قال الشيخ: المعنى غير هذا عندي، وهو أنه يقول: العاقل لا يستجيز أن تمسك يده ما أوليته شبيباً ويمسك بنانٌ في كفران ذلك إلا بلاه معانداً ومكائداً ومناصباً ومحارباً، وتصرَّف ذلك العنان في محاربة وليِّ نعمته جاحداً كافراً، وليس المعنى أنه لم يقبض يده على عنانه تخاذلاً وجُبناً، فإن يد شبيبٍ قبضت على عنانه، وحارب كافوراً، فلم تتخاذل يداه، ولم يُجبر على ما نواه حتى قُتل.
ثنى يدَه الإحسانُ حتَّى كأنَّهاوقد قُبِضتْ كانتْ بغيرِ بنانِ
رواه أبو الفتح: قَبضت بفتح القاف. قال الشيخ: يعني كفره نعمتك أدركه شؤمه حتى خذلته يده وقوته، فكأنها إذا قُبضت - بضم القاف - عن المدافعة والمكافحة لم يكن لها بنانٌ، فلم تقطع فتيلاً، ولم تُغنِ قليلاً.
وعندَ منِ اليومَ الوفاءُ لصاحبٍ؟شبيبٌ وأوفى مَنْ تَرى أخَوانِ
قال أبو الفتح: أي من ترى الصَّاحب؟ يقول: أوفى الناس غادر، لأنه جعله وشبيباً أخوين، والذي في كتابي، وكذا إن شاء الله قرأته، وأوفى من ترى بالتاء، أي ترى يا مخاطب.
قال الشيخ: أرى هذا التفسير قلقاً، وروايتي: وأوفى من يُرى بضم الياء، وأراد به كافوراً، لأنهما عاشا دهراً كأخوين في وفاء كلِّ واحدٍ منهما لصاحبه، ثم غدر شبيبٌ به.
وقال في قصيدة أولها:
(مغاني الشِّعبِ طيباً في المغاني ..................)
ولكنَّ الفتى العربيَّ فيهاغريبُ الوجهِ واليَدِ واللُسانِ
قال أبو الفتح: يعني باليد أن سلاحه السَّيف والرُّمح وسلاح من بالشِّعب الحربة والتُّرس.
قال الشيخ: ليس كذلك، لأن الأسلحة، وإن تفنَّنت فنوناً، وتنوعت أنواعاً، فإن اليد في ممارستها واحدة، سواء كانت تعمل بالرُّمح أو بالحربة، فلا يُقال لمثلها: غريبٌ، وإنما يُقال: الغريب، لما لا يكون بينه وبين صاحبه فيه مجانسة ومؤانسة، والرجل يريد بغريب اليد: أنه كاتب، وأهل الشِّعب أُميُّون، ويدلُّك عليه قوله بعده:
ملاعبُ جِنَّةٍ لو سارَ فيهاسُليمانُ لسارَ بترجُمانِ
أي: لِسنُهم ولغتُهم لا تُفهم، ولا تُعلم، وكذلك تكون كتابتهم فيكونون أمّيّين عنده.
غدوْنا تنفضُ الأغصانُ فيهِعلى أعرافِها مثلَ الجُمانِ
قال أبو الفتح: يريد ما يقع عليها من خَلَل الأغصان من ضوء الشمس.
قال الشيخ: سبحان الله، ما الشبه بينه وبين الجُمان؟ إنما هو الطَّلُّ على الأغصان كالجُمان شكلاً وصفاءً ورقةً ولوناً، يكون متعلِّقاً من الأغصان، فإذا أصابتها حركة تساقط منه، وهذا كقول ابن الرُّومي:
والطَّلُّ مثلُ اللُّؤلؤِ المنثورِمن واقعٍ منها ومن محذورِ
لها ثمرٌ تُشيرُ إليكَ منهبأشربةٍ وقفنَ بلا أوانِ
قال أبو الفتح: يريد رِقَّة العنب، وهو نحو قول البحتري:
...............في الكفِّ ماثلةٌ بغيرِ إناءِ
قال الشيخ: قالوا هذا هو العنب الرقيق القشر، وقالوا: الطَّلُّ شبهه على الأغصان بالثَّمر، وحبَّاتُه أشربةٌ عليها متدلِّيةٌ منها بلا أوانِ.
فإنَّ النَّاسَ والدُّنيا طريقٌإلى مَنْ مالهُ في النَّاسِ ثانِ
قال أبو الفتح: هذا نحو قوله لكافور:
ولكنَّه طال الطَّريقُ لوم أزل ..................
قال الشيخ: لا يتشابهان بحالٍ، فإنه يقول في كافور:
وتذلُني فيك القوافي وهمَّتيكأنِّي بمدحٍ قبلَ مدحكَ مذنبُ
ولكنه طال الطريق، البيت
أي: كان من الواجب إلا أمدح غيرك حتى كأني مذنب عندي في مدح غيرك، ولكن كان الطريق طويلاً بيننا، وكنت أقوله، ويتناهبه الناس، وهاهنا يقول: عذلني حصاني بمفارقتي شعب بوَّانٍ، وقال: أعن مثل هذا المكان يُسار إلى الطِّعان؟ واحتجَّ عليَّ بآدم ومفارقته الجنَّة، فقلت: إذا رأيت أبا شجاع سلوت عن عباد الله وعن شعب بوَّان، فإن الدنيا وأهلها طريقٌ يُعبر إلى من ليس له في الناس ثانٍ، فلا يوقف على أحدٍ، ولا يُقام بمكانٍ حتى يُبلغ، فأي شبه بين البيتين؟ وشتان ما هما.
دعتْه بموضعِ الأعضاءِ منهاليومِ الحربِ بِكرٍ أو عَوانِ
قال أبو الفتح: أي دعته السيوف بمقابضها والرِّماح بأعقابها، لأنها مواضع الأعضاء منها، وحيث يُمسك الضارب والطَّاعن، ويُحتمل أن يكون أراد: دعته الدولة بمواضع الأعضاء من السيوف والرِّماح، ومعنى دعته: اجتذبته واستمالته.
قال الشيخ: ليس في تفسيره من الصواب إلا قوله: دعته الدَّولة، ثم أفسده بقوله: بمواضع الأعضاء من السيوف والرِّماح، وحياءً له ثم حياءً، وإنما دعته الدَّولة بموضع الأعضاء من نفسها يوم الحرب بكراً كانت أو عواناً. أي: ليست تدعوه عضدها وحدها، بل أعضاءها التي بها قوامه ونظامها كالسمع والبصر واللسان والعضد واليد، وما يكفي لها ويغني عنها، ويدلُّك عليه ما تقدمه من قوله:
بعضدِ الدَّولةِ امتنعت وعزَّتوليس لغيرِ ذي عضُدٍ يدانِ
ولا قَبضٌ على البِيضِ المواضيولا حطٌّ منَ السُّمرِ اللِّدانِ
فيكون يوم الحرب عينها البصيرة وأذنها السميعة ولسانها الفصيح وعضدها القوي وساعدها الوفيَّ ويدها التي تضرب عنها بالصِّفاح، وتطعن دونها بالرِّماح.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع