تجاوز إلى المحتوى

من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)

القافية الهائية

وقال في قطعة أولها:

(أغلبُ الحيِّزينِ ما كنتَ فيهِ ..................)

ذا الذي أنتَ جَدُّه وأبوهُدِنْيةً دونَ جَدِّهِ وأبيهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغلب الحيزين ما كنت فيه»

قال أبو الفتح: أي أنت أقرب إليه وأعطف عليه من أبيه وجدِّه.

قال الشيخ: الرجل يقول: ذا الذي أنت يا سيف الدولة جدُّه وأبوه لاصق النسب دون جدِّه وأبيه، أي: ولدك وحافدتُك دونك في الشرف، فإنهم شُرفوا بك.

وقال في قطعة أولها:

(النَّاسُ ما لم يرْوكَ أشباهُ ..................)

لو كان ضوءُ الشَّمسِ في يدهِلضاعه جُودُهُ وأفناهُ

قال أبو الفتح: صاعه، وأما ضاعه يضوعه بالضَّاد معجمة، فأقلقه وحرَّكه.

قال الشيخ: روايتي ضاعه بالضَّاد المعجمة من الإضاعة.

أفرسُ مَنْ تسبحُ الجيادُ بهِوليسَ إلاَّ الحديدَ أمواهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا ألم تكنه فقلت لهم»

قال أبو الفتح: يجوز أن تنصب الحديد، لأنه خبر ليس، وفيه ضرورة، لأنه يجعل اسم ليس نكرة، وهو أمواه، وخبرها معرفة، وهو الحديد. وقد جاء مثله في الضرورة، ويجوز أن تجعل خبر ليس محذوفاً، وتنصب الحديد على أنه استثناء مقدَّم حتى كأنه قال: وليس في الأرض أمواهٌ إلا الحديد، ثم قدَّم المستثنى، والمعنى أن الجياد تمرُّ به على السلاح كما يسبح الفرس في الماء.

قال الشيخ: معناه أفرس الفرسان في أمواج السيوف، والسيوف تُشبَّه بالماء، والماء بالسيوف لكنه لما جاء بالسباحة والأمواه أخذ الكلام رونقه، وتمام أقسامه من الازدواج والحسن، وتوصف السيوف بأنها من ماء الحديد كما قيل:

...............وأَبيضُ من ماءِ الحديد صقيلُ

وكما قيل:

...............إذا ما انتضته الكفُّ كادَ يسيلُ

وكما قيل:

فلم يُوردوا ماَء المفاصلِ خيَلهملماءِ حديدٍ يستطيرُ المفاصلا

وقد يشبه الجاري بها كما قيل:

نقشنَ فرنداً في سيوفِ جداولٍوصارت لها أطواقُهنَّ حمائلا

وكما قيل:

رأيت سيوفاُ قد سللنَ على الثَّرىوصارت لها أيدي الرِّماحِ صَياقِلا
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «أكل بناءٍ أنت بانيه معجز»

وقال في مطلع قصيدة:

أوهِ بديلٌ من قولتيِ واهالِمَنْ نأتْ والبديلُ ذكراها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال أبو الفتح: ومعناه يقول: التَّألُّم لما ألاقيه من بُعدها أولى بي من التعجُّب لما أتذكَّره من أمرها، وقوله: لمن نأت والبديل ذكراها، أي: التي نأت، ومكان تذكُّري إياها توجُّعي لفقدها.

قال الشيخ: هذه العبارة مختلطة بزيادة ونقصان في بسط المعنى، والرجل يريد: قولي: أوه لفراقها بدلٌ من قولتي: واها لوصلها، وقوله: واهاً لمن نأت قبل أن نأت، وهذا البديل ذكراها، وهو أوه، وهذه كلمة توجُّعٍ، وواها كلمة تلذُّذ.

فليتَها لا تزالُ آويةًوليتَه لا يزالُ مأواها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال أبو الفتح: أي ليتها لا تفارق إدمان النظر إلى ناظري، أي: لا زالت قريبة مني ومقابلة لي، وقال: آويه، ولم يقل أويته، وإن كانت مؤنثة، لأنه أراد، فليتها لا تزال شخصاً آويه أو إنساناً آويه، كما قال:

قامت تبكِّيه على قبرهِمَن ليَ مِن بعدكَ يا عامرُ؟
تركتني في الدَّار ذا غربةٍقد ذلَّ مَن ليس له ناصرُ

قال الشيخ: روايتي: لا تزال آويةً بالتنوين، وقد خلَّص البيت من كلِّ هذا الإضمار.

تَبُلُّ خدَّيَّ كلَّما ابتسمتْمِنْ مطرٍ برقُه ثناياها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال أبو الفتح: أي بريق ثناياها، وقد دلَّ بهذه الأبيات على أنها منكَّبة عليه وعلى غاية القرب منه، وهو قريب من قوله:

وأشنبَ معسولٍ الثنيَّاتِ واضحٍسترتُ فمي عنه فقبَّل مَفرقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

قال الشيخ: هذا معنى بديع، وحاشاه أن يكون ما أنشأه في شرحه وأفشاه، فإنها لو كانت منكَّبة عليه لما كانت تبلُّ خدَّيه إلا بمدامعها أو بريقها، فإن كان قَّبل خدَّيه بدمعها، فدمع المعشوق دمعُ الفراق أو دمعُ هجرٍ أو دمع دلالٍ، وفي انكبابها عليه ما ينفي هذه الدموع الثلاثة، ولم يبقَ بعدها بلٌّ إلا بالرِّيق، فإن كان هذا المطر ريقاً فما أثرَّه وأكثره وما أكرهه

وأقذره! وإن كان المطر من جفون الرجل فما معنى الانكباب عليه، وهو يبلُّ بدموعه خدَّيه؟ فهذه من جميع الوجوه ممتنعة كما ترى، وأعجب من تفسيره استشهاده عليه بقوله: وأشنب معسول الثَّنيَّات،

ولا قرابة بينهما في الدنيا والآخرة، ومعناه أنها تبلُّ خدَّيه من مطرٍ، برقُه ابتسامها، ومن جُفون عينيه انسجامُها، والمطر إذا لمع برقُه صدق وقعُه، وفي معناه يقول:

ولمّا التقينا والنَّوى ورقيبُناغفولانِ عنَّا ظلتُ أبكي وتبسمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

وقد قيل قبله:

كأنَّ وميضَ البرقِ بيني وبينهاإذا حانَ من بعد الهُدوءِ ابتسامُها

ولكنه لَّما زاد عليه بيِّنة من حيث شفع المطر بالبرق، ثم وصف ابتسامها به ودموعه بالودق، ثم جعل وقعه ودقه في ضمان برقه ليكون أشد لوقعه، وهو النهاية في الإحسان، وقريب من معناه:

وأضرمَ أحشائي بروقُ ابتسامِهاوإن طلعت من جفنِ عيني سَحابُها
يُعجبُها قتلُها الكماةَ ولايُنظِرُها الدَّهرُ بعدَ قتلاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال أبو الفتح: يقول يُعجب الخيل أن يقتل الكماةَ كما يعجب فرسانها، ألا تراه يقول في موضع آخر؟

تحمَى السُّيوفُ على أعدائهِ معهُكأنَّهنَّ بنوهُ أو عشائرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

فإذا جاز أن يُوصف المواتُ بأن يحمى مع صاحبه، فالحيوان الذي يعرف كثيراً من أغراض صاحبه، لأنه مؤدَّب معلَّم أحرى بأن يوصف بذلك، ولا يُنظرِها الدَّهر بعد قتلاها، يعني: إذا قتل الفارس عُقرت الخيل بعده، كما قال زياد الأعجم:

وإذا مررتَ بقبرهِ فاعقر بهِكُومَ الهجانِ وكلَّ طِرفٍ سابحِ

ويجوز أن يكون أراد بالخيل: أصحاب الخيل، فيقول: إذا قتل الفارس آخر لم يلبث أن يقتل بعده لكثرة المغاورة وفشوِّ الحرب وطلب الثَّأر.

قال الشيخ: أراد بالخيل: أصحاب الخيل، نعم كما قال: فأما بعد هذا فغير ما قال، لكنه يقول: يعجبُها قتلُها الكُماة، ولا يمهلُها الدَّهر بعدها، ولا يستبقيها، بل يهلكُها ويفنيها، فليس ما يعجبُها بمُمتِعها كما يقول:

وعاد في طلبِ المتروكِ تاركُهُإنَّا لنغَفلُ والأيَّامُ في الطَّلبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

وكما قال:

وتولَّوا بغصَّةٍ كلُّهم منهُ وإن سرَّ بعضَهم أحيانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

وكما يقول:

فما يديمُ سرورٌ ما سررتَ بهولا يردُّ عليكَ الفائتَ الحزَنُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
تجمَّعت في فؤادهِ هِممٌملءُ فؤادِ الزَّمانِ إِحداها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال أبو الفتح: استعار للزمان لفظ الفؤاد لَّما ذكر فؤاده صنعةٍ أو إحكاماً.

قال الشيخ: تمام الكلام ومعناه فيما بعده:

فلو أتى حظُّها بأزمنةٍأوسعَ مِن ذا الزَّمانِ أبداها

أي: حظُّ تلك الهمم أوسع من ذا الزَّمان الذي هو فيه، أبدى تلك الهمم وأظهرها باستيلائه على الدُّنيا بحذافيرها، وضبطه لها وتحرُّفه فيها، فإن فؤاد الزَّمان ممتلئ بواحدة منها، فكيف يسع غيرها؟ ثم قال:

وصارتِ الفيلقانِ واحدةًتعثرُ أحياؤها بموتاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

عطفاً على قوله: أبداها، ومعناه: صارت الفيلقان واحدة، هذه بعض ذلك الإبداء، وهو جيش فارس والعراق، وجيش عمِّه معزِّ الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه، فقد كان بينهما من العداوة والخفيِّة ما لا يُوصف إذ كانت حشمة أبيه ركن الدولة، تغمرها وتسترها، وما يقدر أحدهما إظهارها هيبةً له، فلما مضى، وكان أخوه معزُّ الدولة قد مضى قبله فعل عضد الدولة ببنيه وولده ومملكته من الأخذ والنهب والقتل والسبي ما لا خفاء به، فأبهم المتنبي إذ كان لا يعجب الممدوح إفصاحه هيبةً لأبيه وحشمةً لعمِّه، فقال المتنبي: أبداها، وصارت عسكرا فارس والعراق واحدة له وتحت أمره بافتتاحه

لها واستيلائه عليها عاثرةً أحياؤها بموتاها التي قُتلت في ملتقاها، ودارت النَّيِّرات في فلكٍ لدولته، يريد أكابر العصر وعظماءه ساجدةً أقمار تلك النَّيِّرات، أي: ملوك بني بويه مثل معزِّ الدولة وأبنه عزّ الدولة وأخوي الممدوح مؤيد الدولة وفخر الدولة وأمثالهما لأبهاها، أي: للممدوح الفارس المتَّقي بكسر القاف، أي: لأبهاها الفارس المتّقي على وجه البدل عنه.

وصارتِ الفيلقانِ واحدةًتعثرُ أحياؤها بموتاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال أبو الفتح: أي شنَّ الغارة في جميع الأرض، فخلط الجيش بالجيش حتى لا يصير لاختلاطهما الجيشان كالجيش الواحد.

قال الشيخ: هذا كلام كما تراه واهي الأساس شديد الالتباس، لا مأخذ له ولا منفذ، وقد مرَّ تفسيره.

وكيف تخفَى التي زيادتُهاوناقعُ الموتِ بعضُ سيماها؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال أبو الفتح: الزيادة هنا السَّوط، يقول: كيف تخفى اليد التي سوطُها تقتل به، فكيف سيفُها؟

قال الشيخ: ما سمعنا بزيادة لليد، ولا بأن السَّوط معناه، فإن جاز ذلك، فالسَّيف والرُّمح أولى بأن تكونا زيادتين لها، فإنهما أقوى وأمضى وأقضى وأنكى، وروايتي زيارتها بالراء. معناه: لو أنكرت يده من حيائها عرفنا آثارها في الحرب، فكيف تخفى زيادتُها، وناقع الموت بعض علامتِها؟

النَّاسُ كالعابدينَ آلهةًوعبدهُ كالموحِّدِ اللهَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قال أبو الفتح: أي عبده مقبل بالطَّاعة عليه ومفوِّضٌ بالرَّجاء إليه، لا يلتفت إلى من سواه لإغنائه إياه عنه وغير عبده يطلب من هذا مرَّة، ويرجو هذا أخرى.

قال الشيخ: معناه عندي أنه يفتخر بخدمته، ويقول: الناس في خدمة غيره ضلالاً كالمشركين والعابدين آلهةً، ومن يخدمه ويعبده كالمؤمن الموحِّد.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قشر الفسر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.