تجاوز إلى المحتوى

من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)

القافية اللاَّميَّة (٢)

أما أنا فأعلم أن جوارح الكلاب تُوصف بالقصافة واللطافة والهيف والدقة والخفة ولحاق الآطال، ولا توصف بعظم الجُثة حتى تكون جثة واحدة منها كجثة الرجل لعظم جسمه. ومعناهما عندي: أن ذلك الكلب إذا تبع الصيد أدركه، وقد تبع بالكلاب أو بالفارس الموكل به ليأخذ عنه الصيد، ومجيؤه المدى إدراكه الصيد، وقوله:

(يقعي جلوسَ البدويِّ المُصطلِي ..................)

إقعاء الكلب أشبه شيء بجلسة البدويِّ المصطلي، وهو يكون قاعداً على أليته وقدميه رافعاً ركبتيه، والكلب إذا أقعى يكون قاعداً على آسته مُعِّولاً على يديه، وهما منتصبتان، فهو أوقع تشبيهٍ به.

يخطُّ في الأرضِ حسابَ الجُمَّلِكأنَّه من جسمهِ بمعزلِ

قال أبو الفتح: يقول هو من سرعته وحدَّته يكاد يترك جسمه، ويتميز عنه، وقد لاذ فيه بقول ذي الرُّمَّة، إلا أنه تجاوزه بقوله:

لا يَذخرانِ من الإيغالِ باقيةًحتَّى تكادَ تفرَّى عنهما الأُهُبُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

قال الشيخ: كأنه، الهاء راجعة إلى ذنبه لا إلى جسمه، وهذه صفة الذنب لا الجسم.

فحالَ ما للقفزِ للتَّجدُّلِوصار ما في جِلْدهِ في المِرجَلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أي استحال، فصار ما كان يقفز به، وهو قوائمه، وهو الذي يجدله. يعني: أنه فحص بقوائمه الأرض لما أخذه الكلب، ويجوز أن تكون ما عبارة عن الظَّبي، أي: صار الظَّبي الذي كان يقفز إلى التَّجدُّل.

قال الشيخ: ما أدري ما هذا الخبط؟ الرجل يقول: حال الظَّبي الذي كان للقفز للوقوع بالجدالة، وهي وجه الأرض، وصار جسمه ولحمه الذي كان في جلده في المرجل للطبخ.

وقال في قصيدة أولها:

(أبعدُ نأيِ المليحةِ البَخَلُ ..................)

يجذبُها تحتَ خصرِها عَجُزٌكأنَّه منْ فراقِها وجِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال أبو الفتح: يقول كأن عجزُها وجلٌ من فراقها، فهو متساقطٌ منخزلٌ، قد ذهبت منَّته وتماسكه.

قال الشيخ: المتساقط المنخزل الذاهب المُنَّة والتماسك لا يتحرك، وإنما يصفه الرجل بالثِّقل، ويجذبه لها إلى الأرض كما قال:

بانوا بخرعوبةٍ لها كفلُ ..................

وبالارتجاج والارتعاد حتى كأنه وجلٌ من فراقها، فلا يهدأ ارتعاده ارتجاجه وقلقه كما قال:

إذا ماست رأيتَ لها ارتجاجاًله لولا سواعدُها نَزوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»
أصبحَ مالاً كمالهِ لذوي الحاجةِ لا يُبتدَى ولا يُسَلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أي كل من ورد عليه أخذ من ماله بلا ابتداء من بدرٍ ولا مسألة من الوارد، فلذلك قال: أصبح مالاً كماله لذوي الحاجة، أي: فكما أن ماله لا يُستأذن في أخذه فكذلك هو أيضاً.

قال الشيخ: وصفه بأنه جاد أو بهيمة، وأنه لا يبتدئ بالعطاء على عادات الأسخياء والسُّمحاء، وبهذه الصفات لا يصبح مالاً كماله لذوي الحاجات، وقوله: فكما أن ماله لا يُستأذن في أخذه فكذلك هو أيضاً لا يُستأذن في أخذه في حمله في نقله في عقله، هذا تفسير والله عسير، وعندي أنه يقول: أصبح بجاهه مالاً لذوي الحاجات كماله، ينتفعون بجاهه كما ينتفعون بماله، ثم قال: لا يبتدئ ببذل جاهه صيانةً لماله، ويبتدئ بماله، أي: ببذل ماله، ولا يُحوج إلى سؤاله، فلا يُسأل لأنه يبتدئ بالنوال قبل السؤال، ومن أراد الانتفاع بجاهه أحظاه فيه أيضاً.

إنْ أدبرَتْ قلتَ: لا تليلَ لهاأو أقبلتْ قلتَ: ما لها كفَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال أبو الفتح: أي من حيث تأملت رأيتها مشرفةً، ويُستحب من الفرس أن تهتز مقبلة، وتنصب مدبرة.

قال الشيخ: أشار إلى المعنى، ولم يستوفه، لأنه يقول: إن أقبلت لم يُر كفلها لإشراف هاديها وعرض لوحه وارتفاع صدرها ورحبه، وإن أدبرت لم تُرَ عُنقها لعظم كفلها وإنافته وإشفائه.

إنَّكَ مِنْ معشرٍ إذا وهبواما دون أعمارهِم فقد بَخلِوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال أبو الفتح: أي بخلوا عند أنفسهم، لأنهم لم يفعلوا الواجب عليهم عندهم، ويجوز أن يكون بخلوا، أي: نسبهم الناس إلى البخل لاقتصارهم على ما دون أعمارهم إذ من عادتهم

بذل أعمارهم، والتفسير الأول أقوى.

قال الشيخ: المعنى هو الأول، وليس الثاني بشيءٍ، لأن قوله: بخلوا، لا يؤدي معنى نسبة الناس إياهم إلى البخل، والناس لا يبخلون من يقتصرون على ما دون أعمارهم في العطاء، وبذل الأعمار ليس في طوق الناس، فأما استقلال الجواد ما يجود به حتى يراه بخلاً دون عمره فجميلُ، وفي هذا الشِّعب قول القائل:

ولو لم يكن في كفِّه غيرَ روحهِلجاد بها فليتَّقِ اللهَ سائُله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»
عذرُ الملومَينِ فيكَ أنَّهما:آسٍ جبانُ ومبِضعُ بطلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»
مددتَ في راحةِ الطَّبيبِ يداًوما درى كيفَ يُقطعُ الأملُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال أبو الفتح: أي ليس من عادة الطبيب أن يقطع الآمال، وإنما من عاداته أن يقطع العروق، إلا أن عروق كفِّك تتصل بها اتصال الآمال، فكأنها آمال.

قال الشيخ: ليس من عادة الطبيب ولا من غير عادة الطبيب قطع الأمل، وما بعده

من كلامه فيه طُول ما فيه طائل، ومعناه: أن يدك أمل الناس من حيث آمالهم إليها ومقصورة عليها، فلم يدر الطبيب كيف يقطع الأمل، فإن قطع الأمل متعذر شديد جداً، فلهذا أخطأ فيه، وهو عذر بينٌ، ومنه قول الشِّيعة:

محمَّدٌ وعليكلاهما أملي

وقيل في الدعاء:

يا رجائي أملي خيرُ رجاءِ ..................

وقال في قصيدة أولها:

(بقائي شاَء ليس همُ ارتحالا ..................)

فكانَ مسيرُ عيسِهمُ ذَميلاًوسيرُ الدَّمعِ إثرَهمُ انهمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال أبو الفتح: أي سبقت دموعي عيرهم، وجازت حدَّها.

قال الشيخ: لو كان كما قال الشاعر أمامهم وقدَّامهم وقبلهم وبين أيديهم لا إثرهم، وهذا أبين مما يجوز الغلط فيه، والرجل يقول: كان مسير عيرهم سريعاً، ومسير الدمع على إثرهم أيضاً سريعاً حتى تشابها في الإجفال والانهمال.

فما حاولتُ في أرضٍ مُقاماًولا أزمعتُ عن أرضٍ زوالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال أبو الفتح: يقول إذا كان ظهره كالوطن لي فأنا، وإن جبت البلاد، كالقاطن في داره، ولأني أقطع الأماكن لست مقيماً في الحقيقة.

قال الشيخ: هذا وجه لقوله قبله:

ألفتُ ترحُّلي وجعلتُ أرضي ..................

والأوضح أن لا يوصل معنى هذا به، ولا يعطف عليه، وهذا يكون مختصاً بمعناه لأنه يقول: فما رمت مقاماً بأرضٍ من الأرضين ولا عزمت على الرحيل عنها، فكيف يرحل عنها ولم يُقم بها؟ وكيف يزمع الزَّوال عنها، ولم يُحاول المقام فيها؟ وتفسيره فيما بعده، وهو يؤيده ويصححه.

على قَلقٍ كأنَّ الرِّيحَ تحتيأُوجهِّها يميناً أو شِمالا
سِنانٌ في قناةِ بني معدٍّبني أسدٍ إذا ادَعَوا النِّزالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال أبو الفتح: بني أسد منصوب، لأنه منادى مضاف،

ومعناه إن قول بني معدٍّ، إذا ناداه الأعداء: يا بني أسد يقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان، يركَّب في قناتهم، لأنهم إذا دعوهم أرهبوا الأعداء، وأغنوا عنهم، ومنعوهم. ويجوز أن يكون (بني أسد) بدلاً من قناة بين معدٍّ، كأنه قال: سنان في قناة بني أسد الذين هم قناة بين معدٍّ، يريد نصرتهم إياهم، وهذا أقوى من الأول.

قال الشيخ: ليس يجوز أن يكون المعنى غير هذا، والأول مدخول فاسد مردود بالحجج، ولو اشتغلت بإقامتها لطال الكلام، فاكتفيت بقوله: وهذا أقوى من الأول.

وقال في قصيدة أولها:

(لكِ يا منازلُ في الفُؤادِ منازلُ ..................)

يَعْلمْنَ ذاكَ وما علمتِ وإنَّماأولادكما ببُكىً عليهِ العاقلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

قال أبو الفتح: أي منازل الحزن في قلبي تعلم ما يمرُّ بها من أمل الهوى، وأنتِ تجهلين ذاك.

قال الشيخ: ليس تقديره ما فسره من منازل الحزن، وإنما معناه يتبين من البيت الأول، وهو:

لكِ يا منازلُ في الفُؤادِ منازلُ ..................

يقول: تمثلت أنتِ يا منازل في فؤادي، ففيه لك منازل أمثالك، سكنتها من قلبي، وأقفرت أنت من أهلك الذين كانوا فيك، وهن منك أواهل بكونك فيها ولزومك لها، يعلمن ما حل بها منك وما تعذِّبينها به من الصَّبابة إلى أهلك وتذكُّر اجتماع الشَّمل في ظلِّك ووصل الأحبة فيك، كما قال غيره:

وأذكرُ أيَّامَ الحمى ثمَّ أنثنيعلى كبدي من خَشيَةٍ أن تصدَّعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»

وقول الآخر:

ألا لا تذكِّرني الحمى إنَّ ذكرَهُجوىً للمشوقِ المستهامِ المعذَّبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بنا أنت من مفجوة لم تعتب»

لأنها منازل القلب لا منازل التُّرب، وما علمت أنت شيئاً من فراق أهلك، ممَّا يعلمنه، ولا تألمين شيئاً كما يألمنه، وأولاكما بالبكاء عليه ما يعلم ما يكون به فيألم، فإذا منازلُك من قلبي أولى بالبكاء عليك منك.

وقال في قطعة أولها:

(أتاني كلامُ الجاهلِ ابن كَغَيْلَغِ ..................)

وإسحاقُ مأمونٌ على مَنْ أهانَهولكنْ تسلَّى بالبكاءِ قليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغ»

قال أبو الفتح: أي يأمنه من أهانه لسقوط نفسه، ولو قال هنا: تجمَّل بالبكاء لكان أشبه.

قال الشيخ: ليس هذا مكان التَّجمُّل، أسخن الله عين الأبعد. وما تجمل أحد في الدنيا بالبكاء، وأي جمال وتجمُّل فيه؟ وهذا هو مكان الهمِّ والحزن، إذ من يُهان يغتنم ويحزن، والمحزون يتسلى بما يمكنه، فإن أعوزته وجوه التَّسلِّي، وأعجزته طرق التَّأسي فزع إلى البكاء الذي هو عصرة الضُّعفاء وملجأ العجزة عن انتقام الأقوياء، وهو يقول: إسحاق مأمون الشر والغائلة على من أذلَّه لدناءة نفسه ولؤم أصله وسقوط قدره، ولكن استعان بالبكاء، فتسلى به قليلاً، وذاك أيضاً يسير لسوء أثر الإهانة فيه.

وقال في قصيدة أولها:

(لا تحسبوا ربعكم ولا طلَلَهْ ..................)

أُحبُّه والهوى وأدْؤرَهُوكلُّ حبٍّ صبابةٌ وولَهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: يجوز أن يكون الهوى في موضع نصبٍ، أي: وأحب هواه أيضاً، فيكون قريباً من معنى قوله:

وإنِّي لأعشقُ من عشقكمنحولي وكُلَّ فتىً ناحِلِ

ويجوز أيضاً أن يكون الهوى مجروراً، لأنه أقسم به، فكأنه قال: أحبه والهوى إني لأحبُّه، كما قال البحتري:

أما وهواكِ حِلفةَ ذي اجتهادِ ..................

قال الشيخ: المعنى هو الأول، وليس الثاني بشيءٍ كما قال البحتري:

كَلِفٌ بحبِّكِ مُولَعٌ، ويَسُرُّنيأنِّي امرؤٌ كلِفٌ بحبِّكِ مولَعُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «شوق إليك تفيض منه الأدمع»

فأما قوله: وهواك حلفة، فما أقسم بهواه أنه يهواه، وإنما أقسم به أن فراقها أذكى نار وجده، وابتلاه بُسهاده، فقال:

لقد أذكى فراقُكِ نارَ وجديوألَّفَ بين عيني والسُّهادِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما وهواك حلفة ذي اجتهاد»

ولأن يحبه ويحب هواه وأدؤره أولى وأحسن من أن يقول: أحبه وحقِّ هواه وأدؤره، فإن حبَّه بالحبِّ أولى وأحرى من أدؤره كيفما كان.

أنا ابن منْ بعضُه يفوقُ أبا الباحِثِ والنَّجلُ بعضُ مَنْ نَجلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال أبو الفتح: ومعناه أنا أفوق أبا من يبحث عني إلا أن صنعة الشعر قادته إلى هذا النظم، وليس بضرورة، قال الشاعر:

قالت: منَ أنتَ على خُبرٍ، فقلتُ لها:أنا الذي أنتِ من أعدائهِ زَعمُوا

فأتى بهذا النظم كما ترى. قال الشيخ: البيت يقتضي غير ما فسره، فإنه يقول: أنا ابن من ببعضه يفوق أبا الباحث عني، أي: بعض من أبي أشرف وأعلى من أبيه، والولد بعض الوالد، فكذلك بعضي أشرف من أبي الباحث وأعلى منه.

وربَّما أَشْهَدُ الطَّعامَ معيمَنْ لا يُساوي الخبزَ الذي آكلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال أبو الفتح: أراد ومعي فلما عادت الياء من معي على الضمير الذي في أشهد استغنى عن الواو كما تقول: مررت به على يده بازٌ، وإن شئت قلت: وعلى يده.

قال الشيخ: روايتي عن (التُّوزيِّ) عن المتنبي، وربما يشهد الطعام معي،

وقد صفا الكلام من كل هذا الكدر والهذر والمضمر والمظهر، وحصل المعنى خالصاً من الخَبث كما ترى.

مستحِيياً من أبي العشائرِ أنْأسحبَ في غيرِ أرضهِ حُلَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال أبو الفتح: أي أفعل ما ذكرت مستحيياً، يذكر بذاك سبب مقامه مع أعدائه في بلد واحد،

وقوله: في غير أرضه في المدح دون قوله:

...............إنَّ البلادَ وإنَّ العالمين لكا

لأنه جعل لأبي العشائر أرضاً محددة، وذلك ذكر أن البلاد وأهلها أيضاً له.

قال الشيخ: ما أدري ما يريد بما يفسره، وعندي إن الرجل يقول: قديماً: يشهد الطعام معي، ويظهر الجهل بي، وأعرفه شامخاً بأنفي سامياً بقدري عن مجاورته ومؤاكلته ومشاكلته نافر النفس عن مكان يجمعني ومثله، مستحيياً من أبي العشائر أن أرحل عنه، وأسحب حلله في غير حضرته، وأُبلي هباته وحباءه وخلعه في غير خدمته.

وبِيضُ غلمانهِ كنائلهِأوَّلُ مَحمولِ سَيْبهِ الحمَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال أبو الفتح: جعلهم محمولين، وإن كانوا حاملين لما معهم لأنهم حملوا أنفسهم أيضاً إليه، يريد أنه يهب نائله ومن يحمله من غلمانه، وإن شئت فقل: لما اشتملت عليهم الهبة مع المحمول صاروا كأنهم محمولون.

قال الشيخ: المعنى هو الأول بعد إسقاط اللغو من تفسيره الذي لا يقبله طبع سليم، وهو قوله: جعلهم محمولين، وإن كانوا حاملين، لأنهم حملوا أنفسهم إليه أيضاً، وبودي لو حملوا سيب أبي العشائر وتركوا أنفسهم عنده حتى يعودوا إليه من عند المتنبي، وليس الثاني بالشيء، والدليل عليه قوله: أول محمول عطاياه حاملوه. فلا يجوز من فحوى هذا الكلام أن يكونوا إلا من العطايا كقوله:

فتىً يهبُ الإقليمَ بالمالِ والقناومَن فيه من فرسانهِ وكرامِه
أأخفتِ العينُ عندهُ خبراً؟أم بَلغَ الكَيذُبانُ ما أمَلَهْ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال أبو الفتح: يعني بالعين: الرقيب، وأنَّثها لأنه شبه الرقيب بالعين، ويجوز أن يكون أراد العين نفسها، فيكون معناه: هل تبين في وجهي ما رابه؟

قال الشيخ: المعنى هو الأخير، يقول: هل أخفت عينه عنه خبري وأثري في محبته؟ أم بلغ الكاذب أمله في شأني عنده، وأثرٍ افتراه عليَّ فيه؟ كأنه رأى منه ما رابه وأنكره.

وقال في قصيدة أولها:

(لا خيلَ عندك تُهديها ولا مالُ ..................)

فإنْ تكنْ مُحكَماتُ الشُّكْلِ تمنعُنيظُهورَ جريٍ فلي فيهنَّ تَصهالُ

قال أبو الفتح: يقول إن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور، فإني أمدحك إلى أوان ذلك كما أن الجواد إذا أُشكل عن الحركة صهل شوقاً إليها، ويجوز أن يكون معناه: إن كانت حالي الآن ضيقة عن مكافأتك فعلاً جازيتك قولاً.

قال الشيخ: يصف المعنى في القول الأخير، وليس الأول بشيءٍ، لأن فاتكاً لم يكن ليجسر على مناصبة كافور وممالأته ظاهراً، وإن كان يشنؤه باطناً حتى كان ينصر عليه، ومعناه أنه يقول: إن كنت وحالي عند كافور لا تسع مكافأة الكرام فأكافئه عن أياديه، وأنا في شُكله موثقٌ لا يمكنني الجري والانقطاع عنه إليه وقضاء حقه بخدمته والمقام عليه، فإني أجازيه بتصهالٍ في شُكله بمديحه.

غَيثٌ يُبيِّنُ للنُّظَّارِ موقعُهأنَّ الغيوثَ بما تأتيهِ جُهَّالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال أبو الفتح: أي الغيث يُمطر المكان الطيب والسَّبخ جميعاً، وهو كالجهل منه، وفاتكٌ يُعطي من هو أهل العطاء، وهو ضد قوله في معاتبة سيف الدولة:

وشَرُّ ما قنصته راحتي قنصٌشُهبُ البّزاةِ سواءٌ فيه والرَّخَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قال الشيخ: شتان تفسيره، ومعناه، وما قاله الشاعر وما حكاه، فإنه يقول: فكنت منبت روضٍ الحزن باكره... البيت، هذا الغيث من الثناء الحسن الخالد الذي يفوق الرياض بنضارته وبهائه وزهره وبقائه وطيب نسيمه وذكائه، فالذي ينبته هذا الغيث لا يُنبته غيثٌ ولا مطرٌ، ولا يقدر على مثله ماء منهمر، فإن ما يُنبته يهيج، وهذا أبداً بهيجٌ، ولا يخونه الأريج، وموضع هذا الغيث المتنبي.

تُغيرُ منهُ على الغاراتِ هيبتُهومالُهُ بأقاصي الأرضِ أهمالُ

قال أبو الفتح: يقول يهابه أهل الغارات أن يتعرضوا له، فكأن هيبته تُغير على غاراتهم.

قال الشيخ: روايتي: أهمال، وهي جمع همل، وهو المال بلا راعٍ، أي: لماله راعٍ من هيبته، وعلى الخيول المغيرة مغيرة منها، أي: إن أمرهم بترك الغنائم وتسليمها إلى من يأمر بادروا إليه لهيبته.

يُروي صدى الأرضِ من فضْلاتِ ما شَرِبوامحضُ اللَّقاحِ وصافي اللَّونِ سَلْسالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال أبو الفتح: يقول إذا انصرف أضيافُه أراق بقايا ما شربوه، ولم يدَّخره لغيرهم، لأنه يتلقى كل واردٍ عليه بقرىً مُستحدث.

قال الشيخ: سبحان الله ما أطرف هذه القصة، وما أعلى هذه الهمَّة التي توكِّل عينه وعيون قومه بإراقة سُؤر كأسهم، وهل سمع بسؤر كأس الأخر حتى نفر له المتنبي، وافتخر؟ إنما يقول الرجل: يروي ضيوفه عطش الأرض من فضلات كوفة اللَّبن والخمر

لكثرتهم وكثرة ما يشربون ويُريقون من فضلاتهم كقول بعضهم:

شرِبنا وأهرقنا على الأرضِ حظَّهاوللأرضِ من كأسِ الكرامِ نصيبُ
وقدْ أطال ثنائي طولُ لابسهِإنَّ الثَّناَء على التِّنبالِ تنبالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال أبو الفتح: ومعنى البيت أن الإنسان إذا مدح شريفاً شرف شعره وإن مدح لئيماً لؤم شعره.

قال الشيخ: أسخن الله عين الأبعد، هذا الرجل يقول: قد أطال مدحي طول صاحبه: أي: طول قامته وكثرة مكارمه ومناقبه وزحمة مفاخره ومآثره. إن ثناء الطويل طويل، وثناء القصير قصير، وفيه طرفٌ من قوله:

وغالَ فضولَ الدِّرعِ من جنباتهِعلى بَدنٍ قدُّ القناةِ له قدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

ومن قوله:

وقد وجدتُ مكانَ القولِ ذا سعةٍ ..................

ومن قول الحسن بن هانئ:

...............يُناطُ نَجادا سيفهِ بلواءِ

وطول القامة ممَّا يُمدح به كقول القائل:

ولَّما التقى الصَّفَّان واختلفَ القنانِهالاً وأسبابُ المنايا نِهالُها
تبيَّنَ لي أنَّ القَماءةَ ذِلَّةٌوأنَّ أعزَّاَء الرِّجالِ طِوالُها

وقال في قصيدة أولها:

(كدعواكِ كلٌّ يدَّعي صحَّة العقل ..................)

فولَّتْ تُريغُ الغيثَ والغيثَ خلَّفتْوتطلبُ ما قدْ كانَ باليدِ بالرِّجْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

قال أبو الفتح: أي لو ظفرت بالكوفة وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد على قُربٍ.

قال الشيخ: فسر بعضاً، وأخل بعضٍ، فإنه يقول: فولَّت الكلابيَّة عائدة إلى عادتها في

البوادي طلباً للنَّجعة والغيث والكلأ، وقد خلَّفت الغيث، أي: ولاية الكوفة، وتطلب ما كان في يدها من الكوفة لو قدرت عليها بالثبات وملكتها بالسيوف الباترات بالرِّجل في الإسراع إلى الانتجاع، يسخر بهم، ويستهزئ بهم وبأنهم كانوا أهل ما يصيدونه.

وقال في قصيدة أولها:

(اِثْلِثْ فإنَّا أيُّها الطَّللُ ..................)

تُمسي على أيدي مواهبهِهيَ أو بقيَّتُها أو البدَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

قال أبو الفتح: أي تلي مواهبه أمر خيله وإبله، فتتحكم فيها كما يُقال: أمسى فلان على يدي عدلٍ، أي: قد ملك أمره عليه، وصار به أحق به منه، أي: هو يتحكم فيه وقوله: هي يعني الخيل أو الإبل أو ما يبقى منها بعدما وهبه لقوم آخرين أو البدل منها عيناً أو ورقاً أو غير ذلك.

قال الشيخ: هذه سوداء تحترق وألفاظ تختلف وتفترق، والرجل يقول: عدد الوفود العاملين دون السلاح الشُّكل والعقل لأمر حدوده وثقة وفوده بسماحته وجوده:

فَلِشُكِلهم في خيلهِ عملُولُعقلِهم في بُختِه شُغُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

ثم فسرها، فقال: تُمسي هذه الشُّكل والعُقل على أيدي مواهبه من خيله وبُخته الموهوبة، أي: تلك الشُّكل والعُقل بعينها أو ما بقي منه، والبدل عنها بعدما لم تبق منها بقية.

يُشتاقُ مِنْ يدهِ إلى سَبَلٍشوقاً إليه ينبتُ الأسَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

قال أبو الفتح: يقول كأن الرماح إنما تنبت شوقاً إلى أن تباشر يده.

قال الشيخ: روايتي عن (التُّوَّزي) عن المتنبي: نشتاق بفتح النون من يده إلي سبلٍ من دماء الأعداء شوقاً ينبت الأسل إليه أيضاً، وهذا قريب من قوله:

لعلَّ لسيفِ الدَّولةِ المَلكِ هَبَّةًيعيشُ بها حقٌّ ويهلِكُ باطلُ

ويدلُّك على قوله:

سَبَلٌ تطولُ المكرماتُ بهِوالمجدُ لا الحوذانُ والنَّفَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
وإلى حَصَى أرضٍ أقامَ بهابالناسِ من تقبيلهِ يَلَلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: يقول فكأن الناس لكثرة ما يُقبلون حصى الأرض التي هو بها بين يديه، وقد حدث فيهم انحناء وانعطاف إلى ذلك الحصى كما تنعطف الأسنان على

باطن الفم، وهذا من

اختراعات المتنبي، ويجوز أيضاً أن يكون معناه: ويُشتاق إلى حصى أرضٍ، يكون بها قد يلَّ الناس لكثرة تقبيلهم إياه، فحدث في أسناهم يلل لاعتيادهم تقبيله.

قال الشيخ: المعنى هو الأخير، وليس الأول بشيء. معناه: ويُشتاق إلى حصى أرضٍ قد يلَّ الناس بها لكثرة التقبيل، والدليل عليه وعلى بطلان تفسير الأول قوله بعده:

إن لم تخالطه ضواحكُهمفلمن تُصانُ وتُذخَرُ القُبَلُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
وإذا القُلوبُ أَبَتْ حكومتَهُرَضِيَتْ بِحُكمِ سيوفهِ القُلَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

قال أبو الفتح: يقول كأن الرؤوس لما صافحتها السيوف راضية بحكمها.

قال الشيخ: سبحان الله ما أبعده من معناه. الرجل يقول: إذا لم ترضَ القلوب بأمره وتلقته بالإباء قطعت رؤوسها لتطيعه وتنقاد له سائر الأعداء، وهذا قريب من قوله:

ومَن لم تعلِّمه لكَ الذُّلَّ نفسُهمنَ النَّاسِ طُرّاً علَّمتهُ المناصلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

وقال في أرجوزة أولها:

(ما أجدرَ الأيَّامَ واللَّيالي ..................)

لا يَتشكَّيْنَ منَ الكَلالِولا يُحاذِرْنَ منَ الضَّلالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

قال أبو الفتح: أي ليست تصلُّ، لأنها لا تخطيء الحضيض.

قال الشيخ: ولكنها لا تحاذر الضَّلال، لأنها مرمية مصابة، تتدهدى من الجبال، وبها أرماق، فكيف تشكو الكلال وتحذر الضلال؟ ويدلُّك عليه ما قبله:

فهنَّ يهوينَ منَ القِلالِمقلوبةَ الأظلافِ والإرقالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

يرقلنَ في الجوِّ على المَحالِ

ما يبعثُ الخُرسَ على السُّؤالِفحُولُه والعُوذُ والمتالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

قال أبو الفتح: فحُولُها بفتح الفاء، على أن تكون فاء الجواب كما تقول: قد أكثرت من الجميل، فالناس كلهم شاكر لك، فتأتي بالفاء، لأن فعله الجميل هو الذي كان سبب الشُّكر، فكذلك هذه الوحش إنما تمنت أن يُتحفها بوالٍ لما سمعت من أخباره العجيبة لكان وجهاً، ويكون الحُولُ جمع حائل، وهي التي حالت فلم تحمل.

قال الشيخ:

واعجبي من خالدٍ كيف لايُخطئُ فينا مرَّةً بالصَّواب؟

ليس يصفه بجميل الفعل بها، وليس يتمنى وحش نجد أن يتحفها بوالٍ لأخباره، وإنما يتمناه لتسلم

من أخطاره، ويدلُّك عليه قوله قبله وبعده، فأما قبله فقوله:

فوحشُ نجدٍ منهُ في بلبالِيخفنَ في سلمى وفي قيالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»
نوافرُ الضِّبابِ والأورالِوالخاضباتُ الرُّبدِ والرِّئالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

والظَّبيُ والخنساءُ والذَّيَّالِ

وأما بعده فقوله:

يَوَدُّ لو يتحفُها بوالِيركبُها بالخُطمِ والرُّحَّالِ
يؤمنُها من هذهِ الأهوالِويُخمِسُ الغيثَ ولا يُبالي

وماءَ كلِّ مسبلٍ هطَّالِ

فأين هذه الحال بما فسره بذلك المُحال؟ فأما فحولها، فمن فتحها فهي فاء ابتداء الاستئناف معنى من جملة كلام تقدم كقوله:

ذكرتُك والخطّيُّ...... ..................

ثم قال:

فواللهِ ما أدري وإنِّي لصادقٌأداءٌ عراني من حُبابِكِ أم سِحرُ؟

وهي جمع حائل، وهذه أولى الروايتين مطابقة العُوذ، ومن ضم الفاء فهي جمع فحلٍ.

وماَء كُلِّ مسبلٍ هطَّالِيا أقدرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

قال أبو الفتح: أي وحش هذين الجبلين على بعدهما من بلده، تمنى أن يقيم عليها والياً فتتذلَّل له ليركبها، ويأخذ خمس عشبها ومائها، ويؤمنها أن تُقصد لصيدها.

قال الشيخ: هذا نقيض ما فسره أنها تمنت أن يتحفها بوالٍ لما سمعته من أخباره العجيبة اللَّهم إلا أن يكون أراد بأخباره العجيبة وصوله إلى ما لم يصل إليه أحد قبله من الناس في الجد وغيره، وإنها لم تأمن على بعد المسافة بينها وبينه صيده لها،

فتمنت واليه من هذه الجهة، فإن أرادها، فهو صواب، ولكن وجب أن يفسر أخباره العجيبة إذ ظاهرها جميل، والدليل على ما قلنا قوله بعده:

يا أقدرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِلو شئتَ صدتَ الأُسدَ بالثَّعالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»
أو شئت غرَّقتَ العدى بالآلِولو جعلتَ موضع الإِلالِ

لآلِئاً قتلتَ بالَّلئالي

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قشر الفسر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.