تجاوز إلى المحتوى

من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)

القافية الميميَّة

وقال في قصيدة أولها:

(وفاؤكما كالرَّبعِ أشجاهُ طاسمُهْ ..................)

إذا ظفِرَتْ منكِ العيونُ بنظرةٍأثابَ بها مُعْيي المَطيِّ ورازمُهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: ومعناه إن الإبل الرَّازمة إذا نظرت إليك عاشت أنفسها فكيف بنا نحن؟

قال الشيخ: سبحان الله ما أعجب هذه القصة! ما بصر الإبل بالحسان والقباح؟ وكيف تنظر إلى المعاشيق فتعيش بها، وتظفر عيونها بالنظر إليها؟ هذا ما لم يقع في الإفهام، ولم يدر في الأوهام، ولم يُسمع بها في الجاهلية والإسلام، ومعناه إذا ظفرت عيون العشاق بنظرة منك صارت رواحلُهم بها صواحب ثواب، واستحقَّت أن تُثاب بها، ولا تُرحل، ولا تُركب، بل تسرح وتسيَّب لترعى، ولا تُكلَّف شُقَّة بعدها ولا مشقَّة، وكانت الرعب تفعل بها إذا كفتها خطباً وبلَّغتها مراداً صعباً كما قيل:

ما هيَ إلاَّ شربةٌ بالحوأبِفصعِّدي من بعدها أو صوِّبي

وكما قيل:

فإذا المطيُّ بنا بلغنَ محمَّداًفظهورهُنَّ على الرِّجالِ حرامُ
للشاعر محمد بن قمر الدين المجذوب، اقرأ القصيدة
وَتكمِلَةُ العيشِ الصِّبا وعقيبُهوغائبُ لونِ العارضينِ وقادمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قال أبو الفتح: سألته، فقلت له: أيُقال تكملة الشيء جميعه؟ فقال: هو جائز، لأنه بالجميع يكمل، وليس ما قال ببعيد. وقال: أردت بعقيبه: الشيب، لأنه يتلوه، يعني الهرم، والهاء في (وقادمه) عائدة على اللون يعني السَّواد والبياض.

قال الشيخ: هذا كلام مختلط لفظاً ومعنى، وأظنه سمع منه كما قاله على تنقيح وتهذيب وحسن ترتيب فلم يحفظه. والدليل عليه أن الشيب لا يتلو الصِّبا حتى يكون عقيبه، فإن الشباب واسطة بين الصِّبا والشيب، وما أعرف لقوله: لأنه يتلوه يعني الهرم معنى وما بعده، وقوله: الهاء عائده على اللون صحيح، فأما قوله يعني السَّواد والبياض نمط قبيح من حيث خلط هذا بذلك حتى اختلطا فشمطا، ولم يجد ترتيباً. والمعنى كمال العيش الصِّبا وعقيبه أي الحظُّ وشرخ الشباب،

وغائب لون العارضين وغيبوبته في الشعر الأسود وقت الاجتماع، وقادمه الشيب الذي يتلوه، فمن استكمل هذه الأقسام الأربعة فقد استكمل العيش.

على عاتقِ المَلْكِ الأغرِّ نجادُهُوفي يدِ جبَّارِ السَّماواتِ قائمُهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: الملك برفع الميم لا غير.

قال الشيخ: روايتي الملك بفتح الميم، يعني الخليفة، والدليل على صحته أنه سيف دولته، والمُلك لا يتقلَّد السيف، إنما يتقلَّده المّلك. يقول: قائمه في يد الله ونجاده على عاتق خليفة الله، كما قال:

إنَّ الخليفةَ لم يسمِّكَ سيفَهاحتِّى بلاكَ فكنتَ عينَ الصَّارمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا منك بين فضائل ومكارم»
فإذا انتضاكَ على العدى في معركٍهلكوا وضاقت كفُّه بالقائمِ

وكما قال:

فوا عجبا من دائلٍ أنتَ سيفُهأما يتوقَّى شَفرتَي ما تقلَّدا؟
ويستكبرونَ الدَّهرَ والدَّهرُ دونَهويَستعظمونَ الموتَ والموتُ خادمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قال أبو الفتح: أي إذا أراد قتل عدوٍّ قتله، فكأن الموت يُطيعه.

قال الشيخ: هذا التفسير فاسد بقوله قبله، فإنه إذا كان قاتل فأبة خدمة للموت فيه؟ والمعنى إنه يخدمه الموت في المعارك بمساعدة جيشه على أعدائه فينفيهم، وإذا أراد قتل عدو سبقه به الموت فكفاه شغله كقوله:

تغدو المنايا فلا تنفكُّ واقفةً ..................

وكقوله:

إذا فاتوا الرِّماحَ تناولتهم ..................

وكقوله:

ودَى ما جنى قبلَ المبيتِ بنفسهِولم يدهِ بالجاملِ العَكَنانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
ولم يدرِ أنَّ الموتَ فوقَ شَواتهِمعاُ جناحٍ محسنِ الطَّيرانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

وقوله:

فمالكَ تُعنى بالأسنَّةِ والقناوجدُّك طعَّانٌ بغيرِ سنانِ؟
ومالكَ تختارُ القِسيَّ وإنَّماعن السَّعدِ يُرمَى دونَك: الثَّقلانِ؟
لوِ الفَلَكُ الدَّوَّارُ أبغضتَ سعيَهلعوَّقه شيءٌ عنِ الدَّورانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

وقال في قصيدة أولها:

(إذا كان مدحٌ فالنَّسيبُ المُقدَّمُ ..................)

أطعتُ الغواني قبلَ مطمحٍ ناظريإلى منظرٍ يصْغُرنَ عنه ويعظُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

قال أبو الفتح: أي أطعتُهن، وأنا حدثٌ قبل أن أتعرض للأمور العالية، فلما قصدتها تركتُهن. وقوله: يصغُرن عنه وأعظم، يقول: هو وإن كبر عنهن، فإنه صغير عندي، والتقدير وأعظم عنه، فحذفه لتقدم ذكره.

قال الشيخ: لا والله إن دريت ما فسره،

ومعناه عندي أنه شبب في هذه القصيدة بحب سيف الدولة بدل النَّسيب بالحِبَّة، وقال: إذا كان مدح فالنَّسيب المقدَّم، ثم قال على وجه الإنكار:

...............أكلُّ فصيحٍ قال شعراً مُتيَّمُ؟
لحُبُّ ابن عبد اللهِ أولى فإنَّهبه يُبدأُ الذِّكرُ الجميلُ ويُختَمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: أطعت الغواني في حبِّهنَّ، والتَّشبيب بهن قبل أن طمحت إلى شخص سيف الدولة الذي يصغرن عنه، ويعظم ذلك المنظر من هذا، فحوَّلت التَّشبيب عنهن إلى حبِّه، فابتدأت به، واختتمت به، ويدلَّك عليه البيتان المتقدمان. وروايتي يعظم بالياء، أي بالجمع بينه وبينهن في شعر بالتَّشبيب بهن والمدح.

فجازَ له حتَّى على الشَّمسِ حُكْمُهوبانَ له حتَّى على البدرِ مِيْسَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

قال أبو الفتح: الميسم: الحسن، أي فاق البدر في الحسن. قال الرَّاجز:

يفضلُها في حسبٍ وميسَمِ

قال الشيخ: المعنى عندي بخلافه، والميسم: المَكوى الذي يُوسم به، يقال للكيِّ أيضاً: ميسم، فهو يقول: فجاز له الحكم على الخلق أجمع حتى على الشَّمس فتتصرف بإذنه، كما قال في كافور:

ولا تُجاوِزُها شمسُ إذا شرَقتإلاَّ ومنه لها إذنٌ بتغريبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

وبان له كيُّ على الأشياء توسم به حتى على البدر، فإنه على بُعد محلِّه أيضاً تحت ميسمه، وأراد به الكلف الذي فيه كأثر الميسم، كما قال أيضاً في كافور:

وقد وصلَ المُهرُ الذي فوقَ فخذهِمنِ أسمِك ما في كلِّ عُنقٍ ومعِصَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
لكَ الحيوانُ الرَّاكبُ الخيلَ كلُّهوإن كانَ بالنِّيرانِ غيرَ مُوسَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
تساوتْ به الأقطارُ حتَّى كأنَّمايجمِّعُ أشتاتَ الجبالِ وينظِمُ

قال أبو الفتح: أي تُحيط خيله بالجبال، وهو كالجبل، فكأنه يؤلف بينها لسعته وكثافته.

قال الشيخ: روايتي أشتات البلاد، وهذا الشرح بعيد من معناه خسيس كما تراه، والرجل يقول: عمَّ جيشه الأرض بحذافيرها حتى تساوت به آفاق الأرض وأقطارها لعمومه لها واشتماله عليها حتى كأنه يجمع أشتات البلاد وتفاريقها وينظمها في سلك من جيشه كما قال أيضاً فيه:

خميسُ بشرقِ الأرض والغربِ زحفُهوفي أُذنِ الجوزاءِ منهُ زمازمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

إلا أن هذا المعنى أبلغ من الأول المعنى أبلغ من الأول، لأنه جمع المشرق والمغرب في زحفه، وبلغ به السماء حتى وصف أصواته ببلوغها ووقوعها في أذن الجوزاء، وخصها من بين سائر البروج لأنها على صورة الإنسان كما يقال.

على كلِّ طاوٍ تحتَ طاوٍ كأنَّهمنَ الدَّمِ يُسقَى أو منَ اللَّحمِ يُطْعَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

قال أبو الفتح: وقوله من الدَّم يُسقى أو من اللحم يُطعم يحتمل أمرين: أحدهما أنه يغتذي لحم نفسه ويشرب من دمها، فقد ازداد ضُمره وهُزاله وطواه إذ ليس له غذاء ولا مشرب إلا من جسمه.

والآخر أن يكون كأن مطعمه من لحوم الأعداء ومشربه من دمائهم، فهو يقحم عليهم، ويوغل في طلبهم لخمصِه ليدرك مأكله ومشربه من أعاديه.

قال الشيخ: المعنى الأول الذي شرحه هجاء بحت، والثاني مُحال محض، وذلك أن الخيل التي تحتاج إلى اغتذاء لحمها وشرب دمها مضاعة غير مُتعاهدة ولا معلوفة ولا مسقيَّة ولا مألوفة حتى إذا طالت عليها هذه الحالة عجفت وسقطت قواها، وخانت نفوسها شواها، فكأنها أكلت لحمها، وشربت دمها من حيث لم يبق لها طَرَقٌ ولا قوة، وهذا هو النهاية في اللُّؤم والخسة والحُمق والذِّلة.

والثاني أنها لا تُطعم اللحم ولا تشرب الدَّم ولا تُضمر بهما ولا تُخمَّص، وهو قد بتَّ القول به، وهو يقول: على كل طاوٍ تحت طاوٍ، وتمت هنا صفة الفارس والفرس، وذلك أن الفارس يوصف بأنه دقيق

الخصر ضربٌ خفيف الجسم كما قال البحتري:

إذا أثقلَ الهِلباجُ أحناَء سرجهِغدا طِرفُه يختالُ بالمرهفِ العَضبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «رأى البرق مجتازا فبات بلا لب»

والفرس يوصف بالضُّمر كقول الأول:

لو يشَا طارَ به ذو ميعةٍلاحقُ الآطالِ نَهدٌ ذو خُصَل
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «فارس ما غادروه ملحما»

وكقول القائل:

...............وهنَّ منَ التَّعداءِ قُبٌّ شوازبُ

وكقول المتنبي:

وشُزَّبٌ أحمتِ الشِّعرى شكائِمَهاووسَّمتها على آنافِها الحَكَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وقوله:

............... ...... والمطهَّمةَ القُبَّا

ثم قال: كأنه من الدَّم يُسقى أو من اللحم يُطعم لإلفه لهما وأُنسه بهما وقلة نفاره عنهما لاعتياده كثرة رؤيتهما في وقعاته ومرونه على دوام مشاهدتهما في غزواته كما يقول فيه:

وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهمتركتَ جَمعَهمُ أرضاً بلا رجلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»
ما زالَ طرِفُكَ يجري في دمائِهمُحتَّى مشى بكَ كَشيَ الشَّاربِ الثَّمِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

وكقوله فيه:

تعوَّد أن لا يقضِمَ الحَبَّ خيلُهإذا الهامُ لم ترفع جُنوبَ العلائقِ
ولا تردُ الغدرانَ إلاَّ وماؤُهامنَ الدَّمِ كالرَّيحانِ تحتَ الشَّقائِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

وقال في قصيدة أولها:

(واحرَّ قلباهُ ممَّنْ قلبُه شبمُ ..................)

رجلاهُ في الرَّكضِ رجْلٌ واليدانِ يدٌوفعلُه ما تريدُ الكفُّ والقدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قال أبو الفتح: يصف استواء وقع قوائمه وصحة جريه كما قال جرير:

من كلِّ مشترفٍ وإن بعدَ المدىضرمِ الرَّقاقِ مناقلِ الأجرالِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار رسومهن خوالي»

أي: يتوقى في جريه وطء الصخور لحذقه به، وقوله: وفعله ما تريد الكفُّ والقدم، أي: جريه يغنيك عن تحريك السَّوط والقدم.

قال الشيخ: هذا وجه، والمعنى عندي أنه يصفه بلين العنق، والمعاطف، أي: يدور كما يُدار عنانه، ويعمل كما يستعمله القدم من أنواع الجري والطُّمور والحُضر وغيرها بتثقيل ركابه وتخفيفه كما يقول:

تثنَّى على قدرِ الطّعان كأنَّمامفاصلها تحتَ الرِّماحِ مراوِدُ
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «بنفسي هيفاء المعاطف ناهد»

وقوله:

يحكُّ أنَّى حكَّ الباشقِ

ومُرهفٍ سرتُ بينَ الموجتينِ بهحتَّى ضربتُ وموجُ الموتِ يلتطمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: يعني سيفاً شقَّ به صفَّين، فضرب به، وأراد بالموج: الأمواج، فوضع الواحد موضع الجماعة، ألا ترى أنه قال:: يلتطم، والالتطام لا يكون من واحد، ويدلُّك على أنه قد أراد ما فوق الواحد: قوله سرت بين الموجتين، وقد يجوز أيضاً أن يكون الموج جمع موجة.

قال الشيخ: روايتي بين الموكبين به، وهذا أحسن وأولى من جمع هذه الأمواج كلها، فإن في قوله: بين الموجتين وموج الموت سخافة بيِّنة، والموج جمع موجة هنا لا غير.

يا من يعِزُّ علينا أنْ نفارقَهمْوِجدانُنا كلَّ شيءٍ بعدَكمْ عدَمُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «قاضي القضاة بيمنى حكمه القلم»

قال أبو الفتح: هذا نُحو قوله أيضاً في فاتك:

عدمُته وكأنِّي سرتُ أطلُبهفما تزيدُنيَ الدُّنيا على العَدَمِ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

قال الشيخ: هذا قريب منه، لكنه يحتاج إلى بسطٍ، لأن فيه زيادة معنى، وذلك أنه يقول في فاتكٍ: عدمته، وكأني أطلبه بقطعي الأرض، فلا أجده، ويقول في هذا البيت:

يا من يعزُّ علينا فراقهم، كلُّ موجودٍ لنا بعدكم عدمٌ بالقياس إليكم إّ لا مخدوم بالقياس إلى خدمتكم مخدوم، ولا جاه بالقياس إلى جاه قربكم، جاه ولا نوال بالقياس إلى نوالكم نوال، ولا حال في جنب حالكم حال، فإذا وجدانُنا كل ما نجد بعدكم عدمٌ لا وجود.

بأيِّ لفظٍ تقولُ الشِّعرَ زعنفةٌتجوزُ عندكَ لا عُرْبٌ ولا عَجمُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قال أبو الفتح: الزِّعنفة بكسر الزَّاي واحدة الزَّعانف، وهو سُقَّاط الناس وسفلتُهم، وأصله من زعنفة الأديم، وهو ما يسقط منه إذا قُطع، فشُبه به رُذال الناس، وبالفتح: التَّزيين. يقول: ليست فيهم فصاحة العرب ولا تسليم العجم الفصاحة للعرب، فليسوا شيئاً.

قال الشيخ: بأي لفظ يقول الشعر سُقَّاط الناس؟ تجوز عندك لا عربٌ ولا عجم، أي: لا عربي ولا عجمي، بل ألفاظ كألفاظ أهل السَّواد والزُّطِّ والأنباط، لا من ألفاظ العرب ولا من ألفاظ العجم.

وقال في قصيدة أولها:

(على قدرِ أهل العزمِ تأتي العزائمُ ..................)

هلِ الحدثُ الحمراءُ تعرفُ لونَهاوتعلمُ أيُّ السَّاقيينِ الغمائمُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال أبو الفتح: أي لا تعرف لونها، لأنه قد بناها غير البناء الأول، لأن الحجر الذي بُنيت به كان أحمر اللون، ويجوز أن يكون سمَّاها حمراء لأن الدِّماء أُريقت بها.

قال الشيخ: المعنى ما أشار إليه أخراً، ولم يستقصِه، وما الأول بشيء، لأن البناء لو بُني ألف مرة من تربة واحدة، لم يتغير لونه، وما الذي يوجب في بنائها لها ثانياً أن تنكر لونه ولا تعرفه؟ ومن يقول: إن الحجر الذي بنيت به كان أحمر؟ وهبه كذلك لمَ لا تعرف لونها لحمرة حجارة بُنيت منها؟ على أن الحجارة التي تنصب بها الأبنية تُطين بعدها، فيغيِّر الطِّين ألوانها. هذه كلها فاسدة كما ترى، والمعنى أن سيف الدولة أراق بها من الدِّماء الرَّويَّة ما اختضبت به تلك البقعة عُلواً وسُفلاً، فاحمرت هذه البنيِّة، وتغير لونها بخضاب الدِّماء، والرجل يقول: تعرف لونها، فإنه ليس لونها الذي كان من قبل، والدليل عليه المصراع الثاني وما يتلوه، وهو قوله:

.........وتعلمُ أيُّ السَّاقيينِ الغمائمُ؟

سقاها الغمامُ الغُرُّ قبلَ نزولهِ ..................

فغسلها وصفَّ لونها.

...............فلَّما دنا منها سقتها الجماجمُ

فخضبتها، وغيرت لونها، وجعلتها حمراء، فهل تعرف لونها؟ فإنها ساعة تكون كذا في سفح الغمائم، وساعة كذا في سقي الجماجم، فقد حارت في لونيها وساقييها، فما تدري أيهما لونُها، وأيهما ساقيها.

وكانَ بها مثلُ الجنونِ فأصبحتْومِنْ جُثّثِ القتلى عليها تمائمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال أبو الفتح: يقول لما قتل الرُّوم بها، وصاروا مثل العُوذ لها كانت كأنها قبلَ ذلك كانت ذات جنون، وقد لاذ فيه بقول أبي تمَّام:

تكادُ عطاياهُ يُجَنُّ جُنُونُهاإذا لم يُعِّوذها بنغمةِ طالبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

قال الشيخ: قوله كأنها قبل ذلك كانت ذات جنون، لِمَ كانت ذات جنون؟ وما الذي حل بها حتى جَنَّت به؟ وهذا شرح يحتاج إلى شرح، ومعناه: إن الرُّوم كانت استولت عليها، فزالت عن أيدي المسلمين، وصارت في أيدي الكافرين، وكان بها مثل الجنون لزوالها عن يد

الحقِّ وانتقالها إلى يد الباطل، فأصبحت في تمائم من جثث القتلى من الرُّوم وعُوذ من جيفها، ثَفتها غواشي الجنون بعدها، ويُعيذُها من أن يلمَّ بها، وهذا كما قيل:

فليتكَ حولي ما تُفارقُ مضجعيوفيها شفاءٌ للذي أنا كاتمُ
كأنِّيَ ملحوظٌ منَ الجِنِّ نظرةًوهنَّ حواليَّ الرُّقى والتَّمائمُ

والدليل على صحة ما قُلنا أنه يقول فيها:

طريدةُ دهرٍ ساقَها فرددتَهاعلى الدِّين بالخَطِّيِّ والدَّهرُ راغِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»
تُفيتُ اللَّيالي كلَّ شيءٍ أخذتَهوهنَّ لِمَا يأخذْنَ منكَ غَوارِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال أبو الفتح: أخذنه بالنون. قال الشيخ: سمعته بالنون والتاء، والتاء أبلغ في المدح وأحسن وأعظم في القدرة

لسيف الدولة، وذك أنه يقول: تُفيت الليالي أنت يا سيف الدولة كل شيء أخذته، فما تقدر الليالي على ارتجاعه عنك، وهنَّ لما يأخذن منك غوارم بعجزها عنك، فتحتاج تردُّها راغمة وتغرمه صاغرة كما رُدَّت الحدث إليك، فكلا طرفي روايتي التاء مدح سيف الدولة، والطرف الأول في رواية النون صفة أو مدح الليالي، والثاني مدح سيف الدولة.

وقدْ حاكموها والمنايا حواكمٌفما ماتَ مظلومٌ ولا عاشَ ظالمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال أبو الفتح: أي لما ظموا وعتوا بقصدهم هدمها أهلكهم سيف الدولة، وسلِمَ أصحابه.

قال الشيخ: المعنى غيره، وهو أن الرُّوم حاكموا الحدث إلى المنايا ظالمين، فعاش المظلوم، وهو الحصن بمن فيه، ومات الظالم، وهو من قصدها باغياً.

خَميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُهوفي أُذنِ الجوزاءِ منه زمازمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال أبو الفتح: جعل للجوزاء أُذناً استعارة، أي لو كانت لها أُذن لسمعت بها. قال الشيخ: ليس كذلك، ولو كان كذلك لما خصَّ الجوزاء دون سائر البروج، فإن الاستعارة جائزة في الجميع، وقد مر شرحه في شرح قوله:

تساوت به الأقتارُ حتَّى كأنَّهيُجمِّعُ أشتاتَ الجبالِ وينظُمُ
تجاوزتَ مقدارَ الشَّجاعةِ والنُّهىإلى قولِ قومٍ أنتَ بالغيبِ عالمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال أبو الفتح: في أخر هذا البيت بعض المنافرة لأوله، لأن الشجاعة لا تُذكر مع علم الغيب، ولولا أنه ذكر النُّهى، وهو العقل لكان الأمر أشدَّ تبايناً لأن العاقل عالم بأعقاب

الأمور، ولو كان موضع الشجاعة الفطانة لكان أليق بعلم الغيب، إلا أنه كان في ذكر الحرب، فكانت الشجاعة من ألفاظ وصفها، ويجوز أن يكون ذكر الشجاعة مع علم الغيب، لأنه كأنَّه عرف ما يصير إليه، فتشجع، ولم يحذر الموت.

قال الشيخ: ما فيه من المنافرة شيء وقد ذكر الشجاعة في موضعها وعلم الغيب في موضعه، وما فيه مكان تعيير ولا تغيير، على أن الشارح تلافاه في أخر كلامه، وما استوفاه، فإنه يقول: تجاوزت مقدار الشجاعة والعقل في وقوفك حيثما وقفت في ذلك المأزق إلى قول قومٍ ينسبونك إلى علم الغيب، فإن من لم يكن عاقلاً عالماً بالغيب موقناً بأنه لا يُصاب ولا يُؤسر ولا يُجرح ولا يُقسر ولا يُهزم ولا يُكسر لم تُطاوعه نفسه

ولم يُساعده قلبه على الوقوف حيث وقفت، فإن ذلك مجاوز حدَّ الشجاعة وحدَّ العقل، فلا يقتضيه أحدهما بحالٍ، ويدلُّك عليه ما يتقدمه، وهو قوله:

وقفتَ وما في الموتِ شكٌ لواقفٍكأنَّك في جفنِ الرَّدى وهو نائمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»
بضربٍ أتى الهاماتِ والنَّصرُ غائبٌوصار إلى اللَّبَّاتِ والنَّصرُ قادمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال أبو الفتح: يقول إذا ضربت عدواً، فحصل سيفك في رأسه لم تعتدد ذلك نصراَ ولا ظفراً، فإذا فلق السيف رأسه فصار إلى لبَّته، فحينئذ يكون ذلك عندك نصراً، ولا يرضيك ما دونه.

قال الشيخ: ليس في البيت من هذا التقدير شيء إذ ليس يقول: يعتدُّ هذا نصراً، ولا يعتدُّ ذلك نصراً، وليس النصر ما يعتدُّه الإنسان أو يقدِّرُه، وإنما يقول: ضممت جناحيهم على قلبهم ضمَّة، وفتحت هذا الفتح العظيم بضربٍ، أتى الهام، والنصر بعدُ غائب، لأنه لم يدرِ كيف يكون أثره؟ أيعمل في المضروب عمله، وتكون اليد والنَّصرة له أم ينبو السيف؟ ولا يجيئك في المضروب، فيميل المضروب على الضارب، فيغلبه، وينقلب الأمر عليه؟ فلما رسب إلى الصدور بعد الهام والرؤوس والأعناق والفِهاق قدم النَّصر إذ ذلك لتبيُّن الضارب من المضروب والغالب من المغلوب.

نثرتَهمُ فوقَ الأحيدِبِ كلِّهكما نُثِرتْ فوقَ العروسِ الدَّراهمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

رواه أبو الفتح: كلِّه.

قال الشيخ: كلَّهم، وهذا أحسن وأبلغ في القهر والمدح، لأن كلَّهم يشتمل على جميعهم، وكلَّه

لا يؤدي هذا المعنى، فإنه يجوز أن يغمر ويشتمل الأحيدب بعضهم، ولا يدخل الباقون في نثره على الأحيدب.

تدوسُ بكَ الخيلُ الوكورَ على الذُّراوقدْ كثُرتْ حولَ الوكورِ المطاعمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال أبو الفتح: يقول إذا أخذوا عليك درباً، صعدت إليهم إلى رؤوس الجبال فقتلتهم هناك، فلذلك تكثر المطاعم حول الوكور.

قال الشيخ: ما فيه من حديث الدَّرب وأخذه شيء، والرُّوم أهل الجبال، وقد تسنَّموها، وتوقُّلوها فزعاً منه إلى حيث وكور العقبان في قُللِها وقُننِها وحيث لا يرتقبه إلا

العُقاب، فقال: صعدتها خيلُك بأن صعدت إليها بخيلِك، فجعلت تدوس وكور العقبان، وتقتل الرُّوم حواليها، فكثرت مطاعمها.

تظنُّ فِراخُ الفُتْخِ أنَّك زُرْتَهابأُمَّاتِها وهيَ العِتاقُ الصَّلادمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال أبو الفتح: يقول إذا رأت فراخ العقبان خيلك، وقد أشرفت على وكورها ظنَّتها أُمَّاتِها، لأن خيلك كالعقبان شِدَّة وسُرعة وضمراً.

قال الشيخ: ما فسره إلى أمَّاتِها صحيح، وبعده لا، فإنه يقول: ظنَّتها أمَّاتِها، لأنها لم ترَ شيئاً من الحيوان بلغتها غير أمَّاتِها، ولم تعهده فظنَّتها أمَّاتِها كما رأت وعهدت منذ وجدت.

وقال في قصيدة أولها:

(أراعَ كذا كلَّ الأنامِ هُمامُ؟ ..................)

إذا خافَ مَلْكٌ مِنْ ملوكٍ أجرتَهُوسيفَك خافوا والجِوارَ تُسامُ

قال أبو الفتح: إذا كنت تُجير من غيرك، فإن تجير من نفسك أولى.

قال الشيخ: المعنى هذا غير أن العبارة رديئة، وكان يجب أن يقول: أنت ملك الملوك وسيدهم، فإذا خاف يعضهم بعضاً، أجرته وخفرته، فأمن في ذَراك، وامتنع بحماك، والرُّوم يخافون سفك، ويرومون جوارك، فكيف لا تُجيبهم إليه ولا تُجيرهم؟

تغُرُّ حلاواتُ النُّفوسِ قلوبَهافتختارَ بعضَ العيشِ وهوَ حمِامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

قال أبو الفتح: قلوبها، أي قلوب النفوس، فتختار الهرب خوفَ القتل، وهو كالقتل.

قال الشيخ: ليس كذلك، فإنه يصف الطَّلب لا الهرب، فيقول: تغُرُّ حلاوات النفوس قلوبها، حتى تذلَّ وتخضع وتخشع وتطلب الأمن بالسِّلم، وتنقاد لما تُسام من الخسف والظُّلم،

ويجري عليها من القضاء والحُكم، وتختار بها بعضاً من العيش لتبقى مديدة فيه، وهو موت كقوله:

ولِموتٍ في العزِّ يدنو محبٌّولعيشٍ يطولُ في الذُّلِّ قالي

ويدلُّك على ما قلناه قوله بعده:

وشرُّ الحمامين الزُّؤامين عيشةً ..................

وقوله بعده:

فلو كانَ صلحاً لم يكن بشفاعةٍ ..................

وقوله:

ومنٌّ لفرسانِ الثُّغورِ عليهمُبتبليغهم ما لا يكادُ يُرامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

أي ذكرٍ هنا للحرب والمقام والهرب؟ فهم في السِّلم وطلبها لا في الحرب وحربها.

وإنْ طالَ أعمارَ الرِّماحِِ بهُدنةٍفإنَّ الذي يَعمُرْنَ عندكَ عامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

قال أبو الفتح: أي أطول أعمار الرماح عندك في الهدنة عامٌ، لأنك لا تُغبُّ قصد الرُّوم أو طرد الأعراب. والوجه أن يُقال: يعمُرن فيه، ولكنه شبَّه الظرف بالمفعول به اتساعاً.

قال الشيخ: رواية ظريفة إلا أنها سخيفة، ما سمعنا بأعمار الرماح ولا بعمر الرُّمح، والرجل إن لم يكن يُغبُّ قصد الرُّوم وطرد الأعراب، أفلم يكن يعمل من ضروب السلاح غير الرماح حتى حسن اختصاصها بها دون سائر الأسلحة؟ وإن كان أراد ما فسره فهلاَّ قال: فإن طال أعمار السلاح بهدنة حتى كانت مشتملة على جميع ضروبها لا؟ ولكن الرواية الصحيحة، وإن طال أعمار الرجال بهدنة، فإن الذي يعمرن،

أي: الأعمار عندك لا تربي على عامٍ واحد، وأراد بها الرُّوم، فلماذا تُضايقهم بهدنة في عام، فإنها لا تزيد عليه عندك؟

وقال في قصيدة أولها:

عُقبى اليمين على عُقبى الوغى نَدَمُماذا يزيدُكَ في إقدامِكَ القسمُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال أبو الفتح: أي إذا حلفت أن تلقى من لست من رجاله، هل يزيد يمينُك في شجاعتك؟

قال الشيخ: المعنى ما ذكره غير أن العبارة ناقصة من استكمال المعنى، وذلك أن صاحب الرُّوم كان أقسم برأس ملكهم أن لا يولِّي عن سيف الدولة، فلمَّا التقيا امتلأت ضلوعه رعباً،

فلم يستطع به حرفاً، فولَّى منهزماً، فقال المتنبي: عاقبة اليمين ندامةٌ على عاقبة حرب المسلمين، أي: ندم على ما قدَّم من قسمه عند منهزمه، وودَّ لو لم يقسم، فكان لا يجمع على نفسه خزاية الانهزام والحِنث في الإقسام، ثم بعده ما فسره.

والنَّقعُ يأخذُ حرَّاناً وبُقعتَهاوالشَّمسُ تُسفرُ أحياناً وتلتثمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال أبو الفتح: تسفر: تظهر، وتلتثم بالغبار، أي: تستتر.

قال الشيخ: الرواية الصحيحة: ويتركها، لا: وبُقعتها، فإن في قوله يأخذ حراناً غُنيةٌ عن قوله: وبُقعتها، فهو تكرار بلا معنى، فإنه إذا أخذ حرَّاناً، فقد أخذ بقعتها، ثم قوله: يأخذ بإزاء يتركها، وتسفر بإزاء تلتثم. وهذا هو التقسيم الصحيح والتطبيق المستقيم واللفظ والمعنى في التقابل والتعادل من بدائعه.

سُحْبٌ تمرُّ بحصنِ الرَّانِ ممسكةًوما بها البُخلُ لولا أنها نِقَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال أبو الفتح: يعني جيش سيف الدولة، وحصن الرَّان من عمله، فيقول: إمساكها ليس بخلاً، وإنما هو إشفاق على دياره.

قال الشيخ: هذا أعجب من ذهاب هذه المعاني على مثله، وما قبلها وبعدها يشهد بها، ويدل عليها، فأنى صرف عنها ترى؟ الرجل يقول قبله:

والنَّقعُ يأخذُ حرَّاناً ..................

وسُحبٌ تمرُّ ..................

صفته بعده، فيقول: هذا النَّقع سحبٌ تمرُّ ولاءً بحصن الرَّان ممسكة عن المطر لا للبخل، ولكن لأنها سحب النِّقم لا سحب النِّعم وعجاج الحرب لا سحاب القطر، وما أحسن ما شبَّه طوالع الغبار بطوال السحاب في أخذ الجو وحجب الشمس وظلام الأفق، ثم ما أحسن ما اعتذر لها بالإمساك عن المطر، فلا أدري كيف قال: إمساكها ليس بخلاً، وإنما هو إشفاق على دياره؟ وما أدري ماذا أراد به، وإمساكها عن ماذا؟ فإن كان عن المطر فما هو بإشفاق على داره، وإن كان على الغارة فلا تحسن العبارة عنه بالبُخل، فإنه أنفع من كل جودٍ، وروايتي: إلا أنها نِقَم.

جيشٌ كأنَّك في أرضٍ تُطاولُهفالأرضُ لا أَممٌ والجيشُ لا أَمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال أبو الفتح: أي الأرض عظيمة، والجيش كذلك، أي فكأنهما يتطاولان.

قال الشيخ: بَخس المعنى - والله - حقه على شرفه، أو لم يَغُص عليه، فتغاباه لشرفه، ولِمَ لم يفسر قوله؟ كأنك في أرض تُطاوله، وفسر المصراع الثاني لظهوره.

ومعناه في أرض تطاول هي جيشك، وليس من المعهود والمعتاد مطاولة الجماد غيره، فكأنك في أرضٍ تطاول هي جيشك، فلا أرض قريبة ولا جيش قريب، ثم فسره بعده:

إذا مضى علمٌ منها بدا علمٌوإن مضى علمٌ منه بدا علمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
حتَّى وردنَ بسُمنينٍ بحيرتَهاتَنِشُّ بالماءِ في أشداقِها اللُّجُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال أبو الفتح: هذا مثل قول الآخر:

يَنِشُّ الماءُ في الرَّبَلاتِ منهانشيشَ الرَّضفِ في اللَّبنِ الوغيرِ
للشاعر المُستَوغِر، اقرأ القصيدة

يصف فرساً عرقت.

قال الشيخ: إن كان يصف فرساً عرقت، فالمتنبي يصف شكائم حميت، وما يجمع بين البيتين إلا النَّشيش، وليس هو من الإشكال بحيث يدلُّ عليه بالإشكال، فكيف رضي به، وأغمض عن المعنى؟ ومأخذ المعنى البيت الأول الذي قبله:

وشُزَّبٌ أحمتِ الشِّعرى شكائمَها ..................

وتمامه في قوله:

حتَّى وردنَ بسمنينٍ... ..................

والنشيش: الصوت الذي تسمعه من الخزف والحديد المحمى وأمثالها إذا أصابها الماء.

فلا سقى الغيثُ ما وراهُ منْ شجرٍلو زلَّ عنه لوارتْ شخصَه الرَّخَمُ

قال أبو الفتح: أي لو لم يعتصم بما دخل فيه من الدَّغل لقُتل، فأكلته الطير، فوارته في أجوافها.

قال الشيخ: المعنى الصحيح إلى قوله: فوارته أجوافها، فإنه سقيم، فإن المتنبي يقول: لوارت شخصه الرَّخم، والذي وارته الطير منه في أجوافها أجزاء شخصه لا شخصه، فإنه يُسمى شخصاً ما بقي بحاله، فإذا تفرق وتجزأ، كان أجزاءً لا شخصاً، وقوله: لوارت شخصه الرَّخم، أي: إذا وقعن على شخصه صريعاً ينهشه لكثرتها وتزاحمها عليه ما يتوارى شخصه فيها.

القائمُ الملكُ الهادي الذي شهدتْقيامَه وهُداهُ العُرْبُ والعجمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال أبو الفتح: القائم: المدبِّر للأمور من قوله تعالى: (الرِّجالُ قوَّامونَ على النِّساء).

قال الشيخ: القائم: صاحب الأمر، يقول: هو ملك العرب والعجم، وهاديهم ومرشدهم، وهم شاهدو قيامه بأمورهم وإرشادهم.

وقال في قصيدة أولها:

(كُفِّي أراني ويكِ لومُكِ ألْوَما ..................)

نُورٌ تظاهرَ فيكَ لاهوتَّيهًفتكادُ تعلمُ علْمَ ما لنْ يُعلما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفي أراني ويك لومك ألوما»

قال أبو الفتح: لاهوتية كقولك: إلاهيَّة، ولست أعرف هذه اللفظة في كلام العرب، على أن العامة قد أُولعت بها، ونصب لاهوتية على المصدر، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في (تظاهر) ولو كان لاهوت من كلام العرب لكان اشتقاقه من لاهٍ، الذي أدخل

عليه الألف واللاَّم.

قال الشيخ: روايتي: لاهوتية بالإضافة دون التنوين، وأن يعلما بالياء.

وقال في قصيدة أولها:

(ملامُ النَّوى في ظُلمِها غايةُ الظُّلْمِ ..................)

إذا بيَّت الأعداَء كان استماعُهمْصريرَ العوالي قبلَ قَعْقَعةِ اللُّجْمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

قال أبو الفتح: أي يبادر إلى أخذ الرُّمح، فإن لحق إسراج فرسه فذاك، وإلا ركبه عُرياً.

قال الشيخ: ما اهتدى إلى ما فسره منه، والمعني عندي: أنه يباغتُهم ويُفاجئُهم في ذلك البَيات، فيكون استماعهم لصرير العوالي المفرّقة بينهم الوالغة في مُهجاتهم المبالغة في سفك نفوسهم وإراقة دمائِهم قبل

استماع قعقعة اللُّجم المطلقة بقصدهم وحصدهم فِعل أُولي الحزامة في طيِّ الأخبار والآثار وإمساك الأصوات عن الأعداء حتى تهجَّموا عليهم بغتة وفجأة.

وإنْ تُمسِ داءً في القُلوبِ قناتُهفَمَمْسَكُها منه الشِّفاءُ منَ العُدْمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

قال أبو الفتح: مُمسَكها: موضع إمساكها يعني كفَّه كقولك: المُدخل والمُخرج.

قال الشيخ: روايتي: فممسِكُها بكسر السِّين، يعني كفَّه.

وجَدْنا ابن إسحاقَ الحسينَ كحَدِّهِعلى كثرةِ القتلى بريئاً منَ الإثْمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أي كحدِّ هذا السيف هو كثير القتلى، ولا إثم عليه، لأنه لا يضع الشيء في

غير موضعه كما أن حدَّ السيف كثير القتل، وهو مع هذا غير أثيمٍ.

قال الشيخ: حدُّ السيف لا يكون أثيماً، لأنه جماد، لا يجوز أن يكون الممدوح لا يغفل، وهو لا يعلم حتى لا يأثم، ولو كان عاقلاً لكان يأثم، فإنه يقتل البريء والسَّقيم.

وروايتي كجدِّه بالجيم، أي: هو ملك وأبن ملوك، ومن بيت المملكة، ولابد للملك من إقامة الحدود وكثرة القتل بالحق، وهذا كجدِّه على كثرة القتل بريء من الإثم، لأنه يقتل بالحقِّ في إقامة الحدِّ.

له رحمةٌ تُحيي العظامَ وغضبةٌبها فضلةٌ للجُرمِ عنْ صاحبِ الجُرْمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: يقول إذا أغضبه مجترم لأجل جرمٍ جناه، تجاوزت غضبته قدر المجرم، فكانت أعظم منه، فإما احتقره فلم يُجازه، وإمَّا جازاه فتجاوز قدر جرمه فأفناه.

قال الشيخ: ما هما بشيء، ومعناه: له رحمةٌ تحيي العظام لإفراطها، وغضبته تُفني المجرم، فإذا أهلكت صاحب الجرم فضلت فيه فضلةٌ منها لذلك الجرم، فأهلكته، وأفنته مع المجرم، فلا يُقدم على ذلك الجرم بعده أحد، فيفقد الجرم مع المجرم.

وقال في مطلع قصيدة:

أحقُّ عافٍ بدمعِكَ الهِممُأحدثُ شيءٍ عهداً بها القِدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

قال أبو الفتح: ليس العافي هاهنا الطالب والقاصد، وسألته عن معنى هذا البيت، فقال: أحقُّ ما صرفت عليه بُكاءك همم الناس، لأنها قد ذهبت ودرست، فصار أحدثُها عهداً قديماً.

قال الشيخ: العافي هاهنا الدَّارس لا غير، والدليل عليه المعنى الذي حكاه المتنبي.

وقال في قصيدة أولها:

(فُؤادٌ ما تسلِّيه المُدامُ ..................)

ولو لم يَرْعَ إلاَّ مُستحِقٌّلرتُبتهِ أسامَهمُ المُسامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

قال أبو الفتح: يقول فالذي يدبِّر أمور الناس، يحتاج إلى من يدبِّره، وهو مُخلى بلا ناظر في أمره، فلو لم يلِ الأمر إلا من يستحقه لخلَّى الناس من خُلِّي وإياهم، لأنه لا يستحق أن يلي عليهم أمورهم.

قال الشيخ: لا اشتغل بنقصه، فإني إذا شرحته فضحته، فتبينت فساده. الرجل يقول: لو لم يكن يرعى إلا مستحق لرتبته أن يرعى غيره لأسام القوم المسام، أي المواشي والبهائم

ولرعى الرُّعاة والرَّعية، فإن البهائم في سهلها أحق برتبة الرَّعي من رُعاتها، فإنهم أجهل منها وأضلُّ وأولى بأن يكونوا مسامين لا مُسيمين، والرعايا أخلق برتبة الولاية من وُلاتها، فإنها على خيالها واختلالها وانحلالها أولى بالأمر من حماتها.

وما كلّ بمعذورٍ ببُخْلٍولا كلِّ على بُخلٍ يُلامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

قال أبو الفتح: هذا كقول أبي تمَّام:

لكلِّ مِن بني حوَّاَء عُذرٌولا عُذرٌ لطائيٍّ لئيمِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرامة كنت مألف كل ريم»

قال الشيخ: ما أعرفه بهذا المعنى، وعندي أنه عُذر المعدم وملامة البخيل المنعم، وما كلٌّ بمعذورٍ ببخلٍ، هذا واجدُ غير جائدٍ، ولا كل على بخلٍ يُلام، وهذا جائد غير واجدٍ.

ولا ندعوكَ صاحَبهُ فترضَىلأنَّ بصُحبةِ يجبُ الذِّمامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

قال أبو الفتح: الوجه لأنه بصحبةٍ يجب الذِّمام، وحذف الهاء جائز في ضرورة الشعر، يقول: إذا كنت لا ترضى بأن ينسب هذا المال إليك وعطاياك تفرِّقه وتمزِّقه، فلمَ هذا المال؟

قال الشيخ: ما أدري ما هذا المقال غير أن المعنى أنك لا ترضى بأن تدعى صاحب المال، لن الصُّحبة تُوجب الذِّمة، والذِّمة تُوجب المحاماة عليه والمراعاة له وحفظه وحراسته وجمع شمله وحياطة جمعه، وأنت تناقض قضايا هذه الأحكام فيه، فمن

هناك لا ترضى بأن تُدعى صاحبه، فيجب بصحبته حقٌّ عليك، وأنت لا ترعاه فيه، ولا تستبقيه، وهو يقول:

وبيننا لو رَعيتُم ذاكَ معرفةٌإنَّ المعارفَ في أهلِ النُّهى ذِممُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وقال في قصيدة أولها:

(تَرى عِظَماً بالبينِ والصَّدُّ أعظمُ ..................)

سلامُ فلولا الخوفُ والبخلُ عندَهُلقلتُ: أبو حَفْصٍ علينا المُسلِّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال أبو الفتح: أي قال لي: سلامٌ، فلولا خوفي من مفارقته أو معاتبته على نومي، ولولا بخله لأنه لا حقيقة لزيارته، لقلت: المسلِّم عليَّ أبو حفصٍ، يعني الممدوح إجلالاً لخيال حبه.

قال الشيخ: العبارة عن بخله، لأنه لا حقيقة لزيارته فاسدة، وكذلك الخوف من معاتبته على نومه، ومعناه: لولا الخوف من فراقه والبخل الذي في أخلاقه لقلت: هو هو الممدوح

لهيبته، وكلُّ حبيبٍ جليلٌ في عين محبِّه كما قيل:

أَهابُكِ إجلالاً وما بكِ قدرةٌعليَّ ولكن ملءُ عينٍ حبيبُها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أهابك إجلالا وما بك قدرة»
صُفوفاً لليثِ في ليوثٍ حُصونُهامتونُ المذاكي والوشيجُ المقوَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال أبو الفتح: أي برزن له صفوفاً، لأن عاتق ها هنا في معنى جماعة كما تقول: كم من جل جاءني، فالرجل هنا جماعة، ويجوز أن تكون الصفوف هي الكتائب.

قال الشيخ: ما تصنع النساء بمصافَّة الرجال، وهل هو إلا عين المُحال وصفوفاً حالُ كم من كتيبة الملك الطاغي تُساير من الممدوح حتفها، وهي تعلم كقوله:

وكم من مريدٍ ضرَّه ضرَّ نفسَه ..................

فعشْ لو فَدى المملوكُ ربّاً بنفسهِمن الموتِ لم تُفقَدْ وفي الأرضِ مُسْلِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

قال أبو الفتح: أي المسلمون كلهم عبيدك، فكيف غيرهم من أهل الذِّمة؟

قال الشيخ: ما قال إلى قوله: عبيدك صحيح، وما بعده سقيم، ويجب أن يكون بعده، وفدوك بأنفسهم، ولم تُفقد وفي الأرض مسلم، أي فداك بعمره.

وقال في قصيدة أولها:

(لا افتخارُ إلاَّ لمنْ لا يُضامُ ..................)

واقفاً تحت أخْمَصَيْ قدرِ نفسيواقفاً تحتَ أخمصيَّ الأنامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا افتخار إلا لمن لا يضام»

قال أبو الفتح: أي نفسي عالية في السماء، وإن كان جسمي يُرى بين الناس، فجسمي واقف تحت قدر نفسي، والأنام وقوف تحت أخمصي، ونصب واقفاً واقفاً على الحال.

قال الشيخ: فسره إلى قوله: والأنام وقوف تحت أخمصي هباء وهذراً. ما في البيت منه شيء ولا فيه من البيت شيء، ومعناه: ضاق ذرعاً زماني، بأن أضيق به ذرعاً، واقفاً تحت أخمصي قدر نفسي واقفاً الأنام تحت أخمصي، معناه: يضجر زماني بضجري عنه ومرامي منه ما لم يبلغه، ويقول: ماذا يبغي، هذا الرجل فيَّ ومني، وقد بلغ بفضله المحل الذي جعلني تحت أخمصي قدر

نفسه، والأنام تحت أخمصيه؟ فماذا يريد بعده وزيادة عليه؟ وهذا ينظر إلى قوله:

أريدُ من زمني ذا أن يبلِّغني ..................

وسمعت أنه أراد: ضاق ذرعاً زماني بأن أضيق به ذرعاً لتقصيره في واجبي وبلوغه مدى

همتي وتوفيته استحقاقي وتكملته استيجابي، فيضجر لمعرفتي بها وبغيتي لها، وأني طالب منه ما ليس يُوجبه حقي، وسام ورام بهمتي ما لا يقتضيه قدري، وهو بنفسه واقف تحت أخمصي قدر نفسه، وأهله واقف تحت أخمصي، فمن أين يجوز أن يضيق ذرعاً بأن أضيق ذرعاً به، وبأني لست أدرك منه حظي؟ وأخذ حظي، وبأني أعمله وأطلبه وأستوجبه أو لا أستوجبه، وأنا متوقف في ترجيح أحدهما على الأخر منذ سمعتُهما وأديتُهما كما وعيتها ليختار منهما المختار ما يريد، وكان هذا المعنى ينظر إلى قوله:

وكلُّ ما قد خلقَ اللَّهُ وما لمَ يَخلُقِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
مُحتَقَرٌ في همَّتيكشَعرةِ في مَفَرِقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أي محل أرتقي»

وقال في مطلع قصيدة:

ألا لا أَرى الأحداثَ حمداً ولا ذَمافما بطشُها جهلاً ولا كفُّها حِلْما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

رواه أبو الفتح بضمِّ الألف وكسر الرَّاء.

قال الشيخ: روايتي أرى، أي لا أراها موضع حمدٍ وذم.

منافعُها ما ضرَّ في نفعِ غيرهاتَغذَّى وتَروَى أن تجوعَ وأن تَظْمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

قال أبو الفتح: أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ، وهذا ضارٌّ لغيرها، ومعنى جوعها وظمئِها أن تهلك الناس، فتخلَّى منهم الدُّنيا كقوله:

...............كالموتِ ليس لهُ رِيٌّ ولا شِبَعُ

ويجوز أن يكون عنى بذلك أن جدَّته قليلة الحظ من الأكل والشُّرب عفَّة وظَلَفاً كقوله:

يكفيه حزَّة فلذٍ... ..................

وروى هذا البيت قبل قوله:

عرفتُ اللَّيالي... ..................

قال الشيخ: ما في هذين المعنيين من الفساد والقُبح أبين من فلق الصُّبح، فإنه قال في الأول: معنى جوعها وظمئها أن تهلك الناس لتخلّى منهم الدُّنيا، وليس في البيت شيء من الهلاك وإخلاء الدُّنيا عن الناس لا تصريحاً ولا تعريضاً، وأطرف من هذا قوله: إن جدَّته قليلة الحظِّ من الأكل والشُّرب عفَّة وظلفاً، وأنه مضرَّة لغيرها في قلَّة أكلها وشربها.

وعندي أن أهل الكوفة بأسرهم لو لم يُطعَموا حذاقةً، ولم يشربوا أبداً صبابة ما استضر

بذلك أحد من العالمين غيرهم فضلاً عن المتنبي وأسرته وأهله وعترته وأمِّه وجدَّته عجباً من ذلك العالم كيف استجاز لفضله الإسفاف إلى مثله ولقرب معناه ما قلبه؟

عرفتُ اللَّيالي قبلَ ما صنعت بنا ..................

أي: منافع الليالي مضارُّ أبنائها، فهي تغذّى بجوعنا، وتروى بعطشنا، أي: تراغمُنا أبداً، وتبلونا بالضُّر والعيش المُرِّ، فكأن غذاءها في جوعنا لسعيها له، وريُّها في عطشنا لجدِّها فيه. وروايتي أن نجوع وأن نظما بالنون.

تعجَّبُ من خطِّي ولفظي كأنَّماترى بحروفِ السَّطرِ أغربةٌ عُصْما

قال أبو الفتح: شبَّه البياض بين حروف السطر بالبياض في الغُراب الأعصم.

قال الشيخ: ألا يرى هذا المفسر قوله: تعجب من خطي ولفظي، فالبيت يكون منسوقاً على مفتتحه، ويجب أن يؤيد آخره أوله؟ فما معنى قوله: شبه البياض بين حروف السطر بالبياض في الغُراب الأعصم؟ إنما يقول: تعجب من خطي ولفظي إمَّا استحساناً لهما وإمَّا طول عهدٍ بهما وبأساً عنهما، ثم قال: كأنها ترى لفرط تعجُّبها منها أغربة عصماً لعوزها وقلة وجودها وتعذُّر رؤيتها وتجُّب من يراها منها، فإنها لا تُرى.

وقال في قصيدة أولها:

(أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللَّوائمِ ..................)

وذي لَجَب لا ذو الجناحِ أمامَهبناجٍ ولا الوحشُ المُثارُ بسالمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أي الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه سائرة، فتخطف الطير أمامه. قال الشيخ: لا والله ما الفسر من البيت وما البيت من الفسر، وأي مدحٍ للجيش وصاحبه في اختطاف العقبان الطير؟ ولعله ذهب إليه من قوله:

سحابٌ من العِقبان تزحفُ تحتها ..................

وهو وضع العقبان موضعه، ولم يذكر أن العقبان تخطف الطير أمام الجيش وفوقه، وإنما أراد أن الطير لا تنجو من رماته والوحش من فرسانه، فالطائر غير ناجٍ من مرامهم بسهامهم، والثائر غير سالم على طرادِهم واصطيادهم.

كريمٌ نفضتُ النَّاسَ لَّما بلوتُهكأنَّهمُ ما جفَّ من زادِ قادمِ

رواه أبو الفتح: ما جفَّ بالجيم.

قال الشيخ: روايتي خفَّ بالخاء، لأنه يرمي بما يخفُّ لا بما يجفُّ.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قشر الفسر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.