تجاوز إلى المحتوى

من «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

التنبيهات الواردة على الجزء الأول

في " ص س و " أنشد أبو عليٍّ ﵀ أشعاراً منها قول بُرية بن النعمان ولم ينسبه أبو عليٍّ ﵀:

لَقَد تَركتْ فُؤَادَك مُسْتَحِنًّامُطَوَّقةٌ على فَنَنٍ تَغَنَّى
يَمِيلُ بها وتَركَبُهُ بِلَحْنٍإذا ما عَنَّ للمَحزُونِ أَنَّا

ومنها قول الآخر:

وهَاتِفَيْنِ بشَجْوٍ بعَد مَا سَجَعَتْوُرْقُ الْحَمَامِ بتَرْجيعٍ وإرْنَانِ
بَاتَا على غُصْنِ بانٍ في ذَرَى فَنَنٍيُرَدِّدَانِ لُحُوناً ذاتَ ألوانِ

وفسر ما ورد في هذه الأشعار من ألحان الحمام أن المراد به اللغات. وإنما المراد به اللحن الذي هو ضرب من الأصوات المصوغة للتغني؛ ودليل ذلك قوله:

مُطوَّقةٌ على فَنَنٍ تغَنَّى

وقول الآخر:

يُرَدِّدَانِ لُحُوناً ذاتَ ألوانِ

إنما أراد ذات ألوان من الترجيع كما قال في البيت قبله:

بِتَرجِيع وإرْنانِ

وفي " ص س " قال أبو علي ﵀ وأصل اللحن أن تريد الشيء فتورِّى عنه، كقول رجل من بني العنبر كان أسيراً في بكر بن وائل. وذكر الخبر بطوله، وفسَّرَ ما فيه إلى قوله: يريد بقوله: إن العرفج قد أدبى: أن الرجال قد استلاموا، أي لبسوا الدروع ليس في قوله: " إن العرفج قد أدبى " دليل على ما ذكره أبو علي ﵀ ولا من عادة العرب أن تلبس الدروع إلا في حال الحرب. وأما في بيوتها قبل الغزو فذلك غير معروف، وإنما أراد بذلك أن يؤذنهم وقت الغزو، وينبتهم على التيقظ والحذر. قال أبو نصر ﵀: إدباءُ العرفج: أن يتسق نبته ويتأزر، وإذا اتَّسق النبت وتأزر أمكن الغزو. وقال أبو زياد ﵀: العرفج: نبت طيب الريح أغبر إلى الخضرة، له زهرة صفراء ولا شوك له؛ ويقال له إذا اسودَّ عوده حتى يستبين فيه النبات: قد أقمل، فإذا زاد قليلا، قيل: قد ارقاطَّ، فإذا زاد قليلا، قيل: قد أدبى، وهو حينئذ قد صلح أن يؤكل، فإذا أعتم وطفحت خوصته وأكلأ، وقيل: قد أخوص، فإذا ظهرت عليها خُضرة الرِّيِّ، قيل: عرفجة خاضبة. ومنابت العرفج يقال لها: المشاقر، وهي أيضا: الحومان، وتكون في السهل والجبل.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ في آخر هذا الخبر شعراً أوله:

إنّ الذِّئابَ قد اخْضَرَّتْ بَراثِنهُاوالناسُ كُلُّهُمُ بَكْرٌ إذا شَبِعُوا

وقال: يريد الناس كلهم عدو لكم إذا شبعوا كبكر بن وائل. لم يرد الشاعر هذا المعنى، لأن الناس كلهم لم يكونوا عدوا لبني تميم ولا أقلهم، وإنما يريد أن الناس إذا شبعوا هاجت أضغانهم وطلبوا الطوائل والتراث في أعدائهم. فكانوا لهم كبكر بن وائل لبني تميم؛ كما قال الشاعر - أنشده ثعلب عن ابن الأعرابي -:

لَوْ وصَلَ الغَيْث ُلاَ بَنْينَ امرأَكانتْ له قُبّةٌ سَحْقَ بِجَادْ

يقول: لو اتصل الغيث وأخصبنا لا غرنا على الملك وأخذنا متاعه وقبته حتى تحوجه أن يتخذ قبة من قطعة كساء. قال أبو عمرو ﵀: وإنما يغيرون في الخصب لا في الجدب؛ وقال آخر:

يا بن هشامٍ أهلك الناسَ اللّبَنْفكلّهم يَسْعَى بقَوسٍ وقَرَنْ

يقول: لما كثر الخصب سعى بعضهم إلى بعض بالسلاح؛ وقال آخر:

قومٌ إذا نَبَتَ الربيعُ لهمنَبَتَتْ عَداوتُهم مع البَقلِ

وقال:

وفي البقل إن لم يدفع الله شَرَّهُشياطينُ يَنْزُو بعضُهنّ إلى بعض

وقال:

قومٌ إذا اخضرَّت نعالُهميتناهقون تناهُقَ الْحُمرِ

يعني: يتناهقون من الأشر والبغي؛ وبعض الناس يتأول أن النعال هنا: نعال الأقدام، وإنما النعال: الأرضون الصلاب، واحدها نعلٌ؛ وإذا أخصبت النعال فما ظنك بالدِّماث. ومنه الحديث: " إذ ابتلت النعال فصلوا في الرحال " معناه: إذا انزلقت الأرض فصلوا في البيوت.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ شاهداً على حجلت عينه:

وأهْلَكَ مُهْرَ أبِيك الدَّواءُ لَيْسَ له من طعامٍ نَصِيبُ
للشاعر ابن أم حزنة، من قصيدة «أأسماء لم تسئلي عن أبيك»
فَتُصْبِحُ حاجِلةً عينهُلِحْنِو اسْتِهِ وصَلاَهُ غُيُوبُ

هكذا أنشده: مهر أبيك بفتح الكاف، وإنما هو بكسرها. وأنشده: وصلاه، وإنما هو: في صلاه. والشعر لثعلبة بن عمرو الشيباني يخاطب أسماء أم حزنة - امرأة من بني سليمة بن عبد القيس - وهي قصيدة؛ والذي يتصل منها بالشاهد قوله:

أأسماءُ لم تسألي عن أبيكِ والقومُ قد كان فيهمْ خُطوبُ

وأهْلَكَ مُهْرَ أبِيك الدَّواءُ لَيْسَ له من طعامٍ نَصِيبُ
للشاعر ابن أم حزنة، من قصيدة «أأسماء لم تسئلي عن أبيك»
خَلا أنّهم كلما أوردوايُضَيِّع قَعْباً عليه ذَنُوبُ
للشاعر ابن أم حزنة، من قصيدة «أأسماء لم تسئلي عن أبيك»
فَتُصْبِحُ حاجِلةً عينهُلِحْنِو اسْتِهِ وصَلاَهُ غُيُوبُ
لأَقَسمَ يَنذِرُ نَذراً دَمِىوأقسمتُ إنْ نِلتُه لا يَؤُوبُ
فأَتْبْعُته طَعنةً ثَرَّةًيَسِيلُ على النحو منها صَبِيبُ
فإِن قَتَلْته فلم أَرْقِهِوإن يَنجُ منها فجُرْحٌ رَغِيبُ

هذا الشيباني طعن أبا أسماء هذه المذكورة واكتفى في قوله: أأسماء لم تسألي، بهمزة النداء عن همزة الاستفهام؛ كما قال امرؤ القيس:

أصاحِ ترى بَرْقا أُرِيكَ وَمِضَهُ

والدواء: الصنعة وحسن القيام على الدابة؛ قال يزيد بن خذَّاق:

ودَاوَيْتُها حتى شَتَتْ حبشيّةًكأنّ عليها سُنْدُساً وسُدُوسا
للشاعر سويد بن خذاق العبدي، اقرأ القصيدة

وقيل: أراد بالدواء: اللبن، وكان أحسن ما يقومون به على الدابة؛ وإنما أراد أهلكه فقد الدواء؛ كما قال النابغة:

فإنِّي لا أُلامُ على دُخُولٍولكن ما وَرَاءَكَ يا عِصامُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ألم أقسم عليك لتخبرني»

أراد على ترك دخول؛ وكذلك قول أبي قيس بن رفاعة:

أنا النذيرُ لكم منّي مُناصحَةًكي لا أُلامَ على نَهْيٍ وإنذارِ

أراد على ترك نهي وإنذار؛ وكذلك قول الخنساء:

يا صخرُ وَرَّادَ ماءٍ قد تناذَرَهُأهلُ المياه وما في وِرْدِه عارُ

تريد في ترك ورده: ثم قال الشاعر: لا نصيب للمهر من الطعام غير أنهم إذا أوردوا ضيَّحوا له قعباً بذنوب ماءٍ وسقوه. والحنو: كل ما فيه اعوجاج كحنو الضلع واللحي. والصَّلا: ما عن يمين الذنب وشماله؛ يقول: غاب حنوه في صلاه من الهزال. وهذا أبلغ ما وصف به الهزيل من الدواب؛ وإنشاد أبي علي ﵀:

لحنوا استه وصلاه غيوب

لا معنى له ولا وجه، لأن الصَّلا لا يغيب ولا يخفى، وإنما يغيب الحنو فيه ويغمض. وقوله: فأتبعته طعنةً ثرَّةً، يريد كثيرة الدم، من قولهم: عين ثرة. وقوله: فإن قتلته فلم أرقه، كانوا يزعمون أن الطاعن إذا رقى المطعون برأ؛ كما قال زهير بن مسعود:

عشِيّةَ غادرتُ الحُلَيسَ كأنّماعلى النحرِ منه لَونُ بُرْدٍ مُحَبَّرِ
فلم أَرْقِهِ إن يَنْجُ منها وإن يَمُتفطعنةُ لا غُسٍّ ولا بمُغمَّرِ
للشاعر الأعسر الضبي، من قصيدة «عشية غادرتُ الحليس كأنه»

وهو معنى قول حاتم الطائي - أنشده ابن الأعرابي -:

سِلاحُك مَرقِيٌّ ولا أنت ضائرٌعَدُوًّا ولكنْ وَجْهَ مَوْلاك تَخمِشُ

وفي " ص س " وذكر أبو علي ﵀ خطبة عبد الملك وإنشاده شعر قيس ابن رفاعة:

مَنْ يَصَْ ناري بلا ذَنْبٍ ولا تِرَةٍيَصْلَ بنارِ كريمٍ غيرِ غدّارِ

إنما هو أبو قيس بن أبي رفاعة، واسمه: دثار. وقد ذكره أبو علي ﵀ بعد هذا في كتابه على صحته. وذلك في الحديث الذي رواه التَّوَّزيّ عن أبي عبيدة قال: كان أبو قيس ابن أبي رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي وسنة إلى الحارث بن أبي شمر الغسانيّ، فقال له يوما وهو عنده: يا أبا قيس، بلغني أنك تفضِّل النعمان عليّ؛ وساق الحديث إلى آخرة. قال أبو عليّ ﵀: والوتر: الذَّحل بكسر الواو لا غير. هذا وهم منه، الواو تفتح وتكسر في الذحل؛ ذكر ذلك يعقوب وغيره.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ للعباس بن الوليد بن عبد الملك أبياتا قالها لمسلمة بن عبد الملك، أولها:

ألاَ تَقْنَى الحياءَ أبا سَعِيدٍوتُقْصِرُ عن مُلاَحَاتِي وعَذْلِي

وهذا الشعر لعبد الرحمن بن الحكم يعاتب به مروان بن الحكم أخاه بلا اختلاف؛ ولم يكن العباس بن الوليد شاعراً، إنما كان رجلاً بئيسا، وهو فارس بني مروان؛ وإنما كتب العباس بهذا الشعر متمثلا لم يغير منه إلا الكنية. وعبد الرحمن بن الحكم شاعر متقدم، وهو الذي كان يُهاجي عبد الرحمن بن حسان ﵄ وفي هذه الأبيات:

كقولِ المرء عَمْرٍو في القَواِفيلِقَيسٍ حين خالف كلَّ عَذلِ
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة
عذِيرَكَ مِن خليلكَ من مُرَادأُريد حِباءهُ فيُريدُ قَتْلِي

وهذا مما أهمله أبو علي ولم يُفسر معناه والمراد به؛ وكثيرا ما يشغله تفسير ظاهر اللغة عن تفسير غامض المعاني. وقد أفردت لشرح معاني " نوادره " كتابا غير هذا. وإنما يريد الشاعر قول عمرو ابن معد يكرب الزبيدي لقيس بن مكشوح المرادي وكان بينهما تنافس:

تمنّاني ليلقاني قُيَيسٌودِدتُ وأينما منِّي ودادي
تمّناني وسابغةٌ قميِصيخروس الحِسِّ محكمةُ السِّرادِ
مُضاعفة تخيَّرها سُلَيمٌكأنّ قَتِيرها حَدقُ الجَرَادِ
أريدُ حِباءَهُ ويريد قَتْليعذِيرُكَ مِن خليلكَ مِن مُرَادِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»

يعني بسليم: سليمان النبي ﷺ والقتير: رءوس مسامير الدروع وإذا دقت دلت على ضيق الأخرّات، ولذلك شبهها بحدق الجراد. وعذير الرجل: ما يحاول مما يعذر عليه، ومثل قوله: " أُريد حباءه ويريد قتلي " قول ابن الذئبة الثقفي:

ما بالُ مَن أسعَى لأَجْبرَ عظمَهُحِفاظا ويَنوِي من سَفَاهته كسرِى
أَظُنُّ خُطوبَ الدهر مِنِّي ومنهمستحملُهم مِنِّي على مَركبٍ وَعْرِ

وقوله جميل:

ألا قُم فاُنْظُرَنَّ أخاك رَهناًلِبَئْنَة في حبائلها الصِّحَاحِ
أُريد صلاحَها وتُريد قَتْلىفَشَتَّى بين قَتلى والصَّلاِح
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «تنادى آل بثنة بالرواح»

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ شاهداً على أن الحنة الزوجة:

ما أنتِ بالحَنّة الوَدُود ولاعِنْدَكِ خَيْرٌ يُرْجى لُمْلَتِمسِ

إنما هو: ما أنت بالحنة الولود؛ قال أبو عبيدة: تزوج قتادة اليشكري أرنب الحنفية فلم تلد له ونشزت عليه فطلقها وقال:

تجهَّزِي للطلاق واصطبريذاك دواءُ الجوامسِ الشُّمُسِ
ما أنتِ بالحَنَّةِ الوَلُودِ ولاعِندَكِ خيرٌ يُرجَى لمُلتَمِسِ
للَيَلتِي حين بِتِّ طالقةًألذُّ عندي من ليلة العُرُسِ

وفي " ص س " أنشد أبو علي ﵀ للأجدع الهمداني:

وسألْتِني بركائبي ورِحالِهاونَسِيتِ قَتْلَ فَوارِس الأرباع

إنما هو أسألتني بالهمزة، لا بالواو كما انشده؛ وهو أول الشعر بركائب منون لا بركائبي، لأنها إنما سألته عن إبل القوم وركائبهم، لا عن ركائب نفسه.

وكان الأجدع بن مالك بن أمية الهمداني قد غزا بني الحارث وكانت امرأته منهم، فأصاب فيهم وقتل من بني الحُصين أربعة نفر؛ فقالت له امرأته: أين الإبل والغنيمة؟ فقال:

أسألتِني بركائبٍ ورِحالِهاونسيتِ قَتلَ فوارِسِ الأرباعِ
وبني الحُصَين ألم يَرُعكِ نَعِيُّهمأهلُ اللِّواءِ وسادَةُ المِرباعِ
تلك الرزيَّةُ لا قلائصَ أُسلِمتْبرحالها مَشْدُودةَ الأنساعِ
خيلان من قومِي ومِنْ أعدائهمخَفَضُوا أَسِنَّتهم فكلٌّ ناعِ
خَفَضُوا الأسِنَّةَ بينهم فتواسَقُوايَمشونَ في حُلَلٍ من الأدراعِ
للشاعر الأجدع الهمداني، اقرأ القصيدة

قال ابن الكلبي في نسب بني الحارث بن كعب: ومنهم الحصين ذو الغصَّة بن يزيد بن شداد ابن قنان، رأس بني الحارث مائة سنة؛ وكان يقال لبنيه: فوارس الأرباع. والأرباع: أرض قتلتهم بها همدان؛ ولهم يقول الأجدع الهمداني:

ونسيتِ قَتلَ فوارِسِ الأرباعِ

وقوله: خفضوا أسنتهم: يريد أمالوها للطعن؛ كما قال القتال الكلابي:

نَشَدْتُ زِياداً والسفاهَةُ كاسْمِهَاوذكَّرْتُه أرحامَ سِعْرٍ وهَيْثَم
فلمّا رأيت أنه غَيْرُ مُنْتَهٍأَمَلتُ له كفِّي بِلَدْنٍ مُقَوَّمِ
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

وقال النابغة الجعدي:

فَلَمْ نُوَقِّف مُشِيلينَ الرِّماحَ ولمنُوجَدْ عَواويرَ يوم الروع عُزَّالا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «إما تري ظلل الأيام قد حسرت»

يقول: لم نُشل الرماح، أي لم نرفعها ولكنا خفضناها للطعن.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي لأعرابي:

إذا وجَدْتُ أُوَار الحُبِّ في كَبِدِيأَقْبَلتُ نَحْوَ سِقاءِ القومِ أبْتَرِدُ
للشاعر ابن باجه، اقرأ القصيدة
هذا بَرَدْت ببَرْدِ الماءِ ظاهِرَهُفَمَنْ لنارٍ على الأحشاءِ تَتَّقِد

لم يختلف أحد أن هذين البيتين لعروة بن أُذينة الفقيه المحدِّث، ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذي يقال فيه الرجل الصالح! وأنت تقول:

إذا وجَدْتُ أُوَارَ الحبِّ في كَبِدِي............. البيتين

لا والله! ما خرجا من قلب سليم، وأُذينة: لقب لأبيه. واسمه: يحيى بن مالك بن الحارث الليثي. وكان عروة شاعراً غزلا من شعراء أهل المدينة وثقة ثبتاً؛ روى عنه مالك وغيره من الأئمة

- ﵃ قال مالك: حدثني عروة بن أُذينة قال: خرجت مع جدة لي، عليها مشي إلى بيت الله، حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لها تسأل عبد الله بن عمر ﵁ فخرجت معه، فسأل عبد الله ﵁ فقال له: مرها فلتركب ثم لتمش من حيث عجزت. وعروة هو القائل أيضا:

قالت وأبثثْتُها وَجْدِي فبُحْتُ بهقد كنتَ عندي تُحِبُّ الستر فاسْتَتِرِ
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة
ألستَ تُبْصِرُ مَن حَولي فقلتُ لهاغَطَّي هَواكِ وما أَلقَى على بَصَرِي
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «لما بعثت بداعي الشوق والدله»

وفي " ص س و " وأبو علي ﵀ إذا جهل قائل شعر نسبه إلى أعرابي كما أنشد بعد هذا:

وإنِّي لأهْوَاها وأهوى لِقَاءَهاكما يَشْتَهِي الصادي الشرابَ المُبَرَّدا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «وإني لأهواها وأهوى لقاءها»
عَلاقَةَ حُبٍّ لَجَّ في سَنَن الصِّبَافأبلَى وما يَزْداد إلاّ تَجدُّدَا

وهذا الشعر للأحوص بن محمد، شاعر إسلامي من شعراء المدينة، لم يدخل البادية قط. ولهذا الشعر خبر: وذلك أن يزيد بن عبد الملك لما استهتر بقينتيه وامتنع من الظهور إلى الناس وعن مشاهدة يوم الجمعة، لامه مسلمة أخوه وعذله، فارعوى، وأراد الخروج المراجعة فبعثت سلاَّمة إلى الأحوص أن يصنع شعراً تغني فيه؛ فقال:

وما العَيْشُ إلاَّ ما تَلَذُّ وتَشْتَهِيوإن لامَ فيه ذو الشَّنَان وفَنَّدَا
بكيتُ الصِّبا جُهدي فمَن شاء لامَنِيومَن شاء آسَى في البُكاءِ وأَسْعَدَا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
وأشرفتُ في نَشَزٍ من الأرض يافِعٍوقد تَشَعف الأَيفاعُ مَن كان مُقصَدَا
فقلت ألا ليتَ أسماءَ أصقَبَتْوهل قول لَيتٍ جامعٌ ما تَبدَّدَا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإني لأهواها وأهوى لقاءها»
وإنِّي لأهْوَاها وأهوى لِقَاءَهاكما يَشْتَهِي الصادي الشرابَ المُبَرَّدا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «وإني لأهواها وأهوى لقاءها»
عَلاقَةَ حُبٍّ لَجَّ في سَنَن الصِّبَافأبلَى وما يَزْداد إلاّ تَجدُّدَا

فلما غنَّت به عند يزيد ضرب الأرض بخيزرانته وقال: صدقت صدقت! فقبَّح الله مسلمة وقبَّح ما جاء به! وتمادى في غيِّهِ.

ومثل قوله:

وقد تَشعفُ الأيفاعُ مَن كان مُقصَدَا

قول الآخر:

لا تُشْرِفَنَّ يفَاعاً إنّه طربٌولا تغَنَّ إذا ما كُنتَ مُشتاقا

والمقصد: المرمي بسهم الحب، يقال: رماه فأقصده إذا أصاب مقتله.

ومثل قوله:

فأبلى وما يزداد إلا تجدّدا

قول حسان بن إسحاق بن قوهيً مولى بني مرة بن عوف:

بقلبي سقامٌ لستُ أُحسِنُ وصفَهُعلى أنه ما كانَ فهو شَدِيدُ
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
تَمُرُّ به الأيامُ تَسحبُ ذَيلَهافتَبْلَى به الأيامُ وهوَ جَديِدُ
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

مُهْرَ أَبِي الْحَبْاحبِ لا تَشَلِّيبارَكَ فِيكِ اللهُ مِنْ ذي أَلِّ

قال أصحاب أبي علي ﵀: وقفناه على قوله:

بارك فيك الله من ذي أل

فأبى إلا كسر الكاف، فقلنا: فهلاَّ قال: من ذات ألِّ، قال: أخرج التذكير على الشيء أو الأمر؛ ومثل هذا جائز، وهو كثير؛ قال الأسود بن يعفر:

إنّ المنيَّةَ والحُتوف كلاهُمايُوفي المخارِمَ يرقُبَان سَوَادِي
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «نام الخلي وما أحس رقادي»

قال: ومنه قول رؤبة:

فيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْكأنّه في الجلد تَوليعُ البهَقْ
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة: إن أردت الخطوط قلت: كأنها؛ وإن أردت البلق فقل: كأنه، قال: فضرب بيده على كتفي وقال: كأن ذلك توليع في الجلد. الصحيح أنه يُخاطب مهراً لا مهرة، لقوله: من ذي ألِّ. وقوله بعدهما:

ومِن مُوصًّي لم يُضِع قولا لي

فالصواب إنشاده: لا تشل بغير ياء. وبارك فيك الله بفتح الكاف؛ وذلك التكلف كله لا معنى له. والحجة المجانسة لما سُئل عنه أبو علي ﵀ وذلك قوله: من ذي ألِّ، وهو يريد مؤنثا:

قامت تُبَكِّيه على قبرهمَنْ لِيَ من بَعدك يا عامرُ
تَركتَنِي في الدار ذا غُرَبةٍقد ذَلَّ من ليسَ له ناصرُ

قال: إنما قال: ذا غربة، لأن الياء التي في قوله: تركتني ونحوها تكون ضميراً للذكر والأنثى، وهذا لمراعاة اللفظ وإن كان المعنى مؤنثاً؛ كما راعوا اللفظ في نقيض هذا وإن كان المعنى مذكرا؛ قال معقل بن خويلد:

ولا يَستسقِط الأقوامُ مِنِّينَصِيبَهُم ويُترَكُ لي نَصِيبُ
إذا ما البُوهَةُ الهوكاءُ أَعْيَافلا يَدرِي أيَصْعَدُ أم يَصُوبُ

فإنما قال: الهوكاء لتأنيث البوهة، ولا يجوز أن يقال: رجل هوكاء؛ وكذلك قول شريح بن مجير التغلبي:

وعَنْتَرةُ الفَلْحَاء جاء مُلأَماًكأنك فِندٌ من عَمايَةَ أَسْوَدُ
للشاعر شريح الثعلبي، اقرأ القصيدة

لو قال زيد أو عمرو مكان عنترة، لم يجز أن يقول الفلحاء. ومن تأنيث اللفظ دون المعنى قول بياض يعني القُراد:

وما ذَكَرٌ فإن يَكْبُر فأُنْثَىشَدِيدُ الأَزْم ليس بذِي ضُرُوسِ

يعني أنه عظم قيل له: حلمة، والحلمة إنما هي مؤنثة اللفظ لا مؤنثة المعنى؛ ومثله قول بياض:

إنّا وجدنا بني سَلمى بمنزلةمثل القُرَاد على حَالَيهِ في الناسِ

وهذا من أخبث الهجاء. يقول: إنهم يولدون ذكراناً فإذا شبوا صاروا إلى حال الإناث.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

أيا عمرو كَمْ من مُهْرَةٍ عَرَبِيَّةٍمِنَ النّاسِ قد بُلْيَتْ بوَغْدٍ يَقُودُها الأبيات

خلط أبو علي ﵀ في هذا الشعر، فمنه أبيات من شعر ابن الدمينة الذي أوله:

هل اللهُ عافٍ عن ذُنوبٍ تُسُلِّفَتْأمِ اللهُ إن يَعْفُ عنها مُعِيُدها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

وأبيات من شعر الحسين بن مطير الذي أوله:

خليليّ ما بالعيش عَتْبٌ لو أنَّناوَجَدنا لأيّام الحِمَى مَنْ يُعِيدُها

وأبيات مجهولة لا يعلم قائلها. ورواية أبي علي ﵀: من الناس قد بُليت. يريد بُليت فخفف. والرواية المشهورة السالمة من الضرورة قد بلَّت، من قولهم: بللت به أَبلُّ بلالة وبلولا، أي صليت به؛ ومعنى هذا البيت كمعنى قول بنت النعمان بن بشير الأنصاري في زوجها روح بن زنباع:

وهل هِنْدُ إلاّ مُهْرَةٌ عَرَبيَّةٌسَلِيلَةُ أفراسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ
فإن نُتِجَتْ مُهراً كريماً فبالْحَرَيوإن يكُ إقرافٌ فما أنجبَ الفَحْلُ

وزعم الليثي أن أسمها حمدة. وروايته:

وهل أنا إلاّ مُهرةٌ عَربيَّةٌ

قال الليثي: تقوله في زوجها روح بن زنباع الجذامي وهما يمانيان يجمعهما النسب والدار؛ ولو كانت نزارية وهو قحطاني قيل هذا لما بين نزار وقحطان، وروح سيد يمانية الشام يومئذٍ قائدها وخطيبها ومحربها وبئيسها!. وإنما قالت ذلك لأسرٍ مسه يوم المرج. وقيل مسَّه قبل ذلك في حرب غسان فافتدى؛ فقالت قول العربية الشريفة للمولى الهجين وعيَّرته الإقراف. وهذا ومثل قول عقيل بن علَّفة، وهو أحد بني غيظ بن مرة، لعثمان بن حيان المري وهو أحد بني مالك ابن مرة. فهما ابنا عمٍّ حين قال له عثمان، وهو أمير المدينة: زوجني أبنتك، قال: أناقتي أصلحك الله؟ فظن أنه لم يسمع؛ فرفع عثمان صوته: زوجني ابنتك! فرفع عقيل صوته فقال: أناقتي أصلحك الله؟ فقال عثمان: أنت عربي جاهل أحمق! وأمر بإخراجه. وكان عثمان قد مسَّه - أو أباه - أسرٌ فأنشأ عقيل يقول:

كنَّا بني غَيْظٍ رجالا فأصبحَتْبنو مالكٍ غَيظاً وصِرنا لمالكِ
لحى اللهُ دهراً ذَعْذَع المالَ كلَّهُوسَوَّدَ أَسْتَاهَ الإماءِ العوارك
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «لحى الله دهرا ذعذع المال كله»

وفي " ص س " وأنشدنا أبو علي لعبد الله بن سبرة الحرشي الذي قطع يده أُطربون الروم قصيدةً أولها:

وَيْلُ أمِّ جارٍ غَداةَ الرَّوعِ فارَقَنِيأَهْوِنْ عليّ به إذ بَانَ فانقَطَعا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة

وفيها يصف الأُطربون، وهو البطريق؛ وقيل هو اسم لهذا:

كأَنَّ لِمَّتَه هُدَّابُ مُخْمَلَةٍأَزْرَقُ أحمرُ لم يُمْشَطْ وقد صَلِعَا

هكذا رواه أبو علي ﵀ لم يمشط، أي لم يسرح بالمشط لم يختلف في ذلك عنه، وهو تصحيف لا شك فيه؛ وإنما هو: " لم يشمط وقد صلعا ".

كذا رواه عامة العلماء، يريد حصَّتِ البيضة هامته فصلع، وليس ذلك من كبر، لأنه لم يشمط بعد، كما قال أبو قيس بن الأسلت:

قد حصَّتِ البَيضَةُ رأْسِي فماأَطْعَمُ نوماً غَيرَ تَهجَاعِ

وأحمر أزرق من نعت الرومي. وكان من خبر هذا الشعر: أن ابن سبرة كان في جمع من المسلمين اتّبعوا فلاًّ للروم هزموهم حتى انتهوا إلى جسر خلطاس، فحمى الروم قائد لهم - وهو هذا الاطربون المذكور - وراءهم، فجعل لا يبرز إليه أحد من المسلمين إلا قتله، فلما رأى ابن سبرة ذلك نزل إلى الروميّ وقد نكل الناس عنه، فمشى كلّ واحد منهما إلى صاحبه والناس ينظرون، فبدره الرومي الضربة فأصاب يد ابن سبرة، وعانقه ابن سبرة واعتقله فصرعه وقعد على صدره، وبادره المسلمون، فناشدهم أن يتوقفوا عنه حتى يقتله هو بيده، ففعل؛ فذلك قوله:

فإن يكن أُطْرُبُونُ الرُّومِ قَطَّعَهافقد تركتُ بها أَوصالَه قِطَعَا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
وإن يكن أُطُرُبُونُ الروم قطّعهافإنّ فيها بحمد الله مُنْتَفَعَا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
بَنَانَتَينِ وجُذمَوراً أُقِيمُ بهاصَدْر القَناةِ إذا ما آنَسُوا فَزَعَا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة

أراد بالجذمور: أصل الإصبع. والجذمور والجذمار: قطعة تبقى من السعفة إذا قُطعت؛ وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي في الجذمور أصل الإصبع، وهو من أبيات المعاني:

وكنت إذا أدْرَرْتَ منها حَلُوبةًبجُذمُورِ ما أَبقى لَك السَّيفُ تَغضَبُ

قال: هذا رجل قُطعت أصابعه وبقيت أُصولها فأخذ ديتها إبلا؛ فقال له الشاعر: متى تدرر منها حلبا تذكر فاعل ذلك بك فتغضب.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ شعراً أوله:

أَشَاقَتْكَ البَوارِقُ والْجُنوبُومِن عُلْوِي الرِّياح لها هُبُوبُ

وفيه:

وشمِتُ البارِقاتِ فقُلتُ جِيدَتْجِبالُ البُتْرِ أو مُطِر القليبُ

هكذا رواه أبو علي ﵀ البتر بالباء المعجمة بواحدة المضمومة. والتاء المعجمة باثنتين، وهذا غير معروف. ورواه غيره: جبال البثر بالباء المفتوحة والثاء المثلثة. والبثر: ماء معروف بذات عرق؛ قال أبو جندب:

إلي أنَّا نُسَاقُ وقد بلغناظِماءً عَن سُمَيحَةَ ماءَ بَثْرِ

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لذي الرمة:

إذا نُتِجَتْ منها المَهَارَى تَشَابَهَتْعلى العُوذِ إلاّ بالأُنُوفِ سَلاَئِلُه

الشعر في صفة فحل على ما يأتي ذكره؛ وصحة إنشاده: إذا نتجت منه المهارى، وأيضا فإنه لا يقال: نتج من الناقة كذا؛ إنما يقال في الفحل، لأن الناقة منه نتجت؛ وصلة هذا البيت:

خِدَبُّ الشَّوَى لم يَعْد في آلِ مُخِلفٍأَنِ احْضَرَّ أوْ زَمّ بالأنف بازُله
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «عفا الزرق من مي فمحت منازله»

ومضى في صفة هذا البعير ثم قال:

سواءٌ على ربّ العشارِ الذي لهأَجِنَّتُها سُقبانُه وحَوائِلُه
إذا نُتِجَتْ منها المَهَارَى تَشَابَهَتْعلى العُوذِ إلاّ بالأُنُوفِ سَلاَئِلُه

قوله: خدب الشوى: أي ضخم القوائم عظيمها. وأراد لم يعد أن طلع بازله، وهو في شخص مخلف. والآل: الشخص، فقدَّم وأخرَّ. والمخلف: الذي أَتى عليه حولٌ بعد البزول. وقوله: زمّ بالأنف، يريد حين ارتفع، وهذه استعارة؛ ولذلك يقال للمتكبر: زمَّ بأنفه كأنه طمح برأسه والناب إذا طلع يكون أخضر كأنه ورقة آسٍ؛ قال أبو النجم: ثم قال: هذا البعير كريم النسل، فسواء على ربه أأذكر أم آنث. والحائل: الأنثى من أولاد الإبل.

وفي " ص س " وانشد أبو علي ﵀ لرؤبة:

وطامِحِ النَّخْوةِ مُسْتَكِتِّطَأطأَ من شَيْطانه التَّعَتِّي

هكذا أنشده، ولا يستقيم ذلك ولا يصحّ؛ وإنما صحّة إنشاده:

طَأطَأَ من شيطانه المُعَتِّي

وبعده:

صَكِّى عَرانِينَ العِدَى وصَتِّىحتَّى تَرَى البَيِّنَ كالأَرَتِّ

المعتى: العاتي، يقال: عَتَى وعَتَّى فهو معت؛ وفاعل طأطأ قوله: صكى عرانين العدى. قال الأصمعي: الصَّتُّ: الصك، ولا يُصرف. وقال غيره: الصَّتُّ والصَّتيت: الجلبة والصياح؛ وقيل: الصت: الدفع؛ وقيل: هو الضرب باليد. وقال الأصمعي: المستكتُّ: العظيم في نفسه؛ وقيل هو الغضبان. ولرواية أبي علي ﵀ وجيه مخرج عليه، وهو أنه أراد ذي التعتي فحذف.

وفي " ص س " وقال أبو علي ﵀: دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك، فقال له يزيد: لو لم تمت إلينا بحرمة، ولا جددت لنا مدحا، غير أنك مقتصر على بيتيك فينا لاستوجبت عندنا جزيل الصلة؛ ثم أنشد يزيد:

وإنِّي لأسْتَحْيِيكُمُ أن يَقُودَنيإلى غَيركم من سائر الناس مَطمَعُ
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإني لأستحييكم أن يقودني»
وأَن أَجْتَدِي للنفع غَيرَك منهُمُوأنتَ إمامٌ للبرّية مَقنَعُ
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإني لأستحييكم أن يقودني»

إنما قال الأحوص هذا الشعر في عمر بن عبد العزيز لا في يزيد بن عبد الملك.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

إنِّي رأيتُكَ كالوَرْقَاءِ يُوحِشُهاقُرْبَ الألِيف وتَغشَاه إذا نُحِرَا

قال: والورقاء: ذئبة تنفر من الذئب وهو حيٌّ، وتغشاه إذا رأت به الدم. لا أعلم أحدا أنشد هذا البيت إلا أبا علي. والتفسير الذي ذكره خلاف المعهود في ذكران الحيوان وإناثه. وكيف يُسمى أليفل من يوحش قربه! وإنما الأليف من يوحش بعده ويؤنس قربه؛ والمحفوظ في هذا ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي عن أبي المكارم ﵏: أن الذئاب إذا رأت ذئباً قد عُقر وظهر دمه أكبّت عليه تقطعه وتمزقه؛ وأنثاه معها تصنع كصنيعها؛ وأنشد للعجاج:

ولا تكُونِي يا بَنةَ الأَشمِّورقاءَ دَمَّي ذِئبَها المُدَمِّى

يقول لامرأته: إذا رأيت الناس قد ظلموني فلا تكوني علي معهم كما تفعل هذه الذئبة بذكرها؛ وقال الفرزدق:

وكنتَ كذئب السوءِ لمَّا رأى دماًبصاحبه يَوماً أحالَ على الدَّمِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقائلة والدمع يحدر كحلها»

وقال العجير السَّلولي:

فَتًى ليس لابن العَمّ كالذئب إن رأىبصاحبه يَوماً دَماً فهو آكِلُه
للشاعر زينب بنت الطثرية، اقرأ القصيدة

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لسوّار:

ونحنُ حَزَزنا الحَوْفَزَانَ بطعنةٍسَقَتْه نَجِيعا من دم الجَوْف أَحمرَا

هذا وهم من أبي علي؛ وإنما هو:

سقته نجيعا من دم الجوف أَشكُلا

وبعده:

وحُمْرانَ قَيسٍ أنزلْتُه رِماحُنافعالَج غُلاًّ في ذِراعَيْه مُقَفَلا
قَضى اللهُ أنَّا يوم تُقْتَسمُ العُلاأحقُّ بها منكم فأعطى وأفضلا

يقول هذا الشعر سوَّار بن حبان المنقري، وهو شاعر جاهلي إسلامي في يوم جدود. وحمران الذي ذكر هو حمران بن عبد عمرو بن بشر بن مرثد.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي لأيمن بن خزيم شعراً أوله:

وصَهباءَ جُرجَانّيةٍ لم يَطُفْ بهاحَنِيفٌ ولم تَنْغَر بها ساعةً قِدْرُ
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

هذا الشعر للأقيشر؛ كذلك ذكر ابن قتيبة والأصبهاني. وهو ثابت في ديوان الأُقيشر؛ والأُقيشر لقب غلب عليه، لأنه كان أحمر أقشر. واسمه المغيرة بن عبد الله بن معرض من بني أسد بن خزيمة

يُكنى أبا مُعرِّض شاعر إسلامي؛ فأما أيمن فهو أيمن بن خُزيم بن الأخرم ابن شداد بن عمرو بن فاتك الأسدي. وخريم له صحبة، وهو ممن اعتزل الجمل وصفين وما بعدهما من الأحداث. وكان أيمن فارساً شريفاً، وكان يتشيع وكان به وضح، وفي هذا الشعر:

أتاني بها يحيى وقد نمتُ نَومةًوقد غابت الشِّعْرَى وقد جنح النَّسرُ
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

هكذا رواه أبو علي ﵀ وهي رواية مختلة لا تصحُّ؛ وإنما صحَّةُ إنشاده:

وقد غابت الشعرى وقد طلع النسرُ

لأن الشعرى العبور إذا كانت في أُفق المغرب، كان النسر الواقع طالعاً من أفق المغرب؛ وكان النسر الواقع حينئذ غير مُكبِّد، فكيف يكون جانحا؛ وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعاً على نحو سبع درجات أيضا؛ فكان النسر الواقع نظير الشعرى العبور؛ قال الشاعر:

فإنِّي وعبدَ الله بَعدَ اجتماعنالكالنَّسر والشِّعرَى بشَرْقٍ ومَغْرِبِ
يلوحُ إذا غابَتْ من الشرق شَخصُهوإن تَلُحِ الشعرى له يَتَغَيَّبِ

وقال أبو نؤاس:

وخَمَّارَةٍ نبَّهتُها بعدَ هجعَةٍوقد لاَحَتِ الشعرى وقد جَنَحَ النَّسرُ
فقالت مَن الطُّرَّاقُ قلنا عصابَةٌخِفَافُ الأدَاوَى تُبْتَغَي لهمُ الخَمرُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر»

ويروى:

وخمارة نبهتها بعد هجعةوقد لاحت الجوزاء وانغمس النسر

لأن الشعرى العبور تلو الجوزاء؛ ولذلك سُميِّت كلب الجبار؛ والجبار: اسم للجوزاء.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لسلمى بن ربيعة:

حَلَّتْ تُماضِر غُرَبةً فاحْتَلَّتِفَلْجاً وأهْلُك باللِّوَى فالحَلَّتِ
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة
فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍأو سُنْبُلاً كُحِلَت به فانْهَلتِ الأبيات

هكذا روى عن أبي علي ﵀ سلمي بفتح السين والميم، ولم تختلف الرواة أن اسم هذا الشاعر سُلمى بضم السين وكسر الميم وتشديد الياء. وهو سلمي بن ربيعة بن زبان بن عامر من بني ضبة، شاعر جاهلي. وابناه: أُني وعوية، شاعران. وفلج: وادٍ بطريق البصرة إلى مكة. والحلة بفتح الحاء: موضع حزن وصخور متصل رملٍ بجلدٍ في بلاد بني ضبّة. وروى أبو تمام البيت الثاني:

فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍكُحِلت به أو سُنْبُلاً فانْهَلَّتِ

وهي أحسن من رواية أبي علي ﵀ لأنه يلزمه على روايته أن يقول: كُحلت بهما. فأما قوله: فكأن في العينين.. ثم قال: كُحلت ولم يقل: كُحلتا ولا انهلتا، فلأن الشيئين إذا اصطحبا وقام كلّ واحد منهما مقام صاحبه، جرى كثيراً عليهما ما يجري على الواحد؛ كما قال الراجز:

لَمِنْ زُحلُوفةٌ زُلُّبها العَيْنان تَنْهَلُّ

ولم يقل: تنهلان؛ وقال الفرزدق:

ولو بَخِلَت يدايَ بها وضَنَّتْلكان عَليَّ للقَدَر الخِيَارُ

والتزم هذا الشاعر اللام قبل التاء في جميع هذه الأبيات وليست بواجبة، لأن حرف الروي إنما هو التاء؛ وقد يلتزم المدلُّ ما لا يجب عليه ثقةً بنفسه وشجاعة في لفظه وذلك موجود كثير.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لرجل من بني تميم:

ولمّا رأينَ بني عاصِمدَعَوْن الذي كُنَّ أُنْسِينَهُ
فَوارَيْنَ ما كنّ حَسَّرْنَهُوأخْفَيْنَ ما كُنَّ يُبْدِينَهُ

وقال أبو علي ﵀: يصف نساء سُبين فأُنسين الحياء فأبدين وجوههن وحسرن رءوسهن، فلما رأين بني عاصم أيقنّ أنهن قد استنقذن فراجعن حياءهن. إنما رواه العلماء:

ولمّا رأينَ بني عاصِمذكرنَ الذي كُنَّ أُنْسِينَهُ

وهذه الرواية أشبه بتفسير أبي علي وقوله راجعن حياءهن؛ ولا مدخل للدعاء هاهنا، ولا هناك مدعوٌّ يدعى. وفي هذه الرواية مع صحَّة معناها الصناعة التي تُسمى المطابقة. وهذا التميمي الذي أنشد له الشعر، وهو ذو الخرق الطهوي؛ ومثله في المعنى قول رجل من بني عجل:

ويومٍ يُبِيلُ النساءَ الدِّماءجَعَلْتَ رِداءك فيه خِمارا
ففرَّجتَ عنهن ما يتَّقِينوكنت المحَامِيَ والمُستَجارا

الرداء هنا: السيف. يقول: استنقذهن بسيفه، فكأنه قد وضع به خمراً على رءوسهن، لأنهنّ كنَّ مكشفات الرءوس فاختمرن. ويبيل الدماء، أي يسقط الحبالى أجنتهن فيسيل دماءهن؛ وقال باعث بن صريم اليشكري في مثله:

وخِمارِ غانِيَةٍ شَدَدْتُ برأسهاأُصُلاً وكان مُنشّراً بشِمالها
وعَقِيلةٍ يَسعَى عليها قَيِّمٌمُتَغَطرِسٌ أَبْدَيْتُ عن خَلْخالها

فقوله: " وخمار غانية شددت برأسها " كقول الأول: " فستَّرن ما كنّ حسَّرنه " وقوله: ".......وكان منشراً بشمالها " إن قيل: لِمَ خصَّ الشمال دون اليمين؟ فالجواب أن اليمين هي التي يستعان بها في العدو، وتُخلى للدفع والذبّ، وهي في ذلك كله أقوى من الشمال: فشمرة الساعي الناجي وحمله لشيء إن حمل إنما يكون بشماله. وهذه المرأة لما شمّرت للهرب حملت خمارها بشمالها. وقوله: أبديت عن خلخالها، أي أغرت على حيِّها فأحوجتها إلى رفع ذيلها. والتشمير: للهرب والفرار؛ وهذا كما قال الآخر:

لعَمري لَنعمَ الحيُّ حَيُّ بني كَعبٍإذا نَزَلَ الخلخالُ مَنْزِلةَ القُلْبِ

أي إذا شمرن للسعي فبدت خلاخيلهن كما تبدو أسورتهن. وقيل: إنه أراد تخففت للنجاء فوضعت خلخالها في يدها كما فعلت تلك بخمارها. وقيل: إنه أشار إلى الدَّهش والحيرة فرقاً، فلم تتجه للبس خلخالها ولا علمت موضعه من موضع سوارها.

وفي " ص س " قال أبو علي ﵀: العرب تقول: " لا والذي أخرج قابية من قوبٍ " يعنون فرخا من بيضة.

قلب أبو علي ﵀ مذهب العرب؛ وإنما يقولون: " لا والذي أخرج قوباً من قابية " أي فرخا من بيضة. فالقوب: الفرخ والقابية: البيضة؛ وإنما لبس على أبي علي ﵀ قولهم: " تخلصت قابية من قوب " وهو مثل من أمثالهم، أي تخلصت بيضة من فرخ. وأصل هذا من قولهم: تقوَّب الشيء إذا تقلع وانفطر، وقوَّبته تقويباً. ومنه اشتقاق القوباء لتقلع الجلد عنها.

وفي " ص س " قال أبو علي ﵀: قال الله ﵎: (وَإذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) أي كثَّرنا. وقال أبو عبيدة ﵀: يقال: خير المال سكة مأبورة، ومهرة مأمورة؛ فالمأمورة: الكثيرة الولد من آمرها الله، أي كثّرها. وكان ينبغي أن يقال: مؤمرة؛ ولكنه أُتبع مأبورة. والسِّكَّة: السَّطر من النخل، وقال الأصمعي ﵀: السِّكَّة: الحديدة التي تُفلح بها الأرضون. والمأبورة: المصلحة، يقال: أبرت النخل آبره أبراً إذا لقَّحته وأصلحته. قال: وقد قرئ: (أَمَّرْنا مُتْرَفيها) على مثال فعَّلْنا.

هذا كلام من يعتقد أن القراءة المشهورة آمرنا بالمدّ، وأنّ أمرنا بالقصر شاذَّة. ولا اختلاف بين الأئمة السبعة - رضوان الله عليهم - في قراءتها أمرنا بالقصر على مثال فعلنا. وهذه هي القراءة المقدمة والأصل. ويقال في غيرها من الشواذّ: وقد قرئ كذا. ومعنى قراءة الجماعة: أمرناهم بالطاعة ففسقوا، كما تقول: أمرتك فعصيتني؛ وقد عُلم أن الله سبحانه لا يأمر إلا بالعدل والإحسان، كما قال تعالى في مُحكم كتابه. وقيل: معنى أَمرنا وآمرنا واحد، أي كثرنا؛ وقد أورد ذلك أبو علي إثر هذا عن ابن كيسان - رحمهما الله - وهو مروي عن جلة اللغويين، والشاهد لصحته قول النبي ﷺ الذي نسبه أبو علي إلى أبو عبيدة - رحمهما الله - ولا ينبغي لعالم أن يجهل مثل هذا؛ وذلك قوله: " خير المال سكة مأبورة ومُهرة مأمورة " وحمل حديث النبي عليه أفضل السلام على هذه اللغة الفصيحة أولى من حمله على أنه أراد أن يتبعه ما قبله، لأنه لم يكن من المتكلفين ﷺ. وقراءة الجماعة هي المروية عن الصحابة والتابعين - رضي الله

عنهم - إلا الحسن ﵁ فإنه قرأ آمرنا بالمدّ. وكذلك قرأ الأعرج إلا أبا العالية الرياحي - رحمهما الله - فإنه قرأ أمرنا بالتشديد. ورويت عن علي بن أبي طالب ﵁. وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعنى: جعلنا لهم إمرة وسلطانا. والآخر: أن يكون المعنى كثرنا، فيكون بمعنى آمرنا وبمعنى أمّرنا على أحد الوجهين. قال الكسائي ﵀: ويحتمل أن يكون أمرنا بالتخفيف غير ممدودة بمعنى أمّرنا بالتشديد من الإمارة، فكانت هذه القراءة الاختيار لما اجتمعت فيها المعاني الثلاثة. ومترفوها: فُسَّاقها. وقيل: جبابرتها.

وفي " ص س " قال أبو علي ﵀: إن أصل المثل في قولهم: " سبق السيف العذل " للحارث بن ظالم. إنما أصل المثل لضبة بن أُدٍّ، والمقتول الحارث بن كعبٍ في خبر مشهور ذكره غير واحد؛ وذلك أن ضبة كان له ابنان: سعد وسعيد، خرجا في بغاء إبل، فكان ضبة كلما رأى شخصا قال: أسعد أم سعيد؟ فرجع سعد، ولم يرجع سعيد؛ فبينما ضبة يسير مع الحارث بن كعب في الشهر الحرام، قال له الحارث: إني قتلت في هذا المكان فتى من هيئته كذا، وهذا سيفه، فقال له ضبة: ناولني إياه، فناوله؛ فقال ضبة: " الحديث ذو شجون " فأرسلها مثلاً وضربه به حتى برد، وليم في قتله في الشهر الحرام فقال: " سبق السيف العذل ". وضبة كلها ترجع إلى سعد. وكان لضبة ابن ثالث يُسمَّى: باسلاً، وهو أبو الديلم.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ للأضبط بن قريع:

لِكُلِّ أمرٍ من الأُمور سَعَهْوالصُّبْحُ والمُسْيُ لا فَلاحَ مَعَهْ

وهي أبيات منها:

وصِلْ حِبالَ البعيدِ إن وَصَلَ الحَبْلَ وأَقْصِ القريبَ إن قَطَعَهْ

قال أبو علي: قال أبو العباس ثعلب: وكان الأصمعي ﵏ ينشده:

فصِلَنّ البَعِيدَ إن وَصل الحَبْلَ

هذا الإنشاد الذي نسبه إلى الأصمعي ﵀ لا يجوز، لأن البيت يكون حينئذ من العروض الخفيف، والشعر من المنسرح، والأصمعي لا يجهل ذلك.

وفي " ص س و " وأنشد أبو علي ﵀ لرجل من خزاعة:

قد كُنْتُ أَفْزَعُ للبيضاء أُبْصِرهامن شَعر رَأسِي فقد أَيِقَنْت بالبَلَقِ
ألآن حينَ خَضَبْتُ الرأسَ زَايَلَنِيما كنتُ ألْتَذُّ من عَيْشي ومن خُلُقيِ

وهي أبيات هذا الشعر لأبي الأسود الدؤلي. والدئل من كنانة لا من خزاعة. وكذلك أنشده محمد بن يزيد ﵀ وغيره لأبي الأسود ﵀ وهو ثابت في ديوان شعره. والرواية الجيدة في البيت الأول:

قد كنتُ أرتاعُ للبيضاء في خَلَدٍفالآنَ أرتاعُ للسوداء في يَقَقِ

أخذ هذا المعنى أبو تمام ﵀ فقال:

شَابَ رأسِي وما رأيتُ مَشِيبَ الرأسِإلاّ من فَضْل شَيْبِ الفؤادِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»
طَالَ إنكارِيَ البياضَ وإن عُمِّرتُشيئا أنكرتُ لَونَ السَّوادِ

وحسَّنه أبو الطيب ﵀ فقال:

رَاعَتْكِ راعيَةُ البياضِ بعارِضِيولَوَ أنّها الأُولَى لَرَاعَ الأَسْحَمُ
لو كان يُمكِنُني سَفَرتُ عن الصِّبافالشِّيبُ من قَبل الأوانِ تَلَثَّمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

قال سيبويه ﵀ الدئل في كنانة على وزن فُعل. وهو مثال عزيز. والدؤل في حنيفة. والدِّيل في عبد القيس.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

قرِيبٌ ثَراهُ لا ينال عَدُوُّهله نَبَطاً عندَ الهَوَانِ قَطُوبُ
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة

هذا البيت لكعب بن سعد الغنوي. وقد أنشد أبو علي ﵀ القصيدة بكمالها بعد هذا؛ وروايته في هذا محالة مردودة. والصحيح: " ... آبى الهوان قطوب " لأنه إذا قال عند الهوان قطوب قد أثبت أنه مهان مدال؛ وأنه يقطِّب عند نزول ذلك به. وهم يقولون في مديح الرجل: هو " آبي الضيم " و " آبى الهوان "، ولذلك قالوا: " رجل أبيٌّ "، وقال معبد بن علقمة:

فَقُل لِزُهَيرٍ إن شَتَمْتَ سَرَاتنافَلسْنا بشَتَّامِين للمُتَشَمتَّمِ
ولكنّنا نأبىَ الظلامَ ونَعتَصِيبكُلِّ رقِيق الشَّفَرَتينِ مُصَمِّمِ
وتَجهَلُ أَيدِينَا ويَحلمُ رأيُناونَشتِمُ بالأفعالِ لا بالتَّكلُّمِ

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ غير منسوب في خبر ذكره عن الأصمعي ﵀:

أحَقاًّ عبادَ الله أن لَسْتُ ناظِراًإلى قَرْقَرَي يَوْماً وأعلامِها الغُبْرِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
كأنَّ فؤادِي كلما مرَّ راكبٌجَنَاحُ غُرابٍ رام نَهْضاً إلى وَكْرِ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
إذا ارْتَحَلَتْ نحوَ اليمامة رُفْقَةٌدعاك الهوى واهتاجَ قَلْبُك للذِّكْرِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
فيا راكبَ الوَجْناء أُبْتَ مُسَلَّماًولا زِلْتَ من رَيْب الحوادث في سِتْرِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
إذا ما أتَيْتَ العِرْض فاهْتِف بِجَوِّهِسُقِيتَ على شَحْطِ النَّوَى سَبَلَ القَطْرِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
فإنك من وادٍ إليَّ مُرَجَّبٌوإن كنتَ لا تُزْدارُ إلاَّ على عُفْرِ

خلَّط أبو علي ﵀ في هذا الشعر، وهو من شعرين مختلفين لرجلين؛ فثلاثة الأبيات منه ليحيى بن طالب على ما أنا ذاكره. وثلاثة الأبيات منه لقيس بن معاذ. وكان يحيى بن طالب الحنفيُّ سخيًّا يقري الأضياف، فركبه الدَّين الفادح فجلا عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد من أهل اليمامة الشخوص من بغداد إلى اليمامة فشيَّعه يحيى، فلما جلس الرجل في الزورق ذرفت عينا يحيى وأنشأ يقول:

أحَقاًّ عبادَ الله أن لَسْتُ ناظِراًإلى قَرْقَرَي يَوْماً وأعلامِها الخُضْرِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»

هكذا صحة إنشاده، وأعلامها الخضر لا الغبر، كما أنشده أبو علي ﵀ وكيف يحن إلى أوطان يصفها بالجدب والغبرار!

إذا ارْتَحَلَتْ نحوَ اليمامة رُفْقَةٌدعاك الهوى واهتاجَ قلبُك للذِّكرِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
كأنّ فؤادِي كُلّما مرّ راكبٌجَنَاحُ غُرَبٍ رام نَهْضاً إلى وَكْرِ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
فيا حَزَنا ماذا أجِنُّ من الهوىومِن مُضمَرِ الشَّوق الدَّخِيلِ إلى حَجْرِ
تَعَزَّيتُ عنها كارِهاً فتركتُهاوكان فرَاقِيها أمرَّ من الصَّبْرِ
أقولُ لموسى والدموعُ كأنّهاجَدَاوِلُ ماءٍ في مَسَارِبها تَجْرِي
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
ألا هل لشَيخٍ وابنِ ستِّين حِجَّةًبكى طرباً نحو اليمامة من عُذرِ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.