من «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
التنبيهات الواردة على الجزء الأول (٣)
عن المطلب بن أبي وداعة. هذا مما التبس على أبي علي يأَيُّهَا الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه هَلاَّ نَزَلتَ بآلِ عَبدِ الدار
هَبِلَتْكَ أُمُّك لو نَزَلْتَ برَحْلهممَنَعُوكَ من عُدْمٍ ومن إقتار
حفظه، وإنما أراد كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، ولا يعلم للمطلب بن أبي وداعة ابن يُسمى المطلب؛ إنما يروى عنه ابنه كثير وابن ابنه كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده. واسم أبي وداعة الحارث بن ضبيرة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب ابن لؤي. وأُسر أبو وداعة يوم بدر فقال رسول الله ﷺ: " إن له بمكة أبناً كيِّسا " فافتدى المطلب أباه بأربعة آلاف درهم. وهو أول من فودي من أسرى بدر. وأسلم هو وابنه يوم الفتح.
وروى غير واحد عن كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حذو الركن الأسود والرجال والنساء يمرون بين يديه ما بينه وبينهم سترة. وقوله
في الشعر: الخالطين فقيرهم بغنيهم؛ هذا هو المدح الصحيح والمذهب المستحسن، كما قالت خرنق بنت هفان من بني قيس بن ثعلبة:
لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الذين هُمُسُمُّ العُدَاة وآفَةُ الجُزْر
النازلين بكلّ مُعْتَركٍوالطيِّبُون مَعَاقِدَ الأُزْرِ
والخالِطين نَحِيَتهم بنُضَارهموذوي الغَنِي منهم بذي الفَقْرِ
وعيب على زهير قوله:
على مُكْثِريهم رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهموعند المُقلِّين السماحةُ والبَذْلُ
فأثبت فيهم مقلين. وفي بعض نسخ الأمالي بيت زائد في هذا الشعر الفائي؛ وهو:
منهم عليٌّ والنبيُّ محمدٌالقائلين هَلُمَّ للأضياف
وهذا بيت محدث، ذكر أبو نصر أن جده صالحاً أبا غالب ألحقه به، وروى أبو عمر المطرز قال: أخبرني أبو جعفر بن أنس الكرباسي ﵏ عن رجاله قال: كان رسول الله ﷺ يمشي ذات يوم في طريق من طرقات مكة فسمع جارية تنشد:
كانت قُرَيشٌُ بَيْضةً قَتفَلَّقَتْفالمُحُّ خالِصُهُ لعبد الدار
فأقبل على أبي بكر ﵁ فقال: " أهكذا قال الشاعر " فقال: فداك أبي وأمي وإنما قال:
كانت قُرَيشٌُ بَيْضةً قَتفَلَّقَتْفالمُحُّ خالِصُهُ لعبد مَنافِ
فقال النبي ﷺ: " نعم وليس ميل الرجل إلى أهله بعصبية ". والعرب تقول للرجل: هو بيضة البلد، يمدحونه بذلك؛ وتقول للآخر: هو بيضة البلد، يذمونه بذلك. والممدوح يراد به البيضة التي يحضنها الظليم ويصونها ويوقيها، لأن فيها فرخة، والمذموم يراد به البيضة المنبوذة بالعراء المذرة التي لا حافظ لها ولا يدري لها أب، وهي تريكة الظليم، قال الرماني: إذا كانت النسبة إلى مثل المدينة ومكة والبصرة فبيضة البلد مدح، وإذا نسب إلى البلاد التي أهلها أهل ضعة فبيضة البلد ذمّ، وقال حسان ﵁ في المدح:
أَمسَى الجلابِيبُ قد عزُّوا وقد كثرُواوابنُ الفُرَيعَةِ أَمْسَى بَيْضَةَ البَلَدِ
أي واحد البلد، وكان المنافقون يسمون المهاجرين ﵃ الجلابيب، فلما قال حسان ﵁ هذا الشعر اعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف، فأعلموا النبي ﷺ فقال لحسان ﵁: " أحسن في الذي أصابك " فقال: هي لك، فأعطاه النبي ﷺ عوضاً: بيرحاء - وهي قصر بني جديلة اليوم - وسيرين، فهي أم عبد الرحمن ابن حسان ﵄.
وفي " ص س " وذكر أبو علي ﵀ قولهم: هو " أجبن من صافر " قال: أراد مصافر ما يصفر من الطير؛ وإنما وصف بالجبن لأنه ليس من سباعها. المحفوظ في تفسير هذا المثل غير ما ذكره؛ ويسوغ على مذهبه أن تقول: هو " أجبن من حمام " و " أجبن من يمام " وكذلك
سائر ما يصاد وسائر الرُّهام الذي لا يُصاد، لأن ذلك كله ليس من سباع الطير؛ وإنما الصافر في هذا المثل: الصفرد، وهو طائر من خشاش الطير يعلق نفسه من الشجر ويصفر طول ليلته خوفاً من أن ينام فيسقط، فضرب به المثل في الجبن. وذكر ابن الأعرابي ﵀ أنهم أرادوا بالصافر المصفور به فقلبوه، أي إذا صفر به هرب كما يقال: " جبان ما يلوى على الصفير ". وذكر أبو عبيدة ﵀: أن الصافر في المثل هو الذي يصفر بالمرأة للريبة، فهو وجل مخافة أن يُظهر عليه؛ واستشهد بقول الكميت:
أَرجُو لكم أن تكونوا في مَوَدَّتكمكلباً كَوَرْهَاءَ تَقْلِي كلَّ صَفَّارِ
لمّا أجابتْ صَفِيراً كان آتِيَهامن قابِس ٍشَيَّط الوَجْعاء بالنّارِ
وحديث ذلك: أن رجلا من العرب كان يعتاد امرأة وهي جالسة مع بنيها فيصفر بها، فعند ذلك تخرج عجيزتها من وراء البيت وهي تُحدِّث ولدها فيقضي منها وطره؛ ثم إن بعض بنيها أحسَّ منها بذلك فجاء ليلا وصفر بها ومعه مسمار محمي، فلما فعلت فعلها كوي صدعها؛ ثم أن الخل جاءها بعد ليالٍ فصفر بها، فقالت: قد قلينا صفيركم، فضرب به الكميت مثلا.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لبكر بن النَّطَّاح:
ولو خَذَلَتْ أموالُه جُودَ كَفِّهلقاسَمَ مَنْ يَرجوه شطْرَ حياتِهِ
ولو لم يَجِدْ في العُمْرِ قسْما لزائرٍلجادَ لهُ بالشَّطْر من حَسناتِهِ
أسقط أبو علي ﵀ من هذا الشعر ما أخل بمعناه فصار فيه مطعن على الشاعر؛ وهو قد أحسن التخلص فقال:
ولو لم يَجدْ في العُمْرِ قسْما لزائرٍوجازَ لهُ الإعطاءُ من حَسَنَاتِهِ
لجادَ بها من غير كُفرٍ بربِّهوشارَكَه في صَوْمه وصَلاتِهِ
وكان من خبر هذا الشعر أن بكراً قصد مالك بن طوق فمدحه فلم يرض ثوابه، فخرج من عنده وقال يهجوه:
فَلَيْتَ جَدَا مالكٍ كُلَّهُوما يُرْتَجَى منه من مَطْلَبِ
أُصبْتُ بأضعافِ أضعافِهِولم أَنْتَجِعْهُ ولم أَرْغَبِ
أَسأتُ اختِيَارِي فقَلَّ الثوابُ لي الذنبُ جَهْلا ولمُ يذْنَبِ
فلما بلغ ذلك مالكاً بعث في طلبه فلحقوه فردُّوه، فلما نظر إليه قام فتلقاه وقال: يا أخي عجلت علينا؛ وإنما بعثنا إليك بنفقة وعولنا بك على ما يتلوها، فاعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم أعطاه حتى أرضاه، فقال بكر يمدحه:
أقولُ لمُرتادٍ نَدَى غَيْرِ مالكٍكفَى بَذْلَ هذا الخَلْقِ بعضُ عِدَاتهِ
فتًى جاد بالأموال في كلّ جانبٍوأَنْهَبَها في عَودِهِ وبَدَاتِهِ
ولو خَذَلَتْ أموالُه جُودَ كفِّهِلقاسَمَ مَنْ يرجوه شَطْر حَياتهِ
ولو لم يَجِدْ في العُمْر قِسْماً لزائرِ....................البيتين
وفي " ص س " وأنشد أبو علي عن ابن دريد - رحمهما الله - لليلى الأخيلية قال: وكان الأصمعي ﵀ يرويها لحميد بن ثور:
يأيُّها السَّدِمُ المُلَوِّي رأسَهُلِيَقُودَ من أهل الحجازِ بَرِيما
أَتُرِيدُ عَمْرو بنَ الخَلِيعِ ودُونَهكعبٌ؛ إذاً لَوَجدتَهُ مَرْءُوما
إنَّ الخلِيعَ ورَهْطَهُ في عامرٍكالقَلب أُلْبِسَ جُؤْجُؤاً وحَزيما
لا تَغْزُوَنَّ الدهرَ آلَ مُطَرِّفٍلا ظالماً أبداً ولا مظلوما
قزمٌ رِباطُ الخيلِ وَسْطَ بُيوتهموأَسِنةٌ زُرْقٌ تُخَالُ نُجوما
ومُخَرَّقٍ عنه القميصُ تَخالُهُوَسْطَ البيوت من الحياء سَقِيما
حتى إذا رُفِعَ اللواءُ رأيتَهُتحتَ اللواءِ على الخَمِيس زَعِيما
لن تَستِطيع بأن تُحوِّل عِزَّهُمحتى تُحَوِّل ذا الهِضاب يَسُوما
إن سَالمُوك فَدَعْهُمُ من هذهوارقُدْ كَفَي لك بالرُّقاد نَعِيما
قوله: " لا ظالما أبدا ولا مظلوما " هذه رواية محالة؛ وإنما الرواية الصحيحة التي بها يصح معنى البيت: " لا ظالما فيهم ولا مظلوما " لأنه قد يكون ظالما لغيرهم أو مظلوما من غيرهم فيستجير بهم لرد ظلامته، أو لاستدفاع مكروه عقوبته ولابد لهم من إجارته، وعلى رواية أبي علي ﵀ قد نهى كل ظالم ومظلوم أن يقربهم على العموم؛ وهذا إلى الذم أدنى منه إلى المدح. وهذه الرواية على أختلال معناها فيها حشو من اللفظ لا فائدة له، وهو قوله: أبداً؛ لأن ما تقدم من قوله: " لا تقربن الدهر " يُغني عن إعادة " أبداً ". وقوله: " ومخرق عنه القميص " هكذا رواه أبو علي ﵀ بالخفض على معنى وربّ مخرَّقٍ، فهو على هذا كناية عن رجل مجهول، والكلام مستأنف منقطع مما قبله؛ وليس كذلك؛ وإنما هو: ومخرَّق عنه القميص، نسقاً على ما قبله، وتعني به الخليع الممدوح المتقدم الذكر؛ ألا ترى قوله:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم
وكذا وكذا ثم قال: ومخرق عنه القميص تخاله وسط البيوت، فالخيل والأسنة وسط البيوت، هي لهذا الكائن وسط البيوت؛ وفي صفته بخرق القميص قولان: أحدهما أن ذلك إشارة الة جذب العفاة له؛ والثاني أنه يؤثر بجيد ثيابه فيكسوها ويكتفي بمعاوزها؛ كما قال رجل من بني سعد:
ومُحْتَضَرِ المنافِع أَرْيَحِيٍّنَبِيلٍ في مَعاوِزَهٍ طُوَال
ورواه محمد بن يزيد: في معاوزه طوال، وهي رواية مردودة. وقوله:
حتى تُحَوِّل ذا الهِضاب يَسُوما
رواه أبو عمرو ﵀ وغيره: ذا الضباب، وهو الصحيح، لأن يسوم: جبل منيف في أرض نخلة من الشأم يعرف بذي الضباب؛ وذلك أن الضباب لا يكاد يفارقه، وإلا فكلُّ جبل ذو هضاب.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي للمتنخل الهذلي:
عَقَّوْا بَسهْمٍ فلم يَشعُر به أحدٌثم استفاءوا وقالوا حَبَّذَا الوَضَحُ
وقال: عقَّى بسهم إذا رمى به نحو السماء لا يريد به أحداً. وإذا اجتمع الفريقان للقتال بما بدا لأحد الفريقين وأرادوا الصلح رموا بسهم نحو السماء فعلم الفريق الثاني أنهم يريدون الصلح، فتراسلوا في ذلك.
لم يعلم أبو علي ﵀ معنى التعقية ومذهب العرب فيها. قال أبو العباس ثعلب ﵀: سألت ابن الأعرابي ﵀ عن التعقية وهو سهم الاعتذار فقال: قالت الأعراب: إن أصل هذا أن يُقتل الرجل من القبيلة فيُطالب القاتل بدمه، فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بديةٍ مكملة ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوة أبوا ذلك، وإلا قالوا لهم: إن بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي؛ فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهما فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجاً دماً فقد نُهينا عن أخذ الدية؛ وإن رجع كما صعد فقد أُمرنا بأخذها. قال ابن الأعرابي قال أبو المكارم - رحمهما الله - وغيره: فما رجع هذا السهم قط إلا نقياًّ، ولكنهم لهم في هذا المقال عذر عند الجهال. هذا معنى عقَّوا بسهم،
لا ما أورده أبو علي ﵀ والبيت الذي أنشده من شعر المتنخل يهجو بها ناساً من قومه كانوا مع ابنه حجَّاج يوم قُتل. وقبل البيت:
لا يُنْسِئُ اللهُ مِنّا مَعشراً شهدوايوم الأُمَيلِح لا غابوا ولا جَرَحُوا
لا غيَّبُوا شِلْوَ حجَّاجٍ ولا شَهِدُواحَمَّ القتالِ فلا تسألْ بما أفتضحوا
لكن كبيرُ بن هندٍ يوم ذلكمفُتْخُ الشمائل في أيمانهم رَوَحُ
عَقَّوْا بسَهم فلم يشعرُ به أحدٌثم أستفاءوا وقالوا حَبَّذَا الوَضَحُ
قوله: لا يُنسئ الله، أي لا يؤخر الله موتهم. وشلو كل شيء: بقيته. وحمُّ القتال، وحمُّ كلِّ شيء: معظمه. وكبير بن هندٍ قبيلة من هذيل. واستفاءوا: رجعوا عما كانوا عليه. وقالوا: حبذا الوضح، أي حبذا الإبل والغنم نأخذها في الدية: ويعني بالوضح: اللبن لبياضه.
وفي " ص س " قال أبو علي ﵀ حدثنا ابن الأنباري عن أبي حاتم عن أبي زيد عن المفضل الضبي ﵏ قال: كنت مع إبراهيم بن عبد الله بن عبد الله بن الحسن ﵀ صاحب أبي جعفر في اليوم الذي قُتل فيه، فلما رأى البياض يقلُّ والسواد يكثر قال: يا مفضل، أنشدني شيئاً يهوِّن علي بعض ما أرى؛ فأنشدته:
أَلا أَيُّها النّاهِي فَزَارةَ بَعْدَمَاأَجدَّتْ لغَزْوٍ إنّما أنت حَالِمُ
أَبَى كلُّ ذي تَبْلٍ يَبِيتُ بِهَمِّهويُمْنَعُ منه النومُ إذْ أنت نَائِمُ
قَعُوا وَقْعَةً مَن يَحْيَى لم يَخْزَ بعدَهَاوإن يُخْتَرَمْ لَمْ تَتَّبِعْهُ الملاَوِمَ
قال: فرأيته يتطالل على سرجه ثم حمل حملة كانت آخر العهد به. هكذا صحَّت الرِّواية عن أبي علي ﵀ يتطالل بإظهار التضعيف، وهذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر؛ وإنما هو يتطالُّ كما تقول: يتقاصُّ ويتراددُّ؛ وقال قعنب في الضرورة:
مَهلاً أَعاذِلَ قد جرَّبتِ من خُلُقِيأَني أَجُودُ لأقوامٍ وإن ضَنِنُوا
وفي " ص س " قال أبو علي ﵀: حدثنا أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل الضبي ﵏ أجمعين - قال: دخلت على المهدي ﵀ فقال لي قبل أن أجلس: أنشدني أربعة أبيات لا تزد عليهن - وعنده عبد الله بن مالك الخزاعي - فأنشدته:
وأَشْعَثَ قد قَدَّ السِّفَارُ قمِيصَهُيَجُرُّ شِوَاءً بالعَصَا غَيرَ مُنْضَجِ
دَعوتُ إلى نا نَابنِي فأجَابَنِيكريمٌ من الفِتيَانِ غَيرُ مُزَلَّجِ
فتىً يملأُ الشِّيزَى ويُرْوِي سِنانَهويَضْرِب في رأسِ الكَمِيّ المُدَجَّجِ
فتىً ليس بالرَّاضِي بأَدنَى مَعِيشَةٍولا في بُيوتِ الحَيِّ بالمُتَوَلِّجِ
فقال المهدي: هو هذا! - وأشار إلى عبد الله بن مالك - فلما انصرفت بعث إليّ المهدي ﵀ بألف دينار وبعث إليّ عبد الله ﵀ بأربعة آلاف درهم. قوله: " يجر شواء " هذه رواية ساقطة، والجميع يخالفها فيروونه: وجر شواء، نسقا على قوله: " قدَّ السفار قميصه وجر شواء " كذلك رواه أبو حاتم عن الأصمعي وأبي عمرو الشيباني ﵏ وكذلك
رواه أبو محمد عن خالد بن كلثوم - رحمهما الله - وكذلك رواه إبراهيم بن محمد عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي ﵏ وكذلك رواه أبو العباس بن الفضل عن أبي تمام. قال أبو حاتم عن الأصمعي ﵏ أجمعين - قوله: وجر شواء. كان هذا مما أعان على تخريق ثيابه غير منضج؛ إنما ذلك لسرعة السير وإعجاله لهم عن إنضاجه؛ كما قال امرؤ القيس:
نمُشُّ بأَعْراف الجِيَادِ أَكُفَّناإذا نَحْنُ قُمْنَا عن شِوَاءٍ مُضَهَّبِ
وهذا إنما يكون في حال السِّفار لا في غيره. ورواية أبي علي ﵀ تقتضي أن ذلك شأنه في جميع أحواله؛ وهذا بالذَّمّ أشبه، لأنه إذا فعل ذلك في حال الطمأنينة وحين لا يجد به سير، فإنما يفعله لفرط الجشع وشدة الحرص على الطعام، وهذا مذموم. وروى أبو عبد الله عن أبي العباس: " فتى يملأ الشيزى ويروي نديمه " وهذه رواية أفادت معنى ثالثاً في البيت يجانس ما قبله من إطعام وسقي. ومن روى: " فيروي سنانه " فذلك في معنى: " ويضرب في رأس الكمي المدجج " فلم يفد البيت أكثر من معنيين. والأبيات المذكورة من قصيدة للشمَّاخ.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لعبد الرحمن بن يزيد:
يُؤَسِّى عن زِيادَةَ كلُّ حَيٍّخَلِيٌّ ما تَأوَّبَهُ الهُمُومُ
فلو كنتُ القَتِيلَ وكان حَيًّالَطَالَبَ لا أَلَفُّ ولا سَؤُومُ
ولا هَيَّابَةٌ بالليل نِكْسٌولا ضَرَعٌ إذا أَمسَى نَؤُومُ
وكيف تَجَلُّدُ الأقوامِ عنهولم يُقْتَلْ به الثَّأرُ المُنِيمُ
غَشُومٌ حين يُبْصَرُ مُسْتَفَادٌوخيرُ الطَّالِبي التِّرَةِ الغَشُومُ
هكذا ثبتت الرواية عن أبي علي ﵀ في البيت الآخر: حين يبصر بفتح الصاد. مستفاد بالرفع ولا يتوجه لي معناه. ورواه أبو العباس الأحول ﵀: غشوم حين يبصر، بكسر الصاد، مستفاداً بالنصب؛ وهذا حسن بين المعنى، يريد أنه منتهز للفرصة إذا رأى أنه مستفيد من عدوه فائدة غشم فابتزها، أو مدرك فيه بغية وثب فنالها؛ ورواه أحمد بن عبيد ﵀: " حين يبصر مستقاداً " بالقاف، يريد مستقاداً منه ومن له عنده ثأرٌ؛ ويقوي هذه الرواية عجز البيت: " وخير الطالبي الترة الغشوم " ورواه الرياشي حين ينصر بالنون مستقاداً بالقاف، أي مطلوباً بقودٍ. وعبد الرحمن هذا هو أخو زيادة، ابني زيد بن مالك بن عامر بن قرة أحد بني سعد هذيم ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وكان هدبة بن خشرم قتل زيادة بن زيد، فلما سُجن هدبة في دمه جعل القرشيون بالمدينة يكلمون عبد الرحمن في أمر هدبة وأضعفوا له الدية حتى بلغت عشراً؛ منهم: سعيد بن العاص، وعبد الله بن عمرو، والحسين بن علي، وعمرو بن عثمان بن عفان ﵃ أجمعين - وهو يردد الإباء، فلما أكثروا عليه أنشدهم هذا الشعر المذكور، فلما سمعه هدبة قال: إن فيه لمطعماً فعاودوه، ففعلوا؛ فقال عبد الرحمن حين عاودوه:
باسْتِ امِرئٍ واسْتِ التي زَجَرَتْ بهإذا نَالَ مالاً من أَخٍ وهو ثَائِرُهْ
وإنِّي وإن ظَنَّ الرجالُ ظُنُونَهُمْعلى صَيْرِ أَمْرٍ لم تشَعَّبْ مَصَادِرُهْ
وهي أبيات فلما أنشدها هدبة قال: دعوه، فوالله لا يقبل عقلا أبداً، جزيتم خيراً؛ فأقام هدبة السجن ست سنين حتى أدرك المسور بن زيادة؛ ومات عبد الرحمن في خلال ذلك، فكان المسور هو الذي تولى قتل هدبة. وذكر المدائني أن المسور قد كان اختار العفو وأخذ الدية حتى قالت له أمه: والله لئن لم تقتل هدبة لأنكحته! فيكون قد قتل أباك ثم نكح أُمك فتسبك بذلك العرب يد المسند، فلفته ذلك عن مذهبه، ومضى على الاتئار من هدبة وقتله.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي عن ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى للفرزدق ﵏:
يُفَلِّقْنَ ها مَنْ لم تَنَلْهُ سُيُوفُنَابأَسْيافنا هَامَ المُلوكِ القَمَاقِمِ
قال أبو العباس ﵀: ها: تنبيه، والتقدير: يفلقن بأسيافنا هام الملوك القماقم، ثم قال: ها للتنبيه، ثم استفهم فقال مستفهماً: من لم تنله سيوفنا؟ قال أبو بكر: سمعت شيخا منذ حين يعيب هذا الجواب ويقول: يُفلقن هاماً جمع هامة. وهام الملوك مردود على هاماً؛ كما قال جلّ ثناؤه: (إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللهِ). قال أبو علي ﵀: فاحتججت عليه بقوله: لم تنله وقلت: لو أراد الهام لقال لم تنلها، لأن الهام مؤنثة لم يؤثر عن العرب فيها تذكير، ولم يقل أحد منهم: الهام فلقته؛ كما قالوا: النخل قطعته، والتذكير والتأنيث لا يعمل فيه قياساً إنما يُبنى على السَّماع واتَّباع الأثر. ولم يُوفق أبو علي ﵀ في هذا الاحتجاج لأنه أنكر المعروف وعرَّف المنكر. كيف ينكر تذكير الهام! وهو يروى في شعر النابغة ويروِّى:
بِضَرْبٍ يُزيلُ الهَامَ عن سَكَنَاتِهِوطَعْنٍ كإيزَاغِ المَخاضِ الضَّوَارِبِ
وهو يروي في شعر عنترة ويروِّي:
والهامُ يَنْدُرُ في الصَّعِيد كأنَماتَلْقَى السُّيُوفُ به رُءوسَ الحَنْظَل
ويروى أيضا في شعر طفيل ويروى:
بِضرْبٍ يُزيلُ الهامَ عَنْ سَكناتهويَنْقَعُ من هَامِ الرِّجالِ بِمَشْرَبِ
فالتذكير هو المعروف في الهام، ولو أنكر أبو علي ﵀ على هذا الشيخ فساد المعنى دون اللفظ كان أولى، لأن قوله: " يُفلقن هاماً لم تنله سيوفنا " ثم قال بأسيافنا، تناقض. فإن قال: إنه يريد لم تنله ثم نالته، فهذا من العيِّ الذي سمعت به؛ أو يشكُّ أحدٌ في أن ما نيل اليوم لم يكن أمس قتيلاً؟ وهذا الشعر يقوله الفرزدق في قتل وكيعٍ قتيبة بن مسلم. وقبل البيت:
فَدًى لسُيُوفٍ من تَميم وَفَى بهارِدَائِي وجَلَّتْ عن وُجُوه الأَهاتمِ
شَفَيْنَ حَرَارَاتِ الصُّدُورِ ومَا تَدَعْعليها مَقَالاً في وَفَاءٍ للاَئِمِ
يُفَلِّقْنَ هَاماً لَم تَنَلْهُ سُيُوفُنابأسيافِنَا هَامَ المُلوكِ القَمَاقِمِ
الأهاتم: آل الأهتم بن سنان بن خالد بن منقر؛ ويروى: حزازات النفوس.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لحميد بن ثور:
لَيْسَتْ إذا سَمِنَتْ بجَابِئةٍعنها العُيُونُ كَرِيهةَ المسِّ
استشهد به على قولهم للمرأة إذا كانت كريهة المنظر: إنها لتجبأ عنها العين. وقد أحال رواية البيت وأفسد معناه. وكيف تجبأ العيون عن الناعمة السمينة! وإنما تجبأ عن العجفاء الهزيلة، ألا تراه يقول: إنها ليست كريهة المسِّ، وحسبك بهذا نفياً للعجف وإنكاراً للقضف؛ وإنما الرواية في البيت:
ليستْ إذا رُمِقَت بجابِئةٍعنها العيونُ........الخ
وبعد البيت: وكأَنما كُسِيت قلائِدُها وَحْشيَّة نَظَرَتْ إلى اْلإنْس
النص من طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع