تجاوز إلى المحتوى

من «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

التنبيهات الواردة على الجزء الثاني

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لفاطمة بنت الأحجم بن دندنة الخزاعية:

قد كُنْتَ لِي جَبَلاً أَلُوذُ بِظِلَهفتَرَ كْتَنيِ أمْشِي بأَجْرَدَ ضاَحِ
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
قد كنتُ ذَاتَ حَمِيَّةٍ ما عِشِتَ ليِأَمْشِي البَرَازَ وكنتَ أنتَ جَنَاحِي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
فاليومَ أَخْضَعُ للذَّلِيل وأَتَّقِىمنه وأدْفَعُ ظَالِمِي بالرَّاحِ
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
وإذا دَعَتْ قُمْريَّهٌ شَجَناً لهايَوْماً على فَنَن دَعوتُ صَباَحِي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
وأَغُضُّ من بَصَرِي وأَعْلَمُ أنَّهقد بَانَ حدُّ فَوَارِسي ورِمَاحِي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة

هكذا أنشده أبو على - رحمة الله -: " وإذا دعت قمرية شجنا لها " وكذلك أنشده أبو تمام - رحمة الله - في اختياراته، وأخبرني غير واحد عن أبي العلاء المعري - رحمة الله - أنه كان يرد هذه الرواية ويقول إنها تصحيف، وكان ينشده " وإذا دعت قمرية شجناً لها " بكسر الجيم وبالباء بعدها، يعني فرخها الهالك، وهو الهديل، والشجب: الهلاك. والشجب: الهالك، وأخلق بهذا القول أن يكون صحيحاً؛ والحق أحق أن يتبع. وقال السكري - رحمة الله -: إن هذا الشعر لليلى بنت يزيد بن الصعق ترثى ابنها قيس بن زياد أبي سفيان بن عوف بن كعب. وقال الأخفش: إنه لا مرأة من كندة ترثى زوجها الجراح. وأوله:

يا عينُ جُودِى عند كلَّ صَبَاحِجُودِى بأربعةٍ على الجرَّاِح
للشاعر فاطمة الزهراء، من قصيدة «قد كنت لي جبلا ألوذ بظله»

قد كنتَ لي جَبَلًا أَلوذُ بِظِّلهِ..............الأبيات

وكان الأحجم بن دندنة أحد سادات العرب؛ ويقال الأحجم بتقديم الجيم. قال ابن دريد ﵀: جحم إذا فتح عينيه كالشاخص وبذلك سُميِّ الرجل. وقال الخليل ﵀: الأجحم: الشديد حمرة العينين مع سعة؛ وكانت زوج الأجحم أم فاطمة هذه خالدة بنت هاشم بن عبد مناف.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لأرطأة بن سهية يهجو شبيب ابن البرصاء:

مَن مُبْلِغٌ فِتْيَانَ مُرَّةَ أَنَّهُهَجَانَا ابنُ بَرْصَاءِ العِجَانِ شَبِيبُ
فلو كُنتَ مُرِّيًّا عَمِيتَ فَأَسْهَلَتْكُدَاكَ وَلَكِنَّ المُرِيبَ مُرِيبُ
أبِي كانَ خيراً من أَبِيك وَلَمْ تَزَلْجَنِيباً لآبائِي وأنتَ جَنِيبُ
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
وَمَا زِلتُ خيراً منك مُذْ عضَّ كارِهاًبرأسِك عَادِيُّ النِّجَادِ رَكُوبُ
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

قال أبو علي: سألت ابن دريد - رحمهما الله - عن معنى هذا البيت: فلو كنت مرياً عميت ... الخ فقال: كان أبوه أعمى، وجده أعمى، وجدُّ أبيه أعمى. يقول: فلو لم تكن مدخول النسب كنت أعمى كآبائك. لأبي علي ﵀ فيما أورده سهوان: أحدهما إنشاده: فلو كنت مرياًّ....... وإنما هو: فلو كنت عوفياًّ ...، لأن أرطأة وشبيباً جميعاً مُرِّيَّان؛ وإنما العمى فاش في بني عوف منهم، وهم قوم شبيب إذا أسن الرجل فيهم عمى، قلَّ من يُفلت فيهم من ذلك. ولو قال: فلو كنت مريا ... لكان هو أيضا قد انتفى من نسبه، لأنه مريٌّ ولم يكن أعمى. وأما السهو الثاني، فإنشاده أربعة الأبيات لأرطأة؛ وإنما البيتان الآخران لشبيب يرد على أرطأة، ألا تراه يقول: أبي كان خيراً من أبيك ... ! ولم يختلف الرواة أن شبيباً كان أفضل من أرطأة بيتاً، وأكرم معشراً وأباً وأُماً؛ وأن أرطأة كان أفضل منه نفساً، وكلاهما شاعران إسلاميان غلبت عليهما أمهاتهما وهو أرطأة بن زفر ابن عبد الله بن مالك أُمه سُهية بنت زامل، وقيل إنها سبية من كلب كانت لضرار بن الأزور ثم صارت إلى زفر وهي حامل فجاءت بأرطأة. وأما شبيب فهو شبيب بن يزيد بن حمزة ويقال

ابن جمرة. وأُمه قرصافة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة وهو ابن خالة عقيل بن علفة أُمُّ عقيل عمرة بنت الحارث بن عوف. والحارث هذا هو صاحب الحمالة بين عبس وذبيان؛ لُقبت البرصاء لشدة بياضها ولم يكن بها برص؛ ولذلك قال شبيب:

أنا ابنُ بَرْصَاءَ بها أُجِيبُمَا في هِجَان اللَّوْنِ ما تَعِيبُ
للشاعر شَبيب بن البَرصاء، اقرأ القصيدة

وقيل: إنما سميت بذلك لبرصٍ حدث بها؛ وذلك أن النبي ﷺ خطبها إلى أبيها فقال: إن بها وضحاً، فأصابها ذلك ولم يكن بها.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

إذا انْبَطَحَتْ جَافَى عن الأرْض بَطْنُهاوخَوَّأهَا رَابٍ كَهَامَةِ جُنْبُلِ

هكذا أنشده أبو علي ﵀: وخوأها. وإنما هو وخوَّى بها، لأن خوَّى لا أصل له في الهمزة؛ وهو مع ذلك لا يتعدى إلا بالباء، يقال: خوَّى البعير تخوية إذا برك ثم مكَّن لثفناته في الأرض، لا يقال خوّيته أنا، ويقال خوَّى به، كما تقول ذهب؛ وذهب لا يتعدى؛ والبيت للأعشى وبعده:

إذا مَا عَلاَها فارسٌ مُتَبَذِّلٌفنِعْمَ فِرَاشُ الفارِس المُتَبذِّلِ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «صحا القلب من ذكرى قتيلة بعدما»

ومن هذا البيت أخذ الفرزدق قوله:

ما مَرْكبٌ ورُكُوبُ الخيلِ يُعْجِبُنيكمَرْكبٍ بينَ دُملُوجٍ وخَلْخَالِ
أَلَذَّ للفارِس المُجْرِي إذا انبهرتْأنفاسُ أمثالها منْ تحت أمْثَالي

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

كأنّما وَجْهُكَ ظلٌّ من حَجَرْخَضِلٌ في يوم ريح ومَطَرْ
وأنت كالأَفْعَى التي لاَ تَحْتَفرْثم تَجِي سَادِرَةً فَتَنْجَحِرْ

قوله: " خضل في يوم ريح ومطر " غير صحيح الوزن، وإنما هو: " ذو خضل في يوم ريح ومطر " كذلك أنشده الرواة؛ وأنشده ابن الأعرابي لأعرابي من بني فزارة قال:

أَقْسِم لاَ تَأْخُذُ حَقِّي يَا وَزَرْظُلْماً وعند اللهِ في الظُّلْم الغِيَرْ
كأنّما وجْهُكَ ظِلٌّ من حَجَرْاِبْتَلَّ في يوم طِلالٍ ومَطَرْ

قال ابن الأعرابي: ظل كل شيء شخصه. والحجر إذا ضربته الأمطار بان سواده. فيقول: كأن سواد وجهك سواد هذا الحجر. وقال القتيبي - وقد أنشد هذا الرجز - يصف رجلا بالسواد وشبهه بظل الحجر دون غيره لكثافة ظله؛ قال ومثله قول الآخر:

سُوداً غَرابِيبَ كأظلال الحجَرْ

وقال آخر في وصف شاة:

كأن ظِلَّ حَجَرٍ صُغْرَاهُما

وأنشد أبو عثمان الأشنانداني ﵀:

وجاءتْ بنو ذُهْلٍ كأنّ وجوههمإذا حَسَرُوا عنها ظِلالُ صُخُورِ

فهذا كله ذمٌّ وكناية عن سواد الوجه. وقد يأتي مدحاً على تأويل آخر< كما قالت الأعرابية تصف زوجها: هو ليث عرينةٍ، وجمل ظعينة؛ وجوار بحر، وظل صخر، فهذا مدح كما ترى وصفته بظل الصخر لبرده وكثافته؛ فكأن المُتفيئ ذراه لا يناله حر كريهة ولا أذى خطب.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

مُتَّئِدَ المَشْيِ بَطيئاً نَقْرُهُكأنَّ نَجْرَ الناجراتِ نَجْرُهُ

هذا وهم من أبي علي ﵀ وكلام لا معنى له؛ وإنما صوابه:

أكرمُ نَجْرِ الناجراتِ نَجْرُه

ذلك أنشده اللغويون، وهكذا يصح معناه.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لزينب بنت فروة:

وذي حاجةٍ قلنا له لا تَبُحْ بهافليس إليها ما حَيِيتَ سَبِيلُ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نَخُونَهُوأنتَ لأُخْرى فارغٌ وخَلِيلُ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

وهذا الشعر لليلى الأخيلية بلا اختلاف؛ وقد تقدم إنشاد أبي علي ﵀ له منسوباً إليها ولكنه نسي.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

جَمُوحاً مَرُوحاً وإحضارُهاكَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُحْرَقِ

هذا وهم وسهو من أبي علي ﵀ والبيت لامرئ القيس؛ وإنما هو:

كَمَعْمَعْةٍ السَّعَفِ المُوقَدِ

وقبله:

وأَعْدَدْتُ للحرب وَثَّابَةًجَوَادَ المَحَثَّةِ والمِرْوَدِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»

جَمُوحاً مَرُوحاً................................

وإنما لبس على أبي علي ﵀ وأوهمه قول كعب بن مالك يوم الخندق:

مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُرَعْبِلُ بَعضُهبَعضاً كَمَعْمَعَةِ الأباءِ المُحْرَقِ
فلْيأتِ مأسَدَةً تُسَنُّ سُيُوفُهابين المزَادِ وبينَ جَزْعِ الخَنْدَقِ
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
نَصِلُ السيوفَ إذا قَصُرْنَ بخَطوِنَاقَدَماً ونُلْحِقُها إذا لم تَلْحَقِ

والعرب تشبه حفيف عدو الفرس الجواد باضطرام النار؛ كما قال طفيل:

كأنّ على أعطافِه ثوبَ مائحٍوإن يُلْقَ كلبٌ بينَ لْحَيَيِه يَذهَبِ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»
كأن على أعرافِه ولجامِهسَنا ضَرَمٍ من عَرْفَجٍ مُتَلَهِّبِ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

وقال أوس بن حجر:

إذا اجتهدَا شداًّ حَسِبتَ عليهماعَرِيشاً عَلَتْه النارُ فهو يُحَرَّق
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أضرت بها الحاجات حتى كأنها»

العريش: ظلة من ثمام أو غيره. شبَّه حفيفها في عدوهما بحفيف ظلة قد اشتعلت فيها النار؛ وقال أُسامة الهذلي في مثله:

يُعَالِجُ بالعطفين شأواً كأنّهحَرِيقٌ أُشِيعَته الأباءةُ حاصِدَ
للشاعر أبو سهم الهذلي، اقرأ القصيدة

أي يميل في أحد شقيه فيتكفا. حاصد، أي حصدها الحريق كما يحصد النبت؛ وقال العجاج:

كأنّما يَستَضرِمان العَرْ فجاَ

وقول امرئ القيس: جموحا مروحا. الجماح: جماحان، جماح مذموم وهو المعلوم، وجماح محمود وهو النشيط السريع؛ وإليه ذهب امرؤ القيس.

وفي (ص س) وأنشد أبو على - رحمة الله:

يَصُورُ عُنُوقَها أحْوَى زَنِيمُله ظَأْءبٌ كما صَخِبَ الغَرِيمُ

هذا ما اتبع فيه أبو على - رحمة الله - غلط من تقدمه فأتى بيت من أعجاز ييتين أسقط صدورهما؛ وهما:

وجاءتْ خُلِعَةٌ دُبْسٌ صَفَايايَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنِيمُ
يُفَرَّقُ بينها صَدَعٌ رَباعٌله ظَأبٌ كما صَخِب الغَرِيمُ

والشعر للمعلى العبدي. وخلعة المال: خياره. وأحوى، يعني تيساً. والزنيم: الذي له زنمتان، وهما المعلقتان تحت حنكه تنوسان. والصدع: الذي بين السمين والمهزول. ويصوع: يفرق. ويصور: يعطف.

وفي " ص س " وأنشد أبو على - رحمة الله - لعمارة بن صفوان الضبي:

أجارتَنَا مَن يَجْتَمِعْ يتفرَّقِومن يَكُ رَهْناً للحوادِثِ يَغْلَقِ
للشاعر عمارة بن صفوان الضبي، اقرأ القصيدة

الصحيح أن هذا الشعر لزميل بن أبرد الفزاري قاتل سالم بن دراة، لا لعمارة، وكلامها شاعر إسلامي، وكذلك سالم، وكان هجا زميلا فقتلته وقال:

مَحا السيفُ ابنُ دراةَ أجمعاَ

وقال:

أنا زُمَيْلٌ قاتِلُ ابنِ دَارَهْثم جَعَلْتُ عَقْلَه البَكاَرهْ

وفي " ص س " وذكر أبو علي ﵀ سؤال عمر لأبي حثمة أيهما أطيب: العنب أم الرُّطب. فقال: ليس كالصقر، في رءوس الرَّقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل؛ تحفة الصائم، وتعلَّة الصبي، ونزل مريم ابنة عمران، وينضح ولا يعني طابخة، ويحترش به الضبُّ من الصلعاء. وقال أبو علي ﵀ في تفسير الحديث: الصلعاء: أرض لا نبات بها.

وهذا وهم، الأرض التي لا نبات بها لا يكون بها ضبٌّ ولا غيره. والصلعاء: أرض معروفة لبني عبد الله بن غطفان ولبي فزارة بين النقرة والحاجر، تطؤها طريق الحاج الجادَّة إلى مكة، وبها كان ينزل عيينة بن حصن؛ وكان عيينة قد نهى عمر عن دخول العلوج المدينة وقال له: كأني أرى علجاً قد عنك هنا - وأشار إلى الموضع الذي طُعن فيه تحت سرته - فلما طعنه أبو لؤلؤة قال: أيُّ حزم بين النقرة والحاجر!. وبالصلعاء قل دريد بن الصمة ذؤاب بن أسماء ابن قارب وقال:

قَتَلتُ بعبد الله خيرَ لِدَاتهِذُؤَابَ بنَ أسماءَ بنِ زَيدِ بن قَارِبِ
ومُرَّة قد أَخْرَجْتُهُمْ فَتَرَكْتُهمْيَرْغُونَ بالصَّلْعاء رَوْغَ الثعالبِ

والصلعاء هذه: مضبة ولذلك خصَّها. ورواه صاعد بن الحسن: ويحترش به الضب من الصلفاء بالفاء على ما أنا مورده بعد هذا. والصلفاء: القطعة الصلبة من الارض، والضِّباب لا تتخذ حجرتها إلا في الغلظ.

وأبو حثمة المذكور في الخبر هو عبد الله؛ ويقال: عامر بن ساعدة بن عامر من بني الحارث ابن الخزرج، وهو والد سهل بن أبي حثمة. شهد أبو حثمة مع رسول الله ﷺ المشاهد وبعثه خارصاً إلى خيبر، وكان أبو بكر وعمر ﵄ يبعثونه خارصاً؛ وكان ﵀ أعلم الناس وأبصرهم بالنخل؛ ولذلك خصَّه عمر ﵁ بالسؤال عن ذلك. فأما رواية صاعدٍ فإنه قال: سأل عمر ﵁ رجلاً من أهل الطائف: الحبلة خير أم النخلة؟ فقال: الحبلة أتزببها وأترببها وأصلح بها برمتي - يعني الخل - وأنام في ظلها؛ فقال عمر ﵁: لو حضرك رجل من أهل يثرب ردَّ عليك قولك، فدخل عبد الرحمن بن محصن النَّجَّاري ﵀ فأخبره عمر ﵁ خبر الطائفي فقال: ليس كما قال؛ إني إن آكل الزبيب أضرس، وإن أتركه أغرث؛ ليس كالصقر في رءوس الرَّقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل؛ تحفة الكبير، وصمتة الصغير؛ وزاد المسافر، وعصمة المقيم؛ وتخرسة مريم بنت عمران، وينضج ولا يعني طابخه، ويحترش به الضبُّ من الصلفاء.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي لطفيل:

قَبَائلُ مِنْ فَرْعَيْ غَنِيٍّ تَوَاهَقَتْبها الخَيْلُ لا عُزْلٌ ولا مُتَأَشِّبُ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

هكذا أنشده ﵀ بالرفع؛ وإنما هو: ولا متأشب، بالخفض على البدل من الضمير في بها، والقوافي مخفوضة. وقبل البيت:

وَعُوجٍ كأحناءِ السَّراءِ مَطَتْ بهامَطارِدُ تَهْدِيهَا أَسنَّةُ قَعْضَبِ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»
إذا قيل نَهْنِهْها وقد جَدَّ جِدُّهاتَرامت كخُذْرُوف الولِيدِ المُثَقَّبِ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»
قبائلُ من فَرْعَي غَنِيٍّ تواهقَتبها الخَيلُ لا عُزْلٍ ولا مُتَأَشِّبِ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

قوله: وعوج يريد أن في يديها تحنيبا وفي أرجلها تجنيباً، كما يُحنى السَّراء، وهو من عيدان القسيِّ؛ ويقال: عوج: ضمَّر مهازيل من الغزو، مطت بها، أي مدت بها أعناق كالمطارد، أي رماح. تهديها، أي تقدمها. أسنة قعضب؛ وهو رجل من بني قشير كان يعمل الأسنة بأُضاخ، جاهلي. ونهنهها، أي كفّها؛ يقول: إذا ذهب يكفها ترامت، أي تتابعت. والخذروف: الخرَّارة. وقوله: ولا متأشب، أي لا خلط فيهم من غيرهم، يقال: أُشابات من الناس وأوباش وأوشاب، أي أخلاط؛ وهذا كما قال بشر:

فَيلْتَفُّ جِذَمانَا ولا حَيَّ بينناوبينكم إلا الصَّريحُ المهَذَّبُ

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لسلمة بن يزيد يرثي أخاه لأمه قيس ابن سلمة:

أقولُ لنفسِي في الخَلاء أَلُومُهالَك الوَيْلُ ما هذا التَّجَلُّدُ والصَّبْرُ
ألاَ تَفْهَمِينَ الخُبْر أن لَسْتُ لاقِياًأخِي إذا أتَى من دون أكفانِه القَبْرُ
للشاعر ليلى بنت سلمى، اقرأ القصيدة
وكنتُ إذا يَنْأَى به بَيْنُ ليلةٍيَظَلُّ على الأحشاء مِنْ بَيْنِه الْجَمْرُ
فهذا لِبَيْنٍ قد عَلِمْنا إيابَهفكيف لِبَيْن كان مَوْعدَهُ الحَشْرُ
وهَوَّن وَجْدِي أنَّنِي سوف أَغْتَدِىعلى إثْره يوما وإن نُفِّسَ العُمْرُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فتى كان يدنيه الغنى من صديقه»
فلا يُبْعِدَنْك الُله إمَّا تَرَكْتَناحَمِيداً وأَوْدَى بَعْدَك المَجْدُ والفَخْرُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فلا يبعدنك الله إما تركتنا»

فَتًى كان يُعْطِي السَّيْفَ في الرَّوْع حَقَّهإذا ثَوَّبَ الداعِي وتَشْقَى به الْجُزْرُ

فَتًى كان يُدْيِنه الغِنَى من صديقهإذا ما هو اسْتَغْنَى ويُبْعِدُه الفَقْرُ
فَتًى لا يَعُدُّ المالَ رَبًّا ولا تُرَىله جَفْوَةٌ إن نالَ مَالاً ولا كِبْرُ
للشاعر ليلى بنت سلمى، اقرأ القصيدة
فَنِغْمَ مُناخُ الضَّيْف كان إذا سَرَتْشَمالٌ وأَمْسَتْ لا يُعَرِّجُها سِتْرُ
ومَأْوَى اليتامى الممحِلِين إذا اْنَتُهْواإلى بابه سَغْبَى وقد قَحَّط القَطْرُ

الصحيح أن أخا الشاعر لأمه المؤبن بهذا الشعر، هو مسلمة بن مغراء. وقد خلط أبو علي ﵀ في هذا الشعر، فأدخل فيها أبياتاً من قصيدة الأبيرد المشهورة التي يرثي بها أخاه بريداً؛ وهي من قوله:

فَتًى كان يُعْطِي السيفَ في الرَّوْعِ حَقَّهُ...................... إلى آخرها

وروى بعض الرواة أن خنساء باتت ليلة تنشد بيتين من أول هذا الشعر ترددهما وتبكي أخاها صخراً وذلك بعد الإسلام؛ وهما:

أقولُ لنفسي في الخلاءِ أَلومُهالك الويلُ ما هذا التَّجلُّدُ والصَّبْرُ
ألم تعلمِي أن لتُ ما عِشتُ لاقياًأخِي إذ أتَى من دون أكفانه القَبْرُ

فناداها مؤمن من الجن: يا خنساء، قبضه خالقه، واستأثر به رازقه، وأنت تفعلين ظالمة، وفي البكاء عليه آثمة. ومثل قوله:

فَتى كان يُدنِيِهِ الغِنَى من صديقهإذا ما هو اسْتَغْنَى ويُبِعدُه الفَقْرُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فتى كان يدنيه الغنى من صديقه»

قول المقنع الكندي:

لهم جُلُّ مالِي إن تَتَابَعَ لي غِنًىوإن قَلَّ مالِي لم أُكَلِّفْهُمُ رِفْدَا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وإن بادهوني بالعداوة لم أكن»

وقول إبراهيم بن العباس الصولي:

رأيتُك إنْ أيسرتَ خَيَّمتَ عندنالِزَاماً وإن أَعْسَرتَ زُرتَ لِمَامَا
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
فما أنتَ إلا البدرُ إنْ قَلَّ ضَوْءُهُأَغبَّ وإنْ زادَ الضِّياءُ أَقَامَا
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا»

وقوله أيضا:

ولكنَّ الجَوادَ أبا هشامٍنَقىُّ الجَيب مامونُ المَغِيبِ
بَطِئٌ عنك ما اسْتَغْنَيْتَ عنهوطلاَّعٌ عليك مع الخُطُوبِ

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لزينب بنت الطثرية ترثي أخاها:

أَرَى الأَثْلَ من بَطن العَقِيق مُجَاوِرِيمُقِيماً وقد غَالَتْ يَزِيدَ غَوائلُهُ
فَتًى قُدَّ قَدَّ السيف لا مُتَضائلٌولا رَهِلٌ لَبَّاتُهُ وبآدِلُهْ
للشاعر زينب بنت الطثرية، اقرأ القصيدة

وهي أبيات؛ فيها:

كَرِيمٌ إذا لاقيتَهُ مُتَبَسِّماوإمَّا تَوَلَّى أشعثُ الرأس جافلُهْ
للشاعر زينب بنت الطثرية، اقرأ القصيدة

وفسره أبو علي ﵀ فقال: الجافل: الذاهب؛ وهذا تفسير لا يسوغ في هذا البيت ولا يجوز. وأيُّ مدخل للذهاب هاهنا! وإنما الجافل هنا من الجفال وهو الشعر الكثير؛ وهكذا رواه أبو علي:

كريم إذا لاقيته متبسما

وغيره يرويه:

كريم إذا استقبلته متبسم

وهذه أحسن لفظاً وإعراباً، لأن قوله: " إذا استقبلته " أحسن مطابقة لقوله: " وإما تولى " وكذلك الرفع في قوله: " متبسم " أجود في المعنى؛ لأنك إذا نصبته أوجبت أنه لا يكون كريما إلا في حين تبسمه، وإذا رفعت فهو كريم متبسم متى ما استقبلته أو لاقيته.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لأبي كبير:

لقد وَرَدْتُ الماءَ لم يَشْرَبْ بهبَيْنَ الرَّبيع إلى شُهُورِ الصَّيِّفِ
إلاّ عَوَاسِرُ كالمِرَاط مُعِيدةٌبالليل مَوْرِدَ أَيِّمٍ مُتَغَضِّفِ

هكذا أنشده: " ولقد وردت " بضم التاء؛ وإنما هو: " لقد وردت " بفتحها يخاطب رجلا من قومه رثاه. وقبل البيت:

أُزَهَيْرُ إنَّ أخاً لنا ذا مِرَّةِجَلْدَ القُوَى في كلِّ ساعةِ مَحْرَفِ
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة
فارَقتُه يوماً بجانب نخلةٍسبق الحِمَامُ به زُهَيرُ تَلُّهفِي
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

لقد وردتَ الماءَ...................................... البيت

ومضى في تأبينه ورثائه، وذكر مناقبه وعلائه. قوله: " ذا مرة " أي ذا قوة. وقوله: " في كل ساعة محرف " يقول: يحترف فيتقلب. وقد فسر أبو علي ﵀ معنى البيتين، ويروي: " إلا عواسل " باللام وهي أشهر الروايتين، يقال: مرَّ الذئب يعسل وينسل إذا مرَّ مرَّا سريعاً.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ للفرزدق:

فَقُلتُ ادْعِي وأَدْعُ فإن أنْدَىلِصَوْتٍ أن يُنادِيَ دَاعيَانِ

هذا البيت ليس للفرزدق، وقد نُسب إلى الحطيئة ولم يروه أحد في شعره. والصحيح أنه لدثار بن شيبان، ودثار هو الذي حمله الزبرقان على هجاء بني بغيض. وقوله: " وأدع " هو على توَّهم اللام؛ ولو أظهرها كان خيراً، كما قال ﷾: (اِتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَاياكُمْ) ويروى:

فقلت ادعى وأدعو إن أندى

والواو في قوله: " وأدعو " واو الصرف. ويروى: " وأدعو أن أندى " أي لأن ذلك أندى.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

وَأَي لم يَزَلْ يَسْتَسْع العامَ حَوْلهُنَدَى صَوْتِ مَقْرُوعٍ عن العَذْف عاذِبِ

هكذا أنشده أبو علي ﵀ " وأي " على مثال فعل، وهو الشديد الصلب. والبيت لذي الرمة، وكذلك قيَّده أبو علي ﵀ ورواه في ديوان شعره؛ وإنما هو " وأن " الواو للعطف وأن الحرف الناصب، ويوضح لك صحة ذلك قوله قبل البيت:

خدَبٍّ حَنَا من ظَهره بَعْدَ سَلْوَةٍعلى قُصْبِ مُنْضَمِّ الثَّميلَةِ شازِبِ
مَرَاسُ الأوابي عن نُفُوسٍ عزيزةٍوإلْفُ المَتَالِي في قلوبِ السلائِبِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا بارك الله»
وأنْ لم يَزَل يَسْتَسْمِع العامَ حَوْلَهُنَدَى صَوْتِ مَقْرُوعٍ عن العَذْفِ عاذِبِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا بارك الله»

يقول: حنى من ظهره مراس الأوابي واستماع صوت فحل ينادي بإزائه آخر يخاطره على طروقته ويصاوله، فبينهما هدر وإيعادٌ. وقوله: " بعد سلوة " أي بعد نعمةٍ. يقول: أضمره الهياج لأنه ترك العلف والمرعى. والثميلة: بقية العلف والماء في البطن. والسلائب: هي التي نُحرت أولادها أو ماتت. يقول: هذه السلائب تحب هذه المتالي كحبها أولادها فحيثما ذهبت المتالي تبعتها السلائب. وقد فسر أبو علي ﵀ باقي الغريب.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

وعَيْرٌ لها من بَنَاتِ الكُدَادِيُدَهْمِجُ بالقعْب والمِرْوَدِ

هذه رواية محالة، وليس هكذا قاله الشاعر، وهو للفرزدق يهجو جريراً؛ وصحة إنشاده:

فما حَاجِبٌ في بني دَارِمٍولا أُسْرَةُ الأقْرَعِ الأَمْجَدِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقد مد حولي من المالكين»
ولا آلُ قَيْسٍ بنو خالدٍولا الصِّيدُ صِيدُ بَنِي مَرْثَدِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقد مد حولي من المالكين»
بأَخيلَ منهمْ إذا زَيَّنُوابِمَغْرَتهم حاجِبَي مُؤجَدِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا أثفروا كل خفاقة»
حمارٍ لهم من بناتِ الكُدَادِيُدَهْمِجُ بالوَطْبِ والمِرْوَدِ
يَبِيعُون نَزْوَتَهُ بالوَصِيفِوكرمَيْه بالناشئ الأَمْرَدِ

يعني الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع؛ وقيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين الشيباني؛ ومرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن ثعلبة، والمؤجد: الحمار الغليظ. والكداد: فحل من الحُمر معلوم. ويُدهمج: يُسرع في تقارب خطوٍ.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي لابن أحمر:

تُهْدَى إليه ذِراعُ الجَدْي تَكْرِمةًإمَّا ذَبِيحاً وإمَّا كان حُلاَّنا

هكذا أنشده تهدى بضم التاء على لفظ ما لم يُسمَّ فاعله؛ وإنما هو تهدى إليه بكسر الدال، ويشهد لذلك ما قبله؛ وهو:

فِدَاكَ كلُّ ضئيلِ الجسمِ مُخْتَشِعٌوَسْطَ المقامة يَرْعَى الضَّأنَ أحيانا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «نبئت سفيان يلحانا ويشتمنا»
تُهْدِى إليه ذِراعَ الجَدْي تَكْرمَةًإمّا ذَبيحاً وإمّا كان حُلاَّنا
عِيطٌ عَطَابِيل لُثْنَ الرَّيَّ وابْتَذَلَتْمعاطِفاً سَابِريَّاتٍ وكَتَّانا

يقول: تُهدى إليه هذه المرأة ذراع الجدي تكرمة؛ يهزأ به. والذبيح: الذي يصلح للنسك. والحلاَّن والحلاَّم: الصغير الذي يصلح للنسك. وقوله: لُثن الرَّيَّ، يريد ثياب الرَّيَّ فحذف المضاف.

وفي " ص س " وذكر أبو علي ﵀ قول المنصور لجرير بن عبد الله القسري: " إني لأُعدُّك لأمرٍ كبير " فقال: يا أمير المؤمنين، قد أعدَّ الله لك مني قلباً معقوداً بنصيحتك، ويداً مبسوطة بطاعتك، وسيفاً مشحوذاً على أعدائك؛ فإذا شئت..

هذا غلط مركب، ووهم فاحش من جهتين: إحداهما: أنه خالد بن عبد الله القسري لا جرير، لأن جرير بن عبد الله هو البجلي أحد الصحابة، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: " يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي يمن عليه

مسحة ملك ". وكان أجمل الناس ولم يكن لخالد أخ يُسمى جريراً؛ إنما كان له أخوان: أسد وإسماعيل ابنا عبد الله القسري. أدرك إسماعيل منهم أبا العباس السفاح، وكان يسب عنده بني أمية.

والجهة الأخرى، أن خالداً لم يدرك شيئاً من الدولة الهاشمية؛ وإنما قاله المنصور لمعن بن زائدة، لذلك قال المدائني ﵏ وجميع الأخباريين: وإنما مات خالد في سجن يوسف بن عمر وهو يعذبه، وفي عذابه مات بلال بن أبي بردة. وكان هشام بن عبد الملك قد استعمل خالد بن عبد الله على العراق سنة ست ومائة، ثم ولى يوسف بن عمر سنة عشرين ومائة، فسجن خالداً وعذبه حتى مات في سجنه، وبقي يوسف والياً على العراق إلى أن بويع يزيد بن الوليد سنة ست وعشرين ومائة، فاستعمل منصور بن جمهور على العراق؛ فلما سمع ذلك يوسف هرب إلى الشام، فظفر به هناك فسُجن؛ فلما مات يزيد بن الوليد واضطرب أمر المروانية بطش يزيد بن خالد بن عبد الله القسري بيوسف بن عمر فقتله في السجن وأدرك بثأر أبيه منه.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي:

وما كان ذَنْبُ بَنِي عامرٍبأن سُبَّ منهم غُلاَمٌ فَسَبّ
بأبْيضَ ذي شُطَبٍ باتِرٍيَقُطُّ العِظامَ ويَبْرِي العَصَبْ

وقال: يريد معاقرة غالب أبي الفرزدق وسحيم بن وثيل الرياحي لما تعاقرا بصوءر، فعقر سحيم خمسا ثم بدا له وعقر غالب مائة ...

هكذا أنشده أبو علي ﵀:

وما كان ذنب بني عامر

وإنما هو:

وما كان ذنب بني مالك

وليس لغالب أبٌ يسمى عامراً؛ إنما هو من بني دارم بن مالك بن حنظلة. والشعر لذي الخرق الطهوي يتعصب لغالب، لأن مالكا يجمعهما؛ هو من بني أبي سود بن مالك بن حنظلة؛ وأم أبي سودٍ وعوفٍ ابني مالك، طهيه بنت عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم غلبت عليهم. واسم ذي الخرق قرط، سمي ذا الخرق بقوله:

وما خَطَبْنَا إلى قَوْمٍ بناتهمُإلاَّ بأَرْعَنَ في حَافَاته الخِرَقُ
للشاعر الأعشى، اقرأ القصيدة

وكان الفرزدق عند هذه المعاقرة يحوش الإبل على أبيه ويقول: حشها عليَّ يا بني، وهو يقول: اعقر هيا أبه؛ ثم تركت لا يصد عنها بشرٌ ولا سبع ولا طائر، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب ﵁ فنهى عن أكل لحومها وقال: إنها مما أُهلَّ به لغير الله.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي في أبيات المعاني:

وخَلَّقْتُه حتَّى إذا تَمَّ واسْتَوَىكمُخَّةِ ساقٍ أو كمَتْين إمَامِ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «وخلقته حتى إذا تم واستوى»

هذا وإن لم يكن فيه سهو فإن فيه إخلالاً، لأنه أفرده وأسقط فائدته وجوابه، فإذا تمَّ هذا السهم واستوى كان ماذا! وبعد البيت:

قَرَنْتُ بِحَقْوَيْهِ ثلاثاً فلم يَزِغْعن القَصْدِ حتَّى بُصِّرَت بِدِمَامِ

يعني بالثلاث: ثلاث قذذ. فلم يزغ، أي لم يمل عن القصد حتى بُصِّرت هذه القذذ، أي أصابتها البصيرة، وهي الطريقة من الدم؛ وكل ما طليت به شيئاً فهو له دمام، يقال: دُمَّ قدرك، أي اطلها بالطحال حتى تقوى.

وفي " ص س " ذكر أبو علي ﵀ عن مجالد بن سعيد ﵀ قال: كنا يوما عند الشعبي فتناشدنا الشعر، فلما فرغنا قال الشعبي ﵀: أيكم يُحسن أن يقول مثل هذا؟ وأنشدنا:

أَعَيْنَيَّ مَهْلاً طالَمَا لم أَقُلْ مَهْلاًوما سَرَفا مِ الآنَ قُلْتُ ولا جَهْلاً
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة
وإنَّ صِبَا ابن الأربعين سَفَاهَةٌفكيف مع اللائي مُثِلْتُ بها مَثْلاَ
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

وهي أبيات.

قال مجالد: فكتبنا الشعر ثم قلنا للشعبي ﵀: من يقوله؟ فسكت، فتُرى أنه قائله.

ما أعجب أمر أبي علي ﵀! هذا الشعر أشهر بالنسبة إلى القحيف العقيليِّ من أن يرتاب به مرتاب. رواه له الأصمعي والمفضل - رحمهما الله - كلاهما، وهو ثابت في اختياراتهما وقد رواه أبو علي ﵀ هناك؛ وهو ثابت أيضا في ديوان شعره وفيه زيادة تشهد أنه للقحيف لا للشعبي ﵀ وهي:

ومِنْ أعجَبِ الدنيا إليَّ زُجَاجَةٌتَظَلُّ أَيادِي المُنْتَشِينَ بها فُتْلاَ
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة
يَصُبُّونَ فيها من كُرُومٍ سُلافةًيَرُوح الفتى عنها كأنّ به خَبْلاَ
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

وهذا البيت شاهد على أن اليد العضو تجمع أيادي.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ قصيدة لمهلهل أولها:

أَلَيْلَتَا بِذِي حُسُمٍ أَنِيرِيإذا أنتِ انْقَضَيْتِ فلا تُحُورِي

وفيها:

فلا وَأَبِي جَلِيلَة ما أَفَأْنَامن النَّعَم المُؤَبَّل من بَعِير

وفسره فقال: جليلة: أخت كليب، وكانت تحت جساس قاتل كليب.

هذا غلط فاحش من أبي علي ﵀ ويجب أن يقال له: اقلب تصب؛ إنما جليلة أخت جساس، وكانت تحت كليب قتيل جساس؛ وهي القائلة لما قُتل زوجها ورحلت، فقالت أخت كليب: رحلة المعتدي وفراق الشامت؛ فبلغ ذلك جليلة فقالت: فكيف تشمت الحرَّة بهتك سترها، وترقُّب وترها! ثم أنشأت تقول:

يابْنةَ الأقوامِ إنْ لُمْتِ فلاتَعْجَلي باللوم حتّى تَسأَلِي
فإذا أنتِ تَبَيَّنتِ التيعندها اللومُ فلُومي واعْجَلِي
يا قتيلاً قوَّض الدهرُ بهسقفَ بَيتيَّ جميعا مِنْ عَلِ
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة
فِعلُ جسّاسٍ وإن كان أَخِيقاصِمٌ ظَهرِي ومُدْنٍ أَجَلِي
يَشْتَفِي المُدْركُ بالثار وفيدَرَكِي ثارَيَّ ثُكْلُ المثكلِ
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة

وفي " ص س " وذكر أبو علي ﵀ للعتابي رسالة كتب بها إلى بعض إخوانه يستمنحه ووصل بها شعراً؛ وهو:

ظِلُّ اليَسارِ على العَبَّاس ممدُودُوقلبُه أبداً بالبُخل مَعقُودُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»
إن الكريم لَيُخْفِي عنك عُسْرَتَهُحتّى تراه غَنِيًّا وهو مجهودُ
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
وللبخيل على أمواله عِلَلٌزُرْقُ العيون عليها أَوْجُهٌ سُودُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»
إذا تكرَّمْتَ عن بَذْل القليل ولمتَقْدِرْ على سَعَةٍ لم يَظهرَ الجُودُ
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

وهذا أيضا سهو بين، لأن هذا الشعر هجاء لا مديح، وليس للعتابي؛ إنما هو لبشار يهجو به العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ﵃ وإنما قال:

وقلبُه أبداً بالبخل معقودُ

فوصفه بالغني والبخل ثم ضرب له مثلا ممن هو على ضد حاله من كرمه وقلة ماله؛ فقال:

إنّ الكريم لَيُخْفِي عنك عُسْرتَهُحتّى تراه غَنِيًّا وهو مجهودُ
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة

وختم الشعر ببيت لم ينشده أبو علي ﵀ يوضح لك ما ذكرته وهو:

أورِق بخيرٍ تُرَجَّى للنَّوال فماتُرْجَى الثمارُ إذا لم يُورِق العُودُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»

وكان بشار منحرفا عن آل علي بن عبد الله؛ ووجد في كتبه بعد موته: هممت بهجاء آل سليمان ابن علي، فذكرت قرابتهم من رسول الله ﷺ فوهبتهم له؛ فما قلت فيهم إلا بيتين وهما:

دِينارُ آل سُلَيمانٍ ودِرهَمُهُمْكالبا بِلَّيْين حُفَّا بالعَفَاريتِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا أيها الراكب الغادي لطيته»
لا يُوجَدان ولا تلقاهُما أبداًكما سَمِعتَ بهارُوتٍ ومارُوت

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لتأبط شرا شعراً أوله:

إنِّي لَمُهْدٍ من ثنائي فَقاصِدٌبه لابن عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بن مالكِ

وفيه:

إذا طَلَعَتْ أُولَى العَدِىِّ فَنَفْرُهُإلى سَلَّةٍ من الصارِمِ الغَرِّ باتِكِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»
إذا هَزَّهُ في عَظْمِ قِرْنٍ تَهَلَّلتْنَواِجُذ أفواهِ المَنَايا الضَّوَاحِكِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

هكذا أنشده أبو علي ﵀: " من صارم الغر " والمحفوظ المعروف: " من صارم الغرب " وهو الحدُّ وهو الغرار. فأما الغرُّ فهو الكسر في الثوب والجلد، ولا أعلمه يقال في السيف. وقال أبو علي ﵀ في تفسير العديّ: هم الذين يعدون في الحرب؛ وإنما العديُّ: أول من يحمل، واحدهم عادٍ، مثل غازٍ وغزي، هذا قول جماعة اللغويين؛ وقوله:

إذا هزَّه في عَظم قَرْنٍ تهلَّلتنواجِذُ أفواهِ المنايا الضواحكِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

هذا المعنى نقيض قوله في أخرى:

شَدَدتُ لها صَدرِي فزلَّ عن الصَّفَابه جُؤجُؤٌ عَبْلٌ ومتنٌ مُخَصَّرُ
فخالط سَهلَ الأرض لم يكدح الصفابه كدحةً والمَوتُ خَزْبانُ يَنظُرُ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إذا المرء لم يحتل وقد جد جده»

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

فَقُلْصِي لكم ما عِشْتُمُ ذو دَغَاوِلِ

ليس هكذا البيت؛ وإنما صحّة إنشاده:

فَقُلْصِي ونُزْلِي ما عَلِمْتُم حَفِيلَةٌوشَرِّي لكم ما عِشْتُمُ ذُو دَغاول

قوله: قلصي، يريد انقباضي. ونزلي: استرسالي. وحفيلة: كثيرة. ودغاول، أي ذو غائلة؛ ولا يدري ما واحدها، ولكن نرى أنها دغولة. والبيت لعبد مناف بن ربع الهذلي من قصيدة يرثي بها ذبية السلميّ.

وفي " ص س " وانشد أبو علي ﵀:

يا دَارَ سَلْمَى بين ذاتِ العُوجْجَرَّت عليها كلُّ رِيحٍ سَيْهُوجْ

قد أخلّ أبو علي ﵀ بالوزن واللفظ؛ أما الوزن فإن إقامته بأن تنشده: " بين دارات العوج " جمع دارة؛ وكذلك صحَّة لفظه، لأن ذات العوج لا يعرف موضعا؛ وإنما هو دارات العوج أو دارة العوج؛ قال الراجز:

بدَارَةِ العُوجِ لسَلْمَى مَرْبَعُيَكْنُفُه من جانِبَيْه لَعْلَعُ

وبعد قوله:

جَرَّتْ عليها كلُّ رِيح سَيْهُوجْ

هَوْجَاءَ جاءتْ من بلاد يأجوجْمِن عن يمين الخطّ أو سَمَاهِيجْ

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

لها شَعَرٌ داجٍ وجِيدٌ مُقَلَّصٌوجِسْمٌ خُدارِيٌّ وضَرْعٌ مُجَالِحُ

هذه رواية محالة لا وجه لها؛ وإنما هو: " وجسم زخاري " وهو الكثير اللحم والشحم، من قولهم: زخر البحر إذا ارتفعت أمواجه وتكاثفت، ولا يقال: جسم خداري؛ وإنما الخداري من صفة الألوان؛ فلو قال: ولون خداري، لكان وجهاً؛ على أنه ليس مدحاً. وهذا الشعر لجبيهاء الأشجعي، يقوله في عنز كان منحها رجلاً من بني تميم من أشجع قومه. والعنز تسمى صعدةً؛ وهي أبيات كثيرة يمدح العنز المذكورة. وأولها:

أَمَوْلَى بَنِي تَيْمٍ ألَسْتَ مُؤَدِّياً مَنِيَحَتنَا فيما تُؤَدَّي المَنَائحُ

فإنَّك لو أدَّيتَ صَعْدَةَ لم تَزَلْبعَلياءَ عندِي ما بَغَى الرِّيحَ رائحُ
لها شَعَرٌ ضافٍ وجيدٌ مُقَلَّصٌوجِسمٌ زُخَارِيٌّ وضَرْعٌ مُجَالِحُ
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «أمولى بني تيم ألست مؤديا»

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لمالك بن أسماء في أخيه عيينة لما سجنه الحجاج:

ذَهَبَ الرُّقادُ فما يُحَسُّ رُقَادُمما شَجَاك وحَفَّتِ العُوَّادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
خَبَرٌ أتانِي عن عُيَيْنَةَ مُفْظِعٌكادتْ تَقَطَّعُ عندَهُ الأكبادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
بَلَغَ النُّفوسَ بَلاؤُه فكأنّنامَوْتَى وفِينَا الرُّوحُ والأَجْسادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
لمّا أتانِي عن عُيَينةَ أنّهأمْسَى عليه تَظَاهَرُ الأَقْيادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
نَخَلَتْ له نَفْسي النَّصِيحةَ إنّهعندَ الشدائدِ تَذْهَبُ الأَحْقادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
وعَلِمْتُ أنِّي إن فَقَدْتُ مكانَهُذهبَ البِعَادُ فصار فيه بِعَادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
ورأيتُ في وجه العَدُوِّ شكاسةًوتَغَيَّرتْ لي أَوْجُهٌ وبلادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
وذكرتُ أيُّ فَتًى يَسُدُّ مكانَهبالرِّفْدِ حين تَقَاصَر الأَرْفَادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
أم مَن يُهِينُ لنا كرائمَ مالِهِوله إذا عُدْنا إليه مَعادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

هذا الشعر لعويف القوافي بلا اختلاف. وأيُّ حقدٍ كان بين مالك واخيه حتى يقول:

نَخَلَتْ له نَفْسِي النَّصِيحةَ إنّهعندَ الشدائد تَذْهَبُ الأحْقادُ
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

وكيف يقول مالك في أخيه:

أم من يُهِينُ لنا كرائمَ ماله

ومالك أغنى من عيينة وأنبه، لأنه كان متصرفا في الرفيع من أعمال السلطان؛ وكان مع ذلك من أهل الفصاحة واللسن والشعر الفائق والبراعة. وعويف أحد الشعراء المنتجعين بالشعر المسترفدين للملوك؛ وإنما قال عويف:

عندَ الشدائد تَذْهَبُ الأحقادُ

لأن أخت عويف كانت تحت عيينة بن أسماء فطلقها، فغضب من ذلك عويف وقال: " الحرة لا تطلق إلا لريبة " وباعد عيينة وعاداه؛ فلما بلغه أن الحجاج سجن عيينة وقيَّده، عطفه ذلك عليه وأذهب حقده له فقال الشعر.

وهو عويف بن معاوية بن حصن؛ وقيل: ابن عقبة بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري؛ وهو شاعر مجيد، سمي عويف القوافي بقوله:

سَأكذِبُ مَنْ قد كان يَزْعُمُ أنَّنِيإذا قُلْت قولاً لا أُجيِدُ القَوَافِيَا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لأبي الأسود في أبيات:

وإنَّ امرأً لا يُرْتَجَى الخيرُ عندَهُيَكُنْ هَيِّناً ثِقْلاً على مَن يُصَاحِبُ

هذا سهو من أبي علي ﵀ لم يشعره؛ لانجزام قوله: " يكن هيناً " من غير جازم؛ وإنما صحَّة إنشاده:

وأَيُّ امرئٍ لا يُرْتَجَى الخيرُ عندَهُيَكُنْ هَيناً ثِقْلاً على مَنْ يُصَاحِبُ

فوضع إنَّ مكان أيّ.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لعروة بن الورد:

لا تَشْتُمِنِّي يا بنَ وَرْدٍ فإنّهتَعُودُ على مالِي الحُقُوقُ العَوائدُ
ومَنْ يُؤْثِر الحَقَّ النؤوبَ تكن بهخَصَاصةُ جِسْمٍ وهو طَيّانُ ماجِدُ
وإنِّي امْرُؤٌ عافِى إنائيَ شِرْكةٌوأنتَ امْرُؤٌ عافِى إنائكَ واحِدُ
أُقَسِّمُ جِسْمِي في جُسُومٍ كثيرةٍوأَحْسُو قَراحَ الماء والماءُ باردُ
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إني امرؤ عافي إنائي شركة»

هذا من أوهام أبي علي ﵀ وغفلته؛ كيف يُنشد لابن الورد: " لا تشتمني يا بن ورد " وإنما البيت الأول من الأبيات التي أنشد لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي صاحب حرب داحس، يردُّ على عروة وكان بينهما تنافسٌ. وكان قيس أكولاً مبطانا، فكان عروة يعرِّض له بذلك في أشعاره؛ فمن ذلك قوله:

وإني امْرُؤٌ عافِى إنائيَ شِرْكةٌوأنتَ امرؤٌ عافِى إنائكَ واحِدُ

فقال قيس يجيبه:

لا تَشْتُمَنِّي يا بنَ وَرْدٍ فإنَّنِيتَعُودُ على مالِي الحُقُوقُ العَوائدُ
أتهزأ مِنِّي أن سَمِنْتُ وقد تَرَىبجسمي مَسَّ الحِّق والحَقُّ جاهدُ
للشاعر قيس بن زهير، اقرأ القصيدة

وقال محمد بن يزيد ﵀: إن قوله:

ومن يُؤثِر الحقَّ النؤوبَ.................البيت

ليس لعروة؛ إنما هو لهذا العبسي الذي ردّ عليه. وله يقول قيس بن زهير أيضا:

أَذَنْبٌ علينا شَتْمُ عُرْوَةَ خَالَهُبقُرَّةِ أحساءٍ ويوماً بِبَدْ بَدِ
هَلُمَّ إلينا نكفِك الأمَر كُلَّهفعَالاً وإحساناً وإن شئتَ فابعُد
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «أذنب علينا ستم عروة خاله»

وقيس هذا شاعر فارس جاهلي، يكنى أبا هند، وعروة بن الورد بن زيد بن عبد الله العبسي يكنى أبا نجدة، شاعر فاتك جاهلي أيضا. إلا أن أبا الفرج روى عن بعض رجاله: أن رسول الله ﷺ أجلى عروة مع من أجلى من بني النضير، وكان نازلاً فيهم بامرأة سباها من مزينة. وقال عمر بن الخطاب ﵁ للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف حازم. قال: وكيف ذلك؟ قال: كان منا قيس بن زهير وكان حازما لا نعصيه، فكأنا ألف حازم؛ وكنا نأتم بشعر عروة ونقدم بإقدام عنترة.

وفي " ص س " قال أبو على - رحمة الله - في الإتباع: ويقولون: حسن بسن.

قال أبو على - رحمة الله -: يجوز أن تكون النون في بسن زائدة كما زادوها في قولهم: امرأة خلبن، وهي الخلابة؛ وناقة علجن من التعلج وهو الغلط. فكان الأصل في بسن بساً. وبس مصدر بسست السويق أبسه بساً إذا لتته بسمن أو زيت ليكمل طيبه، فوضع الابس في موضع المبوس وهو المصدر، كما قيل: درهم ضرب الأمير، أي مضروب الأمير؛ ثم حذفت إحدى السنين وزيدت فيه النون وبنى على مثال حسن، فمعناه: حسن كامل الحسن. قال: وأحسن من هذا المذهب الذي ذكرناه أن تكون بدلا من حرف التضعيف، لأن حروف التضعيف تبدل منها الياء مثل تظنيت وتقضيت وأشباهها، فلما كانت النون من حروف الزيادة كما أن الياء من حروف الزيادة وكانت من حروف البدل أُبدلت من السين؛ إذ مذهبهم في الإتباع أن تكون أواخر الكلم على لفظ واحد، مثل القوافي والسَّجع، ولتكون مثل حسنٍ. قال: ويقولون: حسن قسن، فعمل بقسن ما عمل ببسن. والقسُّ: تتبع الشيء وطلبه؛ فكأنه حسن مقسوس، أي متبوع مطلوب.

هذه هذرمة وحجاج مقحمة. أما قوله: إنَّ النون في بسن زائدة كزيادتها في خلبن وعلجن فشاذٌ لا نظير له؛ لأن بسناً من ذوات الثلاثة وهي لا تحتمل الزيادة لما كانت أقلَّ الأصول. وأما

قوله: وأحسن من هذا أن تكون النون بدلا من حرف التضعيف، لأن حروف التضعيف تبدل منها الياء مثل تظنيت وما أشبهه. فإن تظنيت أبدل لاجتماع ثلاثة أمثال، وإنما في بسن مثلان. فإن احتج محتج بقولهم: أمليت وأحسيت في أمللت وأحسست، وأيما في أما؛ فهذا قليل، وهو مع قلته أتى بالياء ولم يأت بالنون البتة، فكيف يقاس على ما لم يُسمع!.

وفي " ص س " قال أبو علي قال الأصمعي - رحمهما الله -: نعتت امرأة من العرب ابنتها فقالت:

رِبَحْلَةٌ سِبَحْلَهتَنْمِى نَبَاتَ النَّخْلَه

قال: وقال أبو زيد ﵀: الربحلة: العظيمة الجيدة الخلق في طول. والرِّبحل مثل السِّبحل؛ ومنه قول عبد المطلب لسيف: وملكاً ربحلا، يعطى عطاء جزلا.

هذا وهم من أبي علي ﵀ إنما هو قول سيف لعبد المطلب، لا قول عبد المطلب لسيف. وذلك أنه لما وفد عليه في رجالات قريش يهنئونه ظفره بالحبشة، فتكلم عبد المطلب، قال له سيفٌ: أيُّهم أنت؟ قال: عبد المطلب بن هاشم؛ قال: ابن أختنا؟ قال: نعم! فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحباً وأهلاً، وناقةً ورحلاً، وملكاً ربحلاً، يُعطى عطاءً جزلاً؛ قد سمعنا مقالتكم، وعرفنا قرابتكم؛ فلكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا رجعتم. في حديث طويل.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لسلمى بن غويَّة:

لا يَبْعَدَنْ عَصْرُ الشباب ولالذَّاتِهِ ونَبَاتِهِ النَّضْرِ
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

والمرشقات من الخدور كإيماض الغمام صواحب العطر وهي أبيات

هكذا رواه أبو علي ﵀ سلمى بفتح الميم. والصحيح فيه سلمى بكسر الميم وتشديد الياء. وهو سلمى بن سلمى بن غويَّة بن ربيعة الضبيّ. وقد ذكر بعض اللغويين أنه ليس في العرب سلمى بضم السين وفتح الميم كما روى أبو علي ﵀ هنا إلا أبو سلمى أبو زهير الشاعر ابن أبي سلمى.

وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:

فجاءت كأنّ القَسْوَرَ الجَوْنَ بَجَّهاعَسَالِيجُه والثَّامِرُ المُتَنَاوِحُ

إنما صوابه: لجاءت باللام لا بالفاء. والبيت لجبيهاء الأشجعي من شعره الذي يذكر فيه شاته الممنوحة، وقد تقدَّمت منه أبيات؛ وقبله:

ولو أنّها طافتْ بُطْنبٍ مُعَجَّمٍنَفى الرِّقَّ عنه جَذبُها فهو كالِحُ
لجاءت كأنّ القَسْوَر الْجَوْنَ بَجَّهَاعَسَالِيجُه والثامرُ المُتَنَاوِحُ
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «أمولى بني تيم ألست مؤديا»

يقول: لو طافت هذه الشاة بطنب معجم. والطنب: أصل الشجرة وهو الجذل. ومعجم: معضض. والرقُّ ما قرب على الماشية من الأغصان. والكالح: الذي لا شيء عليه. وقد فسر أبو علي ﵀ غريب البيت الثاني إلا أنه قال: القسور: نبت، وهذا غير مُقنع، وهو نبت له خوصة؛ والذي له خوصة من النبت لا يُعبل، أي لا يسقط ورقه، فلذلك خصّه.

النص من طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.