من «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
التنبيهات الواردة على الجزء الثاني (٢)
وفي " ص س " قال أبو علي ﵀ كل ما في العرب ملكان بكسر الميم إلا ملكان في جرم بن ربان فإنه بفتحها. الذي في جرم بن ربان هو ملكان بفتح الميم واللام، وليس هو بإسكان اللام كما أورده. وكذلك ملكان بن عباد بن عياض بن عقبة بن السَّكون؛ وهذا باب واسع، والذي ذكر منه أبو علي برضٌ من عدٍّ، وغيض من فيض.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لموسى شهوات يهجو عمر بن موسى ابن عبيد الله بن معمر ويمدح عمر بن موسى بن طلحة بن عبيد الله:
تُبَارِي ابنَ مُوسَى يا بنَ مُوسى ولم تكنْيَداك جميعاً تَعْدِلاَنِ له يَدَا
تُبارِي امرأً يُسْرَى يَدَيْهِ مُفِيدَةٌويُمناها تَبْنِي بناءً مُشَيَّداً
فإنك لم تُشْبه أباك ابنَ مَعْمَرٍولكنمَّا أشبهتَ عَمَّك مَعْبَدَا
وفِيكَ وإن قيل ابنُ مُوسى بنِ مَعْمَرٍعُروقٌ يَدَعْنَ المرءَ ذا المَجْدِ قُعْدُدَا
قال: وكان معبد مولى وكان أخا أبيه لأمه. وله حديث قد ذكره أبو عبيدة في كتاب المثالب. قال أبو علي ﵀: والقُعْدُدُ والقُعْدَدُ لغتان: اللئيم الأصل. قال: والإقعاد: قلة الأجداد. والإطراف: كثرة الأجداد، وكلاهما مدح.
قول أبو علي ﵀: وكلاهما مدح، نقله من كلام ابن الأعرابي، وقد ردَّ عليه وأُنكر من قوله. قال العلماء: رجل قعدد إذا كان قليل الآباء إلى الجدِّ الأكبر، وهو عند العرب مذموم. ورجل طريف إذا كان كثير الآباء إلى الجد الأكبر، وهو عند العرب محمود؛ قال شاعرهم:
أمِرُونَ وَلاَّدُونَ كلَّ مُبارَكٍطَرِفُونَ لا يَرِثُونَ سَهْمَ القُعْدُدِ
أي ليس فيهم مقعد سهم القعدد؛ وقال الفرزدق في هجاء جرير:
أَليسَ كُلَيبٌ أَلأمَ الناسِ كلِّهموأنتَ إذا عُدَّت كُلَيب لَئِيُمها
له مُقْعَد الأحساب مُنْقَطَعٌ بهإذا القومُ رامُوا خُطَّةَ لا يرومُها
ويقال: ورث فلان بني فلان بالقعدد إذا كان أقربهم نسباً إلى الجد الأكبر، كما كان عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃ فإنه كان أقعد بني هاشم نسباً في زمانه، اجتمع في عصر واحد هو والفضل بن جعفر بن العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃ وعبد الصمد أخو جدِّ جدِّ الفضل؛ وهذا ما لم يقع في الدهر مثله.
ومن ذلك أن عبد الصمد ﵀ حج بالنس سنة مائة وخمسين. وحج يزيد بن معاية بالناس سنة خمسين؛ وقعددهما في النسب إلى عبد مناف واحدٌ؛ بين كل واحد منهما وبينه خمس آباء؛ وبين وقتي حجهما بالناس مائة سنة. والقعدد في غير هذا: الخامل في قومه، وهو القعدود أيضا. وقال ابن الأعرابي: هو اللئيم الأصل.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:
كأنَّ العِيسَ حِينَ أُنْخِنَ هَجْراًمُفَتَّأةٌ نواظِرُها سَوَامِ
هكذا ثبتت الرواية عنه مفقأة بالرفع؛ وإنما هو مفقأةُ بالنصب على الحال. وسوام خبر كأنّ، أي ذواهب في الهواجر؛ ومنه السُّماة وهم الصيادون بالهاجرة. والمسماة: الجورب الذي يلبسه الصياد عند الهاجرة.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي لكثير - رحمهما الله -:
وأَدْنَيْتِني حتّى إذا ما سَبَيْتِنِيبقَوْلٍ يُحِلُّ العُصْمَ سَهْلَ الأَباطِحِ
تَوَلَّيْتِ عنِّي حِينَ لا لِيَ مَْهَبٌوغادَرْتِ ما غادَرْتِ بين الجَوانِح
هذا شعر لمجنون بني عامر لا لكثير، ولا أعلم أحدا رواه له، ولا وقع له في ديوانه. وبعد البيتين:
فما حُبُّ لَيلَى بالوَشيكِ انقِطاعُهُولا بالمُؤَدَّي يَوْمَ رَدِّ المنائِح
وفي " ص س " قال أبو علي: إنما سمي الأخطل لأن ابني جعال تحاكما إليه، أيهما أشعر؛ فقال في ذلك:
لعَمْرُك إنَّني وابْنَيْ جِعَالٍوأُمَّهُما لإستارٌ لئيمُ
فقيل له: إن هذا لخطل من قولك، فسمي الأخطل.
ليس في الشعراء من يقال له ابن جعالٍ البتة؛ وإنما أراد أبو علي ﵀ ابني جعيل: كعباً وعميرة التغلبيين؛ فقال ابنا جعال.
وذكر يعقوب ﵀ أن كعب بن جعيل كان شاعر تغلب؛ فكان لا يأتي قوماً إلا أكرموه وضربوا له قبة، فأتى بني مالك بن جشم رهط الأعشى؛ ففعلوا له ذلك وملأوا له حظيرة غنماً، فجاء الأخطل وهو غلام فأخرجها وكعب ينظر؛ فقال: إن غلامكم هذا لأخطل، فلجَّت عليه؛ وقال الأخطل فيه:
وسُمِّيتَ كعباً بشرِّ العِظامِوكان أبُوك يُسَمَّى الجُعَلْ
وأنتَ مكانُك مِنْ وائلٍمكانَ القُرَادِ مِنِ اسْتِ الجمَلْ
فضربه أبوه وقال: أنت تريد أن تقاوم ابن جعيل! وجاء كعب على تفيئة ذلك فقال: من صاحب هذا الكلام؟ فقال أبوه: إنه غلام أخطل فلا تحفل به؛ فقال كعب:
شاهِدُ هذا الوَجهِ عَثُّ الجُمّةْ
فقال الأخطل:
فناك كعبٌ بنُ جُعَيْلٍ أُمَّهْ
فقال له كعب: ما اسم أمك؟ قال: ليلى - امرأة من إياد - قال: أردت أن تعيذها باسم أُمي! قال: لا أعاذها الله إذاً، وقال:
هجا الناسُ لَيلَى أمَّ كعب فمُزِّقَتفلم يَبقَ إلا نَقْنَفٌ أنا رافعُه
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ للمغيرة بن حبناء:
إذا أنتَ عاديتَ امرأً فاظَّفِرْ لهعلى عَثْرَةٍ إن أَمْكَنَتْكَ عواثِرُه
وقارِبْ إذا ما لم تَجِدْ لك حِيلةًوصَمِّمْ إذا أيقنتَ أنَّكَ عاقرِهُ
فإنْ أنتَ لم تَقْدِرْ على أن تُهينَهفَذَرْه إلى اليوم الذي أنتَ قادِرُهْ
وقد أَلْبَسُ المولى على ضِغْنِ صَدْرِهوأُدْرِكُ بالوَغْم الذي لا أُحَاضِرُهْ
أسقط أبو علي ﵀ قبل قوله: " فإن أنت لم تقدر على أن تهينه " بيتا به يتعلق الذي أنشده لفظاً ومعنىً؛ وهو:
إذا المرءُ أَولاك الهَوانَ فأَولهِهَواناً وإن كانت قريباً أواصِرُهْ
فإن أنتَ لم تقدِر على أن تُهينَهُفذَرهُ إلى اليوم الذي أنت قادِرُهْ
وأتى في البيت بعده: " وادرك بالوغم الذي لا أُحاضره " بالحاء المهملة؛ وإنما هو: " لا أخاضره " بالخاء معجمة، أي لا أبطله، من قولهم: ذهب دم فلان خضراً مضراً وخضِراً مضِراً، أي باطلا؛ وقد فسَّره أبو علي ﵀ في باب الإتباع.
وفي " ص س " ذكر أبو علي ﵀ عن أبي بكر بن دريد ﵀ عن رجاله قال: قيل للفرزدق: إن هاهنا أعرابياً قريبا منك يُنشد الشعر، فقال: إن هذا لفائق أو حائن، فأتاه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من فقعس، قال: كيف تركت القنان؟ قال يساير لصاف: قال أبو علي ﵀: فقلت: ما أراد الفرزدق والفقعسي؟ قال: أراد الفرزدق قول الشاعر:
ضَمِنَ القَنانُ لِفَقْعَسٍ سَوْءَاتهاإنّ القَنانَ بَفْقَعسٍ لَمُعَمَّرُ
قلت: فما أراد افقعسي بقوله: يساير لصاف؟ قال: أراد قول الشاعر:
وإذا تَسُرُّك مِن تَميم خَصْلَةٌفَلَما يَسُوءُكَ من تَميم أَكْثَرُ
قد كنتُ أَحْسَبُهم أُسودَ خَفِيَّةٍفإذا لَصَافِ تَبِيضُ فيها الحُمَّرُ
أَكَلَتْ أُسَيْدٌ والهُجَيمُ ودَارِمٌأَيْرَ الحِمارِ وخُصْيَتَيْهِ العَنْبَرُ
ذَهَبَتْ فَشِيشَةُ بالأَبَاعِرِ حَوْلهاسَرَقاً فَصُبَّ على فَشِيشةَ أَبْجَرُ
قد أحال أبو علي ﵀ الرواية في بعض الخبر وفي بيت من الشعر.
روى المدائني وغيره قال: مرَّ الفرزدق بمضرِّس بن ربعي الأسدي وهو يُنشد بالمربد قصيدته التي أولها:
تحمَّل من وادي غَرِيرَةَ حاضِرُه
وقد اجتمع الناس حوله؛ فقال: يا أخا بني فقعس، كيف تركت القنان؟ قال: تبيض فيه الحُمَّرُ؛ قال: أراد الفرزدق قول نهشل بن حرِّيّ:
ضَمِن القَنانُ لفَقْعَسٍ سَوْءَاتِها.................البيت
وأراد مضرِّس قول أبي المهوِّشِ الأسدي:
وإذا تَسَرُّك من تَميم خَصَلةٌ..............الأبيات
على ما انشدها أبو علي ﵀ إلا قوله: " أكلت أُسيد " فإنه محال عن وجهه؛ وصحته:
عَضَّتْ أُسَيِّدُ جِذْلَ أَيْرِ أَبِيهِمُيومَ النِّسَار وخُصْيَتَيْه العَنْبَرُ
هكذا قال الفقعسي للفرزدق حين عرَّض له بقوله: كيف تركت القنان؟: تبيض فيه الحمَّرُ، فهذا هو اللحن في المنطق والتعريض الحسن الذي يتوجه على وجهين ويكون بمعنيين، لأن قول أبي علي ﵀ تركته يساير لصاف من المحال الذي لا يكون إلا إذا سُيِّرت الجبال فكانت سراباً؛ وكذلك رواية أبي علي ﵀ في البيت الذي ذكرناه، لأن بني تميم لا تُعيَّر أكل جردان الحمار؛ إنما تعيَّره بنو فزارة لحديث.
وذلك أن رجلا من بني فزارة كان في نفر من العرب، فعدل الفزاري عن طريفهم لبعض شأنه وصاد القوم عيراً فأكلوه وأبقوا جردانه للفزاري، فلما لحق بهم قالوا: قد خبانا لك من صيدنا خبيئاً وأقفيناك منه بقفى وضعوه بين يديه، فجعل يأكله ولا يكاد يسيغه ويقول: أكل لحم الحمار جوفان؟
فلما رأى تغامز القوم عليه اخترط سيفه وقال: والله لتأكلنه أو لأقتلنكم؛ فأمسكوا عن أكله فضرب رجلا منهم اسمه مرقمة فأطنَّ رأسه؛ فقال أحدهم:
طاحَ لَعمرِي مَرْقَمَهْ!
فقال الفزاري:
وأنتَ إنْ لم تَلْقَمَهْ
فأكلوا؛ وعُيِّرت فزارة أكل جردان الحمار. قال الشاعر:
أتَفْخَرُ يا فزار وأنتَ شَيخٌإذا فُوخِرْتَ تُخْطِيُ في الفَخَارِ
أصَحْيَحانَّيةٌ أُدِمَتْ بزُبدٍأحَبُّ إليك أم أَيْرُ الحِمارِ
بَلَى أيرُ الحمارِ وخُصْيَتَاهُأحَبُّ إلى فزارةَ من فَزَاِر
فنسب أبو المهوش بني تميم إلى الجبن بقوله:
فإذا لَصَاف تَبِيض فيها الحُمَّرُ
بعد أن كان يسبهم أسود في نجدتهم؛ ثم أعضهم لفرارهم يوم النسار وجبنهم بقوله:
عَضَّتْ أُسَيِّدُ جِذْلَ أيرِ أبيهمُ.............................. البيت
ولصاف: ماء لبني العنبر، وقيل: لبني يربوع، وهو من الشاجنة. وقنان: جبل في ديار بني فقعس. وفشيشة التي ذكر: نبز لحي من بني تميم مأخوذ من خروج الريح، يقال: فشَّ الوطب إذا اخرج منه الريح ونسبهم إلى خرابة الإبل، وأبجر الذي ذكر، هو أبجر بن جابر العجلي أبو حجار ابن أبجر. وقيل: إن أبجر اسم من أسماء الدواهي، وكذلك بجري، يريد فصبَّت عليهم داهية.
ومثل هذا من المعاريض ما روى أن رجلا من بني نمير كان يساير عمر بن هبيرة الفزاري والنميري على بغلة؛ فقال له عمر: غُضَّ من بغلتك! قال النميري: أيها الأمير، إنها مكتوبة. أراد عمر قول جرير: فغُضَّ الطرف إنك من نُمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وأراد النميري قول سالم بن دارة:
لا تأمننَّ فزاريًّا خَلَوْتَ بهعلى قَلُوصك واكتُبْها بأَسيارِ
ولم تزل فزارة تُهجى بغشيان الإبل؛ قال راجز جاهلي:
إن بني فزارةَ بن ذُبيانْقد طرَّقَتْ ناقَتُهُم بإنسانْ
وقال الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة:
أوَلَّيْتَ العِراقَ ورافِدَيهِفَزَارِياًّ أحَذَّ يَدِ القَمِيص
ولم يك قبلها رَاعِي مخاضٍليأمنَهُ على وَرِكَيْ قَلُوصِ
واجتمع الشعراء يوما على باب أمير من امراء العراق ومرَّ عليهم إنسان يحمل بازياً، فقال رجل من بني تميم لرجل من بني نمير: انظر، ما أحسن هذا البازي! فقال له النميري: نعم! وهو يصيد القطا؛ أراد التميمي قول جرير:
أنا البازي المطِلُّ على نُمَيرٍأُتِيحَ من السماء له انْصِبَابَا
وأراد النميري قل الطرماح:
تَمِيمٌ بطُرْقِ اللُّؤمِ أهدَى من القَطاولو سَلَكت سُبْلَ المكارِم ضَلَّتِ
وفي " ص س " قال أبو علي ﵀: قال أعرابي: والله ما أُحسن الرَّطانة، وإني لأرسب من رصاصةٍ؛ وما قرقمني إلا الكرم.
هذا وإن لم يكن فيه سهو، فإنه أورد كلاماً ناقصاً غير منسوب ولا مفسر، وهو أحوج كلام إلى التفسير؛ فيعلم مراده بقوله: إنه لا يحسن الرطانة، وبإنتفائه من السباحة، ومذهبه في قرقمة الكرم له.
وهذا الكلام لأبي الذيال شويش الأعرابي العدوي؛ قال: أنا ابن التاريخ، أنا والله العربي المحض؛ لا أرقع الجربان، ولا ألبس التبان؛ ولا أحسن الرطانة؛ وإني لأرسب من رصاصة، وما قرقمني إلا الكرم.
قوله: أنا ابن التاريخ: يعني أنه ولد سنة الهجرة، ويريد بجملة قوله إنه أعرابي بدوي محض، من أهل الوبر لا من أهل المدر ولا من أهل الأمصار التي تكون على الأرياف والأنهار، فهم يتعلمون فيها السباحة؛ وإنه لم يجاور العجم فيحسن رطانتهم، والأعرابي إذا قال: قدمت الريف، فإنما يريد الحضر، قال الأصمعي ﵀: قيل لذي الرمة: من أين عرفت الميم لولا صدق من نسبك إلى تعليم أولاد العرب في أكتاف الإبل؟ قال: والله ما عرفت الميم! إلا إني قدمت من البادية إلى الريف فرأيت الصبيان وهم يحوزون بالفجرم في الأوق؛ فقال غلام منهم: قد أزقتم هذه الأوقة فصيرتموها كالميم، فوضع منجمه في الأوقة فنجنجه فأفهقها، فعلمت أن الميم شيء ضيق، فشبهت به عين ناقتي وقد أسلهمت وأعيت. وأما قوله: وما قرقمني إلا الكرم، فإنه يعني أن أباه طلب المناكح الكريمة فلم يجدها إلا في أهله، فجاء ولده ضاوياً، ومنه الحديث: " اغتربوا لا تضووا " أي انكحوا في الغرائب؛ وقال الشاعر:
فتىً لم تَلِدْه بنتُ عمٍّ قريبةٌفَيْضَوى وقد يَضْوَى رَِدُيد الغرائب
وقال آخر:
إِنّ بِلالاً لم تَشنْهُ أُمُّهلم يَتَنَاسَبْ خَالُهُ وعَمُّه
وقال آخر:
تَنَجَّبْتُها للنَّسل وهي غَريبَةٌفجاءت به كالبَدْرِ خِرْقاً مُعَمَّمَا
فلو شَاتَم الفِتيانَ في الحيِّ ظالماًلَمَا وَجَدُوا غَيْرَ التّكَذُّبِ مَشْتَما
فذكر أنه نتجها غريبة لا قريبة.
وقال الراجز:
قَحَّمَهَا السَّيرَ غُطَارِفٌ أَشَمْيَسُوقُها عَلَى الوَحَي سَوْقَ المُحِمْ
شَمَرْدَلٌ ما بَيْنَ شَنْجَيْهِ رَحِمْكان أَبُوهُ غائبًا حتّى فُطِمْ
وقال الأصمعي ﵀ في قول كعب بن زهير:
حَرْفٌ أبوها أَخوها من مُهَجَّنةٍوعمُّها خَالُها قَوداءُ شِمْلِيلُ
هذه ناقة كريمة مداخلة النسب لشرفها؛ فهذا التفسير على معنى ما تقدم؛ وأنكره أبو المكارم وقال: ألم يعلم الأصمعي ﵀ أن تداخل النسب ومقاربته مما يضعِّف الناقة! وذكر كلاما طويلا.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:
أشْكُو إلى الله عِيالاً دَرْدَقامُقَرْقَمِينَ وعَجُوزاً شَمْلَقَا
هكذا أنشده أبو علي ﵀ شملقاً بالشين المعجمة كما أنشده أبو عبيد ﵀ في " الغريب المصنّف " وهو تصحيف؛ إنما هو سملق بالسين المهملة، أي لا خير عندها، مأخوذ من الأرض السملق، وهي التي لا نبات بها؛ قيل: وهي التي لا تلد، مأخوذ من ذلك أيضا؛ وبعد الشطرين:
إذا رأْتنِي أَخَذَتْ لِي مطْرَقَاتقولُ ضَرْبُ الشيخ أَدنَى للتُّقَى
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ لأبي داود:
طَويلٌ طامِحُ الطّرْفِإلى مُفْزَعةِ الكَلْبِ
حَدِيدُ الطَّرْفِ والمَنْكِبِ والعُرْقُوب والقَلْبِ
ذا الشعر ليس لأبي داود ولا وقع في ديوانه؛ وإنما هو لعقبة بن سابق الهزَّاني، كذلك قال أهل الضبط من الرواة؛ وبعد البيتين:
يَخُدُّ الأرضَ خَدًّا بِصُمُلٍّ سَلِطٍ وَأْبِ
صحيحُ النَّسرِ والأرساغ مثلُ الغُمَر القَعْبِ
مفزعة الكلب: أقصى موضع يُسمع منه الكلب إيساد صاحبه؛ وإنما يريد أنه مدرَّب حاذق بالصيد، فإذا فزع الكلب إلى جهة طمح ببصره إليها.
وفي " ص س " قال أبو علي ﵀: العصفور: العظم الذي ينبت عليه الناصية؛ قال حميد:
ونَكَّلَ الناسَ عنَّا في مواطِنناضَربُ الرءوس التي فيها العصافِيرُ
لو أراد الشاعر بالعصافير هنا العظام لم يكن للكلام فائدة، لأن في كل رأس عصفور، فكأنه قال: ضرب الرءوس التي فيها الشعور؛ وإنما يريد الرءوس التي فيها الزَّهو والطِّماح إلى ما لا تناله. والعرب تكني بالعصافير عن الكبر والخيلاء وتقول: طارت عصافير رأسه: إذا ذهب كبره؛ قال الشاعر:
كفِيلٌ لرأسِ أَخِي نَخْوَةٍبضربٍ يُطِيرُ عصافِيرَه
كما يقولون: في رأس فلان نعرة. وقبل البيت الذي أنشده:
إذ لا حجازَ لنا إلاّ مُقَوَّمَةٌزُرْقُ الأسِنَّةِ والجُرْدُ المحَاضِيرُ
يُعشِي الجبَانَ شُعَاعٌ في قَوانِسهاإذا تجلَّلها الشُّعثُ المَغَاوِيرُ
قد نكَّلَ الناسَ عنَّا في مواطِنناضَرْبُ الرءوس التي فيها العصافيرُ
وفي " ص س " قال أبو علي ﵀: الأوقص: الذي يدنو رأسه من صدره؛ قال رؤبة:
أَذَمُّةُ صِيَاَغَةً وأرْذَلُهْأَوْقَصُ يُخْزِي الأَقْرَبِينَ عَيْطَلُهْ
قال: والعيطل: طول العنق.
هذا وهم بيِّن وتصحيف ظاهر، كيف يكون أوقص طويل العنق! وإنما هو: يخزي الأقربين عطله دون ياء، أي عنقه، يريد يُخزي الأقربين وقص عنقه. والعطل: العنق معروف؛ قال أبو النجم:
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ للجميح بن منقذ:
لَمَّا رأتْ إبِلي قَلَّتْ حَلُوَبتُهَاوكلُّ عامٍ عليها عَامُ تَجْنِيبِ
هذا غلط صريح. وهذا الشاعر هو الجميع لقب له وهو منقذ اسم له؛ واسم أبيه الطمَّاح ابن قيس الأسدي؛ وهو فارس شاعر جاهلي؛ قُتل يوم جبلة؛ وهذا البيت جواب لما قبله؛ وهو قوله:
أَمْسَتْ أُمَامَةُ صَمْتاً ما تُكَلِّمُنَامَجنونةً أن أحسَّتْ أهلَ خَرُّوب
ومضى ذكر نشوزها ثم قال:
لمّا رأتْ إبلِي قَلَّتْ حَلُوبَتُهَاوكلّ عامٍ عليها عامُ تَجْنيب
فاقْنَيْ لَعَلَّكِ أن تَحْظَىْ وتَحْتَلِبِيفي سَحْبَلٍ من مُسُوكِ الضَّأْن مَنْجُوبِ
أهل خروب: يريد قومها وأنها لقيتهم فأفسدوها عليه. والسحبل: السقاء العظيم.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀ للقطامي:
فَسَلّمْتُ والتسليمُ ليس يَضُرُّهاولكنَّهُ حَتْمٌ على كلِّ جانِب
هكذا أنشده؛ وإنما هو: ليس يسرها، لكراعتها الضيف وبخلها بالضيافة؛ وأي مضرة في التسليم أو من يعتقد ذلك فيه حتى يكون الشاعر ينكره وينفيه! وهل هو إلا بركة ونفع! لكنها تكرهه من الضيف لمئونته؛ قال القطامي يذكر امرأة ضافها - وهي أبيات ذكرت منها المتصل بالشاهد -:
تَعَمَّمْتُ في طَلٍّ وريح تَلُفُّنِيوفي طِرْمِسَاء غَيرِ ذاتِ كواكبِ
إلى حَيْزَبُونٍ تُوقِدُ النارَ بَعْدَمَاتَلَفَّعَتِ الظلماءُ من كلّ جانِبِ
فسلّمتُ والتسليمُ ليس يَسُرُّهاولكنَّه حتْمٌ على كلّ جانبِ
فردتْ سلاما كارها ثم أعرَضَتْكما انحازَتِ الأفعَى مَخافة ضاربِ
الطرمساء والطلمساء: الظلمة. والحيزبون: العجوز القليلة الخير.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:
ألا لا أَرَى ذا حِشْنَةٍ في فُؤَادِهيُجَمْجِمُهَا إلاّ سَيَبْدُو دَفِينُها
هذا البيت للأقبل وهو على خلاف ما أنشده؛ وقبله:
إذا صَفْحَةُ المعروفِ وَلَّتْكَ جانِباًفَخُذْ صَفْوَها لا يَخْتَلِط بك طِينُها
إذا كان في صدرِ ابنِ عَمِّكَ حِشْنَةٌيُجَمْجِمُها يوماً سَيَبْدُو دَفِيُنها
هكذا صواب إنشاده. يقول: عامله على ظاهره ولا تستثر ما في صدره، فإن الأيام ستبدي لك ذلك في بعض أحواله وأفعاله.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:
أَبَرَّ على الخُصُوم فليس خَصْمٌولا خَصْمَانِ يَغْلِبُه جِدَالاَ
ولَبَّس بين أَقْوامٍ فكُلٌّأَعَدَّ له الشَّغَازِبَ والمِحَالاَ
هكذا أنشده أبو علي ﵀: ولبس على فعل؛ وإنما هو ولبس وأتى ...
وفي " ص س " أنشد أبو علي ﵀ لأبي ذؤيب:
كأنه خُوطٌ مَرِيجُ
هذا وهم من أبي علي ﵀ إنما هو للداخل زهير بن حرام أحد بني سهم بن مرة؛ قال:
وبِيضٍ كالسلاجِم مُرْهَفاتٍكأنّ ظُبَاتِها عُقُرٌ بَعِيجُ
أطافَ الناجشات بها فجاءتمكاناً لا تَرُوغُ ولا تَعُوجُ
فراغَتْ والْتَمَسْتُ بها حَشَاهَافَخَرَّ كأنّه خُوطٌ مَرِيجُ
عقر النار: موقدها. والبعيج: أن يبعجها الموقد بعود. والناجشات: الحائشان اللذان يحوشان الوحش. خوط مريج، غصن يقلق من مكانه.
وفي " ص س " وأنشد أبو علي ﵀:
إذا ما جلَسْنا لا تَزالُ تَرُومُناتَمِيمٌ لَدَى أبياتها وهَوازِنُ
هذا وهم من أبي علي ﵀ وإنما هو:
لا تَزالُ تَرُومُناسُلَيمٌ لَدَى أبياتنا وهَوازِنُ
والبيت للمعطل الهذلي، وأي جوار بين هذيل وتميم؛ فأما بنو سليم وهوازن فجيران لهم. وقبل البيت:
فأيُّ هُذَيل وهي ذاتُ طوائفيُوَازِنُ من أعدائها ما تُوَازِنُ
وفَهْمُ بنُ عَمْرٍو يَعْلُكون ضَرِيسَهُمكما صَرَفَتْ فَوْقَ الجُذاذِ المساحِنُ
إذا ما جَلَسْنَا لا تَزال تَرُومُناسُلَيْمٌ لَدَى أبياتنا وهوازِن
قال أبو حاتم عن الأصمعي: ضريسهم: سوء أخلاقهم. وقال السكري ﵏: الضريس: حك الضرس بالضرس، فهو على هذا منصوب على المصدر والمفعول محذوف كأنه قال: يعلكون أفواههم يضرسون ضريسا. وقال أبو علي الفارسي ﵀ الضريس جمع ضرسٍ كقولهم: عبد وعبيد وطسٌّ وطسيس؛ وهذا كما يقال: هو يعلك عليه الأرم. والجذاذ: حجارة الذهب تُكسر ثم تسحل على حجارة تُسمى المساحن حتى تخرج ما فيها من الذهب. والرحى يقال لها: المسحنة، ويقال: المساحن والمساحل واحد وهي المبارد. وأنشد أبو علي ﵀ هذا البيت على أن جلسنا بمعنى أنجدنا. والجلس: نجد. وقال عمر بن أبي ربيعة ﵀ فبين أن الجالس هو المنجد:
شِمَال مَن غَارَ بِهِ مُفْرِعاًوعن يَمِينِ الجالس المُنْجِدِ
وفي " ج ص س " وأنشد أبو علي ﵀ قبل هذا:
ولقد مَرَرْتُ على قَطِيعٍ هالكٍمِنْ مالِ أَشْعَث ذي عِيَالٍ مُصْرِم
منْ بعد ما اعْتَلَّتْ عَلَيَّ مَطِيَّتِيفأَزَحْتُ عِلَّتَها فظَلَّتْ تَرْتَمِي
وقال: الهالك: الضائع. والمصرم: المقلّ. يقول: اعتلت ناقتي فأصبت السوط فضربتها به فظلَّت ترتمي، أي تترامى في سيرها.
هذا تفسير مردود وقول منكر؛ قال ابن قتيبة ﵀ من قال: إن القطيع: السَّوط فقد أخطأ، لأنه إن ضربها بالقطيع وقد أعيت قطعها عن السير؛ وإنما القطيع قطيع الإبل. وهالك: ضائع. وأزاح علتها بأن أرعاها معها وسقاها من ألبانها فأشبعها، فظلت ترتمي.
وقال ابن السكيت ﵀ إذا أعيت الناقة واعتلت ثم ضربها قطعها عن السير؛ وإنما عنى بالقطيع: الخبط. وقوله: هالك، أي ليس عنده ربه، يعني أنه علف مطيَّته من الخبط وأشبعها من بعد ما أعيت فنشطت للسير وجدَّت فيه اهـ.
صورة ما جاء بخاتمة الكتاب آخر كتاب التنبيه، على أوهام أبي علي في أماليه. فرغ من تعليقه يوم الاثنين لعشر بقين من صفر سنة اثنتين وستين وستمائة؛ أحسن الله تقضِّيها بالقاهرة المحروسة.
الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين وسلامه وهو حسبنا ونعم الوكيل
النص من طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع