من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة الحارث بن حلزة (٣)
غزاة عليهم، فقتل من قتل منهم فطلت دماؤهم، فعيرهم الحارث بقتل الغلاق إياهم، فطُلت دماء من
قُتل منهم، كما طُلت دماء هؤلاء الذين قتل عمرو أيضا حين كلفوا الطاعة فأبوا. ثم أن عمرو بن هند
لما فرغ من بني تغلب أقبل يريد الغسانيين، فمر ببعض مدن الشام فقتل ملكا من ملوكهم، وأخذ بنتا
له وكان اسمها ميسون، واستنقذ أخاه امرأ القيس بن المنذر بن ماء السماء، وكان أسر يوم قتل المنذر
بن ماء السماء.
والكاف معناه مثل، والرعاء رفع بنحن.
إِذْ أَحَلَّ العَلاةَ قُبّةَ مَيْسونَ فأّدنَى دِيارِها العَوصاءُ
ويروى: (إذ أحل العلياء قبة ميسون). وميسون: بنت الغساني التي قتل أباها وأخذها وقبتها وقدم
بها. والمعنى: لما قدم عمرو بن هند بميسون الغسانية وقد قتل أباها أنزلها العلياء. والعلياء: ارض
قريبة من العوصاء. والعوصاء: ارض اقرب دار، أنزلها عمرو بميسون حين أخرجها من الشام.
ويقال: قد أحل الرجل منزل، إذا أنزله فيه. وهو من قول الله ﷿: (الذي أحَلَّنا دارَ المُقَامة).
وقد حل الرجل يحل حلولا.
وإذ معناه لما أحل المنذر العلاة قبة ميسون. وأدنى رفع بالعوصاء، والعوصاء به.
فتأَوَّتْ لهم قَراضِبَةٌ مِنْكُلِّ حَيٍّ كأَنَّهُمْ أَلقاءُ
ويروى: (فتأوت له قراضبة)، تأوت: اجتمعت حين دعاهم إلى الغزو. والقراضبة: الصعاليك، وهم
الفقراء، واحدهم قرضوب، ويقال قرضاب أيضا. وقوله (كأنهم ألقاء)، واحد الألقاء لقي، وهو الشيء
المطروح الذي لا يكترث به. واللقى من الرجال: الخامل الذي لا يعرف، فذكره مطروح ملقى. ويقال
لثياب المحرم إذا ألقاها عند فراغه من الحج: لقي وألقاء. وقال بعض الرواة: الألقاء: جمع لقوة،
وهي العُقاب. والقول الأول هو الذي نختاره.
ومن صلة تأوت. والألقاء خبر كأن، وهو ممدود واحده مقصور يكتب بالياء.
فَهَداهُمْ بالأَسودَينِ وأَمْرُ اللّهـ بِلْغٌ يَشْقَى به الأَشقياءُ
معناه: هدى عمرو بن هند أصحابه وجمعهم حين غزا بهم، و (الأسودان): التمر والماء، وإنما قيل
لهما أسودان وواحدهما ابيض لأن العرب تغلب أحد الاسمين على الآخر. من ذلك قولهم: سنة
العمرين، يريدون أبا بكر وعمر رضي الله
سبحانه عنهما. والموصلان يريدون الموصل والجزيرة.
والبصرتان: البصرة والكوفة. والقمران الشمس والقمر. وقال بعضهم: الأسودان: الليل والنهار. وقال
آخرون: الأسودان: رجلان والأبيضان: الماء واللبن. قال الشاعر:
ولكنه يأتي لَي الحولُ كاملاًوماليَ إلاّ الأبيضَينِ شرابُ
وقوله (وأمر الله بلغ)، معناه بالغ بالسعادة والشقاء، فمن كان سعيدا بلغته السعادة، ومن كان شقيا بلغه
الشقاء فيشقى به. وقال الحرمازي: بلغ معناه نافذ يبلغ حيث يشاء
والأمر رفع ببلغ، ويشقى موضعه رفع في التأويل على الاتباع لبلغ، ويجوز أن يكون منصوبا على
الحال مما في بلغ.
إِذْ تَمَنَّوْنَهُمْ غُروراً فساقَتْهُمْ إِليكمْ أُمْنِيَّةٌ أَشْراءُ
يقول: تمنيتم لقاءهم أشرا، أي بطرا، فساقتهم إليكم أمنية ذات أشر، أي ذات بطر. يقول لبني تغلب:
تمنونهم، يعنى تمنون عمرو بن المنذر وأصحابه الذين تجمعوا له، وذلك أنكم قلتم: من عمرو ومن
معه؟ إنما معه قراضبة قد جمعوا له من كُلّ مكان لقتالنا، فليتنا قد لقيناهم فيعلم عمرو كيف نحن
وهو. وهذا أمنيتهم.
وإذ صلة هداهم، وغرورا نصب على المصدر، وتمنونهم مرفوع في اللفظ بالتاء، وإذ مضافة إليه
في التأويل.
لم يَغُرُّوكمُ غُرورا ولكنْيَرفَعُ الآلُ جَمْعَهمْ والضَّحَاءُ
ويروى: (رفع الآل). ويروى: (حزبهم والضحاء) يقول: هؤلاء الذين غزوكم، يعنى عمرا
وأصحابه، لم يأتوكم عن غرة، ولكن الآل والضحاء رفعا لكم جمعهم فأتوكم على خبرة منكم بهم،
تنظرون إليهم والآل يرفعهم لكم. و (الضحاء): ارتفاع النهار. و (الآل): الذي يراه الإنسان من بعد
في وقت ارتفاع النهار يخيل له.
والآل رفع بيرفع، والضحاء نسق عليه.
أَيُّها الشَّانئ المبلِّغُ عَنّاعِنْدَ عَمرو وهلْ لذاك انتهاءُ
قوله (أيها الشانئ)، يريد به عمرو بن كلثوم التغلبي. يقول: أنت تشنؤنا وتشي بنا عند عمرو الملك،
ومبلِّغ عنا ما لا نعرفه. ويروى: (أيها الكاذب المبلِّغ)، ويروى: (المخبر)، ويروى: (المرقش)،
ويروى: (المقرّش). ومن روى: (وهل لذاك انتهاء) أراد: هل لذاك غاية ينتهي إليها.
والانتهاء رفع باللام المكسورة الزائدة.
مَلِكٌ مُقْسِطٌ وأَكمَل مَنْ يَمْشِي ومِنْ دونَ ما لدَيه الثَّناءُ
المقسط: العادل. يقال: أقسط الرجل فهو مقسط، إذا عدل. وقسط فهو
قاسط، إذا جار. قال الله ﷿: (إنَّ الله يُحِبُّ المقْسِطِين). وقال ﷾:
(وأما القاسطون فكانوا لجهنَّم حَطَباً). ويروى:
(ملك باسط)، أي منبسط الأمر، قد بسط عدله في الناس. وإنما يمدح بهذا عمرو بن هند. ويروى:
(أكرم من يمشي) أي فعلا، و (أكمل من يمشي) يريد به عقلا ورأيا. وقوله (ومن دون ما لديه الثناء)
معناه الثناء بنا عليه اقل مما فيه، وعنده من الخير والمعروف أكثر مما نصف ونثني عليه.
والملك رفع بإضمار هو، والثناء رفع بمن.
إِرَميٌّ بمثله جالَتِ الجِنُّ فآبتْ لخَصْمها الأَجلاءُ
قوله (إريى) نسبة إلى إرم عاد، أي ملكه قديم كان على عهد إرم. وقال بعضهم: أراد كأن هذا
الممدوح من إرم عاد في الحلم، كما قال الأغلب العجلي:
جاءوا بشيخَيهم وجئنا بالأصمّْشيخ لنا كان على عهد إرمْ
قد كدم الشَّيبُ قفاه وكدَمْ
وقال آخرون: ذهب إلى أن جسمه وقوته يشبهان أجسام عاد وشدتهم. وقوله (بمثله جالت الجن)،
الجن في هذا الموضع: دهاة الناس وأبطالهم. يقال للرجل إذا كان بطلا: ما هو إلا جنى. و (جالت):
فأعلت من المجالاة، وهي المكاشفة. يقول: بمثل عمرو بن هند كاشفت الجن الناس فآبوا، أي رجعوا،
وقد فلج خصمهم على كل من خاصمهم. و (الأجلاء): جمع الجلا. والجلا: الأمر المنكشف. قال سحيم
بن وثيل:
أنا ابنُ جَلاَ وطلاَّعُِ الثنايامتَى أضعِ العمامةَ تعرفوني
أي أنا ابن البارز الأمر المنكشف.
والباء صلة جالت، والأصل في جالت جالوت، فصارت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها،
وسقطت لسكونها وسكون التاء. والأجلاء رفع بآبت، واللام صلة آبت.
مَنْ لَنا عِندَه مِنَ الخَيْر آياتٌ ثَلاثٌ في كلِّهنَّ القضاءُ
ويروى: (في فصلهن القضاء)، يعني عمرو بن هند. والآيات الثلاث: العلامات الثلاث. يقول: نحن
أنصح الناس للملك وأكرمهم عليه، وأجودهم منه منزلة ومكانا. (في كلهن القضاء) معناه في كلهن
يقضى الناس لنا بذلك.
ومن رفع بإضمار هو، والايات رفع باللام. ويروى:
إنّ عمراً لنا لديه خلالٌغيرَ شكّ في كلهن القضاءُ
آيةٌ شارِقُ الشَّقيقةِ إِذْ جاءُوا جَميعاً لكلِّ حَيٍّ لِواءُ
شارق الشقيقة، بنو الشقيقة: قوم من بني شيبان جاءوا يغيرون على إبل لعمرو بن هند، وعليهم
قيس بن معد يكرب، وهو أبو الأشعث بن قيس، فردتهم بنو يشكر
وقتلوا فيهم. وقوله (شارق) معناه جاء من قبل المشرق، أي هو صاحب المشرق.
ويروى عن أبي عمرو إنه قال: الشقيقة: صخرة بيضاء.
والآية رفع بإضمار منهن، وهي العلامة. وشارق تابع للآية، واللواء رفع باللام الزائدة.
حَولَ قَيسٍ مُستلئمِينَ بكَبشٍقَرَظيٍّ كأَنَّه عَبْلاءُ
يقول: هؤلاء بنو الشقيقة حول قيس بن معد يكرب. (مستلئمين)، أي قد لبسوا الدروع. وقوله
(قرظى) نسبة إلى البلاد التي ينبت فيها القرظ، وهي اليمن. وقوله (كأنه عبلاء): هضبة بيضاء.
ويروى عن أبي عمرو إنه قال: لا اعرف قيسا الذي ذكره في هذا البيت، وقال الأعبل: حجر أبيض.
ومستلئمين نصب على الحال مما في جاءوا، وحول صلة جاءوا.
وصَتِيت مِنَ العَواتِكِ ماتَنْهاهُ إِلاّ مُبْيضَّةٌ رَعْلاءُ
الصتيت: الجماعة. والعواتك: نساء من كندة من الملوك. وقوله (ما تنهاه إلا مبيضة رعلاء) يقول:
لا يكف هذا الجمع إلا ضرب شديد موضح عن بياض العظم. والرعلاء: الضربة المسترخية اللحم
من الجانبين جميعا حتى يظهر العظم، وإنما هو شدة الضرب. وبنو العواتك خرجوا مع قيس بن معد
يكرب.
والصتيت منخفض بالنسق على الكبش، كأنه قال: جاء بنو الشقيقة مستلئمين بكبش وبصتيت من
العواتك، والمبيضة رفع بتنهاه، والهاء يعود على الصتيت.
فجَبهْناهمُ بضَربٍ كما يَخْرُجُ مِن خُربةِ المَزَادِ الماءُ
ويروى: (فرددناهم) والمعنيان متقاربان. وقال الأصمعي: الخربة هاهنا: عزلاء المزادة، وهو مسيل
الماء منها. فشبه خروج الدم ونزوه من الجرح بخروج الماء من فم تلك العزلاء. والخربة: تجمع
خربا. والمزاد: جمع مزادة. والمزادة والقربة سواء
والكاف موضعها نصب ومعناها المصدر.
وحَمَلناهمُ على حَزْمِ ثَهْلانَ شِلالاً ودُمِّىَ الأَنساءُ
الحزم: ما غلظ من الأرض ومن الجبل وخشن. فشبه شدة ما أصابهم وما حملوهم عليه من القتل
بشدة هذا الحزم. هذا قول الأصمعي، وقال أبو مالك: وحملناهم على حزم ثهلان بعينه. يقول:
جرحناهم فركبوا حزم ثهلان على خشونته. وقوله (شلالا): هرابا. وقد دميت من الجراح أنساؤهم.
يقال منه: شللت الرجل أشله شلا، إذا طردته.
وثهلان موضعه خفض إلا إنه لا يجري. وشلالا نصب على المصدر، وتقدير فعله شاللت شلالا.
وفَعَلْنا بِهِمْ كما عَلِم اللَّهُ وما أن للحائنينَ دِماءُ
وقوله (وفعلنا بهم كما علم الله) معناه: قتلنا منهم قتلا عظيما شديدا قد علمه الله ﵎. وقوله
(وما أن للحائنين دماء) معناه من عصى فقد حان أجله؛ وذلك إنه يجيء فيخاطر بنفسه، وإذا قتل
فليس له من يطلب بدمه. وقال بعضهم:
من قدّر الله تعالى عليه الحين فليس له بقاء. ويروى:
(لحائنين ذماء) بذال معجمة؛ فالذماء: بقية الروح.
والكاف نصب بفعلنا، وان معناها الجحد، وهو مؤكدة لما.
ثُمَّ حُجراً أَعنِي ابنَ أُمِّ قَطَامٍولَهُ فارسِيَّةٌ خَضْراءُ
يقول: الآية الثانية التي صنعنا بحجر، وكان حجر غزا امرأ القيس أبا المنذر بن ماء السماء، بجمع
من كندة كثير، وكانت بكر بن وائل مع امرئ القيس، فخرجت إليه بكر بن وائل فردته وقتلت
جنوده. وقوله (وله فارسية خضراء): يقول: معه كتيبة خضراء من كثر السلاح. فارسيَّة: أي سلاحها
من عمل فارس.
ونصب حجرا بالنسق على الهاء والميم، أي رددنا حجرا.
أَسَدٌ في اللِّقاءِ وَرْدٌ هَموسٌورَبيعٌ أن شنَّعتْ غَبراءُ
الهموس: المختال الذي يخفى وطأة حتى يأخذ فريسته. قال الله ﷿: (فلا تَسمع إلاّ هَمْساً) أي
وقع الأقدام. قوله (إن شنعت) يقول: إذا أقحطوا كان لهم ربيعا. والتشنيع: إذا أجدبت السنة وقل
مطرها ونباتها فذلك التشنيع. ويقال شنَّعتْ: جاءت بأمر شنيع. و (الغبراء): السنة القليلة المطر.
فَرَددْناهُمُ بطَعنٍ كما تُنْهَزُ عَنْ جَمَّةِ الطَّوِيِّ الدِّلاءُ
ويروى: (فجبهناهم)، أي طعنا جباههم. قوله (كما تنهز) أي تحرك الدلاء لتمتلئ. ومعنى (عن
جمة): كثرة الماء فيه، ويروى: (في جمة الطوى). وقال الأصمعي: جمة البئر: الذي قد جم فليس
يستقى منه. وقال أبو مالك: جمة البئر: الموضع الذي يبلغه الماء من البئر لا يبلغ أكثر منه، فيرى
ذلك الموضع مستديرا كأنه إكليل.
والدلاء اسم ما لم يسم فاعله، والكاف نصب بالفعل.
وفَكَكنا غُلَّ امرئ القَيسِ عَنهُبَعْدَ ما طالَ حبسُهُ والعَناءُ
يعنى بامرئ القيس ابن المنذر بن ماء السماء، وهو أخو عمرو بن هند من أبيه، وكانت غسان
أسرته يوم قُتل المنذر أبوه، فأغارت بكر بن وائل مع عمرو بن هند على بعض الشام فقتلوا ملكا
لغسان، واستنقذوا امرأ القيس، وأخذ عمرو ميسون بنت ذلك الملك التي ذكرها الحارث.
وبعد صلة فككنا، وما معناه المصدر، كأنه قال: بعد طول حبسه.
وإَقَدْناهُ ربَّ غسَّانَ بالمنْذِرِ كَرهاً إِذْ لا تُكَالُ الدِّماءُ
يقول: قتلنا ملك غسان هذا، وإنما قتلناه بالمنذر كرها لأن لا تكال الدماء. ويروى: (وما تكال
الدماء)، يقول: كانت القتلى منهم أكثر من أن تحصى، فليست تحسب الدماء ولا تكال من كثرتها.
وقال بعض اهل اللغة: معنى قوله: (وما تكال الدماء): ذهبت هدرا ليس فيها قود. يقال: كيل فلان
بفلان، إذا قُتل به.
والهاء نصب بالفعل، والرب مفعول ثان، وكرها نصب على المصدر.
وفَديناهُمُ بِتِسعَة أَملاكٍ نَدامَى أَسلابُهم أَغلاءُ
ويروى: (بتسعة أكلاك كرام). وكان المنذر بن ماء السماء بعث خيلا من بكر ابن وائل في طلب
بني حجر آكل المرار حين قُتل حُجر، فظفرت بهم بكر بن وائل وقد كانوا دنوا من بلاد اليمن، فأتوا
بهم المنذر بن ماء السماء فأمر بذبحهم وهو بالحيرة، فذبحوا عند منزل بني مرينا، وكانوا ينزلون
الحيرة، وهم قوم من العباد. وفي ذلك يقول امرؤ القيس:
ألا يا عَين بكِّى لي شَنِيناوبكِّي للملوك الذاهبينا
ملوك من بني حُجْر بن عمرويُساقُون العشيَّةَ يُقتلونا
فلو في يوم معركة أصيبواولكن في ديارِ بني مَرينا
و (الأملاك): جمع ملك، والملك يقال في جمعه ملكون وملوك وأملاك. والأسلاب رفع بالأغلاء.
ومعَ الجَونِ جَوِن آلِ بني الأَوْسِ عَنودٌ كأَنَّها دَفْواءُ
الجون: ملك من ملوك كندة، وهو ابن عم قيس بن معد يكرب، وكان النبي ﷺ
تزوج بنت عبد الرحمن بن الجون، وكان عبد الرحمن مسلما، وبنو الأوس من كندة. وكان الجون
جاء يمنع بني عمرو بن حُجر آكل المرار ومعه كتيبة خشناء، فهزمته بكر وأخذوا ابن الجون فأتوا
به المنذر. وقوله (ومع الجون) يقول: كان الجون مع ولج عمرو بن حجر ومعه هذه الكتيبة.
و (العنود) هاهنا: كتيبة محكمة. و (الدفواء) هاهنا: كتيبة منحنية على من تحتها. يعني
أن هذه الكتيبة منعطفة على ملكها تمنعه. والأدفى من القرون المنحنية: الذي قد انحنى في عجب الوعل أو غيره،
يمنع ما تحته ولا يوصل إليه. والرجل الأدفى: الذي في ظهره انحناء؛ وكذلك المرأة الدفواء إنما
أخذت من هذا. وقال بعض الرواة: الدَّفواء: العقاب، والدفواء: المائلة. وإنما يريد الكتيبة، جعلها
دفْواء من بغيها، يقول: كما تنقض العُقاب على الصيد كذلك تميل هذه الكتيبة من بغيها.
والجون خفض بمع، والعنود رفع بمع، وكأنها دفواء صلة العنود.
ما جَزِعْنا تَحْتَ العَجَاجةِ إِذْ وَلَّتْ بأَقفائها وحَرَّ الصَّلاءُ
ويروى: (إذ جاءوا جميعا وإذ تلظى الصلاء). يقول: لم تجزع حين لقينا الجون وهو في جمع كثير.
و (العجاج): الغبار الذي قد أثارته الخيل بسنابكها فارتفع كأنه دخان. يقول: لم نجزع من هذه الكتيبة
الخشناء. قوله (إذ ولَّت بأقفائها) معناه بأعجازها. ومن روى: (وحر الصلاء) أراد وقدت النار. يقال
حر اليومُ يحر حرا، وحر المملوك يحر حرارا.
والصلاء رفع بفعله وهو حر. والأقفاء: جمع قفا كما تقول ندى وأنداء، ورحى وأرحاء؛ ولا تكاد
العرب تقول في جمعه أقفية، وربما قالوه كما قالوا ندى وأندية. أنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي
لابن محكان السعدي:
في ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أنديةلا يُبصر الكلبُ من ظلمائها الطُّنُبا
وقال بعض الرواة: قوله (إذ ولت بأقفائها) معناه انبعث ما كان فيها مثل الشيء ينفتق فيخرج ما فيه.
وَوَلدْنا عَمْرَو بنَ أَمِّ أُنَاسٍمِن قريبٍ لمَّا أَتانا الحِباءُ
قوله (وولدنا عمرو بن أم أناس)، يريد عمرو بن حجر الكندي، وكان جد الملك عمرو بن هند، وهند
بنت عمرو بن حجر آكل المرار، وكانت أم عمرو بن حجر أم أناس بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة،
وعمرو بن أم أناس هذا هو جد امرئ القيس الشاعر. وقوله (من قريب)، معناه السبب بيننا وبينه
قريب ليس بالمتباعد، إذ أمه بنت ذهل بن شيبان، وهي جدة أم عمرو بن المنذر. وقوله (لما أتانا
الحباء) يقول: حين أتانا حبلاء الملك عمرو بن حجر لما خطب إلينا ورآنا أهلا لمصاهرته.
وابن أم أناس نعت لعمرو، وأناس خفض بإضافة الأم إليه.
وقال الفراء: إذا كنيت امرأة بأم أناس وأم صبيان، وأم رجال، وأم نساء كان الغالب عليها ألا
تجري، لأنه لما لم يكن ما أضيفت إليه اسما من أسماء الرجال معروفا كان كالاسم لها. وأنشد لبشر
بن أبي خازم:
وإلى ابن أم أناسَ تَعمِد ناقتيعمروٍ ستُنجِحُ حاجتي أو تتلفُ
فلم يجر أناس. قال الفراء: ولو تُوهِّم في أناس إنه اسم لابن لها، وإن لم يكن لها ابن، جاز إجراؤه.
ولما نصب بالوقت.
مِثلُها تُخرجُ النَّصيحةَ للقوْمِ فَلاةٌ مِن دونها أَفلاءُ
معناه: هذه القرابة بيننا وبينك أيها الملك تخرج نصيحتنا لك، ثم قال: (فلاة من دونها أفلاء) يعنى
نصيحة كثيرة واسعة مثل الفلاة التي دونها أفلاء كثيرة. والأفلاء على هذه الرواية: جمع فلا؛ وفلاً:
جمع فلاة. قال الشاعر:
إليك أبا حفص تعسَّفتِ الفلابِرَحلَي فَتلاءُ الذّراعين جلعدُ
ويروى: (فلاء من دونها أفلاء)، أي يتولد من النصيحة مثل الفلاء، وهو جمع فلو. والفلو يخدع
بالشيء بعد الشي حتى يسكن، ثم يفلي عن أمه: يفطم. فالأفلاء على هذه الرواية: جمع فلو، وهو
على مثال قولهم عدو وأعداء.
والفلاة مرفوعة على التكرير، كأنه قال: مثلها فلاة. والأفلاء رفع بمن، ومثل الظاهرة رفع بما عاد
من تخرج.
تمت القصيدة بغريبها وأخبارها ومعانيها.
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع