من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة عنترة بن شداد وقصيدة عمرو بن كلثوم (٤)
ويقال: رمل أجرع، ورملة جرعاء. و (المتون): ما غلظ من الأرض، واحدها متن. ورواه أبو
عبيدة:
ذراعَيْ حُرَّة أدماءَ بِكرٍهِجانِ اللَّونِ لم تقرأ جنينا
فالحرة تكون امرأة خالصة كريمة. و (هجان اللون) معناه بيضاء. والهجان أيضا: الكريم من كل
شيء، تمثل علي بن أبي طالب رضي الله سبحانه عنه:
هذا جَنايَ وخياره فيهْإذْ كلُّ جانٍ يدْه إلى فيه
أراد: وخياره وكرائمه فيه. وكذلك قولهم: هذه هجائن النعملن. ويقال: بعير هجان وناقة هجان وإبا
هجان، وهي التي قارفت الكرم. قال الشاعر:
وإذا قيل مَن هِجانُ قريشكنتَ أنت الفتى وأنت الهِجانا
وقوله: (لم تقرأ جنينا) قال أبو عبيدة: معناه لم تضم في رحمها ولدا قط. ويقال للتي لم تحمل قط: ما
قرأت سلى قط. وقال: إنما سمى كتاب الله ﷿ قرآنا لأنه يجمع السور ويضمها. واحتج بقوله
تعالى: (فإذا قرأناه فاتَّبعْ قرآنَه)، أي إذا ألفنا منه شيئا فضممناه إليك فخذ به واعمل به وضمه إليك.
وقال قطرب: يقال: ما قرأت الناقة سلى قط، أي لم ترم بولد. واحتج بقول حميد بن ثور:
أراها غُلاماها الخَلَى فتشذّرَتْمِراحاً ولم تقرأ جنيناً ولا دما
فمعناه لم ترم بجنين ولا ولد. وقال: سمي كتاب الله الكريم قرآنا لأن القارئ يظهره، ويبينه، ويلقيه
من فيه. والجنين: الولد.
و (ذراعي عيطل) نصب بتريك. وأدماء نعت لعيطل، وفي تربعت كناية العيطل. وأراد: ذراعي
عيطل، يعني ظبية عيطلا.
وثَدياً مِثلَ حُقِّ العاج رَخْصاًحَصَاناً من أَكُفِّ اللاَّمِسِينا
أراد: تريك ذراعي عيطل وتريك ثديا في بياضه ونتوه مثل حق العاج. (حصانا): عفيفة في قول
أبي عمرو. وقال غيره: الحصان: التي قد تحصنت من الريب بزوج. (من أكف اللامسين)، يقول: لم
تمسها أكف الناس. ويقال امرأة حصان من نسوة حصائن، أي عفائف. قال حسان:
حَصان رَزَان لا تُزَنُّ بريبةوتُصبح غَرثَى من لُحوم الغوافل
وقال أبو عبيدة: يقال امرأة حاصن للعفيفة. وأنشد للعجاج:
وحاصنٌ من حاصات مُلْسِمن الأذى ومن قراف الوَقْسِ
الوقس: الجرب، والقراف: الدنو منه.
ويقال امرأة حصان بينة الحصانة والحصُن والحصْن. وقد أحصنت وحصُنت. قالت امرأة من
العرب وخرجت إلى الطريق فنظرت إلى شاب فغازلها، فلما رجعت إلى أمها قالت:
يا أمتَّي أبصَرَني راكبٌيسير في مسحَنْفرٍ لاحبِ
ما زلتُ أحثِي التُّربَ في وجههِعَمداً وأحمِي حَوزةَ الغائبِ
فأجابتها:
الحُصْنُ أدنَى لو تريدينَهمِن حَثْيكِ التربَ على الراكبِ
ويروى: (لو تأييته).
والثدي نسق على ذراعي عيطل، ومثل ورخصا وحصانا من نعت الثدي، ومن صلة حصان.
ويجوز أن ينتصب حصانا على الحال من الضمير الذي في تريك.
ومَتْنَىْ لَدنةٍ طالتْ ولانتْروادِفُها تَنُوءُ بما يَلينا
ويروى: (بما ولينا). (اللدنة): اللينة، يقال من ذلك: قناة لدنة، أي لينة. و (روادفها): أعجازها.
(تنوء): تنهض. (بما يلينا)، أي بما يليهن، يعنى بما يقرب من أعجازهن. يقال نؤت بالحمل، إذا
نهضت به. قال حسان:
وقامت تُرائيك مغدودناًإذا ما تنوء به آدَها
أراد: تنهض به. و (المتنان): جانبا الفقار. (طالت ولانت)، معناه هي طويلة القامة لينتها.
والألف في يلينا صلة لفتحة النون، ومتنى لدنة نسق على ذراعي عيطل، والروادف مرتفعة بطالت،
وفي تنوء ضمير مرفوع من اللدنة.
تَذَكَّرتُ الصِّبا واشتَقْت لمَّارأَيتُ حُمولَها أُصُلاً حُدِينا
و (الحمول) الإبل التي تحمل. و (أصلا): عشيا. وفي الأصل قولان، يقال هو اسم واحد بمنزلة
الحلم والعقب. قال الأعشى:
يوماً بأطيبَ منها نَشْرَ رائحةولا بأحسَنَ منها إذْ دنا الأصُلُ
ويقال: هو جمع أصيل، كما يقال طريق وطرق. قال الله ﷿: (بُكْرةً وأصيلا)، وقال بعض
الأعراب:
يحنُّ إذا الجنائبُ هيَّجَتْهضُحَيّاً أو هَبَبْنَ له أصيلا
ويقال في جمع الأصل آصال، كما قال تعالى: (بالغُدُوِّ والآصال). والأصائل: جمع الآصال. قال
الشاعر:
لعمري لأنت البيتُ أكرِمُ أهلَهوأقعُد في أفيائه بالأصائِلِ
وأنشد الفراء:
يا عَمرو أحسِنْ نَواكَ الله بالرَّشَدواقرأ سَلاماً على الانقاء والثَّمدَ
وابكِنَّ عيشاً تولَّى بعد جِدّتهطابت أصائلُه في ذلك البلدِ
ويقال صبي بيَّن الصِّبا والصَّباء، وقد صبا إلى اللهو يصبو صبوا. (حدينا) معناه حدت الحداة الإبل.
ولما نصب بتذكرت. وأصلا نصب على الوقت، والحمول نصب برأيت، وحدين معناه قد حدين،
وتأويله الحال.
وأَعرضَتِ اليمامةُ واشمَخَرَّتْكأَسيافٍ بأَيدي مُصْلِتينا
(أعرضت اليمامة) معناه ظهرت وبدت، أي لمع بها السراب. يقال: أعرض لط الظبي فارمه، أي
أمكنك من نفسه. ويقال أعرض: أمكنك من عرضه، أي من ناحيته. وبعضهم يقول: عرض لك
الشيء، والأكثر في كلامهم أعرض
بالألف. ويقال: عرضت الكتاب والجند عرضا، وأعرضت عن
الشيء إعراضا، وأعرض لك الشيء، إذا بدا. وعرضت الجارية على البيع عرضا، وعرض الرجل
عرضا. ويقال: ما يعرضك لهذا الأمر. والعرْض: خلال الطول. والعرَضَ: طمع الدنيا وما يعرض
منها، والعود معروض على الإناء، وكذلك السيف معروض على فخذيه. والعِرض: ريح الرجل
الطيبة أو الخبيثة. والعرض: موضح المدح والذم من الإنسان. يقال: إنه لنقي العِرض، أي بريء من
أن يُشتم أو يعاب. والعرض ناحية الوادي. وأنشد الفراء:
لَعِرضٌ من الأعراض يُمسِى حمامهُويُضحى على أفنانه الغِينِ يَهتفُ
و (اشمخرت) معناه ارتفعت وطالت. وقوله (كأسياف بأيدي مصلتينا) معناه بأيدي قوم مصلتين.
يقال: أصلت سيفه، إذا سله من غمده وشهره.
والكاف نصب بأعرضت، والباء صلة الأسياف، والألف في مصلتينا صلة لفتحة النون.
فَما وَجَدَتْ كَوجدِي أَمُّ سَقْبأَضلَّتْهُ فرجَّعَتِ الحَنينا
(أم سقب): ناقة. والسقب: الفصيل. قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة فولدها ساعة تضعه سليل قبل
أن يعلم أذمر هو أم أنثى، فإذا عُلم فإن كان ذكرا فهو سقب وأمه مُسقب، وإن كان أنثى فهو حائل،
فإذا قوى ومشى فهو راشح وأمه مُرشح، فإذا ارتفع عن الراشح فهو جادل.
وقوله (أضلته)، معناه فقدته. ويقال: أضللت البعير، إذا ضيعته.
وضللت الشيء إذا خفي علي موضعه، كقولك: ضللت المسجد والدار. قال الله ﷿: (في كتابٍ
لا يَضِلُّ ربِّي ولا ينسَى)، فمعناه لا يخفي موضعه على ربي. وقال الجعدي:
أنشُدُ الناسَ ولا أُنشِدهمْإنَّما ينشُدُ مَن كانَ أضَلِّ
معناه من كان ضيع شيئا. وقال الآخر:
وجدي بها وجدُ المضلِّ قَلُوصَهبمكَّة لم تعطفْ عليه العواطفُ
وقال الأخفش: ضللت أضل، على مثال علمت أعلم؛ وضللت أضل على مثال ضربت أضرب. قال
الشاعر:
ولَلصَّاحبُ المتروكُ أعظمُ حُرمةًعلى صاحبٍ من أن يضلَّ بعيرُ
ويقال: وجدت في الحزن وجدا، ووجدت على الرجل موجدة، ووجدت في المال وجدا وجِدَة،
ووجدت الضالة وجدانا. قال الراجز:
أنْشُدُ الباغِي يحبُّ الوِجْدانْقلائصاً مختلفاتِ الألوانْ
منها ثلاثٌ قُلُصٌ وبُكرانْ
وما جحد، والكاف في موضع نصب بوجدت، وفي أضلت ورجعت ذكر من الأم.
ولا شَمْطاءَ لم يَترُكْ شَقَاهالها مِن تسِعةِ إِلاّ جَنينا
معناه ما وجدت كوجدي امرأة فقدت تسعة أولاد فما بقى من ولدها إلا جنين، أي أجنته الأرض.
يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل، أي ستره. ومن العرب من يقول: جنه الليل. قال الشاعر:
يوصِّل حبلَيْه إذا الليلُ جَنَّهليرقي إلى جاراته في السَّلالِمِ
ويقال: أجننت الشيء في نفسي، إذا سترته. والأصل في قوله (إلا جنينا). إلا مجنا، فصرف عم
مفعل إلى فعيل، كما قال تعالى جده: (تلك آياتُ الكتابِ الحَكِيم) أراد المحكم. وقال عمرو بن معد
يكرب:
أمِنْ رَيحانةَ الداعي السميعُيؤرِّقُني وأصحابي هجوعُ
أراد المسمع، فصرف عن مفعل إلى فعيل. و (الشقاء) يمد ويقصر، قال امرؤ القيس:
صَبَّتْ عليه ولم تَنَصَبَّ عن أمَمٍإن الشَّقاءَ على الأشقَينَ مصبوبُ
وقال الآخر في مده أيضا:
فإنْ يغلبْ شقاؤكُم عليكمْفإنِّي في صلاحكمُ سعيتُ
والشمطاء منسوقة على أم سقب، وشقاها رفع بيترك، والجنين نصب بيترك أيضا:
وإِنّ غداً وإِنَّ اليومَ رهنٌوبَعدَ غدٍ بما لا تَعلمينا
معناه يأتيك غد بما لا تعلمين من الحوادث وغيرها. وفي غد لغتان: غد، وغدو. قال لبيد:
وما الناسُ إلا كالدّيار وأهلهابها يومَ حَلُّوها وغَدْواً بلاقِعُ
وغدا اسم إن، واليوم نسق على غد، ورهن خبر إن، وإن الثانية لغو. وإن غداً واليوم. ويجوز أن
يكون رهن خبرا لإحداهما ويكون خبر الأخرى مضمرا، يريد: وان غدا رهن وان اليوم رهن. قال
الحطيئة:
قالت أمامَة لا تجزَعْ فقلت لهاإنَّ العزاء وإنَّ الصَّبَر قد غلبا
أراد: أن العزاء والصبر قد غلبا، فإن الثانية لغو. ويجوز أن يكون أراد: أن العزاء قد غلب وإن
الصبر قد غلب، فجمع بين الخبرين لاتفاقهما. وقال الآخر:
إنّ قلبي وإنّ روحي جميعاًسايرَاها الغداةَ في الأظعان
فالجواب فيه كالجواب في البيت الأول، وإنما يوحد الرهن إذا ألغيت أن الثانية؛ لأن مصدر رهنت
رهنا، والمصدر يكون للواحد والاثنين والجميع والمؤنث بلفظ واحد، كقولك: الرجال عدلٌ والمرأة
رضاً. قال زهير:
متَى يَشتجِرْ قومٌ بَقْلُ سَرَواتُهمْهمُ بيننا فَهُمْ رضاً وهُمُ عَدلُ
والباء في قوله (بما لا تعلمين) صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما يريد بالذي لا تعلمينه.
أَبَا هِنْدٍ فلاَ تعجَلْ عَلَيناوانظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا
أبو هند: عمرو بن المنذر. و (أنظرنا) معناه انتظرنا. ويجوز أن يكون معناه
أخرنا. قال الله ﵎: (للذين آمنوا انظُرونا) فمعناه انتظرونا، إذا ذهبت ألفه للوصل. يقال نظرت الرجل انظره،
إذا انتظرته. وقال الشاعر:
فَخَرَت فانتمتْ فقلت انظُرينيليس جهل أتيتُه ببديعِ
معناه انتظريني. وقرأ حمزة وغيره: (للذين آمنوا أنظِرونا) فمعناه أخرونا. ويجوز أن يكون معناه
انتظرونا. ويروى: (أمهلنا).
ونصب أبا هند على النداء، والفاء تصل ما بعدها بما قبلها، ونخبِّرك جواب الجزاء المقدر، أي أن
تنظرنا نخبّرك.
بأَنَّا نُورِدُ الرَّاياتِ بِيضاًونُصْدِرُهنَّ حُمْراً قد رَوِينا
(الرايات): الأعلام. يقول: نوردهن بيضا، ونصدرهن أي نردهن حمرا قد روين من الدم فصرن
حمرا.
وبيضا وحمرا منصوبان على الحال. وقد روينا معناه الحال أيضا، أي حمرا رواء. والألف صلة
لفتحة النون ليستوي وزن البيت.
وأَيّامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍعَصَينَا المَلْكَ فيها أن نَدِينا
معناه: ورب أيام لنا بيض مشهورة. وواحدة الغر أغر. قالت الخنساء ترثي أخاها:
أَغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهُداةُ بهكأنَّه علمٌ في رأسه نارُ
وقال أبو عبيدة: إنما سمى الأيام غر طوالا لعلوهم على الملك وامتناعهم منه، لعزهم، فأيامهم غر
لهم، وطوال على أعدائهم.
قال أبو بكر: ربما جعلت العرب الأيام نعما. قال الله ﵎: (وذكِّرهم بأيَّام الله)، قال مجاهد:
معناه بنعم الله ﷿. قال أبو عبيدة: هذه كلمة قلمَّا وجدنا لها شاهدا في كلامهم: أن يقال للنِّعم
أيام؛ إلا أن عمرو بن كلثوم قد قال: (وأيام لنا غر طوال)؛ فقد يكون جعلها غرا طوالا لإنعامهم على
الناس فيها. فهذا شاهد لمذهب مجاهد. وقوله (عصينا الملك فيها أن ندينا)، معناه عصينا الملك أن
نطيعه. يقال: دنت لفلان، أي دخلت في طاعته. و (الملك) يقال ملك ومليك. روى عبدو الوارث عن
أبي عمرو: (مَلْكِ يوم الدِّين) بتسكين اللام. وقال ابن الزبعري للنبي ﷺ:
يا رسولَ المليكِ أن لسانيراتقٌ ما فتقْتُ إذْ أنا بُورُ
والأيام مخفوضة بمعنى رب، ولنا صلة الأيام، وأن ندينا نصب بإسقاط الخافض. ويروى: (وأيام لنا
ولهم طوال).
وسَيِّدِ مَعْشَرٍ قد تَوَّجُوهبِتاجِ المُلْك يَحمِي المُحجرينا
ويروى: (قد عصبوه بتاج الملك). و (يحمى) معناه يمنع. و (المحجرين) معناه الذين ألجئوا إلى
الضيق. والسيد مخفوض بإضمار رب، وقد توجوه صلة سيد، ويحمى موضعه خفض في التأويل
على النعت للسيد، أي حامي المحجرين.
تَرَكْنَا الخَيلَ عاكِفةً عَليهِمقلَّدةً أَعتَّتَها صُفُونا
تركنا الخيل عاكفة عليه، معناه واقفة مقيمة عليه. وواحدة الصفون صافن،
قال الله ﷿: (الذي ظَلْتَ عليه عاكفاً) فمعناه مقيما. قال الشاعر:
باتت تَبيَّا حَوضَها عُكوفامِثلَ الصُّفوف لاقت الصُّفوفا
وقال الفراء: الصافن القائم على ثلاث. قرأ ابن عباس رضي الله سبحانه عنه: (فاذكروا اسمَ الله
عليها صَوَافِنَ) أي قائمة على ثلاث. قال الشاعر:
ألِفَ الصُّفونَ فما يزال كأنهمما يقوم على الثَّلاث كسيرا
وقال الأعشى:
وكلّ كميتٍ كجذع السَّحوقِيَزِين الفِناءَ إذا ما صَفَنْ
وعاكفة نصب بتركنا، ومقلدة تابع لعاكفة، وكذلك صفونا.
وقد هرَّتْ كِلابُ الحَيّ منّاوشذَّبْنا قَتَادَة مَن يلينا
وقد هرت كلاب الحي منا، معناه كرهتنا كلاب الحي. وكلابهم: الذين يهرون من سوء أخلاقهم.
وقوله (شذبنا قتادة من يلينا)، هذا مثل، وأراد: وكسرنا حد من يلينا ممن يفاخرنا. وشذبنا: فرقنا.
والقتادة: شجرة لها شوك لا تمس إذا هاجت لشدة شوكها. من ذلك قولهم: (دون ما تروم خرط القتاد).
وهي خفض
بإضافة القتادة إليها، ويلينا صلة من، وما فيه يعود على من، وشذبنا نسق على هرَّت.
متَى نَنقُلْ إلى قَومٍ رَحانايكونوا في اللِّقاءِ لها طحينا
قوله: متى ننقل إلى قوم رحانا يكونوا كالطحين للرحى، أي كالحنطة. وهذا مثل، معناه متى حاربنا
قوم كانوا كذلك. قال مهلهل بن ربيعة:
كأنَّا غُدوةً وبنى أبينابجنْبِ عُنيزة رحَيا مُديِرِ
وننقل جزم بمتى، ويكونوا جواب الجزاء، وطحينا خبر الكون وأصله مطحونا، فصرف عن مفعول
إلى فعيل:
يكونُ ثِفالُها شَرقيَّ سَلْمىولُهوتُها قُضَاعَة أَجمَعينا
(الثفال): جلدة أو خرقة تجعل تحت الرحى، ليكون ما سقط من الطحين في الثفال. وهذا مثل
ضربه، أراد أن شرقي سلمى للحرب بمنزلة الثفال للرحى. قال زهير:
فتعرككمُ عركَ الرَّحى بثفِالهاوتَلقَح كِشافاً ثم تُنْتَجْ فتُتْئمِ
و (اللهوة): القبضة من الطعام تلقيها في الرحى، وجمعها لهى. وهو مثل أيضا. أراد أن قضاعة
تطحنهم الحرب كما تطحن الرحى ما يلقى فيها من الطعام. ويروى: (يكون ثفالها شرقي نجد).
والثفال اسم يكون، وشرقي سلمى الخبر، واللهوة رفع بإضمار يكون، وقضاعة خبر الكون المضمر.
وإِنَّ الضَّغن بعدَ الضِّغْنِ يبدُوعَليكَ ويُخْرج الدَّاءَ الدَّفينا
(الضغن): الحقد. يقال: في قلبي عليه ضغن، وحقد، وتبل، وترة، ووغر، ووغم، وغمر، وحزاز،
وحزازة، ودمنة، وحسيفة، وحسيكة، وكتيفة، وذحل. قال ذو الرمة:
إذا ما امرؤ حاولْن أن يقتتلنهبلا إحنةٍ بينَ النُّفوسِ ولا ذَحْلِ
وقال الآخر:
فتىً لا يبيت على دمنةٍولا يشرب الماءَ إلا بدمْ
وأنشدنا أبو العباس:
أخوك الذي لا تملك الحسَّ نفسُهوترفضُّ عند المُحْفِظات الكتائفُ
وأنشدنا أبو العباس أيضا:
إذا كانَ أولادُ الرِّجال حزازةًفأنت الحلالُ الحُلْو والباردُ العذْبُ
قوله (ويخرج الداء الدفين) معناه المستتر في القلب، والأصل في الدفين المدفون، فصرف عن
مفعول إلى فعيل.
والضغن اسم إن، ويبدو الخبر، ويروى: (يفشو).
وَرِثْنا المجدَ قد علمَتْ مَعَدٌّنُطاعِنُ دونَه حتّى يَبينا
(المجد): الشرف والرفعة. وقوله (حتى يبينا) معناه حتى يظهر ويستبين. ورواه بعض الناس: (حتى
يُبينا) بضم الياء، وقال: يقال أبان الشيء، إذا ظهر وتبين. ويروى: (حتى نُبينا) بضم النون، أي
حتى نبين مجدنا وفضلنا. ويروى: (حتى يلينا): حتى ينقاد لنا.
ونطاعن موضعه نصب في التأويل على الحال. تقديره: ورثنا المجد مطاعنين دونه نحن. ويجوز
أن يكون خبرا مستأنفا والعلم معترض لا اسم له ولا خبر.
وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد: الرواية (حتى يَبينا) بفتح الياء، أي ينقطع منهم ويصير إلينا.
ونَحْنُ إذا عِمادُ الحَيِّ خرَّتْعَلَى الأَحفاضِ نَمنَعُ ما يَلينا
ويروى: (عن الأحفاض). قوله (عماد الحي)، معناه الخشب الذي تقوم به أخبيتهم ويوضع عليها
المتاع. و (الأحفاض): الإبل التي تحمل المتاع، واحدها حفض. والأحفاض هاهنا: المتاع بعينه.
ويقال عماد الحي العمد. يقول: إذا فزع كل قوم فتساقطت أخبيتهم وهموا بالهرب نمنع نحن من يلينا.
ويروى: (ما يلينا). وقال أبو جعفر: من روى (على الأحفاض) أراد: من عجلتهم قوضوا بيوتهم على
متاعهم ونزعوا أعمدة البيوت من الفزع. ومن روى: (عن الأحفاض) أراد بالأحفاض الإبل التي
تحمل المتاع. يقول: إذا أدركتهم الغارة فظفروا ألقوا المتاع عن الإبل. وقال أبو جعفر في قوله:
(نمنع من يلينا): معناه لا ندعهم يرحلون، بل نقاتل عنهم. قال: وهذا مثل قول جرير:
وإنْ شُلَّ رَيعانُ الجميع مخافةنقول جهاراً ويْحَكم لا تنفِّروا
على رِسلكم إنكا سنعدى وراءكمفتمنعكم أرماحُنا أو سنعذر
وإن شُلَّ، الشَّلّ: الطرد. والريعان، ريعان كل شيء: أوله.
لا تنفروا إبلكم فأنا سنعدي خيلنا، أي نستحضرها في آثار العدو، أو سنعذر نصنع ما نعذر عليه.
ومثله قول الأخطل:
قوم إذا رِيعوا كأنَّ سَوامَهمعلى رُبَع وسط الدِّيار تعطَّفُ
الربع: الحوار الذي ينتج في النتاج الربعي، وهو أول النتاج. يقول: فإبلهم لا تطرد ولا تبرح، كأنها
قد عطفت على ولد فهي لا تبرحه. ومثله للأعشى:
نَعَمٌ تكون حِجارَه أرماحناوإذا يُراعُ فإنه لن يُطردا
حجاره، حجار النعم وحجارُه: الذي يحجره ويمنعه. يقول: لأرماحنا تمنع إبلنا. يراع: يفزع.
ونحن رفع بما عاد من نمنع، وإذا وقت منصوب بنمنع.
نُدافعُ عَنهمُ الأَعداءَ قِدْماًونحمل عَنهمْ ما حمَّلونا
ويروى:
نعمُّ أناسَنا ونَعِفّ عنهمونَحمِلُ عنهمُ ما حمَّلونا
معناه نعمهم بالخير ونعف لا نسألهم شيئا. ومن روى: (ندافع) أراد ندافع عن من يلينا ونحمل ما
حمَّلونا من ديات أو دماء.
وقدما نصب بندافع، وما نصب بنحمل، وحملونا صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما.
نُطاعِنُ ما تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّاونَضرِبُ بالسُّيوف إذا غُشِينا
ويروى: (ما تراخى الصف عنا). وقوله (تراخى) معناه تباعد. يقال: تراخت داره، إذا بعدت.
ويقال: ما بيني وبينك متراخ، أي متباعد. وقوله (ونضرب بالسيوف إذا غشينا) معناه إذا دنا بعضنا
من بعض ونطعن إذا تباعدوا. وقال أبو جعفر: هذا مثل قول زهير:
يَطعنُهمْ ما ارتمَوْا إذا اطَّعَنُواضربَ حتَّى إذا ما ضاربوا اعتَنَقَا
أي يكون قريبا منهم، فإذا رموا طاعن، فإذا طاعنوا ضارب، وإذا ضاربوا اعتنق.
وما نصب بنطاعن، وتراخى الناس عنا صلة ما ولا عائد لما؛ لأنها في مذهب المصدر وأصلها
الجزاء.
بسُمْرٍ من قَنا الخَطِّىِّ لُدْنٍذَوَابِلَ أو ببِيض يَعْتَلينا
أراد: نطاعن بسمر من قنا الخطى. و (الخطى) منسوب إلى الخط، والخط مرفأ البحرين. قال
زهير:
وهل ينُبِتُ الخطِّىَّ إلاّ وشيجُهوتُغَرس إلاّ في منابتها النخلُ
يقول: لا ينبت القناة إلا القناة. و (الوشيج): القنا، واحدها وشيجة. والوشوج: دخول الشيء بعضه
في بعض. و (لدن): لينة. و (ذوابل): فيها بعض اليبس. يقول: لم تجف كل الجفوف فتنشق إذا طُعن
بها وتندق. قال الشاعر:
سائلْ بنا حُجر بن أمِّ قَطَامِ إذْظلَّت به السُّمْر الذوابلُ تلعبُ
أراد: تسرع فيه وتهلكه.
والباء صلة نطاعن، ولدن وذوابل نعتان للقنا، والبيض نسق على السمر، ويعتلينا صلة البيض.
ومعناه يعلون. والألف صلة الفتحة.
نشُقُّ بها رُؤُوسَ القَومِ شَقًّاونُخْلِيها الرِّقاب فيختَلينا
نشق بها، معناه بالسيوف. و (نخليها الرقاب) معناه نجعل الرقاب لها كالخلي والخلى: الحشيش،
مقصور يكتب بالياء. قال الشاعر:
وبعضُ بيوت الشِّعر حُمْمٌ وبعضُهاخَلىً لفّه في ظلمةِ الليل حاطبُه
(فيختلين) معناه يقطعن. يقال: اختليت الحشيش، أي قطعته. وقال أبو جعفر: معناه أن هذه السيوف
تقطع كل شيء تمر به.
والهاء والألف نصب بنخلي، والرقاب مفعول ثان، ويروى: (ويخلين الرقاب فيختلينا) فاسم ما لم
يسم فاعله مضمر في يخلين، والرقاب نصب بيخلين، ويقال هو خبر ما لم يسم فاعله.
تَخالُ جماجِمَ الأَبطالِ فيهاوسُوقاً بالأَماعِز يرتَمِينَا
(الأبطال): الأشداء، يقال بطل الرجل يبطل بطولة، إذا كان بطلا. و (الأماعز): جمع أمعز،
والأمعز: مكان فيه حصى؛ وكذلك المعزاء. قال الشاعر:
خُدوداً جَفَت في السَّير حتَّى كأنمايُباشِرْن بالمَعْزاءِ مَسَّ الأرائكِ
ويرتمين معناه يسقطن.
والجماجم اسم تخال. وقوله (وسوقا) خبر تخال. والوسوق: جمع وسق؛ والوسق: الحمل.
والباء صلة وسوق.
نحُزُّ رُءُوسهم في غَيرِ بِرٍّفما يدرونَ ماذا يتَّقُونا
قوله (في غير بر) معناه في غير بر منا بهم، ولا شفقة عليهم، فما يدرون كيف يردون عن أنفسهم.
و (في) من صلة نحز، وهي حال معناه نحز رءوسهم غير بارين.
وموضع ما رفع بذا، وذا بما، ويتقون صلة ذا، والهاء المضمرة تعود عليه، وتقديره: ما الذي
يتقونه. ويجوز أن يكون ماذا حرفا واحدا منصوبا. بيتقون، يريد بأي شيء يتقون. ويروى: (نجذ
رءوسهم) أي نقطعها. قال الله جل ذكره: (عَطاءً غيرَ مجذود) أراد غير مقطوع. ويقال: جذت الشيء
أجذه جدا، أي قطعته. قال الشاعر:
رضيتُ بها فارضَيْ كميعَكِ واسلميفلو لم تخوني لم نجذَّ الحبائلا
ويقال جددت الشيء بالدال غير معجمة، أي قطعته. ويروى: (نجذ رءوسهم في غير شيء). وقال
أبو جعفر: قد دهشوا فما يدرون كيف يتقون ونحن نقتلهم كيف شئنا. قال: ويروى: (نحز رؤوسهم
في غير بر)، أي تسقط في بحر من الدماء، يريد لا تسقط في صحراء. وهذا مثل، أي صارت
الأرض كالبحر من الدم. ويروى (نجز رؤوسهم) بالجيم والزاي.
كأَن سُيوفنا فِينا وفيهمْمخَاريقٌ بأَيدِي لاعِبِينا
معناه: كأن اختلاف سيوفنا فيما بيننا في كثرتها وسرعتها مخاريق بأيدي صبيان يلعبون. وواحد
المخاريق مخراق، وهو ثوب يفتل. وقال أبو جعفر: معناه من حذقنا وخفتنا بالضرب كأن سيوفنا
مخاريق بأيدي صبيان يلعبون.
والسيوف اسم كأن، ومخاريق خبر كأن، وفينا وفيهم معناهما الحال. ونوَّن مخاريق وهي لا تجري،
لأن كل مالا يجرى تجريه الشعراء في شعرهم ليستوي بالتنوين وزن البيت، إلا أفعل إذا صحبته
من، فإنه لا يحتمل لأحد إجراؤه في شعر ولا في كلام، كقولك: هو أعقل منك، لأن في أعقل معنى
إضافة. ألا ترى أنك تقول: هو أعقل من زيد فتجد معناه هو أعقل الرجلين، فلا يجوز فيه التنوين،
اذ كانوا لا يجمعون بين التنوين والإضافة. والباء صلة مخاريق.
كأَنَّ ثِيابنا مِنّا ومِنهمخُضِبن بأُرجُوانٍ أو طُلِينا
(الأرجوان): صبغ احمر. فشبه كثرة الدماء على الثياب بصبغ أحمر.
وخبر كأن ما عاد من خضبن، وطلينا نسق على خضبن.
إِذَا ما عيَّ بالإِسناف حَيٌّمِن الهَوْل المشبَّه أن يكونا
(الإسناف): التقدم في الحرب. و (عي) من العي في الحرب لهولها. يقال: عييت بالأمر، وأعييت
في المشي. والأصل في عي عيي، فاستثقلوا الجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد فأسكنوا
الياء الأولى وأدغموها في الثانية التي بعدها. و (المشبه) إذا اشتبه الأمر عليهم فلم يعلموا كيف
يتوجهون له.
وما صلة، واسم الكون مضمر فيه، ولا خبر للكون لأنه بمعنى الحدوث والوقوع. يريد أن يقع
ويحدث.
نصَبْنا مِثْل رَهْوةَ ذاتَ حدٍّمحافظَةً وكُنّا السَّابقينا
معناه إذا عي أهل الحرب بالحرب واشتبهت عليهم أمورهم فلم يتوجهوا لها نصبنا مثل رهوة.
و (رهوة): جبل. أي أتينا بكتيبة مثل رهوة. (ذات حد): كتيبة
ذات شوكة. محافظة لأحسابنا. ويروى:
(كنا المسنفينا)، معناه المتقدمين.
ونصبنا جواب إذا، وإذا نصب بنصبنا، ومثل نصب بنصبنا، ورهوة خفض بإضافة مثل إليها،
وانتصبت لأنها لا تجري، وذات حد نعت لمثل. معناه نصبنا كتيبة مثل رهوة ذات حد. ومحافظة
نصب على المصدر.
بِفِتيانٍ يَرَوْنَ القَتلِ مَجْداًوشِيبٍ في الحروبِ مجرَّبينا
(المجد): الحظ الوافر الكافي من الشرف والسودد.
حُدَيَّا الناسِ كلِّهِمُ جميعاًمُقارَعةً بنيهِمْ عَنْ بَنينا
قوله (حديا الناس) قال بعض أهل اللغة: حُدياك معناه أغلبك، كما يقال: فلان واحد الناس. وقال
آخرون: نحن أشراف الناس. يقال: أنا حدياك في الأمر، أي أنا أفوقك. والحديا: الغاية. والمقارعة:
المخاطرة. وقال أبو جعفر: حديا الناس معناه أحدو الناس، أسوقهم وأدعوهم كلهم، لا أحاشي منهم
أحدا، إلى المقارعة. وقال: حديا تصغير حدوى، كأنه قال: أحدو الناس كلهم بالمقارعة ولا أهاب أحدا
فأستثنيه. مقارعة: مراهنة، بنيهم. عن بنينا، أي أقارعهم على الشرف والشدة ولا أستثني أحدا. قال
أبو جعفر: ومثله قول المرار:
وما خاللتُ منهم من خليلٍولكنِّي حَدوتهمُ جميعا
وموضع حديا الناس رفع بإضمار نحن حديا الناس. ويجوز أن يكون منصوبا على المدح، يريد:
أذكر حديا الناس. ويجوز أن يكون مخفوضا على معنى الباء، يريد بفتيان بحديا الناس. ويجوز أن
يكون منصوبا على المصدر، يريد أحدو حديا الناس. وجميعا ومقارعة منصوبان على المصدر،
وبنيهم نصب بفعل مشتق، معناه نقارع بنيهم.
فأَمَّا يَومَ خَشْيتِنا عَلَيهمْفنصْبِحُ غارةً مُتلبِّبينا
ويروى: (فتصبح خيلنا عصبا ثبينا). قال أبو جعفر: فسر معنى المقارعة بهذا الكلام. (عليهم) معناه
على البنين والحرم. وقوله (فنصْبِحُ غارةً مُتلبِّبينا) معناه فنصبح متيقظين مستعدين. ويقال: أغرت
على العدو إغارة وغارة. وغار الرجل على أهله يغار غيرة. قال جرير:
مَن سَدَّ مُطَّلَعَ النِّفاق عليهمأم مَنْ يصول كصَولة الحجَّاجِ
أم من يغَار على النساءِ حفيظةًإذْ لا يثقْنَ بغَيْرة الأزواجِ
يقال: غار الرجل فهو غائر، إذا أتى الغور. وغار الماء يغور غورا، وغارت عينه غؤورا، وغار
الرجل أهله يغيرهم غيارا وغيرا، إذا مارهم، وهي الغيرة والميرة. وأغار الحبل إغارة، إذا أحكم
فتله. و (العصب): الجماعات. و (الثبون): المتفرقون، وواحدها ثبة. قال زهير:
وقد أغدو على ثُبَةٍ كرامٍنَشَاوَي واجشدينَ لما نشاءُ
ويقال في جمع ثُبة ثُبات وثُبون. قال الله تعالى: (فانفِروا ثُبَاتٍ) وقال الشاعر:
فقد خربت قبورُهمُ فأمستْقبورهمُ جميعاً أو ثُبِينا
واليوم نصب بنصبح، واسم نصبح مضمر فيه، وخبره غاؤة، ومتلببينا نعت لغارة.
وأَمَّا يومَ لا نَخْشى عليهمْفنُصْبحُ في مجالسنا ثبينا
معناه وأما يوم لا نخشى أن يغار علينا فنصبح في مجالسنا على هذه الصف. وقال بعض أهل اللغة:
أراد بقوله في البيت الأول متلبّبينا: لا بسين السلاح. ويروى:
وأَمَّا يومَ لا نَخْشى عليهمْفنُصْبِحُ غارةً مُتلبِّينا
التفسير في إعرابه كالتفسير في البيت الأول.
برأْسٍ مِن بني جُشَمَ بنِ بَكْرٍندُقُّ به السُّهولةَ والحُزونا
(الرأس): السيد. والرأس هاهنا: الحي. ويقال: حي رأس، إذا كان مستغنيا أن يجلبه أحد، أي يعينه.
والسهولة: ما لأن من الأرض. و (الحزون): جمع حزن. والحزن: ما غلظ من الأرض. وقال أبو
جعفر: معناه ندق به كل صعب، لا نبقي شيئا ولا أحدا إلا أغرنا عليه. قال: والرأس هاهنا: جيش.
وأنشد للراعي:
يَقُدْن ولا يُقَدْنَ لكلِّ غيثٍوفي رأسِ يَسِرْنَ وينتوينا
أي في جيش. والباء صلة فعل مضمر معناه نجيء برأس ونغير برأس، وندق خبر مستأنف.
ويجوز أن يكون نعتا للرأس في التأويل، والهاء تعود على الرأس.
بأَيِّ مَشِيّئةٍ عمْرَو بنَ هِندٍنكونُ لقَيْلكُمْ فيها قَطِينا
(القيل) جمعه أقيال. والأقيال: وزراء الملوك في قول بعض أهل اللغة. وقال أبو عبيد: ملوك باليمن
دون الملك الأعظم، واحدهم قيل، يكون ملكا على قومه ومخلافه ومحجره. واحتج بالحديث الذي
يروى عن النبي ﷺ إنه كتب لوائل بن حجر ولقومه: (من محمد رسول الله إلى
الأقيال العباهلة من أهل حضرموت). والأقيال قد مضى تفسيرهم. و (العباهلة): الذين أقروا على
ملكهم لا يزالون عنه. وكل شيء أهملته فكان مبهما لا يمنع مما يريد ولا يضرب على يديه فهو
معبهل. قال تأبط شرا:
مَتى تَبغنِي ما دمتَ حيّاً مسلّماتجدني مع المسترعِلِ المتَعبْهلِ
فالمسترعل: الذي يخرج في الرعيل، وهي الجماعة من الخيل وغيرها. والمتعبهل:
الذي لا يمنع من شيء. وقال الراجز يذكر الإبل أنها قد أرسلت على الماء ترده كيف شاءت:
عبَاهلٌ عَبْهَلَها الوُرّادُ و (القطين): الخدم. قال جرير:
هذا ابنُ عمي في دمشقَ خليفةًلو شئتُ ساقكمُ إلى قطينا
والقطين في غير هذا: سكان المنزل.
والباء صلة نكون، واسم الكون مضمر فيه، وخبره قطينا.
بأَيِّ مَشِيّئةٍ عمْرَو بنَ هِندٍتُطيعُ بنا الوُشاةَ وتَزْدرينا
(المشيئة) من شئت. و (الوشاة): النمامون، واحدهم واش. و (تزدرينا) تستخف بنا. ويروى:
(وتزدهينا)، أي تستخفنا. ويروى في البيت الأول: (نكون لخلفكم فيها قطينا) لخلفكم: لنسلكم.
والخلف: من يجيء بعد. والخلف أيضا: الرديء. قال الله ﷿: (فخلَفَ من بعدهم خَلْفٌ). وقال
لبيد:
ذهَب الذين يُعاشُ في أكنافهموبقِيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجربِ
والخلف أيضا: الخطأ من الكلام؛ يقال: (سكت ألفا ونطق خلفا). ويقال: هو خلف صدق من أبيه،
وخلف سوء.
والباء صلة تطيع، وتزدرينا نسق على تطيع، وأي معناها الاستفهام.
تهدَّدْنا وأَوْعِدْنا رُوَيداًمَتَى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينا
يقال: وعدت الرجل خيرا وشرا، وأوعدته كذلك. فإذا لم تذكر الخير قلت: وعدته، وإذا لم تذكر الشر
قلت: أوعدته. قال الله ﵎: (النَّار وعدَها اللهُ الذين كَفَروا)، وقال عز وعلا: (وعَدَ الله الذين
آمنوا وعَملِوا الصَّالحاتِ منهم مغفرة). قال الشاعر:
وإنِّي وإنْ أوعدتْه أو وعدتُهلأخلف إيعادي وأنجز مَوْعدِي
وإذا دخلت الباء فهو من الإيعاد في الشر، كقولك: أوعدتك بالضرب والسب. وأنشد الفراء:
أوعدَني بالسجن والأداهمرِجلي ورجلي شَثْنةُ المناسمِ
و (المقتوون): الخدم، واحدهم مقتوي، وهو قول عمرو بن كلثوم:
متى كنَّا لأمِّك مَقْتوينا
والاسم منه القتو. قال: أنشدنا الأحمر:
إني امرؤ من بني فزارة لاأحسِنُ قَتْوَ الملوكِ والخبَبَا
قال أبو عبيد: وقال أبو عبيدة: قال رجل من بني الحرماز: هذا رجل مقتوين، ورجلان مقتوين،
ورجال مقتوين. كله سواء، وكذلك المؤنث، وهم الذين يعملون للناس بطعام بطونهم.
وتهددنا جزم على الأمر، ورويدا نصب على المصدر، وهو تصغير رود. أنشدنا أبو العباس:
تكادُ لا تثلم البطحاءَ وطأتهكأنه ثملٌ يمشي على رُودِ
ويروى: (تهددنا وتوعدنا رويدا) بالرفع على معنى الخبر. وقال الفراء: الرواة والنحويون ينشدون
بيت عمرو (مَقتوينا) بفتح الميم كأنه نسب إلى مقتي،
وهو مفعل من القتو - والقتو: الخدمة خدمة الملوك خاصة والتذلل لهم - ثم أن الشاعر اضطر
إلى تخفيف الياء فقال مقتوين يريد مقتويين. فإذا
قالوا للواحد رجل مقتوى رجعلوا إلى التشديد، ففي هذا دلالة على أن الشاعر اضطر. ووجد التخفيف
في الكلام يأتي كثيرا في المشدد، مثل نيَّة ونِيَة، وطيَّة وطيَة، أشباه ذلك.
فإِنَّ قَناتَنا يا عَمرُو أَعْيَتْعلى الأَعداءِ قَبلكَ أن تَلِينا
ويروى: (وإن قناتنا)، أي عودنا وأصلنا. وهذا مثل. يريد أن كل من نازعنا وأراد مغالبتنا خاب
وفزنا بالظفر به.
وموضع أن نصب على معنى بأن تلين، ولأن تلين.
إِذَا عَضَّ الثِّقافُ بها اشمأَزَّتْوولَّتْهُمْ عَشَوزَنَةً زَبونا
(الثقاف): ما تقوم به الرماح، قال عبد الله بن مسعود رضي الله سبحانه عنه: (أعربوا القرآن فإنه
عربي، فإنه سيجيء قوم يثقفونه وليسوا بخياركم). فمعنى يثقفونه يقوّمون حروفه كما يثقف المثقف
الرمح. ومعنى الحديث أنهم يقومون ألفاظه ولا يعملون به. وقوله (اشمأزت) معناه نفرت.
و (عشوزنة): شديدة صلبة. و (زبون) تضرب برجليها وتدفع. ويقال زبنه بزبنه، أي دفعه. والزبانية
عند العرب: الأشداء؛ سموا زبانية لأنهم يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم. قال الله ﵎:
(سَنَدْعُ الزَّبانية). وقال الشاعر:
مَطاعيمُ في المَقْرَى مَطاعينُ في الوغَىزَبَانيَةٌ غُلْبٌ عظامٌ حلومُها
والعشوزنة نصب بولت، والزبون نعت العشوزنة.
عَشَوزنةً إذا انقلبَتْ أَرنَّتْتَدُقُّ قَفَا المثقِّف والجَبينا
(إذا انقلبت) معناه إذا انقلبت أرنت في ثفافها، أي صوتت وشجت قفا من يثقفها، أي يقوّمها. وهذا
مثل ضربه. أي قناتنا لا تستقيم لمن أراد أن يقومها. ويروى: (مثقفة إذا غمزت أرنت). ويروى في
البيت الأول: (ولته عشوزنة) بالتوحيد؛ فمن جمع رد الهاء على الأعداء، ومن وحد ردها على واحد
الأعداء. انشد الفراء:
فإنْ تعهدي لامرئٍ لمَّةفإنَّ الحوادث أزرى بها
ذهب بالحوادث إلى معنى الحدثان. والعشوزنة الثانية مردودة على الأولى، والجبين نسق على القفا.
فهل حُدِّثْتَ في جُشَمَ بنِ بكرٍبنقْصٍ في خُطوب الأَوّلينا
ويروى: (عن جشم). وإنما يخاطب عمرو بن هند. معناه هل حدثت أن أحدا اضطهدنا في قديم
الدهر. و (الخطوب): الأمور، واحدها خطب. قال الله ﷿: (ما خَطْبُك)، معناه ما أمرك. ونقص
من النقصان.
وفي الأولى صلة حدثت، والثانية صلة نقص.
وَرِثْنا مَجدَ عَلْقمةَ بنِ سَيفٍأَباحَ لنا حُصون المَجْدِ دِينا
ويروى: حصون الحرب دينا. (المجد): الشرف والرفعة. وعلقمة: رجل منهم. وقوله (أباح لنا
حصون الحرب) معناه إنه كان قاتل حتى غلب عليها ثم تركها مباحة لنا. و (دنيا) معناه خاضعا
ذليلا. ويروى: (أباح لنا حصون المجد حينا).
ودينا منصوب على الحال مما في أباح، وهو مجعول في موضع الحال.
وَرِثْتُ مُهلهِلاً والخيرَ منهمْزُهَيراً ذُخْرُ الذاخرينا
مهلهل: رجل من بني تغلب، وكذلك زهير. ويروى: (والخير عنهم)، ويروى: (والخير منه).
والخير نسق على مهلهل، وزهير مترجم عن الخير، والذخر رفع بنعم. والمعنى: نعم ذخر الذاخرين
هو، فحذف هو لدلالة المعنى عليه.
وعتَّاباً وكُلثوماً جميعاًبِهِمْ نِلنا تراثَ الأَكرمينا
وكلثوم أبو عمرو الشاعر، وعتَّاب جده. و (التراث): الميراث. قال الله ﷿ (وتأكلون التُّراثَ
أكلاً لَمًّا) فمعناه تأكلون الميراث. وأصله الوراث لأنه فعال من ورثت، فأبدلوا من الواو تاء لقربها
منها في المخرج. ويروى: (بهم نلنا مساعي الأكرمينا).
وجميعا نصب على الحال، ومساعي منصوبة بنلنا، والأصل فيه مساعي الأكرمينا، فأسكن الياء في
النصب على لغة الذين يقولون: رأيت قاضيك وداعيك. قال الأعشى:
فتًى لو يُنادى الشَّمسَ ألقَتْ قِناعَهاأو القمرَ الساري لألْقَى المقالدا
أراد: أو القمر الساري، فأسكن الياء. ومثله قول الآخر:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القَرِقْأيديَ جَوارٍ يتعاطَينَ الوَرِقْ
معناه: كأن أيديهن، فأسكن الياء.
وذا البرَةِ الذي حُدِّثتَ عَنْهُبه نُحْمَى ونَحمِي الملجَئينا
ذا البرة: رجل من بني تغلب بن ربيعة. و (الملجئين): الذين قد التجئوا واحتاجوا إلى من ينصرهم.
وقال أبو جعفر: ذو البرة يقال له (برة القُنفذ) لقب بذلك لشعر كان على أنفه يلتوي كأنه برة،
مستديرا.
وذا البرة نسق على مهلهل، والباء صلة.
ومِنّا قبلَه السَّاعِي كُلَيبٌفأَيَُّ المجدِ إِلا قَد وَلينا
كليب الملك الساعي، سعى في المجد. (ولينا) من الولاية، أي صار إلينا فصرنا ولاة عليه. وقال
هشام بن معاوية: أنشد الكسائي هذا البيت برفع أي بما عاد من الهاء المضمرة، أراد فأي المجد إلا قد
وليناه. قال: وإنما أضمر الهاء لما لم يصل إلى نصب أي بولينا، وشبهه بقولهم: ما عبد الله إلا
أضرب، معناه ما عبد الله إلا أضربه، ونصب عبد الله خطأ. والفراء يرفع أيا بما عاد من الهاء
المضمرة، ويحتج بأن أيا لها صدر الكلام، إذ كانت لا يسبقها العامل فيها، فصار الذي بعدها كالصلة،
وأضمرت الهاء فيه كما تضمر في الصلة. ولا يجيز الفراء ما عبد الله إلا أضرب، على إضمار
الهاء، لأن عبد الله لا يضمر له في خبره الهاء، اذ كان يكون قبله وبعده. ونصب عبد الله خطأ في
قول جماعة من النحويين، لأن إلا لا ينصب ما بعدها ما قبلها.
وقال هشام: روى بيت عمرو أبو عمرو والأصمعي بالنصب: (فأي المجد إلا قد ولينا) بنصب أي.
ولم يعرف هشام لروايتهما مذهبا.
قال أبو بكر: والصواب عندي رواية الكسائي، لأن الا أداة مانعة تمنع ما بعدها من نصب من قبلها.
والساعي رفع بمن، وكليب مترجم عن الساعي، وقبله صلة منا، لأنه إذا اجتمعت صفتان فإحداهما
صلة الرافعة.
مَتَى نَعقِدْ قَرِينَتَنَا بحَبلٍنَجُذَُِّ الحبل أو نَقِص القَرينا
ويروى: (متى نعقد قريتنا بقوم نجز الحبل). ويروى: (تجذ الحبل) و (القرينة): التي تقرن إلى
غيرها. يقول: متى نقرن إلى غيرنا، أي متى نسابق قوما نسبقهم، ومتى قارنا قوما في حرب
صابرناهم حتى نقص من يقرن بنا، أي ندق عنقه. ومن قال (نجذ الحبل) جعله للمتكلم، ومن رواه
بالتاء جعله للقرينة.
ونعقد جزم بمتى، ونجذ جواب الجزاء وكسرت الذال لاجتماع الساكنين. ويروى (نجذُّ الحبل) بضم
الذال، وضمها على الاتباع لضمة الجيم. ويجز (نجذَّ الحبل) بفتح الذال بناء على التثنية. ومثله قول
الآخر:
فإنْ يقدر عليك أبو قُبيَسٍتُمَطّ بك المعيشةُ في هوانِ
يجوز في (تمط) الضم والفتح والكسر على ما مضى من التفسير. ونقص نسق على نجد. والأصل
في نقص نوقص، فحذفت الواو لوقوعها بين كسرة وياء. قال أبو جعفر: الرواية (نجذ الحبل) بالنون،
وأنكر التاء، وقال: القرينة من غيرهم فلا معنى للتاء.
ونُوجَدُ نحنُ أَمنعَهُمْ ذِماراًوأَوفاهُم إذا عَقَدُوا يمينا
(الذمار): حريم الرجل وما يجب عليه أن يحميه. وقوله: (وأوفاهم إذا عقدوا يمينا)، معناه إذا عاهدوا
أوفوا بعهدهم ولم ينقضوه. وقال الحطيئة:
قومٌ إذا عَقَدوا عقْداً لجارِهمشَدُّوا العِنَاجَ وشَدُّوا فوقه الكَرَبا
فمعنى قوله عقدوا عقداً لجارهم: عاهدوه. وقال الله ﷿: (أوْفُوا بالعُقود) فمعناه بالعهود. وقال
أبو العباس: العناج: خيط يشد من عراقي الدلو إلى أسفلها. والكرب: الحبل الذي يشد على تلك
الثلاث العراقي. يقال أكربت الحبل على الدلو، إذا شددت عليها.
ونحن يرتفع لأنه توكيد لما في نوجد، وأمنعهم منصوب على خبر نوجد، وأوفاهم ينتصب بالنسق
على أمنعهم، وذمارا ويمينا منصوبان على التفسير. وقال أبو جعفر: الذمار: ما يذمر نفسه في
التقصير فيه ويحث عليه.
ونَحنُ غَدَاةَ أُوقِدَ في خَزَازٍرَفَدْنا فوق رِفْدِ الرَّافدِينا
خزاز: مكان. يقول: أوقدت نار الحرب في خزاز. وقوله (رفدنا) معناه أعنا. (فوق رفد الرافدين):
فوق عون من أعان. أي أتينا بجيش فوق كل جيش. والرفد: العطية، وهو الاسم. والرفد، بفتح الهاء:
مصدر رفدته رفدا. قال الله ﷿: (بئسَ الرِّفدُ المرفود)، فمعناه بئست العطية والحبوة.
ونحن رفع بما عاد من النون والألف في رفدنا. والغداة نصب على الوقت. ويروى: (ونحن غداة
أوقد في خزازي).
ونحْنُ الحبِسُونَ بذِي أُراطَيتَسَفُّ الجِلَّةُّ الخُورُ الدَّرينا
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع