تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نعت الخصب والمحل

بعث رجل ابنين له يرتادان في خصب، فقال أحدهما: رأيت ماء غيلا، يسيل سيلا، وحوضه يميل ميلا، يحسبه الرائد ليلا. قال الثاني: رأيت ديمة على ديمة، في عهاد غير قديمة، يشبع منها الناب قبل الفطيمة.

سئل بعض العرب: ما وراءك؟ قال: التراب يابس، والأرض عابس.

قال أبو عمرو بن العلاء: وقعت إلى ناحية فيها نفير من الأعراب، فرأيتها مجدبة، فقلت لبعضهم: ما بال بلدكم هذا؟ قال: لا ضرع ولا زرع.

قلت: فكيف تعيشون؟ قالوا: نحترش الضباب، ونصيد الدواب فنأكلها.

قلت: فكيف صبركم عليه؟ فقال: ياهناه، سئل خالق الأرض: هل سوّيت؟

قال: بل أرضيت.

- وقال الطائي وذكر الخصب بالغيث:

إذا ما ارتدى بالبرق لم يزل الثرىله تبعا أو يرتدي الروض بالبقل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصب بحميا كأسها مقتل العذل»
سحابا إذا ألقت على خلفه الصبّايدا قالت الدنيا أتى قاتل المحل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصب بحميا كأسها مقتل العذل»
ترى الأرض تهتزّ ارتياحا لوقعهكما ارتاحت البكر الهديّ إلى البعل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصب بحميا كأسها مقتل العذل»
إذا انتشرت أعلامه حوله انطوتبطون الثرى منه وشيكا على حمل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصب بحميا كأسها مقتل العذل»

- قدمت ليلى الأخيلية على الحجاج فقال لها: ما أتى بك يا ليلى؟

قالت: إخلاف النجوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله ردءا.

قال فأخبريني عن الأرض، قالت: الأرض مقشعرة، والفجاج مغبرة، وذو الغنى مختلّ، وذو الحد منفلّ. قال: وما سبب ذاك؟ قالت: أصابتنا سنون مجحفة مظلمة، لم تدع لنا فصيلا ولا ربعا، ولم تبق عافطة ولا نافطة، فقد أهلكت الرجال، ومزّقت العيال، وأفسدت الأموال.

- وقالت أعرابية:

ألم ترنا غبّنا ماؤنازمانا فظلنا نكدّ البئارا
فلما عدا الماء أوطانهوجفّ الثماد فصارت حرارا
وفتّحت الأرض أفواههاعجيج الجمال وردن الجفارا
وضجّت إلى ربّها في السماءرؤوس العضاه تناجى السرارا
لبسنا لدى عطن ليلةعلى اليأس أثوابنا والخمارا
وقلنا أعيروا النّدى حقّهوعيشوا كراما وموتوا حرارا
فإن النّدى لعسى مرّةيردّ إلى أهله ما استعارا
فبينا نوطّن أحشاءناأضاء لنا بارق فاستطارا
وأقبل يزحف زحف الكسيركسوق الرعاء البطاء العشارا
يغنّي وتضحك حافاتهخلال الغمام ويبكي مرارا
فلما خشينا بأن لا نجاءوأن لا يكون فرار فرارا
أشار له آمر فوقههلمّ فأمّ إلى ما أشارا

- وقال أعرابي:

مطرنا فلما أن روينا تهادرتشقاشق منها رائب وحليب
ورامت رجال من رجال ظلامةوعدّت ذحول بيننا وذنوب
ونصّت ركاب للصبا فتروّحتألا ربما هاج الحبيب حبيب
وطئن فناء الحي حتى كأنّهرجا منهل من كرّهنّ لحيب
بني عمّنا لا تعجلوا ينضب الثرىقليلا ويشفي المترفين طبيب
فلو قد توالى النبت وامتيرت القرىوخبّت ركاب الحيّ حين تؤوب
وصار غبوق الخود وهي كريمةعلى أهلها ذو جدّتين مشوب
وصار الذي في أنفه خنزوانةينادى إلى هادي الرجا فيجيب
أولئك أيام تبيّن للفتىأكاب سكيت أم أشمّ نجيب

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.