من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نعت السحاب والغيث وما كان منهما
بينا رسول الله ﷺ جالس مع أصحابه ذات يوم إذ نشأت سحابة فقالوا: يا رسول الله هذه سحابة، قال: كيف ترون قواعدها؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ تمكنها. قال: كيف ترون رحاها؟ قالوا: ما أشدّ استقامتها، قال: كيف برقها، أوميضا أم خفوا أم يشقّ شقّا؟ قالوا: بل يشقّ شقّا. فقال ﷺ: الحيا، فقالوا: يا رسول الله ما رأينا أفصح منك، قال: وما يمنعني وإنما أنزل الله ﷿ القرآن بلسان عربيّ مبين.
قواعدها: أسافلها، ورحاها: وسطها ومعظمها، وإذا استطار البرق من قطرها إلى قطرها فذلك الانشقاق والانبثاق، وإذا كان البرق كالتبسم في خلل السحاب فذلك الوميض، وومض السحاب وأومض لغتان. والخفو: أقل من الومض، يقال: خفا يخفو خفوا، وهو أن يلمع تارة ثم يسكن.
- وروي أنّ أعرابيّا مكفوفا خرج مع ابنته يرعى غنما له، فقال الشيخ: أجد ريح النسيم قد دنا، فارفعي رأسك فانظري قالت: أراها كأنها
سرب معز هزلى، أو بطن حمار أصحر. قال: ارعي واحذري. ثم مكث ساعة فقال: إني أجد ريح النسيم قد دنا فما ترين؟ قالت: أراها كأنها بغال دهم تجرّ جلالها، قال: ارعي واحذري. ثم سكت ساعة فقال: إني أجد ريح النسيم قد دنا فما ترين؟ قالت: أراها كما قال الشاعر:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالرّاح
كأنما بين أعلاه وأسفلهريط منشّرة أو ضوء مصباح
فمن بعقوته كمن بنجوتهوالمستكنّ كمن يمشي بقرواح
فقال: انجي لا أبا لك. فما انقضى كلامه حتى هطلت السماء عليها.
والأبيات لأوس بن حجر وأولها:
يا هل ترى البرق لما بتّ أرقبهكما استضاء يهوديّ بمصباح
إني أرقت ولم يأرق معي صاحلمستكنّ بعيد النوم لوّاح
يهدي الجنوب بأولاه وناء بهأعجاز مزن تسحّ الماء دلاح
كأنّ مزنته لما علا شطباأقراب أبلق ينفي الخيل رماح
كأنّ فيه إذا ما الرعد فجّرهدهما مطافيل قد همّت بإرشاح
فأصبح الروض والقيعان مترعةمن بين مرتتق منها ومنصاح
- وقال الأخطل:
بمرتجز داني الرّباب كأنهعلى ذات ملح مقسم لا يريمها
فما زال يسقي بطن خبت وعرعروأرضهما حتى اطمأنّ جسيمها
وعمّهما بالماء حتى تواضعترؤوس المتان سهلها وحزونها
إذا قلت قد خفّت عزاليه أقبلتبه الريح من عين سريع جمومها
»
- وقال:
ومظلم تعلن الشكوى حواملهمستفرغ بسجال الغين منشطب
دان أبسّت به ريح يمانيةحتى تبجّس من حيران منثعب
- وقال ابن ميادة:
سحائب لا من صيّف ذي صواعقولا محرقات ماؤهنّ حميم
إذا ما هبطن الأرض قد جفّ عودهابكين بها حتى يعيش هشيم
قيل لبعض العرب: من أين أقبلت؟ قال: من الفج العميق. قيل:
أين تريد؟ قال: البيت العتيق. قيل: وهل كان من مطر؟ قال: نعم حتى عفّى الأثر، وأنضر الشجر، ودهده الحجر.
بعث يزيد بن المهلب سريعا مولى عمرو بن حريث إلى سليمان بن عبد الملك، قال سريع: فعلمت أنه سيسألني عن المطر، ولم أكن أرتق بين كلمتين، فدعوت أعرابيّا فأعطيته درهما وقلت له: كيف تقول إذا سئلت عن المطر؟ فكتبت ما قاله وجعلته بيني وبين القربوس حتى حفظته. فلما قدمت قرأ كتابي وقال: كيف المطر يا سريع؟ قلت: يا أمير المؤمنين، عمد الثرى، واستأصل العرق، ولم أر واديا إلا داريا. فقال سليمان: هذا كلام لست بأبي
عذره. فقلت: بلى، قال: اصدقني، فصدقته، فضحك حتى فحص برجليه وقال: لقنته والله لابن بجدتها.
- أنشد المبرد:
إذا الله لم يسق إلّا الكرامفأسقى ديار بني حنبل
ملثّا مريّا له هيدبصدوق الرواعد والأزمل
كأنّ الرّباب دوين السحابنعام تعلّق بالأرجل
الرباب: سحاب دون سحاب.
- وقال آخر:
جاءت تهادي مشرفا ذراهاتخرّ أولاها على أخراها
مشي العروس ناقصا خطاهاكأنما تحطّ من حشاها
قراقر الجراد أو دباها
- وقال أبو ذؤيب:
له هيدب يعلو الشّراج وهيدبمسفّ بأذناب التلاع خلوج
علاجمه غرقى رواء كأنهاقيان شروب رجعهنّ نشيج
الشراج: شعاب الحرار.
- وقالت أعرابية:
فبينا نرمّق أحشاءناأضاء لنا عارض فاستنارا
وأقبل يزحف زحف الكسيرسياق الرعاء البطاء العشارا
يغنّي وتضحك حافاتهأمام الجنوب وتبكي مرارا
فلما خشينا بأن لا نجاءوأن لا يكون قرار قرارا
أشار له آمر فوقههلمّ فأمّ إلى ما أشارا
- وقال عنترة:
جادت عليها كلّ بكر حرّةفتركن كلّ قرارة كالدرهم
- وقال أبو عون الكاتب:
في مزنة طبّقت فكادتتصافح الأرض بالغمام
- وقال ابن المعتز:
جاءت بجفن أكحل وانصرفتمرهاء من إسبال دمع منسكب
وقال أيضا:
يكسو البلاد قميصا من زخارفهكأنه فوق جيب الأرض مزرور
ظلّت جآذره صرعى مطرّحةكأنها لؤلؤ في الأرض منثور
وقال أيضا:
ما ترى نعمة السماء على الأرض وشكر الرياض للأمطار
وكأنّ الربيع يجلو عروساوكأنا من قطره في نثار
- وقال البحتري:
ذات ارتجاز لحنين الرعدمجرورة الذيل صدوق الوعد
مسفوحة الدمع لغير وجدلها نسيم كنسيم الورد
ورنّة مثل زئير الأسدولمع برق كسيوف الهند
جاءت بها ريح الصبّا من نجدفانتثرت مثل انتثار العقد
فراحت الأرض بعيش رغدمن وشي أثواب الربى في برد
كأنما غدرانها في الوهديلعبن من حبابها بالنّرد
- وقال الطائي:
لم أر عيرا جمّة الدؤوبتواصل التهجير بالتأويب
أبعد من أين ومن لغوبمنها غداة السارق المهضوب
كالليل أو كاللّوب أو كالنّوبمنقادة لعارض غربيب
كالشيعة التفّت على النقيبآخذة بطاعة الجنوب
ناقضة لمرر الخطوبتكفّ غرب الزّمن العصيب
محّاءة للأزمة اللّزوبمحو استلام الركن للذنوب
لمّا دنت للأرض من قريبتشوّفت لوبلها السكوب
تشوّف المريض للطبيبوطرب المحبّ للحبيب
وفرحة الأديب بالأديبوخيّمت صادقة الشؤبوب
فقام فيها الرعد كالخطيبوحنّت الريح حنين النّيب
والشّمس ذات حاجب محجوبوالأرض في ردائها القشيب
في زاهر من نبتها رطيببعد اشهباب الثلج والضريب
كالكهل بعد السنّ والتحنيبتبدّل الشباب بالمشيب
كم آنست من جانب غريبوفتقت من مذنب يعبوب
ونفّست عن بارض مكروبومكّنت من نافر الجنوب
تحفظ عهد الغيب بالمغيبكأنها تهمي على القلوب
- وقال الفرزدق وذكر الثلج:
وأصبح مبيضّ الصقيع كأنهعلى سروات النّيب قطن مندّف
- وقال العرجي:
كأنّ سقيط الثلج ما حصبت بهعلى الأرض قطن أو دقيق مغربل
- وقال ابن المعتز:
أرقت له والركب ميل رؤوسهميخوضون ضحضاح الكرى بهم فتر
علاهم جليد الليل حتى كأنّهمبزاة تجلّى في مراتبها قمر
- وقال امرؤ القيس يصف البرق:
أصاح ترى برقا أريك وميضهكلمع اليدين في حبيّ مكلّل
يضيء سناه أو مصابيح راهبأمال السّليط بالذبال المفتّل
وقد أكثر الشعراء في ذكر البرق ولكن اعتمادنا على ما فيه وصف أو تشبيه.
- قال دعبل:
أرقت لبرق آخر الليل منصبخفيّ كبطن الحيّة المتقلّب
- وقال في ذلك:
ما زلت أكلأ برقا في جوانبهكطرفة العين يخبو ثم يختطف
برق تحاسر من خفّان لامعهيقضي اللبانة من قلبي وينصرف
- وقال آخر ويروى لعبد الله بن العباس الربيعي:
ألا من لبرق سرى موهناخفيّ كغمزك بالحاجب
كأنّ تألقه في السماءيدا حاسب أو يدا كاتب
- وقال كلثوم بن عمرو العتابي وذكر أنواعا من التشبيه:
أرقت للبرق يخبو ثم يأتلقيخفيه طورا ويبديه لنا الأفق
كأنه غرة شهباء لائحةفي وجه دهماء ما في جلدها بلق
أو ثغر زنجيّة تفترّ ضاحكةتبدو مشافرها طورا وتنطبق
أو سلة البيض في جأواء مظلمةوقد تلقّت ظباها البيض والدرق
- وقال الطائي وذكر سحابة:
سيقت ببرق ضرم الزنادكأنه ضمائر الأغماد
- وقال في ذلك:
يا سهم للبرق الذي استطارابات على رغم الدجى نهارا
آض لنا ماء وكان ناراأرضى الثرى وأسخط الغبارا
- وقال أيضا:
إليك سرى بالمدح ركب كأنهمعلى الميس حيّات اللصاب النضانض
يشمن بروقا من نداك كأنهاوقد لاح أخراها عروق نوابض
- وقال الحسين بن مطير:
مستضحك بلوامع مستعبربمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن ولا بمسرّةضحك يراوح بينه وبكاء
كثرت لكثرة ودقه أطباؤهفإذا تحلّب فاضت الأطباء
وكأنّ بارقه حريق يلتقيريح عليه وعرفج وألاء
لو كان من لجج السواحل ماؤهلم ييق في لجج السواحل ماء
وقال أبو الحسن علي بن إسحاق بن خلف الزاهي يصف قوس قزح:
ضحك الزمان لدمع عين مقبلينهلّ بين شمائل وجنائب
وكأنّ وجه الجوّ نيط ببرقعوكأنّ شمس الدجن وجنة كاعب
وكأنّ قوس المزن في تخطيطهشفة بدت من تحت خضرة شارب
- وأنشدني أبو الفوارس بن الصفي لنفسه متشبّها بالقدماء:
دان تكاد الوحش تكرع وسطهوتمسّه كفّ الوليد المرضع
متتابع جمّ كأنّ ركامهركبات قيصر أو سرايا تبّع
فهمى فألقى بالعراء بعاعهسحّا كمندفع الأتيّ المترع
فتساوت الأقطار من أفواههفالقارة العلياء مثل المدفع
وغدا سراب القاع بحر حقيقةفكأنه لتيقّن لم يخدع
متغطمطا غصب الوحوش مكانهاتياره فالضبّ جار الضفدع
- وقال عبيد:
سقّى الرباب مجلجل الأكناف لمّاح بروقه
جون تكفكفه الصّباوهنا وتمريه خريقه
مري العسيف عشارهحتى إذا درّت عروقه
ودنا يضيء ربابهغابا يضرّمه حريقه
حتى إذا ما ذرعهبالماء ضاق فما يطيقه
هبّت له من خلفهريح شآمية تسوقه
حلّت عزاليه الجنوب فثجّ واهية خروقه
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع