من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نعت البيان والمحاورة
- قال حسان بن ثابت:
لساني وسيفي صارمان كلاهماويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي
- وقال جرير فأخذ اللفظ والمعنى:
لساني وسيفي صارمان كلاهماوللسيف أشوى وقعة من لسانيا
- وقال الأخطل:
أفحمت عنكم بني النجار قد علمتعليا معدّ وكانوا طالما هدروا
حتى استكانوا وهم مني على مضضوالقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
- وقال محمد بن هانىء:
حكم يجلّي غيب كلّ ملمّةكالشمس تكشف جنح كلّ ظلام
وقال آخر:
من كل معنى يكاد الميت يفهمهحسنا ويعبده القرطاس والقلم
- وقال الصابي:
فقر لم يزل إليها فقيراكلّ مبدي فصاحة ومعيد
يغتدي البارع المفيد اليهالاحقا بالمقصّر المستفيد
ببيان شاف ولفظ مصيبواختصار كاف ومعنى سديد
- وقال أيضا:
ولي فقر تضحي الملوك فقيرةإليها لدى أحداثها حين تطرق
أردّ بها رأس الجموح فينثنيوأجعلها سوط الحرون فيعنق
فإن حاولت لطفا فماء مرقرقوإن حاولت عنفا فنار تألّق
- وقال أبو فراس ابن حمدان:
وروضة من رياض الفكر دبّجهاصوب القرائح لا صوب من المطر
كأنما نشرت يمناك بينهمابردا من الوشي أو بردا من الحبر
وقال آخر:
نطقت بحكمة جلّى سناهاعن المعنى اللطيف دجى الظلام
تلذّ كأنها راح وروحتمشّى في العروق وفي العظام
وقول رسول الله ﷺ: «إن من البيان لسحرا» هو الغاية إيجازا وبلاغة.
- وكتب الصاحب بن عباد: خطّ أحسن من عطفات الأصداغ، وبلاغة كالامل آذن بالبلاغ. فقر كما جيدت الرياض، وفصول كما تغامزت المقل المراض. ألفاظ كما نوّرت الأشجار، ومعان كما تنفست الاسحار.
وقال الماهر:
وحديث كأنهأوبة من مسافر
فهو أحلى من الرقاد لدى طرف ساهر
- وقال بشار:
وكأن رجع حديثهاقطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحت لسانهاهاروت ينفث فيه سحرا
- وقال السري الرفاء:
يتنازعون على الرحيق غرائبايحسبن زاهرة كؤوس رحيق
صدرت عن الأفكار وهي كأنهارقراق صادرة عن الراووق
وقال محمد بن أحمد الحزوّر:
لله لؤلؤ ألفاظ أساقطهالو كنّ للغيد لاستأنسن بالعطل
ومن عيون معان لو كحلت بهانجل العيون لأغناها عن الكحل
سحر من الفكر لو دارت سلافتهعلى الزمان تمشّى مشية الثمل
وصف العباس بن الحسن العلوي رجلا بفصاحة فقال: ما شبهته يتكلم إلا بثعبان ينهال من رمال، أو ماء يتغلغل بين جبال.
وقال ثمامة: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع التمهّل والجزالة والحلاوة وإفهاما يغنيه عن الاعادة، ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الاشارة لاستغنى جعفر عن الاشارة كما استغنى عن الاعادة.
وقال: قلت لجعفر: ما البيان؟ فقال: أن يكون الكلام يحيط بمعناك، ويجلّي عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة، والذي لا بدّ منه أن يكون سليما من التكلف، بريئا من التعقيد، غنيا عن التأويل.
الجاحظ: هذا تأويل قول الأصمعي: البليغ من طبّق المفصل، وأغناك عن المفسّر.
قال المفضل: قلت لأعرابيّ: ما البلاغة؟ قال: الايجاز في غير عجز، والاطناب في غير خطل.
وذكر أعرابي امرأة فقال: كلامها الوبل على المحل، والعذب البارد على الظمأ.
- والجيّد قول القطامي:
فهنّ ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلّة الصادي
- وقول الأخطل:
وقد تكون بها سلمى تحادثنيتساقط الحلي حاجاتي وأسراري
- وقول الشماخ:
حديث لو انّ اللحم يصلى ببعضهغريضا أتى أصحابه وهو منضج
قال عبد الحميد بن يحيى: البلاغة ما رضيته الخاصة، وفهمته العامة.
وقال أيضا: خير الكلام ما قلّ ودلّ ولم يملّ قال آخر: اللفظ الحسن إحدى النفاثات في العقد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع