من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
وصف الكتاب والقلم وما يجانسهما
- قال أبو تمام الطائي:
لك القلم الأعلى الذي بشباتهتصاب من الأمر الكلى والمفاصل
لعاب المنايا القاتلات لعابهوأري الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طلّ ولكنّ وقعهابآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكبوأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغتعليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف الرماح وقوّضتلنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الجلّي وأقبلتأعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وسدّدتثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلا شأنه وهو مرهفضنى وجسيما خطبه وهو ناحل
- وقال ابن الرومي:
لعمرك ما السيف سيف الكميّبأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأمّلتهظهرت على سرّه الغائب
سنان المنية في جانبوسيف المنية في جانب
- وقال السري الرفاء:
لك القلم الذي يضحي ويمسيبه الإقليم محميّ الحريم
هو الصلّ الذي لو عضّ صلّالأسلمه إلى ليل السليم
- وقال العتابي: الأقلام مطايا الفطن.
- وقال سهل بن هارون: القلم لسان الضمير، إذا رعف أعلن سراره وأنار آثاره.
- قال علي بن عبيدة فيه: أصمّ يسمع النجوى ويخبر بالغائب.
- وقيل: الخطّ هندسة روحانية، وإن ظهرت بآلة جسدانية.
- وقيل: فضل الخطّ على اللفظ ان الخطّ للقريب والبعيد، واللفظ للقريب فقط.
وقال جالينوس: الخط كلام ميت، واللفظ كلام حي. ولو تمم المعنى لقال: الخطّ كلام ميت وحيّ.
- وقيل: الدواة منهل، والقلم ماتح، والكتاب عطن.
وقال آخر:
خطّه روضة وألفاظه الأزهار يضحكن والمعاني الثمار
وقال آخر:
مكررة ألفاظنا في فصولهفإن نحن أتممنا قراءته عدنا
إذا ما نشرناه فكالمسك نشرهونطويه لا طيّ السآمة بل ضنّا
وقال الصابىء:
فخاتم كامن في بطن راحتهاوفي أناملها سحبان مستتر
وقال آخر:
وأدى خطابا في سطور كأنهامخانق درّ في نحور الكواعب
- وقال التنوخي:
خطّ وقرطاس كأننهما السوالف والشعور
وكأنه ليل يموج خلاله صبح منير
وبدائع تدع القلوب تكاد من طرب تطير
في كلّ معنى كالغنىيحويه محتاج فقير
أو كالفكاك ينالهمن بعد ما يأس أسير
وكأنما الاقبال جاء أو الشفاء أو النشور
وكأنه شرخ الشباب وعيشه الغضّ النضير
- وله من أبيات ذكر فيها قصيدة ثم ذكر فيها الخط:
وكأنّه إذ لاح منفوق المهارق والسطور
ورد الخدود اذا انتقلت به على راح الثغور
كتبت بحبر كالنوىأو كفر نعمى من كفور
في مثل أيام التواصل أو كإعتاب الدهور
- وقال علي بن الجهم:
يا رقعة جاءتك مثنيّةكأنها خدّ على خدّ
نبذ سواد في بياض كماذرّ فتيت المسك في الورد
ساهمة الأسطر مصروفةمن نبذ الهزل إلى الجدّ
يا كاتبا أسلمني عتبهإليه حسبي منك ما عندي
- وقال آخر:
سواد مثل خافية الغرابوأقلام كمرهفة الحراب
وقرطاس كرقراق السرابوألفاظ كأيام الشباب
- وقال ابن المعتز:
قلم ما أراه أم فلك يجري بما شاء قاسم ويسير
راكع ساجد يقبّل قرطاسا كما قبل البساط شكور
- وقال أيضا:
إذا أخذ القرطاس خلت يمينهتفتح نورا أو تنظّم جوهرا
- قال الجاحظ في وصف كتاب: لا أعلم جارا أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية ولا أقل خيانة، ولا أبدى نفعا، ولا أقلّ إبراما وإملالا، ولا أحمد أخلاقا، ولا أقل خلافا، ولا أتم سرورا، ولا أقل غيبة، ولا أكثر أعجوبة، ولا أبعد مراء، ولا أزهد في جدال، ولا أكفّ عن قتال، ولا آمن على كشف الأسرار والاطلاع على شكوى ذات النفس، من كتاب.
ونظر المأمون إلى ابنه الفضل وهو ينظر في كتاب فقال له: ما هذا يا بني؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا بعض ما يشحذ الفطنة، ويؤنس من الوحدة، فقال: الحمد لله الذي رزقني من ولدي من يرى بعين عقله أكثر مما يرى بعين جسمه.
- وقال ابن الرومي:
حبر ابي حفص لعاب الليلكأنّه ألوان دهم الخيل
يجري إلى الإخوان جري السيلبغير وزن وبغير كيل
كأنه من نهر الرفيل
ووصف عبد الله بن المعتز الكتاب فقال: هو والج الأبواب،
جريء على الحجاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم.
قال الرياشي، قال الأصمعي: ألا أدلّك على بستان يكون في كمّك، وروضة تكون في حجرك، وميت ينطق، وأخرس يتكلم، يحدثك إذا شئت، ويقطع عنك إذا سئمت؟ قلت: بلى، قال: عليك بكتابك.
- سئل بعض الكتاب: متى يستحقّ الخطّ أن يوصف بالجودة؟
قال: إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده حدوره، وتفتحت عيونه، ولم يشتبه واوه ونونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنفاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصورّه، وإلى القلوب تميزه، واندمجت فصوله، وتناسب دقيقه وجليله، وخرج عن نمط الوراقين، وبعد عن تصنّع المحررين، وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية، وكان حينئذ كما قيل:
إذا ما تجلّل قرطاسهوساوره القلم الأرقش
تضمّن من خطّه حلّةكنقش الدنانير أو أنقش
حروف تعيد لعين الكليلنشاطا ويقرأها الأخفش
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع