من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أخبار ابن مفرغ الحميري
- هجا يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري بني زياد في قصة كانت بينهم طويلة، وهرب منهم إلى معاوية بعد أن كان عبّاد بن زياد قد حبسه بخراسان.
فردّه معاوية إلى عبيد الله بن زياد، وقال: اشف نفسك منه بما يشدّ سلطانك ولا تتجاوز إلى نفسه، واعلم أنها عزمة مني. فسقاه عبيد الله نبيذا حلوا قد خلط بالشبرم حتى سلح، وقرن به هرّا وخنزيرا وطاف به في السواق، وجعل يسلح والصبيان يصيحون وراءه؛ ثم أنفذه إلى أخيه عبّاد بخراسان. وكان ابن مفرغ، حيث هجاهم وتنقل من خوفه منهم، يكتب هجاءهم على أبواب القرى التي ينزلها؛ فأمر الموكلين الذين معه أن يلزموه بحك تلك الكتابة بأظفاره، فكان يفعل ذلك حتى ذهبت أظفاره، فكان يمحو بعظام أصابعه ودمه يسيل؛ ومنعه أن يصلّي إلى الكعبة وألزمه الصلاة إلى قبلة النصارى للمشرق، وسلّمه الموكلون إلى عباد فحبسه وضيق عليه. فذلك قول ابن مفرغ:
قرنت بخنزير وهرّ وكلبةزمانا وشان الجلد ضرب مشرّب
وجرّعتها صهباء في غير لذّةتصعّد في الجثمان ثم تصوّب
وأطعمت ما لا إن يحل لآكلوصليت شرقا بيت مكة مغرب
فلو أن لحمي إذ هوى لعبت بهكرام الملوك أو أسود وأذؤب
لهوّن وجدي أو لزلّت بصيرتيولكنما أودت بلحمي أكلب
أعبّاد ما للّؤم عنك محوّلولا لك أمّ في قريش ولا أب
وقل لعبيد الله ما لك والدبحقّ ولا يدري امرؤ كيف تنسب
فلما طال مقام ابن مفرغ في السجن، استأجر رسولا إلى دمشق وقال له: إذا كان يوم الجمعة فقف على درج جامع دمشق، ثم اقرأ هذين البيتين بأرفع ما يمكنك من صوت. وكتب له في رقعة وهما:
أبلغ لديك بني قحطان قاطبةعضّت بأير أبيها سادة اليمن
أضحى دعيّ زياد فقع قرقرةيا للعجائب يلهو بابن ذي يزن
ففعل الرسول ما أمره به. فحميت اليمانية وغضبوا له، ودخلوا على معاوية فسألوه فيه، فدافعهم عنه، فقاموا غضابا، وعرف ذلك في وجوههم، فردهم ووهبه لهم، ووجه رجلا من بني أسد يقال له حجام بريدا إلى عبّاد، وكتب له عهدا وأمره أن يبدأ بالحبس فيخرج ابن مفرغ ويطلقه قبل أن يعلم عبّاد بما قدم له فيغتاله. ففعل ذلك، فلما خرج من الحبس قرّبت له بغلة من بغال البريد فركبها وقال:
عدس! ما لعبّاد عليك إمارةنجوت وهذا تحملين طليق
وإن الذي نجّى من الكرب بعد ماتلاحم في درب عليك مضيق
أتاك بحجام فأنجاك فالحقيبأرضك لا يحبس عليك طريق
لعمري لقد أنجاك من هوّة الردىإمام وحبل للإمام وثيق
سأشكر ما أوليت من حسن نعمةومثلي لشكر المنعمين حقيق
فلما دخل على معاوية بكى، وقال: ركب مني ما لم يركب من مسلّم قط على غير حدث في الإسلام، ولا خلع يد من طاعة ولا جرم، فقال: ألست القائل:
ألا أبلغ معاوية بن حربمغلغلة من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عفّوترضى أن يقال أبوك زان
فاشهد أن رحمك من زيادكرحم الفيل من ولد الأتان
واشهد أنها ولدت زياداوصخر من سميّة غير دان
فقال: والذي عظّم حقّك يا أمير المؤمنين، ما قلته، ولقد بلغني أن عبد الرحمن ابن الحكم قاله ونسبه إليّ، قال أفلم تقل:
شهدت بأن أمّك لم تباشرأبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمر فيه لبسعلى وجل شديد وارتياع
أولست القائل:
إن زيادا ونافعا وأبابكرة عندي من أعجب العجب
إن رجالا ثلاثة خلقوافي رحم أنثى وكلّهم لأب
ذا قرشي كما يقول وذامولى وهذا بزعمه عربي
في أشعار كثيرة قلتها في زياد وبنيه؟ اذهب فقد عفوت عن جرمك، ولو إيانا تعامل لم يكن شيء ممّا كان، فاسكن أيّ أرض أحببت. فاختار الموصل فنزلها.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع