من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (١١)
إذا الطّول والصّول استقلاّ براحةٍ ... ترقّت لها نحو النجوم أنامل وقال أيضاً في سعيد بن حكم رئيس منرقة:
سيّدٌ أيّدٌ رئيسٌ بئيسٌفي أساريره صفات الصباح
قمرٌ في أفق المعالي تجلّىوتحلّى بالسؤدد الوضّاح
سلم البحر في السماحة منهلجوادٍ سموّه بحر السماح
وقال أبو العباس أحمد الإشبيلي:
يا أفضل الناس إجماعاً ومعرفتيتغني وما الحسن في ريب ولا ريب
ورثت عن سلفٍ ما شئت من شرفٍفقد بهرت بموروثٍ ومكتسب وقال ابن زهر الحفيد:
يا من يذكّرني بعهد أحبّتيطاب الحديث بذكرههم ويطيب
أعد الحديث عليّ من جنباتهإنّ الحديث عن الحبيب حبيب
ملأ الضلوع وفاض عن أحنائهاقلبٌ إذا ذكر الحبيب يذوب
ما زال يضرب خافقاً بجناحهيا ليت شعري هل تطير قلوب وقال في زهر الكتان:
أهلاً بزهر اللاّزورد ومرحبافي روضة الكتّان تعطفه الصّبا
لو كنت ذا جهلٍ لخلتك لجّةًوكشفت عن ساقٍ كما فعلت سبا ولما قال الموشحة المشهورة التي أولها:
صادني ولم يدر ما صادا ... قال أبو بكر ابن الجد: لو سئل عما صاد لقال: تيس بلحية حمراء.
ولما قال الموشحة التي أولها:
هات ابنة العنبواشرب إلى قوله:
وفدّه بأبيثمّ بي سمعها أبوه فقال: يفديه بالعجوز السوء أمه، وأما أنا فلا
وهنالك أبو بكر ابن زهر الأصغر، وهو ابن عم هذا الأكبر. ومن نظم الأصغر:
والله ما أدري بما أتوسّلإذ ليس لي ذاتٌ بها أتوصّل
لكن جعلت مودتي مع خدمتيلعلاك أحظى شافعٍ يتقبّل
إن كنت من أدوات زهرٍ عاطلاً ... فالزّهر منهنّ السّماك الأعزل وهذه الأبيات خاطب ها المأمون بن المنصور صاحب المغرب.
وقال الأديب أبو جعفر عمر ابن صاحب الصلاة:
وما زالت الدنيا طريقاً لهالكتباين في أحوالها وتخالف
ففي جانبٍ منها تقوم مآتمٌوفي جانبٍ منها تقوم معازف
فمن كان فيها قاطناً فهو ظاغنٌ ... ومن كان فيها آمناً فهو خائف وقال أبو بكر محمد ابن صاحب الصلاة يخاطب أخيل لما انتقل إلى العدوة:
لا تنكرنّ زماناًرماك منه بسهم
وأنت غاية مجدٍفي كلّ علمٍ وفهم
هذي دموعي حتىيراك طرفي تهمي
يا ليت ما كنت أخشىعليك عدوان همّ
وإنّما الدهر يبديما لا يجوز بوهم
ما زال شيهم مسٍّ ... لكلّ يقظان شهم ولما وفد اهل الأندلس على عبد المؤمن قام خطيباً ناثراً وناظماً، فأتى
بالعجب، وباهى به أهل الأندلس في ذلك الوقت.
وله في عبد المؤمن:
هم الألى وهبوا للحرب أنفسهموأنهبوا ما حوت أيديهم الصّفدا
ما إن يغبّون كحل الشمس من رهجٍ ... كأنّما عينها تشكو لهم رمدا وقال ابن السيد البطليوسي في أبي الحكم عمرو بن مذحج ابن حزم، وقد غلب على لبه، وأخذ بمجامع قلبه:
رأى صاحبي عمراً فكلّف وصفهوحمّلني من ذاك ما ليس في الطّوق
فقلت له: عمرٌ كعمرٍ فقال ليصدقت ولكن ذاك شبّ عن الطوق وفيه يقول ابن عبدون:
يا عمرو ردّ على الصّدور قلوبهامن غير تقطيعٍ ولا تحريق
وأدر علينا من خلالك أكؤساًلم تأل تسكرنا بغير رحيق وفيه يقول أحدهما:
قل لعمرو بن مذحججاء ما كنت أرتجي
شاربٌ من زبرجدٍولمىً من بنفسج وكتب إليه ابن عبدون:
سلامٌ كما هبّت من المزن نفحةٌتنفّس عند الفجر في وجهها الزهر
ومنها:
أبا حسن أبلغ سلام فمي يديأبي حسنٍ وارفق فكلتاهما بحر
ولا تنس يمناك التي هي والندىرضيعا لبانٍ لا اللّجين ولا التّبر فأجابه من أبيات:
تحيّر ذهني في مجاري صفاتهفلم أدر شعرٌ ما به فهت أم سحر
أرى الدهر أعطاك التقدّم في العلىوإن كان قد وافى أخيراً بك الدهر
لئن حازت الدنيا بك الفضل آخراًففي أخريات الليل ينبلج الفجر ولعمرو في أبي العلاء ابن زهر:
قدمت علينا والزمان جديدوما زلت تبدي في الندى وتعيد
وحقّ العلا لولا مراتبك العلالما اخضرّ في أفق المكارم عود
فلوحوا بني زهرٍ فإنّ وجوهكمنجومٌ بأفلاك العلاء سعود وقوله لأبي الوليد ابن عمه:
إنّي لأعجب أن يدنو بنا وطنٌولا يقضّى من اللّقيا لنا وطر
لا غرو إن بعدت دارٌ مصاقبةبنا وجدّ بنا للحضرة السّفر
فمحجر العين لا يلقاه ناظرها ... وقد توسّع في الدنيا به النظر وقال ابن عمه أبو بكر محمد بن مذحج يخاطب ابن عمه أبا الوليد:
ولمّا رأى حمص استخّفت بقدرهعلى أنّها كانت به ليلة القدر
تحمّل عنها والبلاد عريضةٌكما سلّ من غمد الدّجى صارم الفجر وقال أبو الوليد المذكور:
أتجزع من دمعي وأنت أسلتهومن نار أحشائي وأنت لهيبها
وتزعم أنّ النّغس غيرك علّقتوأنت ولا منٌّ عليك حبيبها
إذا طلعت سمشٌ عليّ بسلوةٍأثار الهوى بين الضلوع غروبها وله أيضاً:
لمّا استمالك معشرٌ لم أرضهموالقول فيك، كما علمت، كثير
داريت دونك مهجتي فتماسكتمن بعد ما كادت إليك تطير
فاذهب فغير جوانحي لك منزلٌواسمع فغير وفائك المشكور وقال:
يقول وقد لمته في هوىفلانٍ وعرّضت شيئاً قليلا
أتحسدني قلت: لا والذيأحلّك في الحبّ مرعىً وبيلا
وكيف وقد حلّ ذاك الجنابوقد سلك الناس ذاك السبيلا وله مما يكتب على قوس:
إنّا إذا رفعت سماء عجاجةٍوالحرب تقعد بالرّدى وتقوم
وتمرّد الأبطال في جنباتهاوالموت من فوق النّفوس يحوم
مرقت لهم منّا الحتوف كأنّمانحن الأهلّة والسهام نجوم وقال أبو الحسين ابن فندلة في كلب صيد:
فجعت بمن لو رمت تعبير وصفهلقلّ ولو أنّي غرفت من البحر
بأخطل وثّابٍ طموحٍ مؤدّبٍثبوتٍ يصيد النّسر لو حلّ في النسر
كلون الشباب الغضّ في وجهه سناًكأنّ ظلاماً ليس فيه سوى البدر
إذا سار والبازيّ أقول تعجّباً ... ألا ليت شعري يسبق الطير من يجري ولا يلتفت إلى أقول أبي العباس ابن سيد فيه:
الموت لا يبقي على مهجةٍلا أسداً يبقي ولا نعثله
ولا شريفاً لبني هاشمٍ ... ولا وضيعاً لبني فندله وكان ابن سيد مسلطاً على هذا البيت، قال ابن سعيد: وإنما ينبح الكلب القمر.
قال أبو العباس النجار: كان أبو الحسين يلقب بالوزغة، فوصلت إلى بابه يوماً، فتحجب عني، فكتبت على الباب:
تحجّب الفندليّ عنّيفساء من فعله ضميري
ينفر من رؤيتي كأنّي ... مضمّخ الجيب بالعبير قال: ومن عادة الوزغة أن تكره رائحة الزعفران وتهرب منه.
وقال أبو القاسم ابن حسان:
ألا ليتني ما كنت يوماً معظّماًولا عرفوا شخصي ولا علموا قصري
أكلّف في حال المشيب بمثل ماتحمّلته والغصن في ورقٍ نضر
فما عاش في الأيام في حرّ عيشةٍسوى رجل ناءٍ عن النّهي والأمر وقال أبو بكر ابن مرتين:
صحبت منك العلا والفضل والكرماوشيمةً في النّدى لا ترتضي السأما
مودّةٌ في ثرى الإنصاف راسخةٌوسمكها فوق أعناق السّماء سما وقال:
أنصفتني فمحضتك الودّ الذييجزى بصفوته الخليل المنصف
لا تشكرنّ سوى خلالك إنّهاجلبت إليك من الثنا ما يعرف وقال:
يا هلالاً يتجلّىوقضيباً يتثنّى
كلّ أنسٍ لم تكنهفهو لفظٌ دون معنى وقال القاضي أبو عبد الله محمد بن زرقون:
ذكر العهد والديار غريبفجرى دمعه ولجّ النّحيب
ذكر العهد والنّوى من حبيبٍحبّذا العهد والنّوى والحبيب
إذ صفاء الوداد غير مشوبٍبتجنٍّ وودّنا مشبوب
وإذا الدهر دهرنا وإذا الدار قريبٌ وإذ يقول الرّقيب ومنها:
أسأل الله عفوه فلئن ساء مقالي لقد تعفّ القلوب
قد ينال الفتى الصغائر ظرفاًلا سواها وللذّنوب ذنوب
وأخو الشّعر لا جناح عليهوسواءٌ صدوقه والكذوب وقال الخطيب أبو عبد الله محمد بن عمر الإشبيلي:
وكلٌّ إلى طبعه عائدٌوغن صدّه المنع عن قصده
كذا الماء من بعد إسخانهيعود سريعاً إلى برده وقال:
يا معدن الفضل وطود الحجىلا زلت من بحر العلا تغترف
عبدك بالباب فقل منعماً ... يدخل أو يصبر أو ينصرف وقال إمام اللغة أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الإشبيلي:
ما طلبت العلوم إلاّ لأنّيلم أزل من فنونها في رياض
ما سواها له بقلبي حظٌّغير ما كان للعيون المراض وقال:
أشعرن قلبك ياساليس هذا الناس ناسا
ذهب الإبريز منهمفبقوا بعد نحاسا
سامريّين يقولو ... ن جميعاً لا مساسا وكان كتاب " العين " للخليل مختل القواعد، فامتعض له هذا الإمام، وصقل صدأه كما يصقل الحسام، وأبرزه في أجمل منزع، حتى قيل: هذا مما أبدع واخترع، وله كتاب في النحو يسمى " الواضح " وصيره الحكم المستنصر مؤدباً لولده هشام المؤيد، وبالجملة فهو في المغرب بمنزلة ابن دريد في المشرق.
وقال النحوي أبو بكر محمد بن طلحة الإشبيلي، وشعره رقيق خارج عن شعر النحاة، ومنه:
إلى أيّ يومٍ بعده يرفع الخمروللورق تغريدٌ وقد خفق النّهر
وقد صقلت كفّ الغزالة أفقهاوفوق متون الروض أرديةٌ خضر
وكم قد بكت عين السماء بدمعهاعليها ولولا ذاك ما بسم الزهر وقال:
بدا الهلال فلمّابدا نقصت وتمّا
كأنّ جسمي فعلٌ ... وسحر عينيه " لمّا " وكان لا يملك نفسه في النظر إلى الصور الحسان، وأتاه يوماً أحد أصحابه بولد له فتان الصورة، فعندما دخل مجلسه قصر عليه طرفه، ولم يلتفت إلى والده، وجعل والده يوصيه عليه وهو لا يعلم ما يقوله، وقد افتضح في طاعة هواه، فقال له الرجل: يا أبا بكر حقق النظر فيه لعله مملوك ضاع لك، وقد
جبره الله تعالى عليك، ولكن على من يتركه عندك لعنة الله، هذا ما علمت بمحضري، والله إن غاب معك عن بصري لمحة لتفعلن به ما اشتهر عنك؛ وأخذ ولده وانصرف به، فانقلب المجلس ضحكاً.
وقال أبو جعفر أحمد ابن الأبار الإشبيلي، وهو من رجال " الذخيرة ":
زارني خيفة الرقيب مريبايتشكّى منه القضيب الكثيبا
رشأٌ راش لي سهام المنايامن جفونٍ يسبي بهنّ القلوبا
قال لي ما ترى الرقيب مطلاًّقلت دعه أتى الجناب الرحيبا
عاطه أكؤس المدام دراكاًوأدرها عليه كوباً فكوبا
واسقنيها من خمر عينيك صرفاًواجعل الكأس منك ثغراً شنيبا
ثمّ لمّا أن نام من نتّقيهوتلقّى الكرى سميعاً مجيبا
قال لا بدّ أن تدبّ عليهقلت أبغي رشاً وآخذ ذيبا
قال فابدأ بنا وثنّ عليهقلت عمري لقد أتيت قريبا
فوثبنا على الغزال ركوباًوسعينا على الرقيب دبيبا
فهل آبصرت أو سمعت بصبٍّناك محبوبه وناك الرّقيبا وأنشد له ابن حزم:
أوما رأيت الدهر أقبل معتباًمتنصلاً بالعذر ممّا أذنبا
بالأمس أذبل في رياضك أيكةًواليوم أطلع في سمائك كوكبا
وقيل: إنه خاطب بهما ابن عباد ملك إشبيلية وقد ماتت له بنتٌ وولد له ابنٌ، وبعضهم ينسبهما لغيره.
ودخل الأديب أبو القاسم [ابن] العطار الإشبيلي حماماً بإشبيلية، فجلس إلى جانبه وسيم خمري العينين، فافتتن بالنظر إليه إلى أن قام وقعد في مكانه أسود، فقال:
مضت جنّة المأوى وجاءت جهنّمفها أنا أشقى بعدما كنت أنعم
وما كان إلا الشمس حان غروبها ... فأعقبها جنحٌ من الليل مظلم وقال الأديب المصنف أبو عمرو عثمان بن علي بن عثمان ابن الإمام الإشبيلي صاحب " سمط الجمان ":
عذيري من اليام لا درّ درّهالقد حمّلتني فوق ما كنت ارهب
وقد كنت جلداً ما ينهنهني النوىولا يستبيني الحادث المتغلّب
يقاسي صروف الدهر مني مع الصّباجذيل حكاكٍ أو عذيقٌ مرجّب
وكنت إذا ما الخطب مذّ جناحهعليّ تراني تحته أتقلّب
فقد صرت خفّاق الجناح يروعنيغرابٌ إذا أبصرته وهو ينعب
وأحسب من ألقى حبيباً مودّعاً ... وأنّ بلاد الله طرّاً محصّب وقد امتعض للاداب في صدر دولة بني عبد المؤمن، فجمع شمل الفضلاء الذين اشتملت عليهم المائة السابعة إلى مبلغ سنه منها في ذلك الأوان، واستولى بذلك على خصل الرهان، وانفرد بهذه الفضيلة التي لم ينفرد بها إلا فلان وفلان.
وكان الأديب العالم الصالح أبو الحسن علي بن جابر الدباج الإشبيلي إماماً في فنون العربية، ولكن شهر بإقراء كتب الآداب كالكامل للمبرد ونوادر
القالي وما أشبه ذلك، وكان - مع زهده - فيه لوذعية، ومن ظرفه أن أحد تلامذته قال لغلام جميل الصورة: بالله أعطني قبلة تمسك رمقي، فشكاه إلى الشيخ وقال له: يا سيدي، قال لي هذا كله، فقال له الشيخ: وأعطيته ما طلب فقال: لا، فقال له: ما هذه الثقالة ما كفام أن حرمته حتى تشتكي به أيضاً وحسبك من جلالة قدره أن أهل إشبيلية رضوا به إماماً في جامع العدبس.
وله:
لمّا تبدّت وشمس الأفق باديةٌأبصرت شمسين من قربٍ ومن بعد
من عادة الشمس تعشي عين ناظرهاوهذه نورها يشفي من الرّمد وقال مالك بن وهب:
أراميتي بالسحر من لحظاتهانعيذك كيف الرمي من دون أسهم
ألا فاعلمي أن قد أصبت، فواصليسهامك أو كفّي فلست بمسلم
فإنسان عين الدهر أصميت فاحذريمطالبةً بالقلب واليد والفم
أما هو في غيلٍ إذا غابه القناتحفّ به آساد كلّ ملثّم
ولو أنّ لي ركناً شديداً بنجوة ... أويت له من بأس لحظك فارحمي وهو إشبيلي، كان من أهل الفلسفة كما في " المسهب "، قال: وهو فيلسوف المغرب، ظاهر الزهد والورع، استدعاه من إشبيلية أمير المسلمين علي بن يوسف ابن تاشفين إلى حضرة مراكش، وصيره جليسه وأ، يسه، وفيه يقول بعض أعدائه:
دولةٌ لابن تاشفين عليٍّطهرت بالكمال من كلّ عيب
غير أنّ الشيطان دسّ إليهامن خباياه مالك بن وهيب
وأمره علي بمناظرة محمد بن تومرت الملقب بالمهدي الذي أنشأ دولة بني عبد المؤمن.
[أشعار لأبي الصلت]
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز المذكور في غير هذا الموضع من هذا الكتاب يستدعي بعض إخوانه:
بمعاليك وجدّكجد بلقياك لعبدك
حضر الكلّ ولكنلم يطب شئ لفقدك وقال:
وراغبٍ في العلوم مجتهدٍلكنّه في القبول جلمود
فهو كذي عنّةٍ به شبقٌومشتهي الأكل وهو ممعود وقال:
لئن عرضت نوى وعدت عوادأدالت من دنوّك بالعاد
فما بعدت عن اللقيا جسومٌتدانت بالمحبّة والوداد
ولكن قرب دارك كان أندىعلى كبدي وأحلى في فؤادي وله في مجمرة:
ومحرورة الأحشاء لم تدر ما الهوىولم تدر ما يلقى المحبّ من الوجد
إذا ما بدا برق المدام رأيتهاتثير غماماً في النديّ من النّدّ
ولم أر ناراً كلّما شبّ جمرهارأيت الندامى منه في جنّة الخلد
وقوله من قصيدة:
وإن هم نكصوا يوماً فلا عجبٌقد يكهم السيف وهو الصارم الذكر
العود أحمد والأيّام ضامنةٌعقبى النجاح ووعد الله منتظر وقال:
تقريب ذي الأمر لأهل النّهىأفضل ما ساس به أمره
هذا به أولى وما ضرّهتقريب أهل الهوى في النّدره
عطاردٌ في جلّ أوقاتهأدنى إلى الشمس من الزّهره وقوله:
تفكّر في نقصان مالك دائماًوتغفل عن نقصان جسمك والعمر
ويثنيك خوف الفقر عن كلّ بغيّةٍوخوفك حال الفقر شرّ من الفقر وقوله:
يا ليلة لم تبن من القصركأنّها قبلةٌ على حذر
لم تك إلاّ كلا ولا مضتتدفع في صدرها يد السّحر وقال فيمن نظر إليه فأعرض عنه:
قالوا: ثنى عنك بعد البشر صفحتهفهل أصاخ إلى الواشي فغيّره
فقلت: لا بل درى وجدي بعارضهفردّ صفحته عمداً لأبصره وقال:
حكت الزمان تلوّناًلمحبّها العاني الأسير
فوصالها برد الأصيل وهجرها حرّ الهجير
وقال يستدعي:
هو يومٌ كما تراه مطيركلب القرّ فيه والزمهرير
وأرانا الغمام والبرد ثوبين علينا كلاهما مجرور
ولدينا شمسان شمسٌ من الرّاح وشمسٌ تسعى بها وتدور
فمن الرأي أن تشبّ الكوانين بأجذالها وترخى الستور
فاترك الاعتذار فيه فترك الشرب في مثل يومنا تعذير وقال:
هو البحر غص فيه إذا كان ساكناًعلى الدّرّ واحذره إذا كان مزبدا وقال:
غبت عنّا فغاب كلّ جمالٍونأى إذ نأيت كلّ سرور
ثمّ لمّا قدمت عاودنا الأنس وقرّت قلوبنا في الصدور
فلو آنّا نجزي البشير بنعمىلوهبنا حياتنا للبشير وقال:
كم ضيّعت منك المنى حاصلاًكان من الأحزم أن يحفظا
فالفظ بها عنك فمن حقّ مايخفي صواب الرأي أن يلفظا
فإن تعللت بأطماعهافإنّما تحلم مستيقظا وقال:
يقولون لي صبراً وإنّي لصابرٌعلى نائبات الدهر وهي فواجع
سأصبر حتى يقضي الله ما قضىوإن أنا لم أصبر فما أنا صانع
وقال:
بأبي خودٌ شموعٌأقبلت تحمل شمعه
فالتقى نوراهما واختلفا قدراً ورفعه
ومسير الشمس تستهدي بضوء النجم بدعه وقال في فرس أشهب:
وأشهبٍ كالشهاب أضحىيلوح في مذهب الجلال
قال حسودي وقد رآهيخبّ تحتي إلى القتال:
من ألجم الصبح بالثرياوأسرج البرق بالهلال وقال:
رمتني صروف الدهر بين معاشرٍأصحّهم ودّاً عدوٌّ مقاتل
وما غربة الإنسان في غير دارهولكنّها في قرب من لا يشاكل وقال:
أصبحت صبّاً دنفاً مغرماأشكو جوى الحبّ وأبكي دما
هذا وقد سلّم إذ مرّ بيفكيف لو مرّ وما سلّما وقال:
وقفنا للنّوى فهفت قلوبٌأضرّ بها الجوى وهمت شؤون
يناجي بعضنا باللحظ بعضاًفتعرب عن ضمائرنا العيون
فلا والله ما حفظت عهودٌكما ضمنوا ولا قضيت ديون
ولو حكم الهوى يوماً بعدلٍلأنصف من يفي ممّن يخون
أمرّ بداركم وأغضّ طرفي ... مخافة أن تظنّ بي الظنون ولما رأى عبد الرحمن بن شبلاق الحضرمي الإشبيلي في النوم أنه مر على قبرٍ وقوم يشربون حوله وسط أزاهر فأمروه أن يرثي صاحب القبر، وهو أبو نواس الحسن بن هانئ، قال:
جادك يا قبر انسكاب الغماموعاد بالروح عليك السلام
ففيك أضحى الظّرف مستودعاًواستترت عنّا عيون الظلام وقال أبو بكر محمد بن نصر الإشبيلي:
وكأنّما تللك الرياض عرائسٌملبوسهنّ معصفرٌ ومزعفر
أو كالقيان لبسن موشيّ الحلىفلهنّ في وشي اللباس تبختر وقال أحمد بن محمد الإشبيلي:
أما ترى النرجس الغضّ الذكيّ بداكأنّه عاشقٌ شابت ذوائبه
أو المحبّ شكا لمّا أضرّ بهفرط السّقام فعادته حبائبه وقال:
ربّ نيلوفرٍ غدا مخجل الرائي إليه نفاسةً وغرابه
كمليكٍ للزنج في قبّةٍ بيضاء يدنو الدجى فيغلق بابه
وقال أبو [الحسن] الأصبغ بن سيد:
كأنّما النرجس في منظر الحسن الذي أمثاله تبتغى
أناملٌ من فضّةٍ فوقه ... كأسٌ من التبر أفرغا وقال أبو إسحاق إبراهيم ابن خيرة الصباغ مما أنشده له أبو عامر ابن مسلمة في كتاب " حديقة الارتياح ":
يومٌ كأنّ سحابهلبست عمامي المصامت
حجبت به شمس الضحىبمثال أجنحة الفواخت
فالغيث يبكي فقدهاوالبرق يضحك مثل شامت
والرعد يخطب مفصحاًوالجوّ كالمحزون ساكت
والروض يسقيه الحياوالنّور ينظر مثل باهت
فاشرب ولذّ بجنّةٍواطرب فإنّ العمر فائت وله:
ربّ ليلٍ طال لا صبح لهذي نجومٍ أقسمت أن لا تغور
قد هتكنا جنحه من فلقٍمن خمورٍ ووجوهٍ كالبدور
إذ بدت تشبهها في كأسهانار إبراهيم في بردٍ ونور
صرعتنا إذ علونا ظهرهافي ميادين التصابي والسرور
وكأنّا حين قمنا معشرٌنشروا بعد مماتٍ من قبور وقال أبو بكر ابن حجاج:
لمّا كتمت الحبّ لا عن قلىًولم أجد إلاّ البكا والعويل
ناديت والقلب به مغرمٌيا حسبي الله ونعم الوكيل وقال:
يقولون إنّ السحر في أرض بابلٍوما السحر إلاّ ما أرتك محاجره
وما الغصن إلا ما انثنى تحت بردهوما الدّعص إلاّ ما طوته مآزره
وما الدّرّ إلاّ ثغره وكلامه ... وما الليل إلا صدغه وغدائره وهذه الأبيات من قصيدة في محمد بن القاسم بن حمود ملك الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى.
وقال الرصافي أبو عبد الله الشاعر المشهور، وهو ابن رومي الأندلس، في حريري:
وبنفسي من لا أسميه إلاّبعض إلمامةٍ وبعض إشاره
هو والظبي في المجال سواءٌما استفاد الغزال منه استعاره
أغيدٌ يمسك الحرير بفيه ... مثل ما يمسك الغزال العراره وهو القائل يمدح أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي:
لو جئت نار الهدى من جانب الطّورقبست ما شئت من علمٍ ومن نور ولأبي جعفر أحمد بن الجزار:
وما زلت أجني منك والدهر ممحلٌولا ثمرٌ يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أيادٍ دانياتٌ قطوفهالأوراقها ظلٌّ عليّ ممدّد
يرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهنّ تغرّد ولما نفي أبو جعفر ابن البني من ميورقة، وأقلع في البحر ثلاثة أميال، ونشأت ريح ردته، لم يتجاسر أحد من إخوانه على إتيانه، فكتب إليهم:
أحبّتنا الألى عتبوا عليناوأقصونا وقد أزف الوداع
لقد كنتم لنا جذلاً وأنساًفما بالعيش بعدكم انتفاع
أقول وقد صدرنا بعد يومٍ:أشوقٌ بالسفينة أم نزاع
إذا طارت بنا حامت عليكمكأنّ قلوبنا فيها شراع وله:
غصبت الثريا في البعاد مكانها وأودعت في عينيّ صادق نوئها
وفي كلّ حالٍ لم تزالي بخيلةً فكيف أعرت الشمس حلّة ضوئها
وله في غلام يرمي الطيور:
قالوا تصيب طيور الجوّ أسهمهإذا رماها فقلنا: عندنا الخبر
تعلمت قوسه من قوس حاجبهوأيّد السهم من أجفانه الحور
يلوح في بردةٍ كالنّقس حالكةٍكما أضاء بجنح الليلة القمر
وربما راق في خضراء مونقةٍ ... كما تفتّح في أوراقه الزّهر وقال الأديب الكاتب القاضي أبو المطرف ابن عميرة المخزومي،
لما قص شعر ملك شرق الأندلس زيان بن مردنيش مزين، في يوم رفع فيه أبو المطرف شعراً، فخرجت صلة المزين، ولم تخرج صلة أبي المطرف:
أرى من جاء بالموسى مواساًوراحة من أذاع المدح صفرا
فأنجح سعي ذا إذ قصّ شعراً ... وأخفق سعي ذا إذ قصّ شعرا واسم أبي المطرف أحمد، وهو من جزيرة شقر، من كورة بلنسية.
وكان الكاتب الحسيب أبو جعفر أحمد بن طلحة يعشق علجاً من علوج ابن هود ويماشيه في غزواته، وفيه يقول:
ما أحضر الغزو من صلاحٍكلاّ ولا رغبة في الجهاد
لكن لكيما يكون داعٍلقربنا خيرة الجياد ولقد تقدمت حكايته فلتراجع
وكان صنوبري الأندلس أبو إسحاق ابن خفاجة، وهو من رجال الذخيرة والقلائد والمسهب والمطرب والمغرب، وشهرته تغني عن اإطناب فيه، مغرىً بوصف الأنهار والأزهار وما يتعلق بها، وأهل الأندلس يسمونه الجنان، ومن أكثر من شيء عرف به، وتوفي سنة ثلاث أو خمس وثلاثين وخمسمائة، وولد سنة خمسين وأربعمائة، ومن نظمه قوله:
ربّما استضحك الحباب حبيبٌنفضت لونها عليه المدام
كلّما مرّ قاصراً من خطاهيتهادى كما يمرّ الغمام
سلّم الغصن والكثيب علينا ... فعلى الغصن والكثيب السّلام وبات مع بعض الرؤساء فكاد ينطفئ السراج ثم تراجع نوره، فقال:
وأغرّ ضاحك وجهه مصباحهفأنار ذا قمراً وذلك فرقدا
ما إن خبا تلقاء نور جبينهحتى ذكا بذكائه فتوقّدا وله:
كتبت وقلبي في يديك أسيريقيم كما شاء الهوى ويسير
وفي كلّ حينٍ من هواك وأدمعيبكلّ مكانٍ روضةٌ وغدير وله:
كتابنا ولدينا البدر ندمانوعندنا أكؤسٌ للراح شهبان
والقضب مائسةٌ، والطير ساجعة ... والأرض كاسيةٌ، والجوّ عريان ولما سئل أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأبيض عن لغة فعجز عنها بمحضر من خجل منه أقسم أن يقيد رجليه بقيد حديد، ولا ينزعه حتى يحفظ " الغريب المصنف " فاتفق أن دخلت عليه أمه في تلك الحال، فارتاعت، فقال:
ريعت عجوزي أن رأتني لابساًحلق الحديد ومثل ذاك يروع
قالت: جننت فقلت: بل هي همّةٌهي عنصر العلياء والينبوع
سنّ الفرزدق سنّةً فتبعتها ... إنّي لما سنّ الكرام تبوع وكان شاعراً وشاحاً وطاح دمه على يد الزبير أمير قرطبة لما هجاه بمثل قوله:
عكف الزبير على الضلالة جاهداًووزيره المشهور كلب النار
ما زال يأخذ سجدةً في سجدةٍبين الكؤوس ونغمة الأوتار
فإذا اعتراه السهو سبّح خلفه ... صوت القيان وزنّة المزمار ولما بلغ الزبير عنه ذلك وغيره أمر بإحضاره، فقرعه، وقال: ما دعاك إلى هذا فقال: إني لم أر أحق بالهجو منك، ولو علمت ما أنت عليه من المخازي لهجوت نفسك إنصافاً، ولم تكلها إلى أحد، فلما سمع الزبير ذلك قامت قيامته، وأمر بقتله.
وأنشد له ابن غالب في " فرحة الأنفس " قوله في حاقة خائط:
وحلقةٍ كشعاع الشمس صافيةٍلو قابلت كوكباً في الجوّ لالتهبا
تأنّق القين في إحكام صنعتهاحتى أفاض على أطرافها الذهبا
كأنّها بيضةٌ قد قدّ قونسهاوكلّ جنبٍ لها بالطعن قد ثقبا وقال فيمن يحدث نفسه بالخلافة:
أمير المؤمنين، نداء شيخٍأفادك من أماليه اللّطيفه
تحفّظ أن يكون الجذع يوماًسريراً من أسرّتك المنيفه
وأذكر منك مصلوباً فأبكيوتضحكني أمانيك السخيفه وهاجى ابن سارة، فقال فيه ابن سارة:
ومن العجائب أن يكون الأبيض ... بحماره بين السوابق يركض وقال إمام النحاة بالأندلس أبو علي عمر الشلوبين فيمن اسمه قاسم:
وممّا شجى قلبي وفضّ مدامعيهوىً قد قدّ قلبي إذ كلفت بقاسم
وكنت أظنّ الميم أصلاً فلم تكن ... وكانت كميمٍ ألحقت بالزراقم والزراقم: الحيات، مشتقة من الزرقة، والميم زائدة، يريد أن ميم قاسم كميمها، فهو قاسٍ، وهو منسوب إلى حصن شلوبينة على ساحل غرناطة، وله من الشهرة والتآليف ما يغني عن الإطناب في وصفه، وله " التوطئة " و " شرح الجزولية " وغيرهما، وكان مغفلاً، ومع ذلك فهو آية الله تعالى في العربية، وكان في لسانه لكنة، ولما اراد مأمون بني عبد المؤمن التوجه إلى مرسية، وقد ثار بها ابن هود، وأنشده الشعراء، وتكلم في مجلسه الخطباء، قام الشلوبين وقال دعاء منه: ثلمك الله ونثرك، يريد سلمك الله ونصرك، لأن بلكنته يرد السين والصاد ثاء، فكان كما قال: عاد المأمون وقد ثلم عسكره ونثر.
ولما مرض الفقيه الزاهد أبة إسحاق إبراهيم الإلبيري دخل عليه الوزير أبو خالد هاشم بن رجاء، فرأى ضيق مسكنه، فقال: لو اتخذت غير هذا المسكن لكان أولى بك، فقال وهو آخر شعر قاله:
قالوا ألا تستجيد بيتاًتعجب من حسنه البيوت
فقلت: ما ذلكم صواباًعشٌّ كثير لمن يموت
لولا شتاء، ولفح قيظٍوخوف لص، وحفظ قوت
ونسوةٌ يبتغين ستراًبنيت بنيان عنكبوت
وقال أبو بكر ابن عبادة القزاز الموشح في ابن بسام صاحب " الذخيرة ":
يا منيفاً على السماكين سامحزت خصل السباق عن بسّام
إن تحك مدحةً فأنت زهيرٌأو تشبّب فعروة بن حزام
أو تباكر صيد المها فابن حجرٍأو تبكّ الديار فابن حذام
أو تذمّ الزمان وهو حقيقٌ ... فأبو الطيّب البعيد المرامي ولما انتثر سلك نظام ملك لمتونة تفرق ملك الأندلس رؤساء البلاد، وكان من جملتهم الأمير أبو الحسن ابن نزار لما له من الأصالة في وادي آش، فحسده أهل بلده، وقصدوا تأخيره عن تلك المرتبة، فخطبوا في بلدهم لملك شرق الأندلس محمد بن مردنيش، ووجه لهم عماله وأوصاهم أن يخرج هذا الأسد من غيله، ويفرق بينه وبين تأميله، ورفعوا له أشعاراً كان يستريح بها على كاسه، ويبثها بمحضر من يركن إليه من جلاسه، ومنها قوله، وقد استشعر من نفسه أنها أهل للتقديم، مستحقة لطلب سلفه القديم:
الآن أعرف قدر والضّررفكيف أصدر ما للملك من صدر
وكيف أطلع في أفق العلا قمراًويستهلّ بكفّي واكف الدرر
وكيف أملأ صدر الدهر من رعبٍوأستقلّ بحمل الحادث النّكر
وأستعدّ لما ترمي الخطوب بهوأستطيل على الأيام بالفكر
لكنّني ربما بادرت منتهزاًلفرصةٍ مرقت كاللمح بالبصر
في أمّ رأسي ما يعيا الزمان به ... شرحاً فسل بعدها الأيام عن خبري فعندما وقف ابن مردنيش على هذا القول وجه إلى وادي آش من حمله إليه وقيده، وقدم به إلى مرسية أسيراً، بعدما كان مرتقباً أن يقدم أميراً، فلما وقعت عين ابنمردنيش عليه قال له: أمكن الله منك يا فاجر، فقال:
أنت - أعزك الله - أولى بقول الخير من قول الشر، ومن أمكنه الله من القدرة على الفعل فما يليق به أن يستقدر بالقول، فاستحيا منه، وأمر به للسجن، فمكث فيه مدة، وصدرت عنه أشعار في تشوقه إلى بلاده، منها قوله:
لقد بلغ الشوق فوق الذيحسبت فهل للتّلاقي سبيل
فلو أنّني متّ منشوقكمغراماً لما كان إلا قليل
تعلّلني بالتداني المنىوينشدني الدهر: صبرٌ جميل
فقل لبثينة إن أصبحتبعيداً فلم يسل عنها جميل
أغضّ جفوني عن غيرها ... وسمعي عن اللوم فيها يميل ولم يزل على حاله من السجن إلى أن تحيّل في جارية محسنة للغناء حسنة الصوت وضع موشحته التي أولها:
نازعك البدر اللّياحبنت الدنان
فلم يدع لك اقتراحعلى الزمان وفيها يقول:
يا هل أقول للحسودوالعيس تحدى
يا لائمي على السّراحكانت أماني
أخرجها ذاك السماح ... إلى العيان وجعل يلقيها على الجارية حتى حفظتها، وأحكمت الغناء بها، وأهداها إلى ابن مردنيش بعدما أوصاها أنّها متى استدعاها إلى الغناء وظفرت به في أطرب ساعة وأسرها غنته بهذه الموشحة، وتلطّفت في شأن رغبتها في سراح قائلها، فلعلّ الله تعالى يجعل في ذلك سبباً، واتفق أن ظفرت بما أوصاها به، وأحسنت غناء الموشحة، فطرب ابن مردنيش لسماع مدحه، وأعجبه مقاصد قائلها
فسألها: لمن هي فقالت: لمولاي عبدك ابن نزار، فقال: أعيدي عليّ قوله " يا لائمي على السراح " فأعادته، فداخلته عليه الرأفة والأريحية بما أصابه، فأمر في الحين بحل قيده، واستدعى به إلى موضعه في ذلك الوقت، فلما دخل خلع عليه وأدناه وقال له: يا أبا الحسن، قد أمرنا لك بالسراح على رغم الحسود، فارجع إلى بلدك مباحاً لك أن تطلب الملك بها وبغيرها إن قدرت، فأنت أهل لأن تملك جميع الأندلس، لا وادي آش، فقال له: والله يا سيدي بل ألتزم طاعتك وغلإقرار بأنك بعثتني من قبر زماني فيه الحساد والوشاة، ثم شربا حتى تمكنت بينهما المطايبة، فقال له: يا ابن نزار، الآن أريد أن أسألك عن شيء، قال: وما هو يا سيدي قال: عما في أم رأسك حين قلت:
في أمّ رأسي ما يعيا الزمان به ... شرحاً فسل بعدها الأيام عن خبري فقال له: يا سيدي لا تسمع إلى غرور نفس ألفته على لسان نشوان لعبت بأفكاره الأماني وغطت على عقله الآمال، والله لقد بقيت في داري أروم الاجتماع بجارية مهينة قدر سنة فما قدرت على ذلك، ومنعتني منها زوجتي، فكيف أطلب ما دونه قطع الرؤوس ونهب النفوس فضحك ابن مردنيش، وجدّد له الإحسان، وجهزه إلى بلده، وأمر عماله أن يشاركوه في التدبير، ويستأذنوه في الصغير والكبير، فتأثّل به مجده، وعظم سعده.
ومن شعره قوله:
انظر إلى الروض سحيراً وقدبثّ به الطلّ علينا العيون
ترقب منّا يقظةً للمنىفقل لها أهلاً بداعي المجون
وحثّها شمساً إلى أن ترىشمس الضحى تطرق تلك الجفون
وقوله:
تنبه لمعشوقٍ وكأسٍ وقينةٍوروضٍ ونهرٍ ليس يبرح خفّاقا
فقد نبّهت هذي الحدائق ورقهاوفتّح فيها الصبح بالطّلّ أحداقا
ومهما تكن في ضيقةٍ فأدر لهاكؤوس الطلا فالسكر يوسع ما ضاقا وقوله:
عطف القضيب مع النسيم تميّلاوالنخر موشيّ الخمائل والحلى
تركته أعطاف الغصون مظلّلاولنا عن النهج القويم مضلّلا
أمسى يغازلنا بمقلة أشهلٍ ... والطرف أسحر ما تراه أشهلا وقال بعضهم: استدعاني أبو الحسن ابن نزار لمجلس بوادي آش، فلما احتفل مجلسنا، وطابت لذتنا، قال: والله ما تمام هذه المسرة إلا حضور أبي جعفر ابن سعيد وهو الآن بوادي آش، فوافقناه على ذلك لما نعلم من طيب حالتنا معهما، وأنهما لا يأتيان إلا بما يأتي به اجتماع النسيم والروض، فخلا في موضع وكتب له:
يا خير من يدعى لكاسٍ دائرووجوه أقمارٍ وروضٍ ناضر
إنّا حضرنا في النّديّ عصابةًمعشوقةً من ناظمٍ أو ناثر
كلٌّ مخلّىً للذي يختارهفي الأمن من ناهٍ له أو زاجر
ما إن لهم شغلٌ بفنٍّ واحدٍبل كلّ ما يجري بوفق الخاطر
شدوٌ ورقصٌ واقتطاف فكاهةٍوتعانقٌ وتغامزٌ بنواظر
وهم كما تدري بأفقي أنجمٌ ... لكن لنا شوقٌ لبدرٍ زاهر سيدي، لا زلت متقدماً لكل مكرمة، هل يجمع التخلف عن نادٍ قام فيه
السرور على ساق، وضحك فيه النس ملء فيه، وانسدل به ستر الصون، وفاء عليه ظلّ النعيم، وسفرت فيه وجوه الطرب، وركضت خيل اللهو، وثار قتام الند، وهطلت سحاب ماء الورد، وطيبت الكؤوس، كالعرائس على كراسي العروس، المثقلة بالعاج والآبنوس، وكأن قطع النهار ممتزجة بقطع الظلام، أو بني حام قد خالطت بني سام، وعلى رؤوس الأقداح، تيجان نظمها امتزاج الماء بالراح، فطوراً تستحيي فيبدو خجلها، وطوراً تمتزج فيظهر وجلها، والعود ترجمان المسرة قد جعلته أمه في حجرها، كولد ترضعه بدرها، وساقي الشرب كالغصن الرطيب، أوراقه أردية الشرب، وأزهاره الكؤوس، التي لا تزال تطلع وتغرب كالشمس، ساقٍ يفهم بالإشارة، حلو الشمائل عذب العبارة، ذو طرف سقيم، وخد كأنه من خفره لطيم، ولدينا من أصناف الفواكه والأزاهر، ما يحار فيه الناظر، وهل تكمل لذة دون إحضار خدود الورد، وعيون النرجس، وأصداغ الآس، ونهود السفرجل، وقدود قصب السكر، ومباسم قلوب اللوز، وسرر التفاح، ورضاب ابنة العنب، فقد اكتمل بهذه الأوصاف المختلسة من أوصاف الحبائب الطرب:
فطر بجناح الشوق عند وصولهاإليك ولا تجعل سواك جوابها
فلا عين إلا وهي ترنو بطرفهاإليك فيسّر في المطال حسابها
فقد أصبحت تعلو عليها غشاوةٌ ... لبعدك فاكشف عن سناها ضبابها قال أبو جعفر: فجعلت وصولي جواب ما نظم ونثر، والفيت الحالة يقصر عن خبرها الخبر، فانغمسنا في النعيم، انغماس عرف الزهر في
النسيم، ومر لنا يومٌ غض الدهر عنه جفنه، حتى حسبناه عنواناً لما وعد الله تعالى به في الجنة.
وشرب يوماً مع أبي جعفر ابن سعيد والكتندي الشاعر في جنة بزاوية غرناطة، وفيها صهريج ماء قد أحدق به شجر نارنج وليمون وغير ذلك من الأشجار، وعليه أنبوب ماء تتحرك به صورة جارية راقصة بسيوف وطيفور رخامٍ يصنع في أنبوبة الماء صورة خباء، فقالوا: نقتسم هذه الأوصاف الثلاثة، فقال أبو جعفر يصف الراقصة:
وراقصةٍ ليست تحرّك دون أنيحركها سيفٌ من الماء مصلت
يدور بها كرهاً فتنضى صوارماًعليه فلا تعيا ولا هو يبهت
إذا هي دارت سرعة خلت أنّهاإلى كلّ وجه في الرياض تلفّت وقال ابن نزار في خباء الماء:
رأيت خباء الماء ترسل ماءهافنازعها هبّ الرياح رداءها
تطاوعه طوراً وتعصيه تارةًكراقصةٍ حلّت وضمّت قباءها
وقد قابلت خير الأنام فلم تزللديه من العلياء تبدي حياءها
إذا أرسلت جوداً أمام يمينه ... أبى العدل إلاّ أن يردّ إباءها وقد قيل: إن هذه الأبيات صنعها بمحضر الأمير أبي عبد الله ابن مردنيش ملك شرق الأندلس، وإنه لما ألجأته الضرورة أن يرتجل في مثل ذلك شيئاً، وكانت هذه عنده معدة، فزعم أنه ارتجلها، قال أبو عمرو ابن سعيد: وهذا هو الصحيح، فإنه ما كانت عادته أن يخاطب عمي أبا جعفر بخير الأنام، فإن كل واحد منهما كفؤ الآخر.
وقال الكتندي:
وصهريجٍ تخال به لجيناًيذاب وقد يذهّبه الأصيل
كأن الروض يعشقه فمنهعلى أرجائه ظلّ ظليل
وتمنحه أكفّ الشمس عشقاًدنانير فمنه لها قبول
إذا رفع النسيم القضب عنهافحينئذٍ يكون لها سبيل
وللنّارنج تحت الماء لمّاتبدّى عكسها جمرٌ بليل
ولليمون فيه دون سبكٍجلاجل زخرفٍ بصبا تجول
فيا روضاً به صقلت جفونيوأرهف متنه الزهر الكليل
تناثر فيك أسلاك الغواديوقبّل صفح جدولك الشّمول
بدورٌ تستدير بها نجومٌمع الإصباح ليس لها أفول
يهيم بهم نسيم الروض إلفاً ... فمن وجدٍ له جسم عليل وروي أن الوزير أبا الأصبغ عبد العزيز بن الأرقموزير المعتصم ابن صمادح رأى رايةً خضراء فيها صنيفة بيضاء في يد علجٍ من علوج المعتصم نشرها على رأسه، فقال:
نشرت عليك من النعيم جناحاخضراء صيّرت الصباح وشاحا
تحكي بخفقٍ قلب من عاديتهمهما يصافح صفحها الأرواحا
ضمنت لك النعمى برأيٍ ظافرٍ ... فترقّب الفأل المشير نجاحا وكان هذا الوزير آية الله تعالى في الوفاء، وأرسله المعتصم إلى المعتمد بن عباد، فأعجبت المعتمد محاولته، ووقع في قلبه، فأراد إفساده على صاحبه، وأخذ معه في أن يقيم عنده، فقال له: ما رأيت من صاحبي ماأكره فأوثر عند غيره ماأحب، ولو رأيت ماأكره لما كان من الوفاء تركي في حين فوّض إلي أمره، ووثق بي، وحملني أعباء دولته، فاستحسن ذلك ابن عباد، وقال له: فاكتم علي، فلما عاد إلى صاحبه سأله عن جميع ما جرى له، فقال له
في أثناء ذلك: وجرى لي معه ما إن أعلمتك به خفت أن تحسب فيه كالامتنان والاستظهار، وتظن أن خاطري فسد به، وإن كتمتك لم أوف النصيحة حقها، وخفت أن تطلع عليه من غيري، فيحطني ذلك من عينك، وتحسب فيه كيداً، فحمل عليه في أن يعلمه، فأعلمه بعد أن تلطف هذا التلطف، وهو من رجال الذخيرة والمسهب، وابنه الوزير أبو عامر من رجال القلائد.
ومن نظم أبي عامر:
فتى الخيل يقتادها ذبّلاًخفاقاً تبارى القنا الذابلا
ترى كلّ أجرد سامي التّليل ... وتحسبه غصناً مائلا وللوزير الكاتب أبي محمد ابن فرسان واسمه عبد البر، وهو حسنة وادي آش، يخاطب يحيى الميورقي:
أنعم بتسريح عليّ فعلّهسبب الزيارة للحطيم ويثرب
ولئن تقوّل كاشح أن الهوىدرست معالمه وأنكر مذهبي
فمقالتي ما إن مللت وإنّماعمري أبى حمل النّجاد بمنكبي
وعجزت عن أن أستثير كمينها ... وأشقّ بالصّمصام صدر الموكب وهذه الأبيات كتب بها إليه وقد أسن ومل من الجهد معه، يرغب في سراحه إلى الحجاز، رحمه الله تعالى، وتقبل نيته بمنه ويمنه.
وقال حاتم بن حاتم بن سعيد العنسي، وكان صاحب سيف وقلم، وعلم وعلم:
يا دانياً مني وما أنا زائرلا أنت معذورٌ ولا أنا عاذر
ماذا يضرك إذ ظللت بظلمة ... أن لا يطالع منك بدرٌ زاهر وتوفي المذكور بغرناطة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
وقال التطيلي الأعمى في أسد نحاس يقذف الماء:
أسد ولو أنّي أناقشه الحساب لقلت صخره
فكأنّه أسد السّماء يمجّ من فيه المجرّه [من بدائه ابن ظافر]
قال ابن ظافر: صرنا في بعض العشايا على البساتين المجاورة للنيل، فرأينا فيه بئراً عليها دولابان متحاذيان، قد دارت أفلاكهما بنجومالقواديس، ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس، وهما يئنان أنين الأشواق، ويفيضان ماء أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه فنثر عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون، والسواقي قد أذالت من سلاسل فضتها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضه، ورضاب الغيث قد استقر من الطين في لمى، وحيات المجاري حائرة تخاف من زمرد النبات أن يدركها العمى، والبحر قد صقل النسيم درعه، وزعفران العشي قد ألقى في ذيل الجو ردعه، فأوسعنا ذلك المكان
حسناً وقلوبنا استحواذاً، وملأ أبصارنا وأسماعنا مسرةً والتذاذاً، وملنا إلى الدولابين شاكين أزمرا حين سجعت قيان الطير بألحانها، وشدت على عيدانها، أم ذكرا أيام نعما وطابا، وكانا أغصاناً رطبة، فنفيا عنهما لذيذ الهجوع، ورجعا النوح وأفاضا الدموع طلباً للرجوع، وجلسنا نتذاكر ما في تركيب الدواليب، من الأعاجيب، ونتناشد ما وصفت به من الأشعار، الغالية الأسعار، فأفضى بنا الحديث الذي هو شجون، إلى ذكر قول الأعمى التطيلي في أسد نحاس يقذف الماء:
أسد ولو أنّي ... إلخ ... فقال لي القاضي أبو الحسن علي بن المؤيد رحمه الله تعالى: يتولد من هذا في الدولاب معنى يأخذ بمجامع المسامع، ويطرب الرائي والسامع، فتأملت ما قاله بعين بصيرتي البصيرة، واستمددت مادة غريزة يالغريزة، فظهر لي معنىً ملأني أطراباً، وأوسعني إعجاباً، وأطرق كل منا ينظم ما جاش به مد بحره، وأنباه به شيطان فكره، فلم يكن إلا كنقرة العصفور، الخائف من الناطور، حتى كمل ما أردنا من غير أن يقف واحد منا على ما صنعه الآخر، فكان الذي قال:
حبّذا ساعة العشيّة والدّولاب يهدي إلى النفوس المسرّه
أدهم لا يزال يعدو ولكنليس يعدو مكانه قدر ذرّه
ذو عيون من القواديس تبكيكل عين من فائض الدمع ثرّه
فلكٌ دائر يرينا نجوماًكلّ نجم يبدي لدينا المجرّه
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع