من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (١٥)
والمرء يختبر الإناء بنقره ... ليرى الصحيح به من المصدوع وقال أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد: تناول بعض أصحابنا نرجسة، فركّبها في وردة، ثم دفعها إليّ وإلى صاعد، وقال: قولا،
فأبهمت دوننا أبواب القول، فدخل الزهيري، وكان أمياً لا يذكر من الكلام إلا ما علق بنفسه في المجالس، وينفذ مع هذا في المطولات من الأشعار، فأشعر بأمرنا، فجعل يقول دون روية:
ما للأدبين قد اعيتهمامليحةٌ من ملح الجنّه
نرجسةٌ في وردةٍ ركبّت ... كمقلة تطرف في وجنه وقال أبو محمد ابن حزم في " طوق الحمامة ":
خلوت بها والرّاح ثالثةٌ لناوجنح ظلام الليل قد مدّ واعتلج
فتاةٌ عدمت العيش إلا بقربهافهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج
كأني وهي والكأس والخمر والدجى ... حياً وثرىً والدرّ والتبر والسبج قال: وهذه خمس تشبيهات لا يقدر أحد على أكثر منها إذ تضيق الأعاريض عنه.
قال أبو عامر ابن مسلمة: ولا أذكر مثلها إلا قول بعض:
فأمطرت لؤلؤاً من نرجسٍ فسقت ... ورداً وعضّت على العنّاب بالبرد إلا أنه لم يعطف خمسة على خمسة كما صنع ابن حزم، بل اكتفى بالعلم في التشبيهات.
قال: ومن أغرب ما وقع لي من التشبيهات في بيتٍ قول ابن برون الأكشوني الأندلسي يصف فرساً ورداً أغر محجلاً:
فكأنّ غرّته وتحجيلاته ... خمسٌ من السوسان وسط شقائق قال: وهذا على التحقيق ستةٌ على ستة، ولم أسمع بمثله لأحد من [الأندلسيين ولا من المشارقة].
قال ابن الجلاب: وكلام أبي عامرٍ هذا لا يخلو من النقد.
وقال ابن صارة:
انظر إلى البدر وإشراقهعلى غديرٍ موجه يزهر
كمشحذٍ من حجرٍ أخضرٍخطّ عليه ذهبٌ أحمر وقال أبو القاسم ابن العطار الإشبيلي:
ركبنا سماء النّهر والجوّ مشرقٌوليس لنا إلا الحباب نجوم
وقد ألبسته الأيك برد ظلالهاوللشمس في تلك البرود رقوم وقال ابن صارة:
والنهر قد رّقت غلالة صبغهوعليه من ذهب الأصيل طراز
تترقرق الأمواج فيه كأنّهاعكن الخصور تضمّها الأعجاز وقال سهل بن مالك:
وربّ يومٍ وردنا فيه كلّ منىًوقلّ في مثل ذلك اليوم أن نردا
في روضتين بشطّي سلسلٍ شبمٍكما اجتليت من المحبوب مفتقدا
يبدّد القطر في أثنائه حلقاًفتنظم الريح منها فوقه زردا وقال ابن صارة:
انظر النهر في رداء عروسٍصبغته بزعفران العشيّ
ثمّ لمّا هبّ النسيم عليه ... هزّ عطفيه في دلاص الكميّ ولبعضهم في شكل يرمي الماء مجوفاً مثل الخباء وتمزقه الريح أحياناً:
ومطنّب لماء ما أوتادهإلا نتائج فكر طبٍّ حاذق
لعبت به أيدي الصّبا فكأنّهاأيدي الصبابة بالفؤاد العاشق وقال صفوان بن إدريس يصف تفاحة في الماء:
ولم أر فيما تشتهي العين منظراًكتفاحةٍ في بركةٍ بقرار
يفيض عليها ماؤها فكأنّهابقيّة خدٍّ في اخضرارعذار وقال أبو جعفر ابن وضاح في دولاب:
وباكيةٍ والروض يضحك كلّماألحّت عليه بالدموع السّواجم
يروقك منها إن تأمّلت نحوهازئير أسةدٍ والتفات أراقم
تخلّص من ماء الغدير سبائكاًفتنبتها في الروض مثل الدّراهم
وقال الوزير ابن عمار:
يومٌ تكاثف غيمه فكأنّهدون السماء دخان عودٍ أخضر
والطّل مثل برادةٍ من فضّةٍمنثورةٍ في تربةٍ من عنبر
والشمس أحياناً تلوح كأنّهاأمةٌ تعرّض نفسها للمشتري وقال أبو الحسن ابن سعد الخير:
لله دولابٌ يفيض بسلسلٍفي روضةٍ قد أينعت أفنانا
قد طارحته بها الحمائم شجوهافيجيبها ويرجّع الألحانا
فكأنّه دنفٌ يدور بمعهدٍيبكي ويسأل فيه عمّن بانا
ضاقت مجاري طرفه عن دمعهفتفتحت أضلاعه أجفانا وقال ابن أبي الخصال:
ووردٍ جنيٍّ طالعتنا خدودهببشرٍ ونشرٍ يبعثان على السكر
وحفّ ترنجانٌ به فكأنّهخدود العذارى في مقانعها الخضر وقال ابن صارة:
يا ربّ نارنجةٍ يلهو النديم بهاكأنّها كرةٌ من أحمر الذهب
أو جذوةٌ حملتها كفّ قابسهالكنّها جذوةٌ معدومة اللهب وقال الخفاجي:
وميّاسةٍ تزهو وقد خلع الحياعليها حلىً حمراً وأرديةً خضرا
يذوب بها ريق الغمامة فضّةًويجمد في أعطافها ذهباً نضرا وقال ابن صارة أيضاً:
ونارنجةٍ لم يدع حسنهالعيني في غيرها مذهبا
فطوراً أرى لهباً مضرماًوطوراً أرى شفقاً مذهبا وقال ابن وضاح في السرو:
أيا سرو لا يعطش منابتك الحياولا يدعن أعطافك الخضل النضر
فقد كسيت منك الجذوع بمثل ماتلفّ على الخطيّ راياته الخضر وقال أبو إسحاق الخولاني:
نيلوفرٌ شكله كشكلييعوم في أبحر الدموع
قد ألبست عطفه دروعاًخودٌ لريح الصّبا شموع
يلوح إذ لونه كلونيمن فوق فضفاضةٍ هموع
مثل مسامير مذهباتٍفي حلقاتٍ من الدروع وقال ابن الأبار:
وسوسناتٍ أرت من حسنها بدعاًولم يزل عصر مولانا يري بدعه
شبيهةٌ بالثريّا في تألّفهاوفي تألّقها تلتاح ملتمعه
هامت بيمناه تبغي أن تقبّلهاواستشرفت تجتلي مرآه مطّلعه
ثم انثنى بعضها من بعضها غلباً ... على البدار فوافت وهي مجتمعه ورفع هذه الأبيات إلى الأمير أبي يحيى زكريا.
وقال حازم:
لا نور يعدل نور اللوز في أنقٍوبهجةٍ عند ذي عدلٍ وإنصاف
نظام زهرٍ يظلّ الدرّ منتثراًعليه من كلّ هامي القطر وكّاف
بينا ترى وهي أصداف لدرّ حياًبيضٍ غدت في خضر أصداف وقال ابن سعد الخير في رمّانة:
وساكنةٍ في ظلال الغضونبروضٍ يروقك أفنانه
تضاحك أترابها فيه إذغدا الجوّ تدمع أجفانه
كما فتح الليث فاه وقدتضرّج بالدم أسنانه وقال ابن نزار الوادي آشي:
ورمّانةٍ قد فضّ عنها ختامهاحبيبٌ أعار البدر بعض صفاته
فكسّر منها نهد غذراء كاعبٍ ... وناولني منها شبيه لداته وقال بعضهم في القراسيا، ويقال له بالمغرب " حب الملوك ":
ودوحٍ تهدّل أشطانهرعى الدهر من حسنه ما اشتهى
فما احمرّ منه فصوص العقيقوما اسودّ منه عيون المها وقال بعضهم:
وأين معاهدٌ للحسن فيهاوللأنس التقاء البهجتين
وللأوتار والأطيار فيهالدى الأسحار أطرب ساجعين
فكم بدرٍ تجلّى من رباهاومن بطحائها في مطلعين
وأغيد يرتعي من تلعتيهاومن ثمر القلوب بمرتعين
إذا أهوى لسوسنة يميناًعجبت من التقاء السوسنين
وكم يومٍ توشّح من سناهومن زهراتها في حلتين
وراح أصيله ما بين نهرٍودولابٍ يدور بمسمعين
بنهرٍ كالسماء يجول فيهسحائب من ظلال الدوحتين
تدرّع للنّواسم حين هزتعليها كلّ غصن كالرّديني
ملاعب في غرامي عند ذكريصباه وغصنه المتلاعبين وقال الوزير محمد بن عبد الرحمن بن هانئ:
يا حرقة البين كويت الحشاحتى أذبت القلب في أضلعه
أذكيت فيه النار حتى غداينساب ذاك الذّوب من مدمعه
يا سؤل هذا القلب حتى متىيؤسى برشف الرّيق من منبعه
فإنّ في الشهد شفاء الورىلا سيّما إن مصّ من مكرعه
والله يدني منكم عاجلاً ... ويبلغ القلب إلى مطمعه ولو لم يكن للأندلسيين غير كتاب " شذور الذهب " لكفاهم دليلاً على البلاغة، ومؤلفه هو علي بن موسى بن علي بن محمد بن خلف أبو
الحسن الأنصاري، الجياني، نزيل فاس، وولي خطابتها، ولم ينظم أحدٌ في الكيمياء مثل نظمه بلاغة معانٍ، وفصاحة ألفاظٍ، وعذوبة تراكيب، حتى قيل فيه: إن لم يعلمك صناعة الذهب علمك الأدب. وفي عبارة بعضهم: إن فاتك ذهبه، لم يفتك أدبه. وقيل فيه: إنه شاعر الحكماء، وحكيم الشعراء. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
[عود إلى النقل عن بدائع البدائه]
ولنذكر هنا نبذة من سرعة بديهة أهل الأندلس، وإن مرت من ذلك جملة، وستأتي أيضاً زيادة على الجميع، فنقول:
قال في " بدائع البدائه " ما صورته: روى عبد الجبار بن حميدس الصقلي قال: صنع عبد الجليل بن وهبون المرسي الشاعر لنا نزهة بوادي إشبيلية، فأقمنا فيه يومنا، فلما دنت الشمس للغروب هب نسيم ضعيف غضّن وجه الماء، فقلت للجماعة: أجيزوا:
حاكت الريح من الماء زرد ... فأجازه كل منهم بما تيسر له، فقال لي أبو تمام غالب بن رباح، الحجاج: كيف قلت يا أبا محمد فأعدت القسيم له، فقال:
أيّ درعٍ لقتالٍ لو جمدوقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يخالف هذا، فليراجع في محله
ثم قال صاحب " بدائع البدائه " بعد ما سبق ما صورته: وقد نقله ابن
حميدس إلى غير هذا الوصف، فقال:
نثر الجوّ على الترب برد ... أيّ درٍّ لنحورٍ لو جمد فتناقض المعنى بذكر البرد، وقوله " لو جمد " إّ ليس البرد إلا ما جمده البرد، اللهم إلا أن يريد بقوله " لو جمد " دام جموده، فيصح وينعقد على التحقيق.
ومثل هذا قول المعتمد بن عباد يصف فوارة:
ولربّما سلّت لنا من مائهاسيفاً وكان عن النواظر مغمدا
طبعته لجيّاً فزانت صفحةً ... منه ولو جمدت لكان مهنّدا وقد أخذت أنا هذا المعنى فقلت أصف روضاً:
فلو دام ذاك النبت كان زبرجداً ... ولو جمدت أنهاره كنّ بلّورا وهذا المعنى مأخوذ من قول علي التونسي الإيادي من قصيدته الطائية المشهورة:
ألؤلؤٌ قطر هذا قطر هذا الجوّ أم نقط ... ما كان أحسنه لو كان يلتقط وهذا المعنى كثير للقدماء، قال ابن الرومي من قطعة في العنب الرازقي:
لو أنّه يبقى على الدهور ... قرّط آذان الحسان الحور قال علي بن ظافر: وأخبرني من أثق به قال: ركب المعتمد على الله أبو القاسم ابن عباد لنزهة بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه، وخواص شعرائه، فلما أبعد أخذ في المسابقة بالخيول، فجاء فرسه بين البساتين سابقاً،
فرأى شجرة تين قد أينعت وزهت وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصاً كانت في يده فأصابها، وثبتت على أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، والتفت ليخبر به من لحقه من أصحابه، فرأى ابن جاخ الصباغ أول من لحق به فقال: أجز:
كأنّها فوق العصافقال:
هامة زنجيٍّ عصافزاد طربه وسروره بحسن ارتجاله، وأمر له بجائزة سنية
قال علي بن ظافر: وأخبرني أيضاً أن سبب اشتهار ابن جاخ هذا أن الوزير أبا بكر ابن عمار كان كثير الوفادة على ملوك الأندلس، لا يستقر ببلد ولا يستفزه عن وطره وطن، وكان كثير التطلب لما يصدر عن أرباب المهن، من الأدب الحسن، فبلغه خبر ابن جاخ عذا قبل اشتهاره، فمر على حانوته وهو آخذ في صباغته، والنيل قد جر على يديه ذيلاً، وأعاد نهارهما ليلاً، فأراد أن يعلم سرعة خاطره، فأخرج زنده ويده بيضاء من غير سوء، وأشار إلى يده وقال:
كم بين زندٍ وزندفقال:
ما بين وصلٍ وصدّ ... فعجب من حسن ارتجاله، ومبادرة العمل واستعجاله، وجذب بضبعه، وبلغ من الإحسان إليه غاية وسعه.
وبلغني أيضاً أنه دخل سرقسطة فبلغه خبر يحيى القصاب السرقسطي، فمر عليه، ولحم خرفانه بين يديه، فأشار ابن عمار إلى اللحم، وقال:
لحم سباط الخرفان مهزولفقال:
" يقول يا مشترين مه زولوا "ولما صنع المتوكل على الله بن الأفطس صاحب بطليوس هذا القسيم:
الشّعر خطّة خسف ... أرتج عليه، فاستدعى أبا محمد عبد المجيد بن عبدون صاحب الرائية التي أولها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب، وهو أحد وزراء دولته، وخواص حضرته، فاستجازه إياه، فقال:
لكلّ طالب عرف ...
للشيخ عيبة عيبٍ ... وللفتى ظرف ظرف وذكر ابن بسام في الذخيرة أن قائل القسيم الأول الأستاذ أبو الوليد ابن ضابط، وأن عبد المجيد أجازه ارتجالاً، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقد ذكرنا ما يقرب من ذلك في هذا الكتاب.
وقال ابن الغليظ المالقي: قلت يوماً للأديب أبي عبد الله ابن السراج المالقي، ونحن على جرية ماء: أجز:
شربنا على ماءٍ كأنّ خريرهفقال بديهاً:
بكاء محبٍّ بان عنه حبيب ...
فمن كان مشغوفاً كئيباً بإلفه ... فإنّي مشغوفٌ به وكئيب وذكر ابن بسام في الذخيرة أنه اجتمع ابن عبادة وابن القابلة السبتي بالمرية، فنظر إلى وسيم يسبح في البحر، وقد تعلق بسكان بعض المراكب، فقال ابن عبادة: أجز:
انظر إلى البدر الذي لاح لكفقال ابن القابلة:
في وسط اللّجّة تحت الحلك ...
قد جعل الماء سماء له ... واتخذ الفلك مكان الفلك وقال أبو عامر ابن شهيد: لما قدم زهير الصقلبي إلى حضرة قرطبة من المرية وجه وزيره أبو جعفر ابن عباس إلى لمة من أصحابنا منهم ابنبرد وأبو بكر المرواني وابن الحناط والطبني، فحضروا إليه، فسألهم عني،
وقال: وجهوا إليه، فوافاني رسوله مع دابة بسرج محلىً ثقيل، فسرت إليه، ودخلت المجلس، وأبو جعفر غائب، فتحفز المجلس لدخولي، وقاموا جميعاً لي، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحباً ذيلاً لم أر أحداً سحبه قبله، وهو يترنم، فسلمت عليه سلام من يعرف قدر الرجال، فرد رداً لطيفاً، فعلمت أن في أنفه نعرة ر تخرج إلا بسعوط الكلام، ولا ترام إلا بمستحصد النظام، ورأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه.
فقال لي ابن الحناط، وكانكثير الانحاء علي، جالباً في المحافل ما يسوء إلي: إن الوزير حضر قسيم، وهو يسألنا إجازته، فعلمت أني المراد، فاستنشدته، فأنشد:
مرض الجفون ولثغةٌ في المنطق ... فقلت لمن حضر: لا تجهدوا أنفسكم، فما المراد غيري، ثم أخذت الدواة فكتبت:
سببان جرّا عشق من لم يعشق ...
من لي بألثغ لا يزال حديثهيذكي على الأحشاء جمرة محرق
ينبي فينبو في الكلام لسانهفكأنّه من خمر عينيه سقي
لا ينعش الألفاظ من عثراتها ... ولو آنها كتبت له في مهرق ثم قمت عنهم، فلم ألبث أن وردوا علي، وأخبروني أن أبا جعفر لم يرض بما جئت به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الهجاء على حتاره، فقلت:
أبو جعفرٍ كاتبٌ محسنٌمليح سنا الخطّ حلو الخطابه
تمّلأ شحماً ولحماً ومايليق تملّؤه بالكتابه
له عرقٌ ليس ماء الحياءولكنّه رشح ماء الجنابه
جرى الماء في سفله جري لينٍفأحدث في العلو منه صلابه
وذكر الوزير أبو بكر ابن اللبانة الداني في كتابه " سقيط الدرر ولقيط الزهر " أن المعتمد بن عباد صنع قسيماً في القبة المعروفة بسعد السعود فوق المجلس المعروف بالزاهي، وهو:
سعد السعود يتيه فوق الزاهيثم استجاز الحاضرين فعجزوا، فصنع ولده عبد الله الرشيد:
وكلاهما في حسنه متناهي ...
ومن اغتدى سكناً لمثل محمدٍقد جلّ في العليا عن الأشباه
لا زال يبلغ فيهما ما شاءه ... ودهت عداه من الخطوب دواهي وخرج القاضي الفقيه أبو الحسن علي بن القاسم بن محمد بن عشرة أحد رؤساء المغرب الأوسط في جماعة من أصحابه منهم محمد بن عيسى ابن سوار الأشبوني ورجل يسمى بأبي موسى خفيف الروح، ثقيل الجسم، فجعل يعبث بالحاضرين بأبيات من الشعر يصنعها فيهم، فصنع القاضي أبو الحسن معابثاً له:
وشاعرٍ أثقل من جسمهثم استجاز ابن سوار، فقال:
... تأتي معانيه على حكمه
يهجو فلا يهجا فهل عندكمظلامةٌ تعدي على ظلمه
لسانه في هجوه حيّةٌمنيّة الحيّة في سمّه
يصيب سرّ المرء في رميهكأنّما العالم في علمه
أمّا أبو موسى ففي كفّه ... عصا ابنه والسحر في نظمه وفي " المقتبس في تاريخ الأندلس " أن الأمير عبد الرحمن خرج في بعض أسفاره فطرقه خيال جاريته طروب أم ولده عبد الله، وكانت أعظم حظاياه عنه، وأرفعهن لديه، لا يزال كلفاً بها، هائماً بحبها، فانتبه وهو يقول:
شاقك من قرطبة الساري ... في الليل لم يدر به الداري ثم أنبه عبد الله بن الشمر نديمه فاستجازه كمال البيت، فقال:
زار فحيّا في ظلام الدجى ... أحبب به من زائرٍ ساري وصنع الأمير عبد الرحمن المذكور في بعض غزواته قسيماً، وهو:
نرى الشيء ممّا يتّقى فنهابه ... ثم أرتج عليه، وكان عبد الله بن الشمر نديمه وشاعره غائباً عن حضرته، فأراد من يجيزه، فأحضر بعض قواده محمد بن سعيد الزجالي، وكان يكتب له، فأنشده القسيم فقال:
وما لا نرى ممّا يقي الله أكثرفاستحسنه وأجازه، وحمله استحسانه على أن استوزره
وذكر ابن بسام أن المعتمد بن عباد أمر بصياغة غزال وهلال من ذهب، فصيغا، فجاء وزنهما سبعمائة مثقال، فأهدى الغزال إلى السيدة ابنة مجاهد، والهلال إلى ابنه الرشيد، فوقع له إلى أن قال:
بعثنا بالغزال إلى الغزال ... وللشمس المنيرة بالهلال ثم أصبح مصطحباً، وجاء الرشيد فدخل عليه، وجاء الندماء والجلساء، وفيهم أبو القاسم ابن مرزقان، فحكى لهم المعتمد البيت، وأمرهم بإجازته، فبدر ابن مرزقان فقال:
فذا سكني أبوّئه فؤاديوذا نجلي أقلّده المعالي
شغلت بذا الطلا خلدي ونفسيولكني بذاك رخيّ بال
دفعت إلى يديه زمام ملكيمحلّىً بالصوارم والعوالي
فقام يقرّ عيني في مضاءٍويسلك مسلكي في كلّ حال
فدمنا للعلاء ودام فينا ... فإنّا للسماح وللنزال ولما أنشد أبو القاسم ابن الصيرفي قول عبد الله بن السمط:
حار طرفٌ تأمّلكملكٌ أنت أم ملك قال بديهاً:
بل تعاليت رتبةً ... فلك الأرض والفلك وذكر ابن بسام في الذخيرة أنه غني يوماً بين يدي العالي بالله الإدريسي بمالقة بيتٌ لعبد الله بن المعتز:
هل ترين البين يحتال ... أن غدت للحي أجمال فأمر الفقيه أبا محمد غانم بن الوليد المالقي بإجازته، فقال بديهاً:
إنّما العالي إمام هدىًحليت في عصره الحال
ملكٌ أقيال دولتهلذوي الأفهام إقبال
قل لمن أكدت مطالبه ... راحتاه الجاه والمال وغنى أبو الحسن زرياب يوماً بين يدي الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بهذين البيتين، وهما لأبي العتاهية:
قالت ظلوم سميّة الظّلممالي رأيتك ناحل الجسم
يا من رمى قلبي فأقصده ... أنت الخبير بموقع السهم فقال عبد الرحمن: هذان البيتان منقطعان، فلو كان بينهما ما يصلهما لكان أبدع، فصنع عبيد الله بن فرناس بديهاً:
فأجبتها والدمع منحدرٌمثل الجمان وهى من النّظم فاستحسنه، وأمر له بجائزة
وذكر ابن بسام أيضاً أن المعتمد بن عباد غني بين يديه بقول ابن المعتز:
وخمّارةٍ من بنات المجوسترى الزقّ في بيتها شائلا
وزنّا لها ذهباً جامدافكالت لنا ذهباً سائلا
فقال بديهاً يجيزه:
وقلت خذي جوهراً ثابتاً ... فقالت خذوا عرضاً زائلاً وركب المعتمد في بعض الأيام قاصداً الجامع، والوزير أبو بكر ابن عمار يسايره، فسمع اذان مؤذن، فقال المعتمد:
هذا المؤذّن قد بدا بأذانهفقال ابن عمار:
يرجو بذاك العفو من رحمانهفقال المعتمد:
طوبى له من شاهدٍ بحقيقةٍفقال ابن عمار:
إن كان عقد ضميره كلسانه ... وقال عبد الجبار بن حمديس الصقلي: أقمت بإشبيلية لما قدمتها على المعتمد بن عباد مذة لا يلتفت إلي ولا يعبأ بي، حتى قنطت لخيبتي مع فرط تعبي، وهممت بالنكوص على عقبي، فإني لكذلك ليلة من الليالي في منزلي إذا بغلام معه شمعة ومركوب، فقال لي: أجب السلطان، فركبت من فوري، ودخلت عليه، فأجلسني على مرتبة فنك، وقال لي افتح الطاق التي تليك، ففتحتها فإذا بكور زجاج على بعد، والنار تلوح من بابيه، وواقدة تفتحهما تارة وتسدهما أخرى، ثم دام سد أحدهما وفتح الآخر، فحين تأملتهما قال لي: أجز:
انظرهما في الظلام قد نجمافقلت:
كما رنا في الدّجنّة الأسدفقال:
يفتح عينيه ثمّ يطبقهافقلت:
فعل امرئٍ في جفونه رمدفقال:
فابتزّه الدهر نور واحدةٍفقلت:
وهل نجا من صروفه أحدفاستحسن ذلك، وأمر لي بجائزة سنية، وألزمني خدمته
وقد ذكرنا هذه الحكاية في هذا الكتاب، ولكن ما هنا أتم مساقاً فلذلك نبهت عليه.
وذكر صاحب " فرحة الأنفس في أخبار أهل الأندلس " أن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر جلس في جماعة من خواصه، ومعهم أبو القاسم لب، وكان يعده للمجون والتطايب، فقال له: اهج عبد الملك بن جهور، يعني أحد وزرائه، فقال: أخافه، فقال لعبد الملك: فاهجه أنت، فقال: أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت، ثم صنع:
لبٌّ أبو القاسم ذو لحيةٍطويلةٍ أزرى بها الطول
فقال عبد الملك:
وعرضها ميلان إن كسّرتوالعقل مأفونٌ ومخبول فقال الناصر للب: اهجه فقد هجاك، فقال بديهاً:
قال أمين الله في عصرنالي لحيةٌ أزرى بها الطول
وابن جهيرٍ قال قول الذيمأكوله القرضيل والفول
لولا حيائي من إمام الهدى ... نخست بالمنخس شو ... ثم سكت، فقال له الناصر: هات تمام البيت، فامتنع، فقال له " قولو " يعني تمام البيت، كلمة قالها الناصر مسترسلاً غير متحفظ من زيادة الواو وإبدال الهاء واواً، إذ صوابها " قله " على حكم المشي مع الطبع والراحة من التكلف، فقال لب: يا مولانا أنت هجوته، ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا، وأمر له بجائزة.
والقرضيل: شوك له ورق عريض تأكله البقر، وقوله " شو " اسم لذكر الرجل بالرومية، و " قولو " اسم للاست بها، فكأنه قال: لولا حيائي من إمام الهدى نخست بالمنخس - الذي هو الذكر - استه.
انتهى المجلد الثالث
﷽
الباب السابع
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع