من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع: ذكر بعض تلامذته الآخذين عنه المستهدين به على المنهاج، المتلقّين أنواع (٥)
قال: وأنا ممّن جرب المنقول عن القبر، فاطّرد القياس، وتزيفت الشبهة، وتعرفت من بدء زيارته ما تحقّقت من بركته، وشهد على برهان دعوته؛ انتهى.
وقال الشيخ أبو الحجاج يوسف التادلي في كتابه " التشوّف إلى رجال التصوّف ": كان أبو العباس جميل الصورة، أبيض اللون، حسن الثياب، فصيح اللسان، مقتدراً على الكلام، حليماً صبوراً، يحسن إلى من يؤذيه، ويحلم على من يسفه عليه، رحيماً عطوفاً محسناً إلى اليتامىة والأرامل، يجلس حيث أمكنه الجلوس من الطرق والسوق، ويحض على الصدقة، ويذكر في فضلها آيات وأحاديث، ويأخذها ويفرقها على المساكين، ويرد أصول الشرع إلى الصدقة، ويفسّرها بها، ويقول: معنى قول المصلي الله أكبر أي: من أن نضن عليه بشيء، فمن رأى شيئاً من متاع الدنيا في نفسه أكبر فلم يحرم ولا كبّر، ومعنى رفع اليدين للتكبير: تخليت من كل شيء لا قليلاً ولا كثيراً،
وهكذا يتكلم بنحو هذا في جميع العبادات، ويقول: سرّ الصوم أن تجوع، فإذا جعت تذكرت الجائع، وما يقاسيه من نار الجوع، فتتصدق عليه، فمن صام ولم يعطف على الجائع فكأنّه لم يصم، إلى غير ذلك من كلامه في مثل هذا.
وكان إذا أتاه امرؤ يأمره بالصدقة، ويقول له: تصدق، ويتفق لك ما تريده، وأخباره في ذلك كثيرة عجيبة.
قال التادلي: وحدثني ولده الفقيه أبو عبد الله عن أبيه أنّه قال: كان ابتداء أمري وأنا صغير أنّي سمعت كلام الناس في التوكل، ففكرت في حقيقته فرأيت أنّه لا يصح إلا بترك شيء، ولم يكن عندي منه [بد]، فتركت الأسباب، واطّرحت العلائق، ولم تتعلّق نفسي بمخلوق، فخرجت سائحاً متوكّلاً، وسرت نهاري كلّه فأجهدني الجوع والتعب، وقد نشأت في رفاهية [من العيش]، وما مشيت قط على قدمي، فبلغت قرية فيها مسجد، فتوضأت ودخلت المسجد فصليت المغرب ثم العشاء، وخرج الناس، فقمت لأصلي، فلم أقدر من شدة الجوع والتألّم بالمشي، فصليت ركعتين، وجلست أقرأ القرآن إلى أن مضى جزء من الليل، فإذا قارع يقرع الباب بعنف، فاستجاب له صاحب الدار، فقال له: هل رأيت بقرتي فقال: لا، فقال: إنّها ضلت وقد أكثر عجلها من الحنين فطلبتها فلم نجدها في القرية، فقال أحدهم: لعلّها [دخلت] في المسجد وقت العتمة، ففتحوا باب المسجد ودخلوا فوجدوني، فقال صاحب البقرة: ما أظنّك أكلت الليلة شيئاً، فذهب وجاءني بكسرة خبز وقدح لبن، ثم ذهب ليأتيني بالماء فوجد بقرته في داخل الدار، فخرج لجيرانه وقال لهم: ما زالت البقرة من الدار، وما كان خروجي إلا لهذا الفتى الجائع في المسجد، ثم رغّبني أن أمشي معه لمنزله، فأبيت.
وكان في أول أمره يسكن في الفندق ويعلّم الحساب والنحو ويأخذ الأجرة على ذلك، وينفقها على طلبة العلم الغرباء، ويمشي في الأسواق، ويذكّر الناس، ويضربهم على ترك الصلاة، ويأتي بالطعام على رأسه.
وبات ليلة عند الطلبة فارتفعت أصواتهم بالمذاكرة، فإذا بالحرس قد قرعوا باب الفندق فقام إليهم القيّم بخدمته، فقالوا له: ما تعلمون أن من رفع صوته باللّيل يقتل ثم قعد اثنان من الحرس على باب الفندق ليحملونا إذا طلع الفجر للوالي، فجاء القيّم فأخبرنا فأدركنا خوف عظيم، وأيقنّا بالهلاك، فأخذ أبو العباس في الضحك ولا يبالي، ثمّ خلا بنفسه عند السحر ساعة ثم قال لنا: لا خوف عليكم، قد استوهبتكم من الله تعالى، وهذان الحرسيان الواقفان غداً يقتلان إن شاء الله تعالى، فقيل له: الجزاء عندك على الأفعال من الخير والشر، وهما لا يفعلا ما يوجب قتلهما، بل جزاؤهما يروّعان كما روّعانا، فقال: العلماء ورثة الأنبياء، وترويعكم عظيم لا يقابله منهم إلا القتل، فمازلنا نعارضه في ذلك حتى قال: عقوبتهما أن يضرب كل واحد منهما مائة سوط، ثم اجتاز عبد الله الخرّاز صاحب الوقت بالجامع الأعظم، فوجد حانوته مفتوحاً، ورأى الحرسيين على قرب، فلم يشكّ أنهما حلاّه، فحملا إلى ربحة القصر قبل طلوع الفجر، فقال لنا أبو العباس: احضروا على ضربهما كما أرادا قتلكم، فتبعناهما، وحضرنا حتى ضرب كل واحد مائة سوط.
وكراماته ومناقبه كثيرة لا تحصى.
وكان يقول: أصل الخير في الدنيا والآخرة الإحسان، وأصل الشرّ فيهما البخل، قال الله تعالى " فأمّا من أعطى (الليل:) وقال عن إبليس " ثمّ
لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم " الأعراف: وقال " ومنهم من عاهد الله " التوبة: وقال " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " الحشر: وقال " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنّة " القلم: وقال " وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم " آل عمران: وقال " ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم " البقرة: وقال " إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض - الآية " الأحزاب: فهذه الأمانة هي الرزق، فأعطت السموات ما فيها من الماء وهو المطر، والأرض ما فيها من الماء النازل من الجبال، والجبال ما فيها كذلك، وأنبتت الأرض وأبت إمساكها، فخزن الإنسان جميعها عنده ومنع المساكين إنّه كان ظلوماً جهولاً، وفي الحديث " هم الأقلّون وربّ الكعبة، إلا من قال هكذا وهكذا - الحديث " ولمّا أراد الله تعالى إهلاك فرعون وقومه دعا عليهم موسى بالبخل، فقال " ربنا إنّك آتيت فرعون - إلى قوله: دعوتكما " يونس:، وكان ﵁ في آخر عمره كثيراً ما يقرأ هذه الآية " أفرأيت الّذي تولّى - إلى قوله: سوف يرى " النجم: وكان يقول: من قال إن الله تعالى لا يجازي على الصدقات فقد وافق اليهود في الفرية على الله تعالى لأنهم قالوا " يد الله مغلولة، غلّت أيديهم " المائدة: أي لا يجازي على الصدقات، قال الله تعالى " غلّت أيديهم - إلى آخره " أي يجازي على العطاء كيف شاء. وكان يقول في قوله تعالى " والذين يكنزون الذّهب والفضّة - الآية " التوبة: إنّما كويت هذه المواضع لأن الغني يعرض عن المسكين بوجهه، ثم بجنبه، ثمّ بظهره، فعوقبت هذه المواضع بالكيّ بالنار لإعراضه عن الفقير، ومنازعه رحمه الله تعالى في أمثال هذا كثيرة؛ انتهى ملخصاً.
وحدث أبو إسحاق إبراهيم بن أبي يعمور أنّه دخل صحبة الشيخ سيدي أبي العباس السبتي إلى الأمير السيد أبي سعيد عثمان يعوده، فقال له: ادع الله
تعالى لي أيّها الشيخ، فقال له: ارجع إلى الله تعالى حق الرجوع بحيث تتحقّق أنّه الممرض والمعافي، واخرج عن بعض ما عندك من فضول الدنيا لأبناء الجنس، لتكون ممّهن وقي شح نفسه، فحينئذ يحصل لك ما ترجوه من الدعاء، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: في المرض فوائد لا ينبغي أن تجهل: الأولى معرفة قدر العافية، الثانية تمحيص بعض الذنوب، الثالثة توقّع الثواب، الرابعة تنقية الجسم من فضول الأخلاط، الخامسة كثرة ذكر الله تعالى والتضرع إليه، السادسة حدوث الرقة والشفقة، السابعة - وهي العظمى - الصدقة والخروج عن رذيلة البخل؛ انتهى. وحدث الكاتب أبو القاسم ابن رضوان عن أبي بكر ابن منظور عن بعض أعيان مراكش أنّه توفّي وأوصى ابناً له كان من أهل البطالة أن يعمد إلى ألف دينار من متخلّفه، فيدفعها للشيخ سيدي أبي العباس السبتي، ففعل، وقال للشيخ: إن أبي توفّي وأوصاني أن أدفع إليك هذه الألف دينار تضعها حيث شئت، فقال له الشيخ: قد قبلتها وصرفتها إليك، فقال له: يا سيدي، وما تأمرني أن أفعل بها قال: خذها، قال: فانصرفت من عنده وسؤت ظنّاً بقوله، ثم قلت: وأنا أنفق مثل ذلك على عادتي في الوجه الذي يلذ لي، فلأفعلن بها ما أفعل بغيرها، فأخذتها في محفظة، وخرجت ألتمس الزنى، فإذا امرأة عل دابة وغلام يقودها، فأشرت إلى الغلام، فقال لي: نعم، واتبعني إلى بستان لي، فنزلت المرأة، فأدخلتها إلى قبة كانت في البستان، وأخذ الغلام الدابة وصار ناحية، وقال: أغلق الباب، ففعلت، ثم أقبلت إلى القبة فإذا المرأة تبكي بكاء شديداً حتى طال بكاؤها، وبكيت لبكائها، فقلت لها: ما شأنك فقالت: افعل ما دعوتني لأجله، ودع عنك هذا، ونحيبها يزيد، فقلت لها: إن المعنى الذي دعوتك لأجله لا يصلح مع البكاء، بل مع الأنس وانشراح الصدر وزوال الانقباض ورفع الخجل، فقالت: نترك البكاء ونرجع للأنس على ما تحب ويوفى غرضك، فقلت: لا، حتى أعلم سبب بكائك، وألححت عليها، فقالت: أتعرف حاجب الملك الذي سجنه قلت: نعم، قالت: فأنا ابنته
ولم يبق له أحد غيري، وقد سجنه الملك وأخذ أمواله، فما زلت أبيع ما ترك أبي وأنفقه عليه، حتى لم يبق بيدي شيء، فلمّا أعيتني الحيلة فيما أنفقه ألجأت نفسي ووقفت هذا الموقف وأنا بكر ما رأى لي أحد وجهاً قط، فرميت لها بالألف دينار وقلت لها: والله لا قربت منك على هذا الوجه أبداً، فأنفقي الدنانير على والدك إلى أن تنفد، وابعثي لي غلامك أعلمه بمنزلي، ولازمي دارك، واستمري على صيانتك وإلا فضحتك، وتريني واللله لا أزال أبيع أملاكي وأنفقها على والدك حتى أموت أو يفنى كل ما أملكه، ثم خرجت ألتمس الغلام وإذا بجماعة يطلبون البنت، وقالوا: إن الملك رضي عن والدها، ورد عليه ضياعه وأملاكه، ووصله بعشرة آلاف دينار، وقعد يلتمس بنته فلم توجد، فسقط في يد الغلام الذي كان مع الدابة، وظن أن الأمر على ما جرى بيني وبين البنت، فبادرته وقلت له: لا عليك، فتجاهل في خبرها حتى ينصرفوا، ودخلت إلى البنت وقلت لها: إن الملك قد رضي عن والدك، ورد عليه ماله ووصله، فسيري إلى دارك، فركبت دابتها وانصرفت، فدخلت على والدها فقال لها: أين كنت وما الذي أخرجك عن دارك وهمّ بها، فقالت له: أخرج عني كل من في الدار، ففعل، فأخبرته أمرها مع الشاب من أوله إلى آخره، ورمت إليه بالألف دينار، وقالت له: هذا الذي أعطاني لأنفق عليك، فقال أبوها: هذا والله هو الكبريت الأحمر، والله لو كان أبوه كنافاً ما أنفت أن أزوجك منه، فوجّه العبد الذي كان معها إلى الشاب، وقال له: إن سيدي يدعوك، قال: فخفت أن يوضع عنده الأمر على غير وجهه، ثم أقدمت إقدام من علم براءة نفسه، فدخلت عليه، فقام إليّ وعانقني، وقد عرف لي مقامي، وقال: أما الآن وأنت من أعيان الناس فقد قرّت بك عيني، وقال: والله لو كان أبوك كنافاً ما أنفت لبنتي أن أزوجك منها، فما قام من المجلس حتى وجّه إلى
العدول وأشهد على نفسه بأنّه زوّج ابنته فلانة من هذا الشاب، ونقندها عنه الشطر الأول من العشرة آلاف دينار التي وصله بها الملك وأجّل لها عنه الشطر الثاني، وأهدى لها من الحلي كذا وكذا، ومن الثياب كذا وكذا، حتى أتى على أكثر أملاكه حتى أنفقها على ذلك، فحصل من إشارة الشيخ السبتي ﵁ في تلك الألف دينار على أضعاف مضاعفة من الأموال، وظفر ببنت حاجب الملك؛ انتهى. أكثر أملاكه حتى أنفقها على ذلك، فحصل من إشارة الشيخ السبتي ﵁ في تلك الألف دينار على أضعاف مضاعفة من الأموال، وظفر ببنت حاجب الملك؛ انتهى.
رجع إلى ابن زمرك رحمه الله تعالى:
قال الشاطبي في الإشارات والإفادات ما صورته:
إفادة: أفادني صاحبنا الفقيه الكاتب أبو عبد الله ابن زمرك إثر إيابه إلى وطنه من رحلة العدوة في علم البيان فوائد أذكر منها الآن ثلاثاً: الفقه في اللغة، وهو النظر في مواقع الألفاظ وأين استعملتها العرب، ومن مثل هذا الوجه قرم وعام إذا اشتهى، لكن لا يستعمل قرم إلا مع اللحم، ولا يستعمل عام إلاّ مع اللبن، فتقول: عمت إلى اللن، وكذلك قولهم: أصفر فاقع، وأحمر قان، ولا يقال بالعكس، وهذا كثير. والثانية تحري الألفاظ البعيدة عن طرفي الغرابة والابتذال، فلا يستدل بالحوشي من اللغات، ولا المبتذل في ألسن العامة. والثالثة اجتناب كل صيغة تخرج الذهن عن أصل المعنى أو تشوش عليه؛ إذ المقصود الوصول في بيان المعنى إلى أقصاه، والإتيان بما يحصله سريعاً ويمكنه في الذهن، وتحري كل صيغة تمكن المعنى وتحرض السامع على الاستماع، وأخبرني أن كتّاب المغرب يحافظون في شعرهم وكتابتهم على طريقة العرب، ويذمّون ما عداها من طريقة المولدين، وأنّها خارجة عن الفصاحة، وهذه المعاني الثلاثة لا توجد إلا فيها.
وذكر من شرح بديعية الحلي من المغاربة وهو الشيخ النحوي عبيد الثعالبي في شواهد حسن الختام أن منه ختام قصيدة للكاتب البارع أبي عبد الله المعروف
بابن زمرك الأندلسي مدح بها ملك المغرب عبد العزيز حين قدم عليه رسولاً من صاحب الأندلس، وهو قوله:
ولو أنشدت بين العذيب وبارق ... لقال رواة الغرب يا حبذا الشرق ولم يظهر لي كل الظهور دلالته لي على حسن الختام، ولا بد، فالله سبحانه أعلم.
وقد أطلنا في ترجمة ابن زمرك فلنختم نظامه بموشّحة له زهرية مولدية تضمنت مدح المصطفى ﷺ، وهي هذه:
لو ترجع الأيام بعد الذهابْلم تقدح الأيام ذكرى حبيب
وكلّ من نام بليل الشبابْيوقظه الدهر بصبح المشيب
يا راكب العجز ألا نهضةقد ضيّق الدهر عليك المجال
لا تحسبن أن الصّبا روضةتنام فيها تحت فيء الظلال
فالعيش نوم والردى يقظةوالمرء ما بينهما كالخيال
والعمر قد مرّ كمرّ السحابوالملتقى بالله عمّا قريب
وأنت مخدوع بلمع السرابتحسبه ماء ولا تستريب
والله ما الكون بما قد حوىإلاّ ظلال توهم الغافلا
وعادة الظلّ إذا ما استوىتبصره منتقلاً زائلا
إنّا إلى الله عبيد الهوىلم نعرف الحقّ ولا الباطلا
فكل من يرجو سوى الله خابوإنّما الفوز لعبد منيب
يستقبل الرّجعى بصدق المتابويرقب الله الشهيد القريب
يا حسرتا مرّ الصّبا وانقضىوأقبل الشيب يقص الأثر
واخجلتا والرحل قد قوّضاوما بقي في الخبر غير الخبر
وليتني لو كنت فيما مضىأدّخر الزاد لطول السّفر
قد حان من ركب التصابي إيابورائد الرشد أطال المغيب
يا أكمه القلب بغين الحجابكم ذا أناديك فلا تستجيب
" هل يحمل الزاد لدار الكريم "والمصطفى الهادي شفيع مطاع
فجاهه ذخر الفقير العديموحبّه زادي ونعم المتاع
والله سمّاه الرؤوف الرحيمفجاره المكفول ما إن يضاع
عسى شفيع الناس يوم الحسابوملجأ الخلق لرفع الكروب
يلحقني منه قبول مجابيشفع لي في موبقات الذنوب
يا مصطفى والخلق رهن العدموالكون لم يفتق كمام الوجود
مزية أعطيتها في القدمبها على كلّ نبيّ تسود
مولدك المرقوم لمّا نجمأنجز للأمّة وعد السّعود
ناديت لو يسمح لي بالجوابشهر ربيع يا ربيع القلوب
أطلعت للهدي بغير احتجابشمساً ولكن ما لها من غروب
ومن تلامذة لسان الدين رحمه الله تعالى، الطبيب العالم ابن المهنا شارح ألفية ابن سينا، وشرحه عليها من أبدع الشروح، وقد نقل عن لسان الدين
كثيراً، واعتمد عليه في أمور الطب، وقد طال عهدي به الآن، وهو من الكتبالمشهورة بالمغرب، ولم أره بهذه الديار المشرقية.
من تلامذة لسان الدين رحمه الله تعالى: الأديب الكاتب العالم العلامة القاضي أبو بكر ابن جزيّ الكلبي، وأبوه الشيخ أبو القاسم ابن جزي شيخ لسان الدين، وبيت بني جزي بيت كبير مشهور بالمغرب والأندلس، وقد عرّفنا فيما سبق بالشيخ أبي القاسم وابنيه العلامتين الناظمين الناثرين الكاتب أبي عبد الله محمد والقاضي أبي بكر المذكور، فليراجع في الباب الثالث.
ورأيت بخط بعض علماء المغرب أن أبا بكر المذكور روى عن لسان الدين ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - جميع تواليفه مع أنّه مقاربه في السن، ولكن الإنصاف في ذلك الزمان غير معدوم، وقد عرّف به لسان الدين في الإحاطة والذي فهمت من عبارته في الإحاطة أنّه إن عبر بصاحبنا فلا يطلقها غالباً إلا على تلامذته، وربما أطلقها على غيرهم كما لا يخفى على من مارس كلامه، رحمه الله تعالى؛ وأتقن تاريخ أهل المغرب والأندلس، رحم الله تعالى الجميع.
ومن تلامذة لسان الدين رحمه الله تعالى: مؤدب أولاد الملوك ومعلمهم القرآن وسنّة رسول الله ﷺ أبو عبد الله الشريشي، وهو الذي تولى أولاً نقل " الإحاطة " من مبيضتها، كما يبقت الإشارة إليه في كلام حفيط السلطان ابن الأحمر، وأحكم النسخة، فكانت في مجلدات ستة، وكان لسان الدين ألقى إليه بالمبيضات اعتماداً منه عليه، وثقة به، لاشتغال لسان الدين بأمور المملكة.
ومن تلامذة لسان الدين: القاضي الكاتب أبو محمد عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي.
قال في " الإحاطة ": صاحبنا الفقيه الخطيب، كاتب الإنشاء بالباب السلطاني أبو محمد، نسيج وحده في أصالة البيت وعفاف النشأة، مقصود المنزل، نبيه الصهر، معم مخول في الأصالة، بارع الخط، جيّد القريحة، سيّال المداد، نشيط البنان، جلد على العمل، خطيب ناظم ناثر، قرأ بغرناطة، وولي الخطابة بالمسجد الأعظم والقضاء سنتين ببلده في حداثة السن، ثم انتقل إلى غرناطة فجأجأت به الكتابة السلطانية داحضة بالحق، آوته إلى هضبة أمانة مستظهرة ببطل كفاية، فاستقل رئيساً في غرض إعانتي وانتشالي من هفوة الكلفة على جلل الضعف وإلمام المرض. ثم كشفت الخبرة منه عند الحادثة على الدولة، وإزعاجها من الأندلس عن سوأة لا توارى، وعورة لا يرتاب في أشنوعتها ولا يتمارى، فسبحان من علّم النفس فجورها وتقواها، إذ لصق بالدائل الفاسق فكان آلة انتقامه، وجارحة صيده، وأحبولة كيده، فسفك الدماء، وهتك الأستار، ومزق الأسباب، وبدل الأرض غير الأرض، وهو يزقه في أذنه زقوم النصيحة، وينحله لقب الهداية، ويبلغ في شدّ أزره إلى الغاية، عنوان عقل الفتى اختياره، يجري في سبيل دعوته طوالاً، أخرق يسيء السمع فيسيء الإجابة، بدويّاً قحّاً جهوريّاً ذاهلاً عن عواقب الدنيا والآخرة، طرفاً في سوء العهد وقلّة الوفاء، مردوداً في الحافرة، منسلخاً من آية السعادة، تشهد عليه بالجهل يده، ويقيم عليه الحجج شرهه، وتبوئه هفوات الندم جهالته، ثم أسلم المحروم مصطنعه أحوج ما كان إليه، وتبرأ منه، ولحقته بعده مطالبة مالية لقي لأجلها ضغطاً، وهو الآن بحال خزي، واحتقاب تبعات، واستدعيت شيئاً من نظمه ونثره حال التصنيف ليترجم به، فكتب إليّ ما نصّه:
يا سيّداً فاق في مجد وفي شرفوفات سبقاً بفضل الذات والسلف
وفاضلاً عن سبيل الذمّ منحرفاًوعن سبيل المعالي غير منحرف
وتحفة الزّمن الآتي به فلقدربا بما حازه منها على التحف
ومعدناً لنفيس الدرّ فهو لماحواه منه لدى التشبيه كالصدف
وبحر علم جميع الناس مغترفمنه، ونيل المعالي خير مؤتلف
وسابقاً بذّ أهل العصر قاطبةفالكل في ذاك منهم غير مختلف
من ذا يخالف في نار على علمأو يجحد الشمس نوراً وهو غير خفي
ما أنت إلاّ وحيد العصر في شيموفي ذكاء وفي علم وفي ظرف
لله من منتم للمجد منتسببالفضل متّسم، بالعلم متصف
لله من حسب عدّ ومن كرمقد شاده السلف الأخيار للخلف
إيه أيا من به تبأى الوزارة إذكنت الأحقّ بها في الذات والشرف
يا صاحب القلم الأعلى الذي جمعتفيه المعالي فبعض البعض لم أصف
يا من يقصّر وصفي في علاه ومنأنسي مديح حبيب في أبي دلف
شرّفتني عندما استدعيت من نظمينظماً تدوّنه في أبدع الصحف
وربما راق ثغر في تبسّمهحتى إذا ناله إلمام مرتشف
أجلّ قدرك أن ترضى لمنتجعبسوء كيلته حظاً مع الحشف
هذا، ولو أنّني فيما أتيت بهنافحت بالطيب زهر الروضة الأنف
لكنت أفضي إلى التقصير من خجلإذ لست بالبعض ممّا تستحق أفي
فنحسبي العجز عمّا قد أشرت بهفالعجز حتماً قصارى كلّ معترف
لكن أجبت إلى المطلوب ممتثلاًوإن غدوت بمرمى القوم كالهدف
فانظر إليها بعين الصفح عن زللواجعل تصفّحها من جملة الكلف
بقيت للدهر تطويه وتنشره ... تسمو من العزّ باسمٍ غير منصرف ثم ذكر نثراً، وأن مولده بوادي آش آخر عام تسعة وسبعمائة، وتولّى الخطابة والإمامة بها عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة، ثم ولي القضاء بها وبأعمالها عام
ثلاثة وأربعين وسبعمائة، ثم انتقل للحضرة آخر رجب عام ستّة وخمسين وسبعمائة، ومن شعره قوله:
ألا أيّها الليل البطيء الكواكبمتى ينجلي صبح بليل المآرب
وحتى متى أرعى النّجوم مراقباًفمن طالع منها على إثر غارب
أحدّث نفسي أن أرى الركب سائراًوذنبي يقصيني بأقصى المغارب
فلا فزت من نيل الأماني بطائلولا قمت في حقّ الحبيب بواجب
فكم حدّثتني النفس أن أبلغ المنىوكم علّلتني بالأماني الكواذب
وما قصّرت بي عن زيارة قبرهمعاهد أنس من وصال الكواعب
ولا حبّ أوطان نبت بي ربوعهاولا ذكر خلّ حلّ فيها وصاحب
ولكن ذنوب أثقلتني فها أنامن الوجد قد ضاقت عليّ مذاهبي
إليك رسول الله شوقي مجدّداًفيا ليتني يممت صدر الركائب
فأعملت في تلك الأباطح والرّبىسراي مجدّاً بين تلك السباسب
وقضّيت من لثم البقيع لبانتيوجبت الفلا ما بين ماش وراكب
وروّيت من ماء بزمزم غلّتيفلله ما أشهاه يوماً لشارب
حبيبي شفيعي منتهى غايتي التيأرجّي ومن يرجوه ليس بخائب
محمد المختار والحاشر الذيبأحمد حاز المجد من كلّ جانب
رؤوف رحيم خصّنا الله باسمهوأعظم بماح في الثناء وعاقب
رسول كريم رفع الله قدرهوأعلى له قدراً رفيع الجوانب
وشرّفه أصلاً وفرعاً ومحتداًيزاحم آفاق السما بالكواكب
سراج الهدى ذو الجاه والمجد والعلاوخير الورى الهادي الكريم المناسب
هو المصطفى المختار من آل هاشموذو الحسب العدّ الرفيع المناصب
هو الأمد الأقصى هو الملجأ الذيينال به مرغوبه كلّ راغب
إمام النبيين الكرام، وإنّهلكالبدر فيهم بين تلك المواكب
بشير نذير مفضل متطوّلسراج منير بذّ نور الكواكب
شريف منيف باهر الفضل كاملنفيس المعالي والحلي والمناقب
عظيم المزايا ما له من مماثلكريم السجايا ما له من مناسب
ملاذ منيع ملجأ عاصم لمنيلوذ به من بين آت وذاهب
جليل جميل الخلق والخلق ما لهنظير، ووصف الله حجّة غالب
وناهيك من فرع نمته أصولهإلى خير مجد من لؤيّ بن غالب
أولي الحسب العدّ الرفيع جنابهبدور الدياجي أو صدور الكتائب
له معجزات ما لها من معارضوآيات صدق ما لها من مغالب
تحدّى بهن الخلق شرقاً ومغرباًوما ذاك عمّن حاد عنها بغائب
فدونكها كالأنجم الشّهب عدةونور سناً لا يختفي للمراقب
وإحصاؤها مهما تتبعت معوزوهل بعد نور الشمس نور لطالب
لقد شرّف الله الوجود بمرسلٍله في مقام الرسل أعلى المراتب
وشرّف شهراً فيه مولده الذيجلا نوره الأسنى دياجي الغياهب
فشهر ربيع في السهور مقدّمفلا غرو أنّ الفخر ضربة لازب
فلله منه ليلة قد تلألأتبنور شهاب بيّن الأفق شاهب
ليهن أمير المسلمين بها المنىوأن نال من مولاه أسنى الرغائب
على حين أحياها بذكر حبيبهوذكر الكرام الطاهرين الأطايب
وألّف شملاً للمحبين فيهمفسار على نهج من الرشد لاحب
فسوف يجازى عن كريم صنيعهبتخليد سلطان وحسن عواقب
وسوف يريه الله في نصر دينهغرائب صنع فوق تلك الغرائب
فيحمي حمى الإسلام عمّن يرومهبسمر العوالي أو بيض القواضب
ويعتز دين الله شرقاً ومغرباًبما سوف يبقى ذكره في العجائب
إلهي ما لي بعد رحماك مطلبأراه بعين الرشد أسنى المطالب
سوى زورة القبر الشريف وإنّهلموهبة فاقت جميع المواهب
عليه سلام الله ما لاح كوكب ... وما رافق الأظعان حادي الركائب وقال لسان الدين رحمه الله تعالى: وليس لهذا الرجل انتحال لغير الشعر والكتابة وغير هذا الشعر قران، فقلّ أن ينتهي هذا الشعر في الضعة والاسترذال إلى ما دون هذا النمط، فهو بغير ثان شعراً وشكلاً وبلداً، لطف الله تعالى بنا وبه؛ انتهى باختصار.
ومن تلامذة لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الكاتب أحمد بن سليمان بن فركون، ومن نظمه على لسان من يرمى بالداء العضال في فرج عبد ابن زمرك الوزير بعد ابن الخطيب:
قالوا كلفت به غلاماً حالكاًفأجبتهم في فيه ما يرضي المهج
مهما جننت بحسنه وبحبّهعلّقت فوقي منه حرزاً من سبجْ
ورأيت بخط الوادي آشي ما صورته: وجدت بخط لسان عالدين، وخاتمة أعلام البيان المجيدين، ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب رحمه الله تعالى في طرة اسم الكاتب أحمد بن سليمان بن فركون، المختص به، المتأدب بما انفرد به من انتساخ تواليف ابن الخطيب ما نصّه: يسقط هذا الساقط من الديوان؛ انتهى.
ولعلّ لسان الدين إنّما أمر بإسقاطه من الإحاطة لما يتّهم به من معنى بيتيه السابقين، ويحتمل أن يكون لغير ذلك، والله ﷾ أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع