من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن التي أولها: نرى عظمًا بالصد والبين أعظم ... ونتهم
نرى عظمًا بالصد والبين أعظمونتهم الواشين والدمع منهم
الوزن من الطويل الثاني.
قوله:
ومن لبه مع غيره كيف حالهومن سره في جفنه كيف يكتم
يقول: لبي مع غيري فيكف تكون حالي؛ أي إنها غير جميلةٍ. وقوله: ومن سره في جفنه كيف يكتم؛ أي: إن الأسرار إنما تكتم في القلوب لا في الأجفان. وقد جرت عادة الناس بأن يقولوا: عين فلان تبين عما في صدره, وتردد ذلك في الشعر, قال الشاعر:
تخبر من لاقيت أنك ناصحوعينك تبدي أن صدرك لي دو
ويضاف إلى هذا المعنى أن المحب يجري دمعه فيبين سره لرائيه.
وقوله:
ظلوم كمتنيها لصب كخصرهاضعيف القوى من فعلها يتظلم
المتنان: تثنية متن وهو أسفل الظهر. يقال: متنان ومتنتان. قال أبو دواد الإيادي:
ومتنان خظاتانكزحلوقٍ من الهضب
خظاتان أي كثيرتا اللحم, وقال امرؤ القيس:
لها متنتان خظاتا, كماأكب على ساعديه النمر
يقول: هذه المرأة ثقيلة الأراداف؛ فمتناها يضربان خصرها. وشبه المرأة في ظلمها بظلم
متنيها لصب كخصرها. ثم وصف نفسه بأنه ضعيف القوة يتظلم مما يفعل به. يقال: تظلم الرجل إذا اشتكى الظلم, وتظلم إذا ظلم, قال الجعدي:
وما يشعر الرمح الأصم كعوبهبفروة رأس الأبلخ المتظلم
يعني بالأبلخ: المتكبر, ومن روى: فروة رأسه أراد جلده؛ ومن روى: ثروى رهطه أراد كثرتهم. وهذه اللام التي في قوله: لصب إذا تقدمها فعل قبح مجيئها بعده في مثل قولك: ظلمت لفلانٍ. فإن تقدمت اللام على الفعل لم يقبح ذلك؛ تقول: لفلانٍ أعطيت درهمًا, وكذلك إن جئت باللام بعد فاعلٍ أو فعولٍ. فقولك: هو ظالم لعمرو وظلوم لزيد؛ أحسن من قولك: ظلم لعمروٍ؛ لأن الفعل عادته أن يتعدى بغير معد.
وقوله:
فلو كان قلبي دارها كان خليًاولكن جيش الشوق فيه عرموم
يقول: لو كان قلبي دار هذه الموصوفة لكان خاليًا لأنها قد رحلت عنه, ولكنه؛ يعني أن قلبه مملوء بالشوق؛ ففيه منه جيش عرموم؛ أي عظيم.
وقوله:
أثاف بها ما بالفؤاد من الصلاورسم كجسمي ناحل متهدم
أثافٍ: جمع أثفيةٍ, وهي من قولهم: أثف الرجل غيره إذا تبعه, وقيل للواحدة: أثفية؛ لأنها تتبع صاحبتها. والبصريون يحكون تخفيف الياء في الأثافي, والكوفيون يروون التشديد, وعلى الوجهين أنشدوا قول زهير:
أثافي سفعًافي معرس مرجل
والصلا: أثر الناس في الأثافي وغيرها, ولما شبه صلا الأثافي بصلا فؤاده زعم أن جسمه مثل الرسم الذي قد نحل وتهدم.
وقوله:
بلتت بها ردني والغيم مسعديوعبرته صرف وفي عبرتي دم
الردنان: تثنية ردنٍ, وهو أصل الكم. قالت عمرة أخت ذي الكلب الهذلية:
المخرج الكاعب الحسناء مذعنةًفي السبي ينفخ من أردانها الطيب
والعبرة: تردد الدمع, وقيل للثكل: عبر, وللثاكل: عابر. والصرف: الخالص, وأصل ذلك في الخمر إذا لم تمزج, وكذلك خمر مصروفة, قال المتنخل الهذلي:
إن يمس نشوان بمصروفةٍمنها بنيءٍ أو على مرجل
وقوله:
بنفسي الخيال الزائري بعد هجعةٍوقولته لي: بعدنا الغمض تطعم
سلام فلولا البخل والخوف عندهلقلت أبو حفصٍ علينا المسلم
يقال: خيال وخيالة, فأما قول زهير:
تطالعنا خيالات لسلمىكما يتطلع الدين الغريم
يجوز أن يكون جمع خيالٍ بالتذكير كما يقال: سجل وسجلات, وحمام وحمامات.
ويجوز أن يكون جمع خيالةٍ. وقال آخر:
ألا طرقت خيالة أم كرزٍوأصحابي بعيهم من تباله
وقوله: بعدن المغض تطعم: الأحسن فيه أن يكون معناه معنى الاستفهام, كأن الخيال قال: أتطعم الغمض بعدنا؟ ! وقد يحتمل أن يكون معناه معنى الاستفهام, كأن الخيال قال: أتطعم الغمض بعدنا؟ ! وقد يحتمل أن يكون على معنى الخبر كما تقول للرجل إذا رأيته يفعل فعلًا لا ينبغي أن يفعله: جلست في موضع كذا؛ أي قد جلست في موضع لا ينبغي أن تجلس فيه. وقوله: سلام: من لفظ الخيال. يقول: لولا أن الخيال بخيل بما نريد وإن معه خوفًا من هجرانه لقلت: أبو حفص المسلم علينا من عظم فرحي بذلك.
وقوله:
محب الندى الصابي إلى بذل مالهصباءً كما يصبو المحب المتيم
يقول: أبو حفص يصبو إلى بذل ماله كما يصبو المحب المتيم إلى من يحب. يقال: صبا يصبو صبوًا وصبى بكسر الساد والقصر, وصباءً بفتحها والمد.
وقوله:
يجل عن التشبيه لا الكف لجةولا هو ضرغام ولا الرأي مخذم
يقول: هذا الممدوح يجل عن التشبيه بالأشياء؛ لا كفه لجة؛ أي كفه أعظم جودًا.
والأسد وهو الضرغام يحتقر عنده, ولأنه أمضى من السيف المخذم؛ أي القاطع؛ فمن شبهه بهذه الأشياء فقد ظلمه.
وقولهك
ولا يبرم الأمر الذي هو حاللولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
يقال: أبرمت الأمر إذا أحكمته. وأصل ذلك من فتل الحبل. وبعض الناس يعيب عليه حالل, لأنه أظهر التضعيف, وتلك ضرورة, ولو وضع مكانها ناقضًا لسلم من الضرورة. ويجوز أن يكون الشاعر فعل ذلك لينكر عليه فيعلمهم أنه عالم بالضرورات. فأما قول ابن أم صاحب:
مهلًا أعاذل قد جربت من خلقيأني أجود لأقوامٍ وإن ضننوا
فإنه احتاج إلى إظهار التضعيف لأنه أراد أن يقابل الجود بالضن, وكذلك قول زهير:
لم يلقها إلا بشكة باسلٍيخشى الحواث حازمٍ مستعدد
وقوله:
ولا يرمح الأذيال من جبريةٍولا يخدم الدنيا وإياه تخدم
أصل الرمح في الخيل, يقال: رمحه الفرس إذا ضربه برجله, ثم استعارواة ذلك في غير الخيل؛ فقالوا للمرأة التي تسحب أذيالها: هي ترمح ذيلها, وكذلك يقولون للرجل المتكبر إذا سحب ذيله.
وقوله:
ولا يشتهي يبقى وتفنى هباتهولا تسلم الأعداء منه ويسلم
قد كثر في شعر أبي الطيب حذف «أن» في مواضع إثباتها فيها أحسن كقوله: ولا يشتهي يبقى, أراد: أن يبقى, وقوله: وقبل يرى من جوده, أي: قبل أن يرى, وقوله: ويمنعها الحياء تميسا؛ أي: أن تميس, وغير ذلك. والمجيء بها أحسن وأقوى للفظ.
يقول: هذا الممدوح لا يشتهي أن يسلم ويسلم أعداؤه؛ ولكن يريد أن يسلم في نفسه ويهلك جميع أعدائه.
وقوله:
وأغرب من عنقاء في الطير شكلهوأعوز من مسترفدٍ منه يحرم
قد مضى ذكر العنقاء في أول الكتاب. يقول: شكله مفقود كما فقدت عنقاء مغرب. وأعوز من مسترفدٍ حرمه لأنه لا يحرم أحدًا استرفده؛ أي أعطاه الرفد أي العطية.
وقوله:
سني العطايا لو رأى نوم عينهمن اللؤم آلى أنها لا تهوم
أصل التهويم: النوم القليل؛ وكأنهم يريدون به أخذ النوم في هامة الإنسان لأنه يبدأ برأسه, ثم ينتشر في سائر الجسد.
وقوله:
ولو قال: هاتوا درهمًا لم أجد بهعلى سائل أعيا على الناس درهم
يقال: هاتى الرجل يهاتي إذا قال لغيره: هات. وتقول للرجلين: هاتيا, وللجماعة: هاتوا, وللمرأة: هاتي, وللمرأتين: هاتيا, كما تقول للرجلين وللجميع: هاتين.
وقوله:
ولو ضر مرءًا قبله ما يسرهلأثر فيه بأسه والتكرم
يقال: امرؤ فتضم الراء في الرفع, ورأيت امرءًا فتفتح, ومررت بامرئٍ فتكسر. فإذا جاءت الألف واللام ألزموا الراء سكونًا فقالوا: هذا المرء, ورأيت المرء, ومررت بالمرء. منهم من يشدد الراء فيقول: هذا المر, ورأيت المر, ومررت بالمر؛ وربما قالوا: رأيت مرءاً. وينشد لبعض اللصوص:
ولست أرى مرءاً تطول حياتهفتبقي له الأيام خالًا ولا عما
وقوله:
يروي بكالفرصاد في كل غارةٍيتامى من الأغماد بيضًا ويوتم
الفرصاد: التوت, قال الشاعر:
التارك القرن مصفرًا أناملهكأن أثوابه علت بفرصاد
وربما سموا الخمر فرصادًا على التشبيه. وقوله: بكالفرصاد أي بمثله, والكاف تدخل عليها حروف الخفض, قال الأخطل:
قليلو غرار النوم حتى يخلصواعلى كالقطا الجوني أفزعه الزجر
والمعنى: أنه جعل الأغماد كالآباء للسيوف, وزعم أن الممدوح يموتها بطول السل ويوتم أولاد الأعداء.
وقوله:
إلى اليوم ما حط الفداء سروجهمذ الغزو سارٍ مسرج الخيل ملجم
يعني بالفداء ما كان يجري بين الروم والمسلمين من المفاداة بالأسرى. هذا المصدر ممدود لا يجوز قصره. فإذا جعل اسمًا فقد حكي: فدي لك وفدى لك. وفداء لك يا فلان بالكسر والتنوين, وهي كلمة شاذة. وذكر أبو جعفر أحمد بن عبيد أن فداءً إذا كانت موفوعة برافعه لم يجز فيها الكسر؛ يعني مثل قول النابغة:
مهلًا فداءٍ لك الأقوام كلهموما أثمر من مالٍ ومن ولد
والبصريون ينشدون هذا البيت بالكسر. يقول: هذا الممدوح ما حط الفداء سروجه؛ بل هو على حاله في الغزو مسرج ملجم.
وقوله:
ومن عاتقٍ نصرانةٍ برزت لهأسيلة خد عن قليلٍ سيلطم
يقال: خد أسيل بين الإسالة والأسل؛ وإنما يراد سهولته, ومن ذلك قيل للرماح: أسل.
والأسل أيضًا: نبت تعمل منه الحصر.
وقوله:
أجدك ما تنفك عانٍ تفكهعم بن سليمان ومالًا تقسم
أجدك بمعنى: أجد منك, وهو استفهام كالمعلوم عند المستفهم. ونصب أجدك على المصدر أو فعلٍ مضمرٍ, وينبغي أن يكون عانٍ مرفوعًا بالابتداء, ولولا وزن البيت لكان نصب عانٍ أوجه, ويكون التقدير: ما تنفك عانيًا. ويقوي نصبه أنه نصب مالًا. وقوله: عم بن سليمان؛ أراد: عمر فرخم على رأي أهل الكوفه, والبصريون لا يرون ترخيم الثلاثي الذي أوسطه متحرك.
وقوله:
مكافيك من أوليت دين رسولهيدًا لا تؤدي شكرها اليد والفم
مكافيك أصله الهمز؛ يقال: كافأت فلانًا على فعله, وفلان كفؤ لفلان أي هو نظير له. وتخفيف الهمزة جائز, وبعض النحويين يرده إلى السماع, وحمله على القياس أوجه؛ لأنك إذا وقفت على «كافأ» سكنت الهمزة وقبلها فتحة فجعلت ألفًا. وكذلك إذا وقف على المضارع قيل: يكافئ فسكن آخر الفعل وقبل الهمزة ضمة فجاز أن تجعل ياءً. وكذلك إذا قلت في اسم الفاعل: مكافئ سكنت آخر الكلمة فاتجه تخفيف الهمز.
وقوله:
وزارك بي دون الملوك تحرجإذا عن بحر لم يجر لي التيمم
أصل التيمم: القصد, يقال: تيممت الرجل وتأممته. ومنه اشتقاق التيمم في الصلاة, وهذا أمر حدث في الإسلام, وإنما يجوز التيمم إذا فقد الماء. فقال الشاعر: أنت أيها الممدوح بحر, وغير من الملوك مثل قاصده مثل من فقد الماء فتطهر بالتراب, وأنت بحر قد عن لي - أي عرض - فلا يجوز أن أقصد ملكًا غيرك. وقافيتها من المتدارك.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع