تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل فى دخول حروف الخفض بعضها مكان بعض

فمن ذلك دخول «فى» مكان «على» فى قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أى على جذوع النخل، وقال سويد بن أبى كاهل:

هم صلبوا العبديّ فى جذع نخلةفلا عطست شيبان إلاّ بأجدعا
للشاعر قراد بن حنش الصاردي، اقرأ القصيدة

دعا على شيبان، ومعنى «بأجدع» أى بأنف مقطوع.

ومن ذلك ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أى عليه.

وقد استعملوا «فى» مكان «مع» كقول الشاعر:

إذا أمّ سرباح غدت فى ظعائنجوالس نجدا فاضت العين تدمع

أى مع ظعائن، يقال: جلس فلان، إذا أتى نجدا، ويقال لنجد: الجلس.

ويقال: فلان عاقل فى حلم، أى مع حلم، ومنه قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أى مع أمم.

وقد أوقعت مكان «بعد» فى قوله: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ أى بعد عامين، ومكان «إلى» فى قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ أى إلى أفواههم، وقال علقمة بن عبدة:

طحا بك قلب فى الحسان طروببعيد الشّباب عصرحان مشيب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

أى إلى الحسان. وطحا بك: ذهب بك.

وأوقعوها مكان الباء، قال زيد الخيل:

ويركب يوم الرّوع فيها فوارسبصيرون فى طعن الأباهر والكلى

أى بصيرون بطعن الأباهر. والأباهر: جمع الأبهر، وهو عرق مستبطن الصّلب، متّصل بالقلب، وقال آخر:

وخضخضن فيناالبحر حتّى قطعنه

على كلّ حال من غمار ومن وحل

أراد: خضخضن بنا البحر.

«إلى» قد استعملوا «إلى» مكان «مع» كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أى مع الله، ومثله: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ أى مع شياطينهم.

واستعملوها مكان «فى» كقول النابغة:

فلا تتركنّى بالوعيد كأنّنىإلى الناس مطلىّ به القار أجرب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

أى فى الناس، وقال طرفة:

وإن يلتق الحيّ الجميع تلاقنىإلى ذروة البيت الكريم المصمّد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ»

أى فى ذروة البيت الذى يصمد إليه، أى يقصد.

وتوقع مكان «مع» كقولهم: جلست إلى القوم: أى معهم.

وتكون مكان الباء، قال كثير:

ولقد لهوت إلى الكواعب كالدّمىبيض الوجوه حديثهنّ رخيم

أراد: لهوت بكواعب.

«على» استعملوها مكان «فى» يقولون: أتيته على عهد فلان، أى فى عهده، ومنه ﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ أى فى ملك سليمان، وقال الأعشى:

وصلّ على حين العشيّات والضّحىولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا

وتكون مكان «من» كقوله: ﴿إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أى من /الناس.

وتكون مكان «عن» كقوله:

أرمى عليها وهى فرع أجمع

أى أرمى عنها، وقال القحيف العقيلىّ:

إذا رضيت عليّ بنو قشيرلعمر الله أعجبنى رضاها
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

وتكون مكان الباء، قال أبو ذؤيب:

وكأنّهنّ ربابة وكأنّهيسر يفيض على القداح ويصدع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

أى يفيض بالقداح، أى يضرب بها.

والرّبابة: خرقة تجمع فيها قداح الميسر، إلا أنه أراد بالرّبابة فى هذا البيت القداح أنفسها؛ لأنه يصف آتنا وحمارا، فشبّه الأتن بالقداح؛ لاجتماعهنّ، وشبّه الحمار باليسر صاحب الميسر، وجمعه أيسار.

ويصدع: يفرّق.

ويقولون: اركب على اسم الله، أى باسم الله.

«عن» تكون مكان «من» كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أى من عباده.

وتكون مكان الباء، كقوله: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ أى بالهوى. وتكون مكان «على» كقوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أى على نفسه، وقال ذو الإصبع:

لاه ابن عمّك لا أفضلت فى حسبعنّى ولا أنت ديّانى فتخزونى
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

أى لم تفضل فى حسب عليّ، ولا أنت ديّانى: أى مالك أمرى. وتخزونى:

أى تسوسنى وتقهرنى.

وقوله: «لاه» أراد: لله، فحذف لام الجر ولام التعريف، قال الخليل:

وكانت العرب [فى الجهلاء] تقول: لاه أنت، فى معنى: لله أنت، وكره ذلك فى الإسلام، وأنشد:

لاه درّ الشّباب والشّعر الأسود والرّاتكات تحت الرّحال

الرّتكان: ضرب من السّير فيه اهتزاز، قال الخليل: ولا يكاد يقال إلاّ للإبل.

وتكون «عن» مكان «بعد» قال العجّاج:

ومنهل وردته عن منهل

/أراد بعد منهل، ومثله فى التنزيل: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ أى حالا بعد حال، ومنه قولهم: «سادوك كابرا عن كابر»، أى كبيرا بعد كبير، وقد أظهر الشاعر «بعد» فى قوله:

بقيّة قدر من قدور توورثتلآل الجلاح كابرا بعد كابر

وقال الحارث بن عبّاد:

قرّبا مربط النّعامة منّىلقحت حرب وائل عن حيال
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «صاح أيري ورمحه فوق خصييه»

أى بعد حيال، أراد: هاجت بعد سكونها، فاستعار لها اللّقاح والحيال.

يروى مربط ومربط، بفتح الباء وكسرها، فمن فتح أراد المصدر، ومن كسر أراد موضع الرّبط، والمربط، بكسر الميم وفتح الباء: الحبل.

«من» تقع مكان «على» قال الله تعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أى على القوم.

وتكون مكان الباء، كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أى بأمر الله، ومثله ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ أى بأمره، ومثله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أى بكلّ أمر.

«الباء» قد استعملت الباء مكان «من» فى قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ أى يشرب منها، وقال عنترة:

شربت بماء الدّحرضين فأصبحتزوراء تنفر عن حياض الدّيلم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقال أبو ذؤيب:

شربن بماء البحر ثمّ ترفّعتمتى لجج خضر لهنّ نئيج

متى لجج: أى وسط لجج، حكى الكسائىّ عن العرب: «أخرجه من متى كمّه»، أى من وسط كمّه، وهى لغة هذيل.

والنّئيج: الصّوت، يصف سحبا.

وتقع الباء موقع «عن» كقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ أى عن عذاب، ومثله: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ أى عنه، وقال عنترة:

/هلاّ سألت الخيل يا ابنة مالكإن كنت جاهلة بما لم تعلمى
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

أى سألت الخيل عمّا لم تعلمى، وقال النابغة:

كأنّ رحلى وقد زال النهار بنابذى الجليل على مستأنس وحد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

أراد زال النهار عنّا.

وقد كثر استعمالها مكان «فى» كقوله:

إن الرّزيّة لا رزيّة مثلهاأخواى إذ قتلا بيوم واحد
للشاعر النعمان بن زرعة التغلبي، اقرأ القصيدة

أراد: فى يوم واحد، ومنه: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أى فيه، أى فى يوم القيامة، ومثله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾.

واستعملت فى موضع «على» كقول الشاعر:

أربّ يبول الثّعلبان برأسهلقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أرب يبول الثعلبان برأسه»

أى على رأسه.

«اللام» قد جاءت فى مكان «إلى» فى مواضع من التنزيل، منها قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ ومنها: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾ ومنها:

﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ﴾ أي إلى الإيمان، وجاءتا متواليتين فى قوله: ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾.

واستعملوها مكان «على» فى قولهم: سقط لوجهه، أى على وجهه، ومثله.

فخرّ صريعا لليدين وللفم

ومثله فى التنزيل ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أى على الجبين.

و ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً﴾.

واستعملوها فى مكان «بعد» قال متمّم بن نويرة.

فلمّا تفرّقنا كأنّى ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة

أى بعد طول اجتماع، ومثله فى التنزيل ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾

[الجزء الثالث]

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.