من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْمُقدمَة (٣)
وَمِنْهَا قَوْله فِي المديح
خَليليِّ إِنِّي لَا أرى غير شاعرٍفَكم منهمُ الدَّعْوَى ومني القصائد
فَلَا تَعَجبا إِن السيوف كَثِيرَةوَلَكِن سيف الدولة الْيَوْم واحِدُ
وَهِي طَوِيلَة
والسبوح الْفرس الْحسن الجري يُقَال فرسٌ سابح وسبوح وخيل سوابح
لسبحها بِيَدَيْهَا فِي مسيرها وسبوح اسْم فرس لِرَبِيعَة بن جشم وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه فَاعل تسعدني
وَالْمعْنَى وتعينني على توارد الغمرات فِي الحروب فرس سبوح يشْهد بكرمها خِصَال هِيَ لَهَا مِنْهَا أَدِلَّة عَلَيْهَا
وَالشَّاهِد فِيهِ كَثْرَة التّكْرَار وتتابع الإضافات وَهِي قَوْله لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا وَالله تَعَالَى أعلم
(حَمَامَةَ جَرْعَا حَوْمَةِ الجَنْدَلِ اسْجَعي ...)
قَائِله ابْن بابك الشَّاعِر الْمَشْهُور من قصيدة من الطَّوِيل وَتَمَامه
(فَأنْتِ بِمَرأى من سُعادَ ومَسمع ...)
والجرعاء هِيَ الرملة الطّيبَة المنبت لَا وعوثة فِيهَا أَو الأَرْض ذَات الحزونة تشاكل الرمل أَو الدعص لَا ينْبت أَو الْكَثِيب جانبٌ مِنْهُ حِجَارَة وجانب رمل وحومة الْقِتَال معظمه وَكَذَلِكَ من المَاء والرمل وَغَيره والجندل الْحِجَارَة والسجع هدير الْحمام وَنَحْوه
وَالْمعْنَى يَا حمامة جرعاء هَذَا الْموضع اسجعي وترنمي طريا فَأَنت بمرأى من الحبيبة ومسمع فجدير لَك أَن تطربي إِذْ لَا مَانع لَك مِنْهُ
وَالشَّاهِد فِيهِ تتَابع الإضافات فَإِنَّهُ أضَاف حمامة إِلَى جرعا وحومة إِلَى الجندل وَهُوَ من عُيُوب الْكَلَام
قَالَ الْقزْوِينِي وَفِيه نظر لِأَن ذَلِك إِن أفْضى بِاللَّفْظِ إِلَى الثّقل على اللِّسَان فقد حصل الِاحْتِرَاز عَنهُ بِمَا تقدم أَي بقوله من تنافر الْكَلِمَات مَعَ فصاحتها وَإِلَّا فَلَا يخل بالفصاحة كَيفَ وَقد جَاءَ فِي التَّنْزِيل ﴿مثل دَاب قوم نوح﴾ وَقد
قَالَ ﷺ الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم
قيل لَا نسلم وجود تتَابع الإضافات فِي الحَدِيث الشريف إِذْ لَفْظَة الابْن صفة لما قبلهَا وَلَيْسَ مَا قبلهَا مُضَافا إِلَيْهَا
وَعَن الصاحب بن عباد إياك والإضافات المتداخلة فَإِنَّهَا لَا تحسن
وَذكر الشَّيْخ عبد القاهر أَنَّهَا تسْتَعْمل فِي الهجاء كَقَوْل الْقَائِل
يَا عَليّ بن حَمْزَة بن عُمارهْأنتَ وَالله ثَلجةٌ فِي خِيَاره) // الْخَفِيف //
قَالَ وَلَا شكّ فِي ثقل ذَلِك لكنه إِذا سلم من الاستكراه ملح وظرف وَمِمَّا حسن فِيهِ قَول ابْن المعتز
وظَلَّتْ تُديرُ الراحَ أَيدي جآذرٍعِتاقِ دَنانيرِ الوجُوهِ مِلاحِ) // الطَّوِيل //
(وَقَول الخالدي
ويَعرفُ الشِّعرَ مِثلَ مَعْرِفتيوهْوَ على أَن يزِيد مُجْتَهد
وصَيرفِيُّ القَريضِ وزَّانُ دِينَارالمعاتي الدِّقاق مُنتقدُ) // المنسرح //
وَهَذَانِ البيتان لسَعِيد بن هِشَام الخالدي الشَّاعِر الْمَشْهُور من قصيدة يصف فِيهَا غُلَاما لَهُ وَهِي بديعة فَأَحْبَبْت ذكرهَا وَهِي
مَا هُوَ عَبدٌ لكنَّهُ ولدُخولنيه المهين الصَّمدُ
وَشدَّ أزرِي بحُسن خِدمتهِفَهْو يَدِي والذراعُ وَالعضُدُ
صَغيرُ سِنٍّ كَبيرُ مَنفعةٍتَمازجَ الضعفُ فِيه وَالجلَدُ
فِي سنِّ بَدِر الدُّجا وَصوُرَتِهفَمثلهُ يَصطفَى وَيُعتَقدُ
مُعشَّقُ الطْرفِ كُحله كَحَلٌمُعَطّلُ الْجيدِ حَلْيهُ الجَيَدُ
وَوردُ خَدَّيْهِ والشقائِقُ وَالتفاحُوالجُلّنارُ مُنتضدُ
رِياضُ حُسنٍ زَواهرٌ أبدافِيهنَّ مَاءُ النَّعيم مُطّردُ
وَغصنُ بَانٍ إِذا بَدا وَإِذاشَدَا فَقُمْرِيُّ بَانةٍ غَرِدُ
مُبارك الوجِهِ مُذْ حَظيتُ بهِبَالي رَخيٌّ وَعيشتي رَغدُ
أُنْسى وَلهوِي وَكلُّ مَأرَبَتيمجتمعٌ فِيه لِي وَمُنفرِدُ
مُسامرِي إِنْ دَجَا الظَّلامُ فَليمِنهُ حَدِيثٌ كَأنهُ الشَّهدُ
ظريفُ مَزْحٍ مَليحُ نَادرَةٍجَوْهرُ حسنٍ شَرارهُ يَقدُ
خازنُ مَا فِي دارِي وَحَافظهُفَليسَ شيءٌ لَديُّ مُفتقَدُ
وَمنفقٌ مُشفقٌ إِذا أنَا أَسْرفتُوَبذَرْتُ فهْو مُقتصدُ
يَصون كُتبي فكلُّها حَسنٌيَطوي ثِيَابِي فَكلُّها جَدُد
وَأبصرُ النَّاس بالطبيخ فكالمسكالقلايا والعنبر الثردُ
وْهو يُديرُ المدامَ إنْ جُليتْعَروسُ دَنً نقابها الزَّبد
يَمنح كأسي يدا أناملهُاتَنْحلُّ منْ لِينها وتنعقدُ
ثَقَّفهُ كَيسهُ فَلَا عِوجٌفِي بعض أخلاقهُ وَلَا أود
وَبعده البيتان وبعدهما أَيْضا
وَكاتبٌ تُوجدُ البلاغةُ فِيألفاظهِ والصوابَ وَالرشَدُ
وَواجدٌ بِي من المحبةِ وَالرأفةِأضعافَ مَا بِهِ أجدُ
إِذا تَبسَّمتُ فَهوَ مُبتهجٌوَإِن تَنمردتُ فَهوَ مُرتعدُ
ذَا بَعضُ أوْصافهِ وَقدْ بَقيتْلهُ صِفاتٌ لمْ يحوها أحدُ
وَقد عارضها الشهَاب مَحْمُود بقصيدة يذم فِيهَا غُلَاما لَهُ وَهِي
مَا هُوَ عبد علا ولَا ولدُإلَاّ عناءٌ تَضنى بِهِ الكبِدُ
وَفرط سقمٍ أَعْيا الأساةَ فلَاجِلْدٌ عليهِ يَبقى وَلَا جَلَدُ
أقبحُ مَا فِيهِ كلُّه وَلقدْتَساوتِ الروحُ مِنْهُ والجسدُ
أشبهُ شيءٍ بالقردِ فهوَ لهُإنْ كَانَ لِلقرد فِي الْورى ولدُ
ذُو مُقلةٍ حشوُ جَفنها عَمَصٌٌتَسيلُ دَمعاً وَما بهَا رَمدُ
وَوجنةٍ مِثل صبغةِ الوَرْسِلكنْ ذاكَ صافٍ وَلونها كمِدُ
كَأَنَّمَا الخدُّ فِي نَظافتهِقدْ أكِلَتْ فَوق صَحنهِ غُدَدُ
يقطر سُمّاً فَضحكهُ أبداشرّ بُكاءٍ وَبِشرهُ حَرَدُ
(يجمعُ كَفّيهِ مِنْ مَهانتهِ
كَأَنَّهُ فِي الهّجيرِ مُرتعدُ)
يُطرِق لَا مِنْ حَيا وَلا خَجلٍكأنّهُ لِلترابِ مُنتقدُ
ألَكنُ إِلَاّ فِي الشتمِ يَنبحُ كالْكلبِوَلوْ أنَّ خَصمهُ الأَسدُ
يَشتمني الناسُ حِينَّ يَشتمهمْإذْ لَيْسَ يرضى بشمته أحدُ
كَسلانُ إلَاّ فِي الأ كل فَهُوَ إِذامَا حضر الأ كل جَمَرةٌ تَقِدُ
كَالنارِ يَوْمَ الرِّياحِ فِي الْحطب اليابسِتأتِي على الَّذِي تجدُ
يَرفُلُ فِي حُلةٍ منبتهمن قمله رقم طرزها طرد
أجملُ أوْصافهِ النميمةُ وَالْكذبوَنقل الْحديثِ وَالحَسدُ
كُلُّ عُيوب الورَى بِهِ اجْتَمعتْوَهو بأضعافِ ذَاكَ مُنفردُ
إِنْ قُلتُ لَمْ يَدرِ مَا أقولُ وَإنْقالَ كِلَانَا فِي الْفَهم مُتحد
كأنّ مَا لي إِذا تَسلّمَهُمَاءٌ قَرَاحٌ وَكَفُّهُ سرد
حَملتهُ لِي دُوَيَّة حَسنتْكُنتُ عَليها فِي الظَّرفِ أعْتمدُ
كَمثلِ زَهرِ الرِّياضِ مَا وَجدَتْعَيني لهَا مُشبهاً وَلا تجدُ
فمرَّ يَوْماً بهَا عَلى رَجُلٍلَديهِ عِلمُ اللُّصوصِ يَستندُ
أوْدَعها عنِدهُ فَفرَ بهَاوَما حَواهُ مِنْ بَعدها الْبلدُ
فَجاء يَبكي فَظَلْتُ أضحكُ مِنْفِعلي وَقلبي بِالغيظِ يَتْقدُ
وَقالَ لِي لَا تَخفْ فحليتهُمَسهورةُ الشكل حِينَ يُفتقدُ
عَليه ثَوبٌ وَعمةٌ ولهُذَقنٌ وَوجهٌ وَساعدٌ ويدُ
وَقائلٍ بعهُ قُلتُ خُذهُ وَلَاوَزنٌ تُجازِي بِهِ وَلَا عددُ
فَفي الذِي قَدْ أضاعهُ عِوضٌوَهُوَ على أَن يزِيد مُجْتَهد) // المنسرح //
وَمثله قَول رَاشد الْكَاتِب فِي غُلَام لَهُ قد بَاعه وَكَانَ اسْمه نفيساً فَسَماهُ خسيسا
بعْنا خَسيسْاً فَلم يحزن لَهُ أحدوَغابَ عَنا فَغابَ الهمُّ والنكدُ
أهْونْ بهِ خَارِجا منْ بَين أظْهرنالم نَفتقده وكلبُ الدَّارِ يُفتقدُ
قَدْ عَرِّيتْ مِنْ صُنوفِ الخَير خِلقتهُفَلَا رُواءٌ ولَا عَقلٌ ولَا جلدُ
يَدعُو الفحولَ إِلى مَا تَحتَ مِئزرهدُعاء منْ فِي استه النيرانُ تتقد) // الْبَسِيط //
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
عَرضنا خَسيساً فاحتمى كلُّ تاجرٍشِراهُ وأعْيا بَيْعهُ كلَّ دَلالِ
وَمَا باتَ فِي قَومٍ يَحبُّونَ قُربهُفأصبحَ إلَاّ وَالمحبُّ لهُ قالي
فَمَا فِي يديهِ خِدمةٌ يُشتهى لهَاولَا عِندهُ مَعنىً يُرادُ على حالِ
بَلى لَيس يَخلو من مَعايبِ أهلهِوَإنْ أَصبْحوا فِي ذِروةِ الشَّرفِ العالي
إِذا لم يجدْ فيهمْ مقَالا رَماهمُبِبعض عيوبِ النَّاسِ فِي الزَّمنِ الْخَالِي
وَيحتالُ فِي اسْتخراجِ مَا فِي بُيوتهمْبِما قَصرتْ عَنهُ يَدا كلِّ مُحتال
وَإِن حملوه سر أَمرٍ أذاعَهُوكادَهُمُ فِيهِ كِيادةَ مغُتالِ
ويَعبثُ بالجيرانِ حَتَّى يُملَّهمْوَيُبرِمُ أهلَ الدَّار بالقِيلِ والقَالِ
يُريهمْ صُروفَ الدَّهرِ مِن حَمقاتهأعاجيِبَ لم تَخْطر بوَهِم وَلَا بَال
أَقولُ وَقدْ مَروا بِهِ يَعرضونهُإِلَى النَّار فاذهبْ لَا رَجَعْتَ وَلَا مَالِي) // الطَّوِيل //
وَقَالَ الْعَلامَة ابْن الوردي ﵀ يهجو عبدا لَهُ اسْمه بهادر
بَهادرُ عَبدٌ لَا بَهاءٌ وَلَا دُرُّفَما أَنا حرٌ يومَ قوَلي لَهُ حر) // الطَّوِيل //
وَأما ابْن بابك فَهُوَ عبد الصَّمد بن مَنْصُور بن الْحسن بن بابك الشَّاعِر الْمَشْهُور أحد الشُّعَرَاء المجيدين المكثرين وَهُوَ بغدادي وَله ديوَان كَبِير وأسلوب رائق فِي نظم الشّعْر طَاف الْبِلَاد ومدح الأكابر كعضد الدولة والصاحب بن عباد وَغَيرهمَا وأجزلوا لَهُ الجوائز وَذكر صَاحب الْيَتِيمَة أَنه كَانَ يشتو فِي حَضْرَة الصاحب بن عباد ويصيف فِي وَطنه وَقد ذكر ذَلِك فِي بعض قصائده قَالَ وقرأت للصاحب فصلا فِي ذكره فاستملحته وَهُوَ أما ابْن بابك وَكَثْرَة غشيانه بابك فَإِنَّمَا تغشي منَازِل الْكِرَام والمنهل العذب كثير الزحام
وَمن شعره فِي وصف الْخمر من قصيدة
عُقارٌ عَليها منْ دَم الصَّبِّ نُقطةٌومنْ عَبراتِ المستهام فواقع
معودة غضب الْعُقُول كَأَنَّمَالَهَا عِند ألبابِ الرِّجال وَدائعُ
تَحَيَّرَ دَمعُ المزنِ فِي كأسها كَمَاتحيرُ فِي وَردِ الخدودِ الْمدامعُ) // الطَّوِيل //
وَله من أُخْرَى فِي وصف إضرام النَّار فِي بعض غِيَاض طَرِيقه إِلَى الصاحب
وَمقلةٍ فِي مَجرّ الشَّمْس مَسحبهاأرْعيتها فِي شباب السُّدفة الشهُّبا
حَتَّى أرَتني وعينُ الشَّمْس فاترةٌوجهَ الصَّباح بذيل اللَّيْل منتقبا
وَلَيْلَة بتُّ أَشْكُو الهمَّ أوَلهاوَعدتُ آخرِهَا أستنجد الطَّربا
فِي غَيضةٍ مِنْ غِياضِ الْحسن دَانيةٍمَدَّ الظَّلامُ على أرْواقها طُنبا
يُهدِي إِلَيْهَا مُجاج الخمرِ ساكِنُهاوكلمَّا دبَّ فِيهَا أثمرت لهبا
حَتى إِذا النَّار طاشتْ فِي ذَوائِبهاعادَ الزُّمردُ مِن عيدانِها ذَهبا
مَرقتُ مِنها وَثغرُ الصُّبح مُبتسمإِلَى أغرَّ يرَى المذْخورَ مَا وَهبا) // الْبَسِيط //
وَله أَيْضا
أحببته أسودَ الْعَينَيْنِ والشعرهفِي عَيْنَيْهِ عِدةٌ لِلوصل مُنتظَرَهْ
لدنَ المقلَّد مَخطوف الحشا ثَملاًرَخصَ العظامِ أشمَّ الأنفِ وَالقَصَرَهْ
لِلظبي لَفتتهُ والغصنِ قامتَهُوَالرَّوضِ مَا بثَّه وَالرَّمل مَا سَتَرهْ
تكادُ عَيني إِذا خاضتْ محاسنَهُإليهِ تَشربهُ منْ رِقةِ الْبشرهْ
حَتَّى إِذا قلت قد أمْلَلْتُها شَرهتْشَوقاً إليهِ وَفِي عَينِ المحبِّ شَرهْ) // الْبَسِيط //
وَمِنْه
زَمرُ الغروبِ وأصواتُ النَّواعيرِوالشَّربُ فِي ظلّ أكواخِ المناظيرِ
وَصرعة بينَ إِبريقٍ وباطيةونقرة بينَ مِزمارٍ وطَنبورِ
أشهى إِلَيّ من البَيْدَاء أعسْفِهُاومِنْ طُلوع الثَّنايا الشُّهبِ والقورِ
يَا رُبَّ يَوْمٍ على القَاطُولِ جَاذْبنيصُبح الزُّجاجةِ فيهِ فَضلَةُ النُّور
(صَدَعْتُ طُرتهُ والشَّمسُ قاصِدَة فِي يَلمق مِن ضَبابِ الدجْنِ مَزرُورِ)
كأنَّ مَا انْهَلّ مِنْ أهْدَاب مُزْنتهِدَمعٌ تَساقَطَ مِن أجفانِ مَهجورِ
فَمِنْ رشاشٍ عَلى الرِّيحانِ مُقتحمٍومِنْ رَذاذٍ على المنْثور منثور) // الْبَسِيط //
وَمن شعره أَيْضا
وغدير مَاء أفغمت أطْرَافهُكالدَّمع لما ضَاقَ عَنهُ مَجالُ
قَمرُ الرياض إِذا الغُصُونُ تَعَدَّلتوإِذا الغُصونُ تهَدَّلت فهِلَالُ) // الْكَامِل //
وَمِنْه وَهُوَ غَرِيب التَّشْبِيه
وافى الشِّتاءُ فَبزَّ النَّوْرُ بهجتهفِعلَ المشيب بشَعر اللِّمَّةِ الرجِلِ
وَرْدٌ تفتَّحَ ثُمَّ ارتَدَّ مُجتمِعاًكمَا تجمَّعَتِ الأَفْوَاه للقبل) // الْبَسِيط //
وَقد أَخذه الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم مَعَ بن زِيَادَة التَّضْمِين فَقَالَ
سِيقَتْ إلَيْكَ مِنَ الحَدَائق ورْدَةوأتتْكَ قبل أوانها تطفلا
طَمعت بِلثمِكَ إذْ رأتك فَجمَّعتفَمَها إِلَيْك كطالب تقبيلا) // الْكَامِل //
وَهَذَا التَّضْمِين من بَيت للمتنبي فِي وصف النَّاقة وَهُوَ
ويُغيرُني جذْبُ الزِّمام لقلبهافَمها إليكِ كطالب تقبيلا) // الْكَامِل //
فنقله ابْن تَمِيم إِلَى وصف زر الْورْد فَأحْسن غَايَة الْإِحْسَان وَهُوَ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
وَالعيسُ عَاطفةُ الرؤسِ كَأَنَّمَايَطلبنَ سرّ محدثٍ فِي المجلسِ) // الْكَامِل //
وَفِي مثل قَول ابْن تَمِيم قَول الخباز الْبَلَدِي دوبيت
ووردة تحكي بسبق الْورْدطَلِيعَة تسرعتْ من جنُد
قَد ضمَها فِي الْغُصْن قرص الْبردضم فمٍ لقُبلةٍ من بُعْدِ
وَذكرت بِهَذَا مَا قَالَه صاعد اللّغَوِيّ صَاحب كتاب الفصوص يصف باكورة ورد حملت إِلَى أبي عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر الملقب بالمنصور
أتَتكَ أَبا عَامر وَردةٌيُحاكِي لكَ الْمسك أنفاسها
كعذراء أبصرهَا مبصرفغطت بأكمامها راسها) // المتقارب //
فَاسْتحْسن الْمَنْصُور مَا جَاءَ بِهِ فحسده الْحُسَيْن بن العريف فَقَالَ هِيَ للْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف فناكره صاعد فَقَامَ ابْن العريف إِلَى منزله وَوضع أبياتاً وأثبتها فِي صفح دفتر وَقد نقض بعض أسطاره وأتى بهَا قبل افْتِرَاق الْمجْلس وَهِي
عَشوتُ إِلَى قَصرِ عَباسةٍوَقدْ جَدْلَ النَّومُ حُراسَهَا
فألْفيتها وَهيَ فِي خِدْرهاوَقدْ صَدَعَ السكر أنَّاسها
فَقالتْ أسارٍ على هَجَعةفَقلتُ بَلى فَرمتْ كاسها
ومدَّت إِلَى وردةٍ كَفَّهايُحاكي لَك الْمسك أنفاسها
كعذراء أبصرهَا مبصرفغطت بأكمامِها رَاسها
وقالَتْ خَفِ الله لَا تَفضحنِّفِي ابْنةِ عَمك عبَاسَها
فَوليت عَنها على غفَلةٍوَلَا خنُتُ ناسي وَلَا ناسها) // المتقارب //
قَالَ فَخَجِلَ صاعد وَحلف فَلم يقبل مِنْهُ وافترق الْمجْلس على أَنه سَرَقهَا
وتمكنت فِي صاعد لِأَنَّهُ كَانَ يُوصف بِغَيْر الثِّقَة فِيمَا يَنْقُلهُ
وَمن شعر أبن بابك يصف زِمَام النَّاقة وَهُوَ معنى جيد
ولَقدْ أتَيتُ إِليكَ تحملُ بزَّتيحَرفٌ يُسكَّنُ طَيشهَا الذأَلانُ
يَنفِي الزَّفيرُ خُطامهَا فكأنهُغَارٌ يُحاول نقبه ثعبان) // الْكَامِل //
وَقد زَاد فِيهِ على المتنبي وَقد ذكر الْخَيل
نجاذبُ فِيهَا لِلصباحِ أعِنَّةًكأنَّ على الأعناقِ مِنْهَا أفاعيَا
وَهُوَ من قَول ذِي الرمة // من الطَّوِيل //
رَجيعة أسْقَامٍ كَأنَّ زِمامَهاشُجاعٌ على يُسرَي الذِّراعَيْنِ مطرق) // الطَّوِيل //
على أَن ذَا الرمة لم يزدْ على التَّشْبِيه شَيْئا والمتنبي أَتَى بِهِ فِي عرض بَيته وَزَاد مقصداً آخر وَهُوَ أَن الْخَيل لَا تتْرك إِلَّا عنة تَسْتَقِر فِي أَيدي فرسانها لما فِيهَا من سُورَة المرح وَحسن الْبَقِيَّة بعد طول السرى فَكَأَنَّمَا الأعنة أفاع تلدغ أعناقها إِذا باشرتها فتجاذبها الفرسان الأعنة وَهِي تجاذبهم إِيَّاهَا وَهَذَا لم يَقْصِدهُ ذُو الرمة وَلَا يُؤْخَذ من بَيته
وَمن شعر أبن بابك بَيت من قصيدة فِي غَايَة الرقة وَهُوَ
ومَرَّ بيَ النَّسيمُ فَرقَّ حتَّىكَأَنِّي قد شَكوتُ إليهِ مَا بِي) // الوافر //
وَنقل بَعضهم أَن ابْن بابك لما وَفد على الصاحب بن عباد وأنشده مدائحه فِيهِ طعن عَلَيْهِ بعض الْحَاضِرين وَذكر أَنه منتحل وَأَنه ينشد قصائد قد قَالَهَا ابْن نباتة السَّعْدِيّ فَأَرَادَ الصاحب ابْن عباد أَن يمتحنه فاقترح عَلَيْهِ أَن يَقُول قصيدة يصف فِيهَا الْفِيل على وزن قَول عَمْرو بن معدي كرب
أَعدَدْت للحدثان سابغةوعداء علندي) // الْكَامِل //
فَقَالَ
قَسماً لَقَدْ نَشر الحيابمنَاكب العَلَميْنِ بُرْدا
وتَنفّستْ يمَنِيةٌتَستضْحك الزّهر المنَدّى
وجريحَة اللَّبّاتِ تَنْثُرُمِنْ سَقيطِ الدَّمعِ عقدَا
نازعتها حلب الشؤنوقلّما استَعَبرْتُ وجْدَا
ومُسَاجِلٍ لِي قَدْ شَقَقْتُلِدَائهِ فِي فيّ لَحْدَا
لَا تَرْم بِي فَأَنا الَّذِيصيرت حُرّ الشِّعرِ عَبْدَا
بشوارد شمس القياديَزِدن عِنْدَ القُربِ بُعدَا
ومُمَسّكِ البُرْديْنِ فِيشِبهِ النّقا شِيةً وقَدَّا
وكأنما نَسَجَتْ عَلَيْهِيَدُ الغمامَ الجَون جلْدَا
وَإذا لَوَتْكَ صِفاتهأعْطاك نَسَّ الرّوم نَقْدَا
فكأنّ مِعصم غادةفِي مَا ضغيه إِذا تَصَدّى
وَكأنّ عودا عَاطلاًفِي صَفحتيهِ إذَا تَبدَّى
يَحدُو قَوائمَ أَرْبعاًيَتركنَ بالتلعاتِ وَهدَا
جأبُ المطوق قد تفردبالكراهةِ واسْتبدَّا
فَإِذا تَجللَ هَضبةًفكأنّ ظِلّ اللَّيلِ مَدَّا
وَإذا هَوَى فكانَّ رُكنامنْ عُمانٍ قدْ تردّى
وَإذا اسْتقلَّ رَأيتَ فِيأعْطافهِ هَزلاً وَجِدَا
مُتقرطاً أذنا تَعيزَجرَ العسوفِ إِذَا تَعدّى
خَرقاء لَا يجد السرَارإِذا تَوَلَّجَهَا مَردّا
أوطأته صرعى بسيفيوَاجتنيتُ وِصال سَعُدَي
مَلك رَأى الإِحسانَ مِنْعُدَدِ النَّوائبِ فَاستْعدّا
كَافِي الكُفاةِ إِذا انثنتْمُقلُ القنا الخطَّارِ رُمدَا
تَكسوهُ نَشَر العرفِ كَفٌّمنْ جُفونِ الطَّلِّ أنْدَى
(لَا زْلتَ يَا أملَ العفاة لفارطِ الإِملاقِ وِردّا)
فَالقَ اللَّيالِي لابساًعَيشاً بَرودَ الظِّلِّ رغدا) // الْكَامِل //
فاستحسنها الصاحب وَلَام الطاعن عَلَيْهِ على كذبه وادعائه أَنه انتحل شعر غَيره فَقَالَ يَا مَوْلَانَا هَذَا وَالله مَعَه سِتُّونَ فيلية كلهَا على هَذَا الْوَزْن لِابْنِ نباتة فَضَحِك مِنْهُ
وَكَانَ الصاحب قد برز أمره لِابْنِ بابك وَغَيره من الشُّعَرَاء الَّذين بِحَضْرَتِهِ أَن يصفوا الْفِيل على هَذَا الْوَزْن فَمن قصيدة لأبي الْحسن الْجَوْهَرِي
يَزهو بِخُرْطومٍ كَمثلِالصَّولجانِ يردّ رَدّا
متمدد كالأفعوانتَمدُّهُ الرّمضاء مدَّا
أَوْ كمِّ رَاقصةٍ تُشيرُبهِ إِلَى الندْمانِ وَجدَا
وكأنهُ بوق يحركهلينفح فيهِ جدّا
يَسطو بِصارِمَتي لحيّيحطمان الصخر هدّا
أذُناهُ مِروحتانِ أسندتاإِلَى الفودينِ غمدا
عَيناه غائرتانِ ضيقتالجمع الضّوء عمدَا
وَمن قصيدة لأبي مُحَمَّد الخازن
وَكأنما خُرطومهُرَاووُق خَمر مدّمدّا
أوْ مثلُ كمٍّ مُسبلٍأرْخته لِلّتوديع سُعدَى
وَإِذا التوى فَكأنه الثعبانُمنْ جَبلٍ تَردَّى
وَكأنما انْقلبتْ عَصامُوسى غَداة بهَا تحدَّى
وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة بِبَغْدَاد رَحمَه الله تَعَالَى
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع