من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْفَنّ الأول وَهُوَ علم الْمعَانِي
جَاءَ شَقِيق عارضا رُمْحَهُإِنَّ بَنِي عمك فيهم رماح
الْبَيْت لحجل بن نَضْلَة من السَّرِيع وَبعده
هَلْ أحدْثَ الدّهرُ لنَا ذِلَّةًأَمْ هَلْ رَمتْ أُمُّ شَقيقٍ سلَاح) // السَّرِيع //
شَقِيق هُنَا اسْم رجل
وَالْمعْنَى جَاءَ هَذَا الرجل وَاضِعا رمحه عرضا مفتخراً بتصريف الرماح مدلاً بشجاعته دَالا ذَلِك على إعجاب شَدِيد مِنْهُ واعتقادٍ بِأَنَّهُ لَا يقوم إِلَيْهِ أحد من بني أَعْمَامه كَأَنَّهُمْ كلهم عزلٌ لَيْسَ مَعَ أحد مِنْهُم رمح فَقيل لَهُ تنكب وخل لَهُم طريقهم لِئَلَّا تتزاحم عَلَيْك رماحهم وتتراكم عَلَيْك أسنتها إِن بني عمك فيهم رماح كَثِيرَة
وَالشَّاهِد فِيهِ تَنْزِيل غير الْمُنكر للشَّيْء منزلَة الْمُنكر لَهُ إِذا ظهر عَلَيْهِ شَيْء من أَمَارَات الْإِنْكَار وَقد تقدم مَعْنَاهُ
وَمَا أحسن قَول ابْن جَابر الأندلسي مُشِيرا إِلَى شطر الْبَيْت الأول
سَامحَ بالوَصلِ عَلى بُخلهِوقالَ لِي أنْتَ بِوصلِيَ حَقيقْ
فَقلتُ مَا رَأيكَ فيِ نُزهةٍمَا بَينَ كَاسَاتٍ وَروضٍ أَنِيقْ
فَقالَ يَعني خَدَّه واللَّماهَذَا هُوَ الرَّوضُ وَهَذَا الرَّحيقْ
فَبتُّ مِنْ دَمعي وَمِنْ خَدِّهمَا بينَ نُعمانَ وَبَين العقيق
وَإِذ تَدللَّتُ عَلى حُبِّهِفَقال مَا تَخشى أمَا تَستفيقْ
قَدِّي وَخَدِّي خَفْهمَا يَا فَتىهَذَا هُوّ الرُّمُح وَهذا شَقيقْ) // السَّرِيع //
وَقد ضمنه أَبُو جَعْفَر الأندلسي أَيْضا فَقَالَ
أَبدَتْ لنا الصُّدْغَ على خدِّهافأطْلَعَ الليلُ لنا صبحَهُ
فخدها مَعْ قدِّها قَائِلهذَا شَقِيق عَارض رمحه) // السَّرِيع //
وَقد ضمنه ابْن الوردي أَيْضا فَقَالَ
لما رأى الزَّهرُ الشقيقَ انثنىمُنهزماً لم يَستطعْ لَمْحَهُ
وَقَالَ مَنْ جَاءَ فقُلنا لهُجاءَ شَقِيق عارضا رمحه) // السَّرِيع //
وَأما حجل بن نَضْلَة فَهُوَ أحد بني عَمْرو بن عبد قيس بن معن بن أعصر
أشَابَ الصّغيرَ وأفْنَى الكَبيرَكَرُّ الْغَداةِ ومَرُّ العَشِيّ
الْبَيْت للصلتان الْعَبْدي الحماسي من قصيدة من المتقارب وَنسب الْحَافِظ فِي كتاب الْحَيَوَان هَذِه الأبيات للصلتان السَّعْدِيّ وَقَالَ هُوَ غير الصلتان الْعَبْدي وَبعد الْبَيْت
إِذا لَيلةٌ أهرَمت يَوْمهاأَتَى بعدَ ذلكَ يَوْم فَتى
نرُوحُ ونغدو لحاجاتناوحاجةُ مَنْ عَاشَ لَا تَنْقَضِي
تموتُ معَ الْمرء حاجاتُهُوتَبْقَى لَهُ حاجةٌ مَا بَقِي
إِذا قُلتَ يَوْمًا لمنْ قدْ تَرَىأَرُوني السَّريَّ أرَوكَ الْغنى
بُنيَّ بداخِبُّ نجْوَى الرِّجالفكنْ عنْدَ سرِّك خبَّ النجي
فسرُّك مَا كَانَ عِنْد امرئٍوسرُّ الثلاثةِ غيرُ الْخَفي
فَكُنْ كَابْن لَيلٍ على أسْودٍإِذا مَا سَوادٌ بِلَيْلٍ خشِي
فكلُّ سوادٍ وَإِن هِبْتهمن اللَّيْل يُخْشى كَمَا تختشي
أرد مُحكم الشّعْر وَإِن قُلْتهفإنّ الْكَلَام كثيرُ الروي
كَمَا الصمت أدنى لبَعض اللَّسانوَبعض التكَلُّم أدنى لعي) // المتقارب //
وَمعنى الْبَيْت أَن كرور الْأَيَّام ومرور اللَّيَالِي يَجْعَل الصَّغِير كَبِيرا والطفل شائباً وَالشَّيْخ فانياً
وَالشَّاهِد فِيهِ حمل إِسْنَاد الافناء إِلَى كرور الْأَيَّام ومرور اللَّيَالِي على الْحَقِيقَة لكَون إِسْنَاده إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم فِي الظَّاهِر
والصلتان الْعَبْدي هُوَ قثم بن خبية بن عبد الْقَيْس وَهُوَ شَاعِر مَشْهُور قيل لَهُ اقْضِ بَين جرير والفرزدق فَقَالَ
أَنا الصَّلتانُ الَّذْ بهِ قَدْ عَلمْتُمومَتى مَا يُحكَّمْ فَهُوَ بالْحَقِّ صادعُ
أَتَتني تَمِيم حِينَ هابتْ قُضاتُهاوَإِنِّي لبِالفَصل المُبيِّن قاطعُ
كَمَا أنفَذَ الأعْشى قَضيّة عامِروَمَا لتميم فِي قَضائي رَواجعُ
سَأقضي قَضاءَ بَينهُمْ غيْرَ جَائِرفَهلْ أنْتَ للْحكم المُبيِّن سامعُ
قَضَاء امرىء لَا يتَّقي الشتمَ منْهمُوليْسَ لَهُ فِي المدْح مِنْهُم منافعُ
فَإن كُنتما حكَّمتُماني فأنصتَاوَلَا تَجزعا ولَيرضَ بالحقِّ قَانِع
فَإِن يستويك بحْرُ الحَنظليين وَاحِدًافَمَا تَستوي حيتانُهُ والضفادعُ
وَمَا يَستوي صَدْرُ القناةِ وزُجُّهَاوَمَا يَستوي شُمُّ الذرى والأرجاع
وَلَيْسَ الذبابي كالقُدَامي وَريشِهِوَما تَستوي فِي الكفِّ مِنْك الأصابعُ
أَلَا إِنما تحظى كليبٌ بِشعرهاوَبالمجدِ تحظى دَارمٌ والأقارعُ
أرى الخطفى الفرزدقَ شعرهوَلكنْ خيرا من كليبٍ مُجاشُعُ
فَيا شَاعِرًا لَا شاعرَ اليومَ مِثلهُجَريرٌ وَلكنْ فِي كليبٍ تواضعُ
وَيرفعُ منْ شِعر الْفرزدقِ أَنهلَهُ باذخٌ لِذي الخسيسةِ رافعُ
وَقدْ يُحمدُ السّيفُ الرَّديء بغمدِهوَتلقاهُ رَثَّا جَفنُهُ وهَوَ قَاطع
يُناشدني النصرَ الفرزدقُ بَعدماأناختْ عَليهِ منْ جَريرٍ صَواقعُ
فَقلتُ لَهُ إِنِّي ونَصرَكَ كالذِييُثبِّتُ أنفًا كشمته الجوادع) // الطَّوِيل //
وَفِي ذَلِك يَقُول جرير رَحمَه الله تَعَالَى
أَقولُ وَلم أملك سَوابقَ عَبرةٍمَتى كانَ حكم الله فِي كَرب النَّخْلِ
مَيَّزَ عَنْه قُنْزُعاً عَنْ قُنْزُعِجَذْبُ اللَّيَالِي أبطئ أوْ أسْرعي
(أفْنَاهُ قِيلُ اللهِ للشَّمْسِ اطْلُعِي ...)
هَذِه الأبيات لأبي النَّجْم الْعجلِيّ من قصيدة من الرجز أَولهَا
قدْ أَصبَحت أم الْخِيَار تَدعِيعَليّ ذَنبا كُله لم أصنع
(من أَن رَأَتْ رَأْسِي كرأس الأصلع) // الرجز //
وَبعده الأبيات وَبعدهَا
(حَتَّى إذَا وَاراكِ أفقٌ فارجعي)
والقنزعة الْخصْلَة من الشّعْر تتْرك على رَأس الصَّبِي أَو هِيَ مَا ارْتَفع من الشّعْر وَطَالَ أَو الشّعْر حوالي الرَّأْس وَجَمعهَا قنازع وقنزعات وجذب اللَّيَالِي هُوَ مضيها واختلافها وَيُقَال جذب الشَّهْر إِذا مضى عامته وأبطئ أَو أرعى أسرعي صفة اللَّيَالِي أَي الْمَقُول فِيهَا أبطىء أَو أسراعي وَقيل حَال مِنْهَا أَي اللَّيَالِي مقولاً فِيهَا أبطئ أَو أسرعي والصلع انحسار شعر مقدم الرَّأْس لنُقْصَان مَادَّة الشّعْر فِي تِلْكَ الْبقْعَة وقصورها عَنهُ واستيلاء الْجَفَاف عَلَيْهَا ولتطامن الدِّمَاغ عَمَّا يماسه من القحف فَلَا يسْقِيه سقيه إِيَّاه وَهُوَ ملاق لَهُ والمواراة السّتْر
وَمعنى الأبيات أَن هَذِه الحبيبة يَعْنِي أم الْخِيَار زَوجته أَصبَحت تَدعِي عَليّ ذنوباً لم أرتكب شَيْئا مِنْهَا لرؤيتها رَأْسِي كرأس الأصلع لكبري وشيخوختي ميز وَفصل مر الْأَيَّام ومضي اللَّيَالِي الشّعْر الَّذِي بَقِي حوالي الرَّأْس وجوانبه ثمَّ قَالَ أفناه قيل الله وَأمره للشمس بالطلوع والغروب
وَالشَّاهِد فِيهَا هُوَ أَن حمل إِسْنَاد تَمْيِيز الشّعْر إِلَى جذب اللَّيَالِي مجَاز بِقَرِينَة قَوْله أفناه إِلَى آخِره
وَأَبُو النَّجْم تقدم التَّعْرِيف بِهِ فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
يَزيدُكَ وَجْهُهُ حسناإِذا مَا زِدْتَهُ نَظَرَا
الْبَيْت لأبي نواس من قصيدة من الوافر يهجو فِيهَا الْأَعْرَاب والأعرابيات ويذم عيشهم وأولها
دَع الرَّسْم الَّذِي دثَرايُقاسي الرِّيحَ والمطرَا
وَكُن رجلا أضاع الْعرضفِي اللذَّاتِ والخَطَرا
ألمْ تَرَ مَا بنى كسْرَىوسابور لمن غَبَرَا
مَنازل بَين دِجْلةوالفُرَات أحَفَّهَا شَجرا
بِأرضِ باعَدَ الرحمنُعَنها الطَّلحُ والعُشَرَا
وَلم يَجْعَل مصاينهايَرابِيعاً وَلَا وَحَرَا
وَلكن حُورَ غِزلانٍتُراعى بالمَلَا بَقرَا
وَإِن شيئنا أحشَنا الطيرَمن حافاتها زمرا) // الوافر //
إِلَى أَن قَالَ
أما وَالله لَا أشَرَاحَلفتُ بِهِ وَلا بطرَا
لَو أَن مُرقَّشاً حَيُّتعلقَ قَلبهُ ذكرَا
كَأَن ثِيابهُ أطلَعنَمن أزْرارِه قَمَرا
ومَرّ بِهِ بِدِيوانِ الْخَراجِمُضمخاً عَطرا
بِوَجهٍ سَابريّ لَوتَصوَّبَ ماؤْه قَطرا
وقَدْ خَطّتْ حَوَاضنهلَهُ من عَنبرِ طُررا
بِعين خَالطَ التَّفتيرُفِي أجْفانها حَوَرا
يزيدكَ وجهْهُ حسناإِذا مَا زدتَهُ نَظرا
لأيْقَنَ أَن حب المرديُلفي سهَلهُ وَعَرا
وَلَا سِيَمَا وَبعضهُمإِذا حَييتُه انتهرا) // الوافر //
وَالْمعْنَى فِي الْبَيْت أَن وَجهه لما فِيهِ من نِهَايَة الْحسن وَغَايَة الْكَمَال كلما كررت النّظر فِيهِ زَاده الله عنْدك حسنا وبهاء مَعَ أَن تكْرَار النّظر إِلَى الشَّيْء قَلما يحلو
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الآخر
كُلمَا زِدتَ إليهِ نَظراًزَاد حُسناً عِنَد تَكرارِ النّظَرْ) // الرمل //
وَقَول ابْن الرُّومِي
لَا شَيْء إِلَّا وَفِيه أحسَنُهُفالْعيْن مِنهُ إِلَيْهِ تَنتقلُ
فَوَائد الْعين فيهِ طارفةٌكَأَنَّمَا أخرياتُها أول) // المنسرح //
وَقَول المتنبي
(وَهُوَ المُضاعَفُ حُسنُهُ إِن كررا ...) // الْكَامِل //
وَقَول عَبدُوس المغربي
يَا غزالاً وهِلَالاًخُلِقَاً خَلْقاً عجيبا
وقَضيباً وكثيباًجَمَعا قدّاً غريبَا
قَدْ غضضنا دُونك الألحاظخوفًا أَن تذُوبَا
كُلما زدْناكَ لَحْظاًزِدتنَا حُسناً وطيبا) // من مجزوء الرمل //
وَقَول ابْن الخيمي
مَا يَنتهي نَظري مِنْهُم إِلَى رُتَبٍفِي الْحسن إِلَّا ولَاحتْ فَوقها رُتبُ) // الْبَسِيط //
وَقَول قوام الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الطراح
وَعْدُكَ لَا يَنقضي لهُ أمَدُوَلَا لِليلِ المِطالِ مِنكَ غَدُ
عَللتني بِالْمنا غَدا فغداًإنَّ غَدا سَرمداً هُوَ الأبدُ
تَضحكُ عَنْ وَاضحٍ مُقبَّلهُعَذْبٌ بَرودٌ كأنَّهُ البَرَدُ
أحومُ مِنْ حَوْلهِ وَبي ظَمأإِلَى جَنيَ رِيقهِ وَلَا أرِدُ
وَكلما زِدتُ وَجههُ نَظراًبَدَتْ عَليهِ مَحاسنٌ جدُدُ) // المنسرح //
وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن الْمُطَرز
يَا حبيباً كلهُ حَسنٌلمحبٍّ كلهُ نَظرُ
وَجههُ مِنْ كلِّ ناحيةٍحَيثما قابلته قمر) // المديد //
وَمن ظريف مَا يذكر هُنَا أَن يَعْقُوب بن الدقاق مستملي أبي نصر صَاحب الْأَصْمَعِي قَالَ كُنَّا يَوْم جُمُعَة بقبة الشُّعَرَاء فِي رحبة مَسْجِد الْمَنْصُور نتناشد وَكنت أعلاهم صَوتا إِذْ صَاح بِي صائح من ورائي يَا منتوف فتغافلت كَأَنِّي لم أسمع شَيْئا فَقَالَ وَيلك يَا أعمى يَا أعمى لم لَا تَتَكَلَّم فَقلت من هَذَا فَقَالُوا أَبُو دانق الموسوس فَالْتَفت إِلَيْهِ فَقَالَ وَيلك هَل تعرف أحسن من هَذَا الْبَيْت أَو أشعر من قَائِله وَهُوَ
مَا تَنظرُ العَينُ مِنهُ نَاحيَةإِلَّا أقامتْ مِنهُ على حسن) // المنسرح //
فَقلت كالمحاجر لَهُ لَا فَقَالَ لَا أم لَك هلا قلت نعم قَوْله
يزيدك وَجهه حسناإِذا مَا زِدْته نظرا) // من مجزوء الوافر //
ثمَّ وثب وثبة فَجَلَسَ إِلَى جَانِبي وَأَقْبل عَليّ وَقَالَ لي يَا أعمى صف لي صُورَتك السَّاعَة وَإِلَّا أخرجتك من بزتك ثمَّ أقبل عَليّ من كَانَ حَاضرا فَقَالَ ظلمناه ظلمناه وَهُوَ ضَرِير لم ير وَجهه فَمن أحسن منا أَن يصفه فليصفه وَكَانَ على الْحَقِيقَة أقبح النَّاس وَجها وَكَانَ يحلق شعر رَأسه وَشعر لحيته وَشعر حاجبيه ويدهن قَالَ فَلم يتَكَلَّم أحد فَقَالَ اكتبوا صفته فِي رَأسه وَأنْشد
أُشَبِّهُ رَأَسَهُ لَولَا وجاربِعَيْنيهِ ونضنضة اللِّسَان
بأضحم قَرعةٍ عظَمتْ وَتمْتفَليسَ لَهَا لَدى التَّمْيِيز ثانِ
إِذا عليت أسَافلها أمَالتْدَعائمَ رَأَسِها نَحو اللَّبَانِ
فكانَ لَهَا مكانَ الجيدِ مِنهاإِذا اتَّصلتْ بمُمسِكة الجرانِ
لَهَا فِي كل شَارِقَةٍ وَبيضٌكَأَن بريقَها لمع الدِّهانِ
فَلَا سُلِّمْتَ من حَذَري وخوفيمَتى سَلِمَتْ صَفاتُكَ من بنانى) // الوافر //
ووثب إِلَيّ فحالت الْأَيْدِي بيني وَبَينه
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت معرفَة حَقِيقَة الْمجَاز الْعقلِيّ الْخفية الَّتِي لَا تظهر إِلَّا بعد نظر وَتَأمل
وَمثله قَول مُحَمَّد اليزيدي
أتَيتُكَ عائذاً بك مِنْكلمّا ضَاقَتِ الحِيَلُ
وصير ني هواكَ وَبِيلَِحْيِني يُضرَبُ المثَلُ
فَإِن سَلِمَتْ لكم نَفسيفَمَا لاقيتُهُ جَلَلُ
وَإِن قتل الْهوى رجلافَإِنِّي ذَلِك الرجل) // من مجزوء الوافر //
أَي صيرني الله بهواك وحالي هَذِه وَهِي أَن يضْرب الْمثل بِي لحيني أَي أهلكني الله ابتلاءً بِسَبَب هَوَاك
وَالْبَيْت الْأَخير مَأْخُوذ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
مَتى مَا تَسمعي بِقتيِل أَرضأُصيبَ فإنني ذَاك القتيلُ
وَأَبُو نواس هُوَ أَبُو عَليّ الْحسن بن هَانِئ بن عبد الأول بن الصَّباح الْحكمِي الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَ جده مولى الْجراح بن عبد الله الْحكمِي وَالِي خُرَاسَان ونسبته إِلَيْهِ قيل إِنَّه ولد بِالْبَصْرَةِ وَنَشَأ بهَا ثمَّ خرج إِلَى الْكُوفَة مَعَ والبة بن الْحباب ثمَّ صَار إِلَى بَغْدَاد وَقيل إِنَّه ولد بالأهواز وَقيل إِنَّه ولد بكورة من كورخوزستان فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَنقل إِلَى الْبَصْرَة فَنَشَأَ بهَا ثمَّ انْتقل إِلَى بَغْدَاد وَقد زَاد سنة على الثَّلَاثِينَ وَلم يلْحق بهَا أحدا من الْخُلَفَاء قبل الرشيد وَكَانَ أول مَا قَالَه من الشّعْر وَهُوَ صبي قَوْله
حَامِلُ الهَوَى تَعِبُيَستخِفُّهُ الطَّربُ
إِنْ بَكَى يحقَ لَهُلَيسَ مَا بهِ لَعِبُ
تَضحكينَ لاهيةًوَالمحبُّ يَنتحِبُ
كُلَّما انْقَضى سَببٌمنكِ جَاءَنِي سَببُ
تَعْجَبينَ مِنْ سَقَميصِحَّتِي هِيَ العجبُ) // المقتضب //
وَهِي أَبْيَات مَشْهُورَة
وَرُوِيَ أَن الخصيب صَاحب مصر سَأَلَ أَبَا نواس عَن نسبه فَقَالَ أغناني أدبي عَن نسبي
وَمَا زَالَ الْعلمَاء والأشراف يروون شعر أبي نواس ويتفكهون بِهِ ويفضلونه على أشعار القدماء
قَالَ مُحَمَّد بن دَاوُد الْجراح كَانَ أَبُو نواس من أَجود النَّاس بديهةً وأرقهم حَاشِيَة لسناً بالشعر يَقُوله فِي كل حَال والردى من شعره مَا حفظ عَنهُ فِي سكره
قَالَ الجاحظ لَا أعرف بعد بشار مولداً أشعر من أبي نواس وَقَالَ الْأَصْمَعِي مَا أروي لأحد من أهل الزَّمَان مَا أرويه لأبي نواس وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة أَبُو نواس للمحدثين كامرئ الْقَيْس للأولين لِأَنَّهُ الَّذِي فتح لَهُم بَاب هَذِه الفطن ودلهم على هَذِه الْمعَانِي وَقَالَ ذهبت الْيمن بجد الشّعْر وهزله فامرؤ الْقَيْس بجده وَأَبُو نواس بهزله وَقَالَ أَبُو الْحسن الطوسي شعراء الْيمن ثَلَاثَة امْرُؤ الْقَيْس وَحسان وَأَبُو نواس
وَكَانَ لخلف الْأَحْمَر وَلَاء فِي الْيمن فِي الأشاعرة وَكَانَ عصبياً وَكَانَ من أميل خلق الله إِلَى أبي نواس وَهُوَ الَّذِي كناه بِهَذِهِ الكنية لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَنْت من أهل الْيمن فتكن باسم من أسامي الذوين ثمَّ أحصى لَهُ أَسْمَاءَهُم وخيره فَقَالَ ذُو جدن وَذُو كلال وَذُو يزن وَذُو كلاع وَذُو نواس فَاخْتَارَ ذَا نواس فكناه أَبَا نواس فسارت لَهُ وعلبت على أبي عَليّ كنيته الأولى
وَكَانَ أَبُو نواس يُعجبهُ شعر النَّابِغَة ويفضله على زُهَيْر تَفْضِيلًا شَدِيدا ثمَّ يَقُول الْأَعْشَى لَيْسَ مثلهمَا وَكَانَ يتعصب لجرير على الفرزدق وَيَقُول هُوَ أشعر ويأتم ببشار وَيَقُول هُوَ غزير الشّعْر كثير الافتنان وَيَقُول أدمنت قِرَاءَة شعر الْكُمَيْت فَوجدت قشعريرة ثمَّ قَرَأت شعر الخريمي فتشققت عَليّ حمى مبردة
ثمَّ قَالَ يَوْمًا شعري أشبه بِشعر جرير فَقيل لَهُ فَمَا تَقول فِي الأخطل قَالَ إمامي فِي الْخمر فَقيل الفرزدق قَالَ ذَاك الْأَب الْأَكْبَر
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي قد ختمت بِشعر أبي نواس فَمَا رويت لشاعر بعده
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ لَوْلَا مَا أَخذ فِيهِ أَبُو نواس من الأرفاث لاحتججنا بِشعرِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُحكم القَوْل لَا يخلط
وَقَالَ ابْن دُرَيْد سَأَلت أَبَا حَاتِم عَن أبي نواس فَقَالَ إِن جد حسن وَإِن هزل ظرف وَإِن وصف بَالغ يلقِي الْكَلَام على عواهنه لَا يُبَالِي من حَيْثُ أَخذه
وَقَالَ أَبُو الْغَيْث بن البحتري سَأَلت أبي لما حَضرته الْوَفَاة من أشعر النَّاس فَقَالَ اعن الْمُتَقَدِّمين تسال أم عَن الْمُحدثين فَقلت عَن الْمُحدثين فَقَالَ يَا بني لَو قسم إِحْسَان أبي نواس على جَمِيع النَّاس لوسعهم وَإِن لأشجع السّلمِيّ لإحساناً وَمَا علم الشُّعَرَاء أكل الْخبز بالشعر إِلَّا أَبُو تَمام فَقلت لَهُ أَنْت أشعر أم أَبُو تَمام فَقَالَ سَأَلت عَمَّا لَا يزَال يسال عَنهُ جيد أبي تَمام خير من جيدي وردئيي خير من رديئه
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي بعث إِلَيّ الْمَأْمُون فسرت إِلَيْهِ وَهُوَ مَعَ يحيى بن أَكْثَم يطوفان فِي حديقة فَلَمَّا نظر أَنِّي ولياني ظهورهما فَجَلَست فَلَمَّا أَقبلَا قُمْت فَقَالَ الْمَأْمُون يَا مُحَمَّد بن زِيَاد من أشعر الشُّعَرَاء فِي نعت الْخمر فَجعلت أنْشدهُ للأعشى وَقلت هُوَ الَّذِي يَقُول
تريك القَذَى من دونهَا وَهِي فوقهُإِذا ذَاقها من ذاقها يتمطق) // الطَّوِيل //
ثمَّ أنشدته للأخطل فَلم يحفل بِشَيْء مِمَّا أنشدته ثمَّ قَالَ يَا ابْن زِيَاد اشعر النَّاس فِي نعتها الَّذِي يَقُول
فتمشت فِي مفاصلهمكتمشي الْبُرْء فِي السَّقمِ
فَعلتْ فِي اللّب إِذْ مزجتمِثلَ فِعلِ النَّار فِي الظُّلم
فاهتدى ساري الظلام بهَاكاهتداء السَّفْرِ بالعَلَم) // المديد //
وَعَن عَمْرو بن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ جَاءَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَمُسلم وَأَبُو نواس إِلَى أبي فأنشده أَبُو الْعَتَاهِيَة
وعَظّتْكَ أجْداثٌ صْمُتْونعتك أزمته خُفُتْ
وأرَتك قَبرَكَ فِي القُبوروأنْتَ حيّ لم تمت
وتَكلَّمت عَن أعين تَبْلىوَعَن صُوَر شتت
وحَكَتْ لَك السَّاعَات سَاعَاتأتيات بَغت) // الْكَامِل //
وأنشده شعرًا آخر يَقُول فِيهِ
على سرعَة الشَّمْس فِي مرهادَبِيب الخلوقة فِي الْجدّة) // المتقارب //
قَالَ وَانْصَرفُوا فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام عَاد إِلَيْهِ مُسلم وَأَبُو نواس فأنشده مُسلم
(أجررت حَبل خليع فِي الصِّبَا غزل ...) // الْبَسِيط //
حَتَّى بلغ قَوْله
ينَال بالرفق مَا يَعيا الرِّجالُ بِهكالموت مستعجلا يَأْتِي على مَهل
فَقَالَ أَبُو عَمْرو أَحْسَنت إِلَّا أَنَّك أخذت قَول أبي الْعَتَاهِيَة
وحكت لَك السَّاعَات سَاعَاتأتيات بَغت
قَالَ ثمَّ أنْشدهُ أَبُو نواس قَوْله
(يَا شَقِيق النَّفس من حكم ...) // المديد //
إِلَى أَن بلغ إِلَى قَوْله
فَتمشتْ فِي مفاصلهمكتمشي الْبُرْء فِي السقم
قَالَ لَهُ أَحْسَنت إِلَّا أَنَّك أَخَذته أَيْضا من قَول أبي الْعَتَاهِيَة
على سرعَة الشَّمْس فِي مرهادَبِيب الخلوقة فِي الجِدةِ
وَقد ذكر بعض أهل الْعلم أَن بَيت أبي نواس هَذَا مَأْخُوذ من قَول بعض
الهذليين يصف قانصاً ظفر بصيد بِسُرْعَة مَشى
فتمشى لَا يحس بِهكَتمشِّي النّارِ فِي الضرم) // المديد //
وَيُقَال إِن أَبَا نواس أنْشد بَيته هَذَا بعض الشُّعَرَاء فَقَالَ لَهُ أما كَفاك أَن سرقت حَتَّى أحلّت فَقَالَ وَمن أَيْن سرقت فأنشده بَيت الْهُذلِيّ فَقَالَ كَيفَ أحلّت فَقَالَ بِقَوْلِك كتمشي الْبُرْء فِي السقم وهما جَمِيعًا عرضان وَالْعرض لَا يدْخل على الْعرض فَانْقَطع أَبُو نواس ثمَّ غير بَيته بعد ذَلِك بِأَن قَالَ
(كتمشي النَّار فِي الفَحَمِ ...)
وَهَذَا بَيت الْهُذلِيّ بِعَيْنِه وَمَعْنَاهُ
وَعَن الْأَصْمَعِي أَن أَبَا نواس سرق بَيته من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
تجْرِي محبتها فِي قَلبِ وَامقهاجَرَىَ السَّلامَة أَعْضَاء منتكس) // الْبَسِيط //
وَهُوَ أَخذه من قَول عمر بن أبي ربيعَة حَيْثُ يَقُول
لَقدْ دَبَّ الهوَى لَك فِي فؤادِيدَبيبَ دَم الحياةِ إِلَى الْعُرُوق) // الوافر //
وَهُوَ أَخذه من قَول بعض العدويين حَيْثُ يَقُول
وأُشْربَ قَلبي حُبها وَمشى بِهِكمشي حُمَيّاً الكأسِ فِي عَقلِ شَارب
ودَبّ هَواها فِي عِظامي وَحُبُّهَاكَمَا دَبَ فِي الملسوعِ سُم العقارب) // الطَّوِيل //
وَهُوَ أَخذه من أَسْقُف نَجْرَان حَيْثُ يَقُول
منع الْبَقَاء ثَقَلُّبُ الشَّمْسوطلوعها من حَيْثُ لَا تمسي
وَطلوعها حَمراء صَافِيَةوَغروبها صَفراء كالورسِ
تجْرِي على كبد السَّمَاء كَمَايجْرِي حمام الْمَوْت فِي النَّفس) // الْكَامِل //
ذكرت بِهَذِهِ الأبيات مَا قَالَ الْأَعْشَى وَهُوَ أعشى قيس فِي سَكرَان
فَراحَ ملسا كأنّ الذُّبابَيَدِبُّ على كلِّ عُضوٍ دَبيبا) // المتقارب //
وَقد أَخذ أَبُو الشيص قَول عمر بن أبي ربيعَة فَقَالَ
لَقدْ جَرى الحُبُّ مِنيمَجرَى دَمي فِي عروقي) // المجتث // وَأَخذه أَبُو الطّيب فَقَالَ
جَرَى حُبها مَجرَى دَمى فِي مَفاصليفأصبحَ لي عَنْ كلِّ شُغلٍ بهَا شغل) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَبُو الْفرج بن هندو
فَتمشتْ فِي قْلبيَ المْهمومِكتَمشَّي الدِّرياقِ فِي المسموم) // الْخَفِيف //
وأتى عبد الله بن الْحجَّاج بِهَذَا الْمَعْنى من غير تَشْبِيه فَقَالَ
فَبِتُّ أسَقَّاها سُلافاً مُدامَةًلهَا فِي عِظام الشَّاربين دَبيبُ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
وَفي الظّعائنِ مَهضومُ الحَشا غَنِجٌيَخطو بأعطْافِ كَسلان الخُطا ثَملِ
ظَبيٌ مَشيَ الوردُ مِنْ لحظي بوجنتهِمَشْيَ اللواحظِ مِنْ عينيهِ فِي أجلى) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَوْلَا أَن الْعَامَّة ابتذلت هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما لأبي نواس لكتبتهما بِالذَّهَب وهما قَوْله
وَلوْ أنيِّ استزدتك فَوقَ مَا بيِمنَ الْبلوى لأعْجزَكَ الْمزيدُ
وَلو عُرِضَتْ عَلَى المَوْتَى حَياةٌبِعيشٍ مِثْلِ عيشي لم يُرِيدُوا) // الوافر //
وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول لَو وصفت الدُّنْيَا نَفسهَا لما وصفت بِمثل قَول أبي نواس
ألَا كلُّ حيٍّ هَالكٌ وابْنُ هالكٍوَذُو نسب فِي الْهالكين عَريقِ
إِذا متحن الدُّنيا لَبيبٌ تَكشَّفَتْلهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيابِ صَديِقِ) // الطَّوِيل //
وَالْبَيْت الأول ينظر إِلَى قَول امْرِئ الْقَيْس
فَبعضَ اللَّومِ عَاذِلتي فإِنِّيسَيكفيني التَّجاربُ وَانْتسَابي
إِلى عِرْقِ الثرى وَشجَتْ عُرُوقيوَهذا الْموتُ يَسلبني شَبَابِي) // الوافر //
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة لرجل من أهل الْبَصْرَة أَنْشدني لأبي نواسكم فَأَنْشد
مَا هَوى إلَاّ لَهُ سَبَبيَبتدِى مِنهُ وَينشعبُ) // المديد //
فَقَالَ سُفْيَان آمَنت بِاللَّه الَّذِي خلقه
وَاجْتمعَ أَبُو نواس مَعَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف فِي مجْلِس فَقَامَ الْعَبَّاس فِي حَاجَة فَسئلَ أَبُو نواس عَن رَأْيه فِيهِ وَفِي شعره فَقَالَ لَهو أرق من الْوَهم وأنفذ من الْفَهم وأمضي من السهْم ثمَّ عَاد الْعَبَّاس وَقَامَ أَبُو نواس كَذَلِك فَسئلَ الْعَبَّاس عَنهُ وَعَن رَأْيه فِيهِ وَفِي شعره فَقَالَ إِنَّه لأقر للعين من وصل بعد هجر ووفاء بعد غدر وإنجاز وعد بعد يأس فَلَمَّا صَارا إِلَى النَّبِيذ أعلم كل وَاحِد قَول الآخر فِيهِ فَقَالَ أَبُو نواس
إِذَا ارْتدتَ فَتى الْكاسفَلا تَعدلْ بِعباس
فَنعَم المرْءُ إنْ أرْضعتَيَوماً درة الكاس) // الهزج //
فَقَالَ الْعَبَّاس
إِذَا نازعتَ صَفَو الكاس يَوماًأخاثقةٍ فَمثلَ أبي نُواس
فَتى يَشتدُّ حَبلُ الوُدّ مِنهُإِذا مَا خُلَّةٌ رَثتْ لناس) // الوافر //
فَتَنَاول أَبُو نواس قدحا وَقَالَ
أَبا الفضلِ اشربنْ كاسكْفإِني شاربٌ كاسى) // الهزج //
فَقَالَ الْعَبَّاس
نَعمْ يَا أوْحد النّاسعلى العينينِ والراس
فَقَالَ أَبُو نواس
فَقَدْ حُفَّ لنا المجلسُبالنِّسرين والآسِ
فَقَالَ الْعَبَّاس
وَإخوانٍ بَهاليلَسَراةٍ سَادة الناسِ
فَقَالَ أَبُو نواس
وَخَوْدٍ لذِة المسموعمِثْلِ الغُصُنِ الكاسِي
فَقَالَ الْعَبَّاس
وقَدْ ألبسها الرَّحْمَنأحْسنِ إِلباس
فَقَالَ أَبُو نواس
وَقد زِينَتْ بإكليلِيَواقيتَ على الرَّأْس
فَقَالَ الْعَبَّاس
فَلَا تَحْبِسْ أخي كاسيفإِني غْيرُ حبَّاس
فَكَانَ مَا نسي من معارضتهما فِي ذَلِك الْمجْلس أَكثر مِمَّا حفظ إِلَّا أَنه انْصَرف الْعَبَّاس وَبَقِي أَبُو نواس فَسئلَ عَن العتابي وَالْعَبَّاس فَقَالَ العتابي يتَكَلَّف وَالْعَبَّاس يتدقق طبعا وَكَلَام هَذَا سهل عذب وَكَلَام ذَاك متدقق كزٌّ وَفِي شعر هَذَا مَاء ورقة وحلاوة وَفِي شعر ذَاك جساوة وفظاظه
وَكَانَ لأبي نواس مَعَ أهل عصره مناقضات ومعارضات يطول شرحها فنورد
مِنْهَا مَا خف ذكره
حضر أَبُو نواس مَعَ جمَاعَة سطحاً عَالِيا يطْلبُونَ هِلَال الْفطر وَكَانَ سُلَيْمَان ابْن أبي سهل فِي عينه سوء فَقَامَ أَبُو نواس بإزائه ثمَّ قَالَ يَا أَبَا أَيُّوب كَيفَ ترى الْهلَال من بعد وَأَنت لَا تراني من قرب فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان قد رَأَيْتُك تمشي الْقَهْقَرِي حَتَّى تدخل فِي رحم جلبان يَعْنِي أمه فأحفظ ذَلِك أَبَا نواس فَقَالَ فِي سُلَيْمَان
قُلْ لسُليمانَ وَمَا شِيمتيأَن أُهْدِىَ النُّصحَ لَهُ مُخْلصا
مَا أَنت بِالْحرِّ فأَلْحىَ وَلَابالعَبْدِ أسْتَعْتِبُهُ بِالعَصا
فَرحَمةُ الله عَلى آدمرَحمةَ من عَمَّ وَمن خَصَّصا
لَو كَانَ يدْرِي أَنه خارجٌمِثلُكَ من إحليله لاختصى) // السَّرِيع //
فَأَجَابَهُ سُلَيْمَان فَقَالَ
إِن ابْن هاني سِفْلَةٌ خَالصمَا وَحَّدَ الله وَلَا أخْلَصا
أَغْلى بِذِكرى شِعره فاغْتَدىبالقرض فِي أشباهه مُرخصا
وَكان فِي شِعري وتغريدهلخوف مَنْ يأتيهِ قد قَلَّصا
كَالْكَلْبِ هرّ الليْثَ حَتَّى إِذاأهدي إِلَيْهِ مِخْلباً بصيصا
وَكَانَ لأبي الشمقمق ضريبة على الشُّعَرَاء فجَاء يَوْمًا إِلَى أبي نواس فَقَالَ هَات ضريبتك فَدخل الْمنزل وَأخرج إِلَيْهِ رقْعَة فِيهَا
أخَذْت بأيرِ بَغلٍ حِينَ أدْلىفُوَيقَ الباعِ كالجذْعِ المطوّقْ
فَمَا إنْ زِلتُ أمرسُهُ بكفيإِلَى أنْ صارَ كالسَّهم المفوقْ
فَلما أَن طَمى ونما وأنْدىجلدت بِهِ حرأم أبي الشمقمق) // الوافر //
فَوَقَعت هَذِه الأبيات فِي أَفْوَاه الصّبيان وأجابه أَبُو الشمقمق بِأَبْيَات فَلم تسر لَهُ
وَحدث الجمان قَالَ اجْتمعت أَنا وَأَبُو نواس وَالرَّقَاشِيُّ فِي بعض متنزهات الْبَصْرَة فنفذ شرابنا فَقُلْنَا هَلُمَّ فَلْيقل كل وَاحِد منا بَيْتا فِي السقيا لنبعث بِهِ إِلَى عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم فابتدأ أَبُو نواس فَقَالَ
يَا ابْن إبراهيمَ يَا عَبْدَ الملكْواثِقاً أقْبلتُ بِاللَّه وبِكْ
أَنْت لِلْمَالِ إِذا أصلَحتُهفَإِذا أنْفقتُه فَالْمَال لَك
وَقَالَ الرقاشِي
اسْقني الخَمر ودع من لَامنيفِي هَوَى نَفْسي فغَيري مَنْ نَسَكْ
وَنِكِ المُرْدَ فَمَا من لذةٍنِلْتَها إِن لم تَنكهم وتُنَكْ
فَوَقع الْبَيْت الرَّابِع بموافقته وَبعث إِلَيْنَا بِمَا كفانا
وَاجْتمعَ أَبُو نواس يَوْمًا مَعَ الرقاشِي فِي مجْلِس فتذاكرا الشّعْر فَقَالَ لَهُ أَبُو نواس لقد سبقتني إِلَى أَبْيَات وددت أَنَّهَا لي بِجَمِيعِ شعري قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ قَوْلك
نبهت نَدْمَانِي الموفي بذمّتهِمِن بَعدِ إيْعَاب طاساتٍ وأقداح
فَقَالَ خُذ واسقني واشرب وغَنِّ لنايَا دارَ مَثَواي بالقاعين فالساح
فَمَا حَسَا ثَانِيًا أَو بعضَ ثالثةٍحَتَّى اسْتَدارَ وَرَدَّ الراح بِالرَّاحِ) // الْبَسِيط //
فَقَالَ لَهُ الرقاشِي لكنك أَنْت سبقتني ببيتين وددت أَنَّهُمَا لي بِكُل شعري فَقَالَ أَبُو نواس وَمَا هما قَالَ قَوْلك
ومُستطيلٍ على الصَّهباء باكَرهافِي فِتيةٍ باصْطباحِ الرَّاحِ حُذَّاقِ
فَكلُّ شَيْء رَآهُ ظَّنهُ قَدحاوكل شخصٍ رَآهُ قَالَ يَوْمًا ذَا ساقي) // الْبَسِيط //
وَاجْتمعَ يَوْمًا أَبُو نواس مَعَ عنان فاقبل عَلَيْهَا وَقَالَ
إِنَّ لي أيْراً خبيثاًعارِمَ الرَّأْس فلوتا
لوْ َرأى فِي الجوِّ فَرْجاًلنزَا حَتَّى يَموتا
أَو رأى فِي السّقف دبراًلتحول عنكبوتا
أَوْ رَآهُ جَوْف بحرٍصَار للإنغاظ حوتا) // من مجزوء الرمل //
فَقَالَت عنان
زَوَّجوا هَذَا بألفٍوأظُنُّ الألفَ قوتا
إِنَّنِي أخْشَى عَليهدَاء سُوء أَن يَموتا
قَبْلَ أَن ينقلبَ الدَّاءفَلَا يأتِي ويُوتى
فَقَالَ أَبُو نواس
ألمَ تَرِقِّى لصبٍّيَكْفِيهِ مِنكِ قُطَيْره) // المجتث //
فَقَالَت عنان
إِيّايَ تَعني بهذَاعَليك فَاجلدْ عُميرهْ
فَقَالَ أَبُو نواس
أخافُ إِن رُمتُ هذَاعَلى يَدِي مِنكِ غَيرهْ
فَقَالَت عنان
عَليكَ أمَّكَ نِكُهافَإنها كندفيرة
وَدخل أَبُو نواس يَوْمًا على الناطفي وعنان جالسة تبْكي وخدها على رزة بَاب فَقَالَ
بَكَتْ عنانٌ فَجرى دَمعُهاكَاللُّؤْلُؤِ المرفَضِّ من خيطه) // السَّرِيع //
فَقَالَت عنان وَالْعبْرَة تخنقها
فَليتَ مَنْ يَضربُها ظَالِماتَجفُّ يُمناهُ على سَوطهِ
وَكَانَ الرشيد قد هم بشرَاء عنان جَارِيَة الناطفي فَقيل لَهُ إِن أَبَا نواس قد هجاها بقوله
إنَّ عِنانَ النطاف جاريةٌقد صارَ حرهَا للأير مَيْدانا
لَا يَشْتَرِيهَا إلَاّ ابنُ زانيةٍأَو قُلْطُبان يكونُ من كَانَا) // المنسرح //
فَقَالَ لَعنه الله لَا حَاجَة لنا فِيهَا فأجابته عنان عَن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَت
عَجباً مِنْ حَلقيٍّيَدَّعى أصلَ اللواط
فَإِذا صَار إِلَى الْبَيْتوَخسف عَن تواطي
فَالَّذِي يَعلم يَدْريمَنْ يَلِي وَجه الْبسَاط) // من مجزوء الرمل //
فَقَالَ أَبُو نواس
فتحت حرِها عِنانٌثمَّ نَادَت مَنْ ينيك
ثُمَّ أبدَتْ عَن مشقمِثلِ صَحراء العتيك
فِيهِ دراح وَبطّودَجاجات وَدِيكْ) // من مجزوء الرمل //
فَقَالَت عنان
إِن ابْن هَانِئ بِدَائهِ كَلفٌيَبيتُ عَن نَفسه يخادِعُها
أمسي بروس الحملان يُعرَف فِي النَّاسومضماره كوارعها) // المنسرح //
ووجهت عنان مرّة إِلَى أبي نواس بوصيفة لَهَا مَعَ رقْعَة فِيهَا
زرنا لتأكُلَ مَعْناوَلَا تَغيبَنّ عَنَّا
فَقدْ عزمنا على الشّرْبصُحْبَة واجتمعنا) // المجتث //
فَلَمَّا وَردت الوصيفة على أبي نواس قَرَأَ رقعتها ثمَّ تأملها فاستحلاها فخدعها وَقضى وطره مِنْهَا ثمَّ كتب فِي جَوَاب الرقعة
نكنا رسولَ عنانٍوالرأيُ فِيمَا فَعلْنا
فَكَانَ خبْزًا بملحٍقَبل الشِّواء أكلْنا
جذبِتها فتجافَتْكالغُصْن لما تَثنىَّ
فقلتُ لَيْسَ عَليّ ذَا الفعالكُنَّا افْترقنا
قَالَت فكم تتجنىّطوَّلْتَ نكنا وَدْعنا) // المجتث //
فَلَمَّا قَرَأت عنان الرقعة قَالَت إِن كَانَ صَادِقا فقد زنى وهجرته
وَلَقَد ظرف ابْن الْأَبَّار بمتابعته أَبَا نواس فِي هَذَا الْمَعْنى حَيْثُ قَالَ
زَارني خِيفةَ الرَّقِيب مريباًيتَشكَّى القضيبُ مِنْهُ الكثيبا
رَشَاْ رَاش لي سِهَام المنايامن جُفونٍ يُصمِي بِهن القلوبا
قَالَ لي مَا تَرَى الرقيبَ مُطلاًّقلت ذره أَتَى الجنابَ الرحيبا
عاطِهِ أكؤس المدَامِ دِراكاًوأدِرها عَليه كوباً فكوبا
واسقنيها بخَمرِ عينيكَ صِرفاًواجعَلِ الكأس مِنْك ثغرا شنيبا
نم لما نامَ الرقِيبُ سَريعاًوتَلَقَّى الكَرى سَمِيعاً مُجِيبا
قالَ لَا بُد أَن تَدِبَّ إِلَيْهِقُلتُ أبغي رَشَّاَ وآخذ ذيبا
قَالَ فابدأ بِنَا وثَنِّ عَليهقلت كلا لقد دَفَعت قَرِيبا
فوثبنا على الغزال ركوباًودَبَبْنا إِلَى الرَّقِيب دبيبا
فهلَ أبْصَرت أَو سَمِعت بصَبّنَاكَ مَحْبوبه وناك الرقيبا) // الْخَفِيف //
قَالَ ابْن بسام وَلَقَد ظرف ابْن الْأَبَّار واستهتر مَا شَاءَ وَأَظنهُ لَو قدر على إِبْلِيس الَّذِي تولى لَهُ نظم هَذَا المسلك لدب إِلَيْهِ ووثب أَيْضا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَأَبُو نواس سهل للنَّاس هَذَا السَّبِيل حَيْثُ يَقُول وَذكر الأبيات انْتهى
وَمن أناشيد الثعالبي فِي هَذَا الْمَعْنى
ليَ أير أرَاحْني الله مِنْهُصَار همي بِهِ عَريضاً طَويلا
نَام إِذْ زارني الحبيبُ عناداًولعهدي بِهِ ينيك الرسولا
حسبت زورةً لشِقْوَةٍ جَدىفافترقنا وَمَا شفينا غليلا) // الْخَفِيف //
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار أبي نواس
وأشرف يَوْمًا أَبُو نواس من دَار على منزل عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَقد مَاتَ بعض أَهله وَعِنْدهم مأتم وجنان جَارِيَة عبد الْوَهَّاب واقفة مَعَ النِّسَاء تلطم وَفِي يَديهَا خضاب وَكَانَت حسناء أديبة عَاقِلَة ظريفة وَكَانَ أَبُو نواس يهواها فَقَالَ
يَا قَمراً أبرَزَه مأتمينْدب شجوا بَين أترابِ
يَبكي فيذري الدمع من نرجسٍويلطم الْورْد بعُنابِ
لَا تَبْكِ مَيتا حَلَّ فِي حُفرةٍوابك قَتِيلا لكِ بالبابِ
أبرَزَه المأتم لي كَارِهًابَرَغْمِ داياتٍ وحُجَّابِ
لَا زالَ دَأَباً موتُ أَصْحَابهودابُ أَن أبصرِهُ دَابيَ) // السَّرِيع //
وَذكرت بِالْبَيْتِ الأول وَالثَّانِي مَا عَكسه بَعضهم مِنْهُمَا فِي هجاء أَعور وَهُوَ
يَا أعْوَراً أبرزه مأتمينْدب شجوا بتخاليط
يَبكي فَيذري الدمع من كُوةٍويلطم الشَّوكَ ببلُّوطِ) // السَّرِيع //
وَحدث أَبُو نواس قَالَ رَأَيْت النَّابِغَة الذبياني فِي مَنَامِي فَقَالَ لي بِمَاذَا حَبسك الرشيد فَقلت لَهُ بِقَوْلِي
اهْجُ نزاراً وَأفْرِ جِلْدَتهاوَهتِّكِ السِّترَ عَن مثاليها) // المنسرح //
فَقَالَ لي أهل ذَاك أَنْت يَا ابْن الزَّانِيَة فقد استوحيت من كل نزاري عُقُوبَة مثلهَا بِمَا ارتكبت مِنْهَا فَقلت وَأَنت بِمَاذَا حَبسك النُّعْمَان قَالَ بِبَيْت قلته ستره النُّعْمَان عَن النَّاس قلت بِقَوْلِك
سقط النصيف وَلم ترد إِسْقَاطهفتناولته واتقتنا بِالْيَدِ) // الْكَامِل //
فَقَالَ أَو هَذَا مَسْتُور قلت فبقولك
وإِذا لَمستَ لَمستَ أَضخمَ جاثماًمُتحيزاً بِمكانهِ مِلء الْيدِ) // الْكَامِل //
قَالَ اللَّهُمَّ غفرا قلت فَمَاذَا قَالَ بِقَوْلِي
فملكت عُلياها وَأسْفلها مَعًاوأخذتها قَسراً وَقلتُ لَهَا اقعدي) // الْكَامِل //
فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث اليزيدي فَألْحق الْبَيْت بقصيدة النَّابِغَة
وَحكى الْأَصْمَعِي قَالَ رَأَيْت أَبَا نواس بعد مَوته فِي الْمَنَام فَقلت هَل نسي من خمرياتك شَيْء قَالَ أَجودهَا قلت فاذكره فَقَالَ
أَذكى سِرَاجًا وساقي الشّرْب يمزجهافَلَاحَ فِي البيتِ كالمصباحِ مِصباحُ
كِدنْا على عِلمنا بالشّك نَسألهُأرَاحنا نارُنا أمْ نارنا الراح) // الْبَسِيط //
وَحكى عَن عبد الله بن المعتز أَنه قَالَ رَأَيْت أَبَا نواس فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ لقد أَحْسَنت فِي قَوْلك
جاءتْ بإبريقها مِنْ بَيتِ تاجرهارُوحاً مِنَ الخمرِ فِي جِسمٍ مِنَ النّارِ) // الْبَسِيط //
فَقَالَ لَا بل أَحْسَنت فِي قولي
يَا قَابض الرّوح مِنْ جِسم أسى زَمناوَغافَر الذنبِ زحزحني عَن النَّار) // الْبَسِيط //
وَقد أحسن أَبُو نواس ظَنّه بربه حَيْثُ يَقُول
تَكثَّرْ مَا اسْتطعْتَ مِنَ الْخَطَايَافإنّكَ بالِغٌ رَبَّاً غَفورَا
سَتُبْصر إِن وَردْتَ عَلَيْهِ عَفواًوَتلْقي سيِّداً مَلكاً كَبِيرا
تَعضُّ نَدامة كَفيكَ مِمَّاتَركتَ مخافةَ النَّار السرورا) // الوافر //
وَمن شعره
سُبحانَ ذِي المْلكوتِ أيّة ليلةٍمخضَتْ صَبيحتها بيومِ الموقِفِ
لوْ أنّ عَيناً وهمتها نَفسهَامَا فِي المعادِ مُحَصلاً لم تطرف) // الْكَامِل //
وَمِنْه
خلِّ جَنبيك لرامِوامْضِ عَنهُ بسلامِ
مُتْ بداءِ الصمتِ خيرٌلكَ من دَاء الكلامِ
إِنما العاقلُ مَنْ ألْجَمَفَاهُ بِلجِامِ
شِبْتَ يَا هَذَا ومَاتَتركُ أخلاقَ الغُلامِ
والمْنَايا آكِلاتٌشارباتٌ للأنام) // من مجزوء الرمل //
وأخباره كَثِيرَة وديوان شعره مُخْتَلف التَّرْتِيب لاخْتِلَاف جامعيه
وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَقيل سِتّ وَقيل ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة بِبَغْدَاد وَدفن فِي مَقَابِر الشونيزي رَحمَه الله تَعَالَى
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع