من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْفَنّ الثَّانِي وَهُوَ علم الْبَيَان
(وكأنَّ مُحْمرَّ الشَّقيقِ إِذا تصَوَّبَ أَو تَصَعَّدْ ...)
أعلامُ ياقوتٍ نشرنعَلى رماح من زَبَرْجَدْ
البيتان من الْكَامِل المجزوء المرفل وَلم أَقف على اسْم قائلهما وَرَأَيْت بعض أهل الْعَصْر نسبهما فِي مُصَنف لَهُ إِلَى الصنوبري الشَّاعِر
والشقيق أَرَادَ بِهِ شقائق النُّعْمَان وَهُوَ النُّور الْمَعْرُوف وَيُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع وَسمي بذلك لحمرته تَشْبِيها بشقيقة الْبَرْق وأضيف إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَهُوَ آخر مُلُوك الْحيرَة لِأَنَّهُ خرج إِلَى ظهر الْحيرَة وَقد اعتم نبته مَا بَين أصفر وأحمر وأخضر وَإِذا فِيهِ من هَذِه الشقائق شَيْء كثير فَقَالَ مَا أحْسنهَا احموها فَكَانَ أول من حماها فنسبت إِلَيْهِ
وَكَانَ أَبُو العميثل يَقُول النُّعْمَان اسْم من أَسمَاء الدَّم وَلذَلِك قيل شقائق النُّعْمَان نسبت إِلَى الدَّم لحمرتها قَالَ وَقَوْلهمْ إِنَّهَا منسوبة إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر لَيْسَ بِشَيْء قَالَ وَحدثت الْأَصْمَعِي بِهَذَا فنقله عني انْتهى وَالَّذِي قدمْنَاهُ هُوَ الَّذِي ذكره أَرْبَاب اللُّغَة
وَالشَّاهِد فيهمَا التَّشْبِيه الخيالي وَهُوَ الْمَعْدُوم الَّذِي فرض مجتمعاً من أُمُور كل واحدٍ مِنْهَا مِمَّا يدْرك بالحس فَإِن الْأَعْلَام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مِمَّا لَا يُدْرِكهُ الْحس إِنَّمَا يدْرك مَا هُوَ مَوْجُود فِي الْمَادَّة حَاضر عِنْد الْمدْرك على هيآت محسوسة مَخْصُوصَة لَكِن مادته الَّتِي تركب مِنْهَا كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد كل مِنْهَا محسوس بالبصر
وَقَرِيب من هَذَا النَّوْع قَول بَعضهم
كلنا باسِطُ اليدِنَحْو نيلو فرندي
كَدَبابيسِ عسْجَدٍقُضْبُها من زبرجد) // المقتضب //
وَمثله قَول أبي الْغَنَائِم الْحِمصِي
خود كأنَّ بنانَهافِي خُضْرَةِ النْقشِ المزَرَّدْ
سمَكٌ من البلورِ فِيشَبك تكَوَّنَ من زبرجد) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقد تفنن الشُّعَرَاء فِي وصف الشقائق فمما ورد من ذَلِك قَول ابْن الرُّومِي أَو الأخيطل الْأَهْوَازِي
هذي الشَّقَائِقُ قد أبْصَرْتَ حُمْرَتهامعَ السوَاد على قُضبانها الذُّبُلِ
كَأَنَّهَا أدمُعٌ قد غسلت كُحُلاًجَادَتْ بهَا وَقْفَة فِي وَجْنَتَيْ خَجِلِ) // الْبَسِيط //
وَقَول سيدوك الوَاسِطِيّ
(انْظُر إِلَى مُقَلِ العقيق تَضَمَّنت حدق السبج ...)
(من فَوق قاماتٍ حَسُنّ وَمَا سَمجْنَ من العوَجْ ...) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول الخباز الْبَلَدِي من أَبْيَات
إِلَى الرَّوْض الَّذِي قد أضْحَكتْهُشآبيبُ السَّحائِبِ بالبكاءِ
كَأَن شقائق النعمانِ فِيهِثيابٌ قد رَوِينَ من الدِّمَاء) // الوافر //
وَقَول ولد القَاضِي عِيَاض رحمهمَا الله تَعَالَى
انْظُر إِلَى الزَّرع وخاماتهِتحكي وَقد وَلّتْ أَمَام الرياحْ
كتَيبَةً خضراء مَهزومةًشقائق النُّعْمَان فِيهَا جراح) // السَّرِيع //
وَقَول الخالدي أَيْضا
وصبغ شقائق النُّعْمَان يحْكىيواقيتاً نُظِمْنَ على اقترانِ
وَأَحْيَانا تُشَبِّهها خدُوداًكساها الرَّاحُ ثوبا أرجُواني
شقائق مثلُ أقداح مِلاءٍوخَشخاشٌ كفارِغَةِ القَناني
وَلما غازَلّتنا الرِّيح خِلْنابهَا جَيشَىْ وغيً يتقاتلانِ) // الوافر //
وَقَول الصنوبري
وجوهُ شقائِقٍ تَبدو وتَحفىعلى قُضبٍ تميسُ بهِنَّ ضعفا
ترَاهَا كالعذارى مسباتعَلَيْهَا من حميم الشَّعْر سِجفا
إِذا طَلعت أرَتكَ السُّرجَ تذكىوَإِن غَرَبَت أرتك السرج تُطْفَا
تخَالُ إِذا هِيَ اعتَدَلت قَواماًزُجاجاتٍ ملئنَ الراحَ صِرفا
تَنازعتِ الخدودَ الْحمر حُسناًفَمَا قد أخطأتْ مِنْهُنَّ وَصفا) // الوافر //
وَقَول ابْن الدويدة
كَأَن الشقائق والأقْحُوانَخُدُود تقَبِّلُهنَّ الثُّغُور
فهاتيكَ أخْجَلَهن الحياءُوهاتيك أضحكن السرُور) // المتقارب //
وَقَول أبي الْحسن بن وَكِيع من أرجوزة
يضْحك فِيهَا زَهَرُ الشَّقِيقكَأَنَّهُ مَدَاهِنُ العقيقِ
مُضَمَّنات قطعا من السَّبَجْفأشرَقت بَين احمرار ودَعَجْ
كَأَنَّمَا المحمَرُّ فِي المسْوَدِّمنهُ إِذا لَاحَ عيونُ الرَّمْدِ) // الرجز //
وَقَول أبي الْفضل الميكالي
تَصوغُ لنَا أَيدي الرَّبيع حدائقاًكَعِقد عقيقٍ بينِ سْمطِ لآلِ
وفيهن أنوارُ الشقائق قد حَكَتْخدودَ عذارَى نُقِّطَتْ بغوالي) // الطَّوِيل //
وَقَول الخبرأرزي أَيْضا
ورَوضَةٍ راضَها النَّدى فَغَدَتْلَهَا من الزَّهْرِ أنجُمٌ زُهْرُ
تنشر فِيهَا أَيدي الرّبيع لناثوبا من الوَشْيِ حاكه القَطْرُ
كأنمَا شُقّ من شقائِقهَاعلىَ رُباها مطارفٌ خُضْرُ
ثمّ تبدَّتْ كَأَنَّهَا حَدَقٌأجفانُهَا منْ دمائها حمر) // المنسرح //
(وَمَسْنُونة زُرْق كأنياب أغوالِ ...)
هُوَ من الطَّوِيل وصدره
(أيَقْتُلنِي والمشْرَفيُّ مضَاجِعِي ...)
وقائله امْرُؤ الْقَيْس الْكِنْدِيّ من قصيدة أَولهَا
أَلا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِيوَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الخَالِي
وهلْ يَعِمَنْ إِلا َسعيدٌ مُخَلَّدُقليلُ همُومٍ مَا يبيتُ بأوجالِ
وهلْ يعمن من كَانَ آخرُ عهِدِهثلاثينَ شهرا أَو ثلاثةَ أحوالِ
دِيارٌ لسلمَى عافيَاتٌ بِذِي الخالِألَحَّ عَلَيْهَا كلُّ أسْحَمَ هَطّالِ
وتحسبُ سَلمَى لَا تزَال كعهدنَابِوَادي الخُزَامىَ أَو على رأسِ أوعالِ
ألَا زَعمَتْ بَسباسةُ اليومَ أننيكبرْتُ وأَن لَا يشهَدَ اللهوَ أمثالي
بَلَى رُبّ يومٍٍ قدْ لهوتُ وليلةٍبآنسَةٍ كأنهَا خطُّ تمثَالِ
يُضيء الْفراش وَجْهُهَا لضجيعهاكمصباح زَيْتٍ فِي قناديل ذَبْالِ
إذَا مَا الضجيعُ ابتَزَّهَا منْ ثيابهَاتميلُ عليهِ هَونةً غيرَ مِعطالِ
كدعصِ النقَا يمشي الوَليدَانِ فوقهُلما احتسبَا من لين مسّ وتسهْالِ
إذَا مَا اسْتَحَمَّتْ كانَ فيضُ حميمهَاعلى مَتنتَيهَا كالجُمان لدَى الجالِي
تَنوّرْتها من أَذْرُعَات وَأَهْلهَابِيَثْرِب أدنى دارها نظرٌ عالِي
نَظرُت إِلَيْهَا والنجومُ كَأَنَّهَامصابيحُ رُهبانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالِ
سَمَوْتُ إِلَيْهَا بعدَ مَا نامَ أهلُهاسُمُوّ حَبابِ المَاء حَالا على حالِ
فَقَالَت سباكَ اللهُ إِنكَ فاضِحِيأَلَسْت ترى السُّمَّارَ والناسَ أحوَالِي
فقلتُ يمينُ اللهِ لَا أَنا بارحٌوَلَو قطعُوا رَأْسِي لديك وأوصالِي
فَلَمَّا تَنازَعنا الحديثَ وأسمَحَتْهصرْتُ بغصنٍ ذِي شَمارِيخَ ميالِ
فصرْنا إِلَى الحُسنى ورقّ كلامُناورُضْتُ فَذَلت صعبة أيّ إذلال
حَلفتُ لَهَا بِاللَّه حَلفَةَ فاجرٍلنامُوا فَمَا إِن من حديثٍ وَلَا صالِي
فأصبَحْتُ معشوقاً وأصبحَ بعلهُاعليهِ قَتامٌ كاسفُ اللونِ والبالِ
يَغُطُّ غَطيطَ البكرِ شُدَّ خِناقهُليقتْلَني والمرء ليسَ بقتالِ) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
وليسَ بِذِي سيف فَيَقْتُلنِي بهِوليسَ بِذِي رُمحٍ وليسَ بنبَّالِ
أيَقتلني وَقدْ قطرْتُ فؤادهاكَمَا قَطرَ المَهْنوَّةَ الرَّجلُ الطالي
وَقد علمت سلمى وَإِن كَانَ بَعْلهَابِأَن الْفَتى يهذي وَلَيْسَ بفَعَّالِ
وماذَا عَلَيْهِ إِن ذكرتُ أوَانساًكغزلان رملٍ فِي مَحاريب أقوالِ) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
والمشرفي بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء نِسْبَة إِلَى مشارف الشَّام وَهِي قرى من أَرض الْعَرَب تَدْنُو من الرِّيف مِنْهَا السيوف المشرفية والمسنون المحدد المصقول وَوصف النصال بالزرقة للدلالة على صفائها وَكَونهَا مجلوة وَأَرَادَ بقوله أَنْيَاب أغوال أَي شياطين وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يهول قَالَ أَبُو نصر سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن الغول فَقَالَ همرجة من همرجة الْجِنّ
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه الوهمي وَهُوَ الْغَيْر الْمدْرك بِإِحْدَى الْحَواس وَلكنه بِحَيْثُ لَو أدْرك لَكَانَ مدْركا بهَا فَإِن أَنْيَاب الغول مِمَّا لَا يُدْرِكهُ الْحس لعدم تحققها مَعَ أَنَّهَا لَو أدْركْت لم تدْرك إِلَّا بحس الْبَصَر
وَذكرت بِأول القصيدة مَا حَكَاهُ ناشب بن هِلَال الْحَرَّانِي الْوَاعِظ البديهي وَكَانَ يلقب بِهِ لقَوْله الشّعْر بديهاً قَالَ قصدت ديار بكر متكسباً بالوعظ فَلَمَّا نزلت قلعة ماردين دَعَاني بهَا صَاحبهَا تمرداس بن المغان بن أرتق للإفطار عِنْده فِي شهر رَمَضَان فَحَضَرت إِلَيْهِ فَلم يرفع مجلسي وَلم يكرمني وَقَالَ بعد الْإِفْطَار لغلام عِنْده إئتنا بِكِتَاب فجَاء بِهِ فَقَالَ لَهُ ادفعه إِلَى الشَّيْخ ليقْرَأ فِيهِ فازداد غيظي لذَلِك وَفتحت الْكتاب فَإِذا هُوَ ديوَان امرىء الْقَيْس وَإِذا أول مَا فِيهِ
ألَا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِيوَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي
فَقلت فِي نَفسِي أَنا ضيف وغريب وأستفتح مَا أقرأه على سُلْطَان كَبِير وَقد مضى هزيع من اللَّيْل أَلا عَم صباحاً فَقلت
أَلَا عِمْ مسَاء أَيهَا الملكُ العالِيولَا زلْتَ فِي عز يدومُ وإقبالِ
ثمَّ أتممت القصيدة فتهلل وَجه السُّلْطَان لذَلِك وَرفع مجلسي وأدناني إِلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك سَبَب حظوتي عِنْده
وكأنَ النُّجُومَ بينَ دُجاهاسُنن لاحَ بينهُنَّ ابتداعُ
الْبَيْت للْقَاضِي التنوخي من أَبْيَات من الْخَفِيف أَولهَا
رُبّ ليلٍ قطعْتُهُ بِصدُودٍأَو فراقٍ مَا كانَ فِيهِ وَدَاعُ
(موحشٍ كالثقيلِ تقذَى بِهِ العَينُ وتأبى حَدِيثه الأسماع ...) // الْخَفِيف //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
مُشْرِقاتٌ كأنهنّ حجاجٌتقطعُ الخصمَ والظلامَ انقطاعُ
وكأنّ السَّمَاء خيمة وَشْيٍوكأنّ الجوزاء فِيهَا شراعُ) // الْخَفِيف //
والدجى جمع دجية وَهِي الظلمَة وَالضَّمِير رَاجع إِلَى اللَّيَالِي أَو النُّجُوم والابتداع الْحَدث فِي الدّين بعد الْكَمَال أَو مَا استحدث بعد النَّبِي ﷺ من الْأَهْوَاء والأعمال
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه التخييلي وَهُوَ أَن لَا يُوجد فِي أحد الطَّرفَيْنِ أَو فِي كليهمَا إِلَّا على سَبِيل التخييل والتأويل وَوَجهه فِي هَذَا الْبَيْت هُوَ الْهَيْئَة
الْحَاصِلَة من حُصُول أَشْيَاء مشرقة بيض فِي جَوَانِب شَيْء مظلم أسود فَتلك الْهَيْئَة غير مَوْجُودَة فِي الْمُشبه بِهِ إِلَّا على طَرِيق التخييل وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت الْبِدْعَة وكل مَا هُوَ جهل تجْعَل صَاحبهَا كمن يمشي فِي الظلمَة فَلَا يَهْتَدِي للطريق وَلَا يَأْمَن أَن ينَال مَكْرُوها شبهت بالظلمة وَلزِمَ بطرِيق الْعَكْس أَن تشبه السّنة وكل مَا هُوَ علم بِالنورِ لِأَن السّنة وَالْعلم تقَابل الْبِدْعَة وَالْجهل كَمَا أَن النُّور يُقَابل الظلمَة
وَالْقَاضِي التنوخي هُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن دَاوُد أَبُو الْقَاسِم التنوخي قدم بَغْدَاد وتفقه على مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ حَافِظًا للشعر ذكياً وَله عرُوض بديع وَولي الْقَضَاء بعدة بلدان وَهُوَ وَالِد أبي عَليّ الْحسن التنوخي صَاحب نشوار المحاضرة وَكتاب الْفرج بعد الشدَّة وَغَيرهمَا وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم هَذَا بَصيرًا بِعلم النُّجُوم قَرَأَ على الْكسَائي المنجم وَيُقَال إِنَّه كَانَ يقوم بِعشْرَة عُلُوم وَكَانَ يحفظ للطائيين سَبْعمِائة قصيدة ومقطوعة سوى مَا يحفظ لغَيرهم من الْمُحدثين وَغَيرهم وَكَانَ يحفظ من النَّحْو واللغة شَيْئا كثيرا وَكَانَ فِي الْفِقْه والفرائض والشروط غَايَة واشتهر بالْكلَام والمنطق والهندسة وَكَانَ فِي الْهَيْئَة قدوة
وَقَالَ الثعالبي فِي حَقه رحمهمَا الله تَعَالَى هُوَ كَمَا قرأته فِي فصل للصاحب إِن أردْت فَإِنِّي سبْحَة ناسك أَو أَحْبَبْت فَإِنِّي تفاحة فاتك أَو اقترحت فَإِنِّي مدرعة رَاهِب أَو آثرت فَإِنِّي نخبة شَارِب
وَكَانَ الْوَزير المهلبي وَغَيره من وزراء الْعرَاق يميلون إِلَيْهِ جدا ويتعصبون لَهُ ويعدونه رَيْحَانَة الندماء وتاريخ الظرفاء ويعاشرون مِنْهُ من تطيب عشرته
وتلين قشرته وتكرم أخلاقه وتحسن أخباره وتسير أشعاره ناظمة حاشيتي الْبر وَالْبَحْر وناحيتي الشرق والغرب
ويحكى أَنه كَانَ من جملَة الْقُضَاة الَّذين ينادمون الْوَزير المهلبي ويجتمعون عِنْده فِي الْأُسْبُوع لَيْلَتَيْنِ على أطراح الحشمة والتبسط فِي القصف والخلاعة وهم ابْن قريعة وَابْن مَعْرُوف والأيذحي وَغَيرهم وَمَا مِنْهُم إِلَّا أَبيض اللِّحْيَة طويلها وكذاك كَانَ المهلبي فَإِذا تَكَامل الانس وطاب الْمجْلس ولذ السماع وَأخذ الطَّرب مِنْهُم مأخذه وهبوا أَثوَاب الْوَقار للعقار وتقلبوا فِي أعطاف الْعَيْش بَين الخفة والطيش وَوضع فِي يَد كل مِنْهُم طاس من ذهب ألف مِثْقَال مَمْلُوء شرابًا قطربليا أَو عكبرياً فيغمس لحيته فِيهِ بل ينقعها حَتَّى تتشرب أَكْثَره ثمَّ يرش بهَا بَعضهم على بعض ويرقصون بأجمعهم وَعَلَيْهِم المصبغات ومخانق الْبرم وإياهم عني السرى الرفاء بقوله
مَجَالسٌ ترقُصُ القضاةُ بهَاإِذا انتَشَوْا فِي مخانِقِ البُرَمِ
وصاحبٌ يخلط المجونَ لنابِشيمَة حُلوَةٍ من الشِّيمِ
تخْضِبُ بِالرَّاحِ شَيبُه عَبَثاًأَناملٌ مثل حمرَة العنم
حَتَّى تخَالَ العيونُ شيبتَهُشيبةَ عُثمانَ ضرجت بِدَم) // المنسرح //
فَإِذا أَصْبحُوا عَادوا لعادتهم من الْتِزَام التوقر والتحفظ بأبهة الْقَضَاء وحشمة الْمَشَايِخ الكبراء
وَكَانَ لَهُ غُلَام يؤثره على غَيره من غلمانه يُسمى نسيماً فَكتب إِلَى القَاضِي التنوخي بعض أَصْحَابه
هَل عليٌّ لامُهُ مُدْغمةٌلاضطرار الوَزنِ فِي ميمِ نَسيم) // الرمل //
فَوَقع تَحْتَهُ نعم وَلم لَا
وَقَالَ مَنْصُور الخالدي كنت ذَات لَيْلَة عِنْد التنوخي فِي ضِيَافَة فأغفى إغْفَاءَة فَخرج مِنْهُ ريح فَضَحِك بعض الْقَوْم فانتبه بضحكه وَقَالَ لَعَلَّ ريحًا فسكتنا من هيبته فَمَكثَ سَاعَة ثمَّ قَالَ
إِذَا نَامَتْ العينانِ من مُتيَقِّظٍتراخَتْ بِلَا شكٍ تشاريجُ فَقحتهْ
فَمن كَانَ ذَا عقلٍ فيعذر نَائِماوَمن كَانَ ذَا جهل فَفِي جَوفِ لحيته) // الطَّوِيل //
وَهَذِه نبذة من شعره
قَالَ من قصيدة كَثِيرَة الْعُيُون وَكَانَ الصاحب بن عباد يفضلها على سَائِر شعره ويروي أَنَّهَا من أُمَّهَات قلائده وَهِي
أحْبب إليَّ بنهر مَعْقلٍ الَّذِيفيهِ لقَلبي من همومي معقِلُ
عَذْبٌ إِذا مَا عبَّ منهُ ناهلٌفَكَأَنَّهُ من ريق حِبّ يَنْهَلُ
مُتَسَلسلٌ وكأنهُ لِصَفائهدمْعٌ بخدَّي كاعبٍ يتسلسلُ
وَإِذا الرِّياح جَرين فَوق متونهفَكَأَنَّهُ دِرْعٌ جلاها صقيل
وكأنّ دجلةَ إِذْ تغطغط مَوْجهاملك يُعظِّم خيفةً ويبجل
وَكَأَنَّهُ ياقوتة أَو أعينزرق يلاءم بَينهَا ويوصل
عذبت فَمَا نَدْرِي أماء مَاؤُهَاعِنْد المذاقة أم رَحيقٌ سَلْسَل
وَلها بمدٍّ بعد جَزْر ذاهبٍجيشان يُدْبر ذَا وَهَذَا يُقْبل
وَإِذا نظرت إِلَى الأبْلَّةِ خلتهامن جنَّة الفردوس حِين تخيَّلُ
كم منزل فِي نهرها آلى السرُوربِأَنَّهُ فِي غَيره لَا ينزل
وكأنما تِلْكَ الْقُصُور عرائسوَالرَّوْض حَلْى فَهِيَ فِيهِ تَرْفُل
غَنَّتْ قِيان الوُرْق فِي أرجائهاهَزَجاً يقلّ لَهُ الثقيلُ الأولُ
وتعانقت تِلْكَ الغصون فأذكرتيومَ الْوَدَاع وعِيرُهُمْ تترحَّلُ
ربع الرّبيع بهَا فحاكت كفُّهحللاً بهَا عُقَدُ الهمومِ تحلل
فمدَّبج وموشح ومدنرومعمد ومحبر ومهلهل
فتخال ذَا عَيْناً وَذَا ثغراً وَذَاخَدّاً يعضض مرّة وَيقبل) // الْكَامِل //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
كَأَنَّمَا المرِّيخُ والمشْترِيأمامَهُ فِي شامِخ الرِّفعه
مُنْصَرف بِاللَّيْلِ عَن دَعوةقد أوقدَتْ قُدامَه شمعه) // السَّرِيع //
وَمثله قَول أبي عَتيق السفار
(وكأنّ البدرَ والمرّيخ إِذْ وافى إليهِ ...)
ملكٌ توقدُ لَيْلًاشَمْعةٌ بَين يَدَيْهِ) // الرمل //
رَجَعَ إِلَى شعر القَاضِي التنوخي ﵀ قَالَ
وَلَيْلَة مشتاق كأنّ نجومهاقد اغتصبت عَيْني الْكرَى فَهِيَ نُوّمُ
كأنّ سَوَادَ الليلِ والفجرُ ضاحكٌيلوحُ وَيخْفى أسودٌ يبتسم) // الطَّوِيل //
وَله أَيْضا فِي غور الْكَوَاكِب عِنْد الصَّباح
عَهْدِي بهَا وضياء الصُّبْح يُطْفئهاكالسُّرْج تُطْفأ أَو كالأعينِ العورِ
أعجبْ بهَا حينَ وافىَ وَهيَ نَيرةٌفظلَّ يطمسُ مِنْهَا النَورُ بالنورِ) // الْبَسِيط //
وَكتب إِلَى الْوَزير المهلبي وَقد مَنعه الْمَطَر من خدمته
سَحابٌ أَتَى كالأمن بعد تخوفِلهُ فِي الثرى فعلُ الشِّفَاء بُمدْنَفِ
أكبّ على الْآفَاق إطراقَ مطرقٍيفكرُ أَو كالنادِمِ المتلهف
ومدّ جناحيه على الأَرْض جانحاًفراحَ عَلَيْهَا كالغراب المرَفْرِفِ
غَدَا الْبر بحرا زاجرا وانثَنَى الضُّحَىبظلمَته فِي ثوب ليلٍ مُسَجِّفِ
يعبسُ عَن برْقٍ بِهِ مُتبسمٍعبُوُسً بخيلٍ فِي تَبَسم مُعتفي
تُحَاولُ منهُ الشمسُ فِي الجوّ مخرَجاًكَمَا حَاولَ المغلوبُ تجريدَ مرهف) // الطَّوِيل //
أَيْن هَذَا من قَول ابْن المعتز ﵀
تحاول فتْقَ غيم وهوَ يَأْبَىكَعنينٍ يريدُ نكاحَ بكرِ
فأفرَغَ مَاء قَالَ حَوْضه واردُ حَوْضهأسَلْسال مَاء أمْ سُلافةُ قَرْقفِ
أَتَى رَحْمَة للنَّاس غَيْرِي فإِنهُعليّ عَذَاب مَاله من تَكَشُّفِ
سَحَاب عَدَا بِي عَن سَحَاب وعارضٌمُنعتُ بِهِ من عَارض متكفكِفِ) // الوافر //
أَخذه من قَول الْحسن بن وهب لمُحَمد بن عبد الْملك الزيات
لستُ أدرى مَاذَا أذمّ وأشكومِنْ سمَاء تعوقني عَن سَمَاء) // الْخَفِيف //
وَمن شعر القَاضِي التنوخي أَيْضا
أَما ترَى البردَ قد وافتْ عساكرُهُوعسكر الحرّ كَيفَ انصاع منطلقَا
فالأرض تَحت ضريب الثَّلج تحسبُهَاقد أُلبستْ حُبكاً أَو غُشيت ورقَا
فانهض بِنَار إِلَى فَحم كَأَنَّهُمَافِي الْعين ظلمٌ وإنصافٌ قد اتفقَا
جاءَتْ وَنحن كقلب الصب حِين سلابردا فصرنا كقلب الصب إِذْ عشقا) // الْبَسِيط //
وَمِنْه أَيْضا
رضاكَ شبابٌ لَا يَلِيهِ مشيبُوسخطك دَاء لَيْسَ مِنْهُ طبيبُ
كَأَنَّك من كل النُّفُوس مُركبٌفَأَنت إِلَى كل النُّفُوس حبيب) // الطَّوِيل //
وَله فِي معذر
قلتُ لِأَصْحَابِي وَقد مرّ بِيمنتقباً بعد الضياءِ بالظُّلَم
باللهِ يَا أَهْلَ ودادِي قفُواكي تبصروا كَيفَ زَوَال النعم) // السَّرِيع //
ومحاسنه ﵀ كَثِيرَة وَهَذَا الأنموذج كافٍ فِيهَا وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلثمائة
وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا لمن رأىكعنقود ملاحية حِين نَوْرَا
الْبَيْت لأبي الْقَيْس بن الأسلت من الطَّوِيل
والملاحي بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَقد تشدد عِنَب أَبيض فِي حبه طول وَمعنى نور تفتح نوره والثريا مصغرة قيل تَصْغِير تَعْظِيم وَقيل تَصْغِير تقريب إعلاماً بِأَن نجومها قريب بَعْضهَا من بعض ومكبرها ثروي وَهِي الْكَثْرَة وَسميت هَذِه النُّجُوم المجتمعة بِالثُّرَيَّا لِكَثْرَة نورها وَقيل لِكَثْرَة نجومها مَعَ صغر مرآها فَكَأَنَّهَا كَثِيرَة الْعدَد بِالْإِضَافَة إِلَى ضيق الْمحل وَعدد نجومها سَبْعَة أنجم سِتَّة ظَاهِرَة وَوَاحِد خَفِي تختبر بِهِ النَّاس أَبْصَارهم وَذكر القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله تَعَالَى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَرَاهَا أحد عشر نجماً
وَالشَّاهِد فِيهِ الْمركب الْحسي فِي التَّشْبِيه الَّذِي طرفاه مفردان الْحَاصِل من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من تقارن الصُّور الْبيض الصغار الْمَقَادِير فِي المرأى وَإِن كَانَت كبارًا فِي الْوَاقِع على الْكَيْفِيَّة الْمَخْصُوصَة منضمة إِلَى الْمِقْدَار الْمَخْصُوص وَالْمرَاد بالكيفية الْمَخْصُوصَة أَنَّهَا لَا مجتمعة اجْتِمَاع التضام والتلاصق وَلَا هِيَ شَدِيدَة الِافْتِرَاق بل لَهَا كَيْفيَّة مَخْصُوصَة من التقارب والتباعد على نِسْبَة قريبَة مِمَّا نجده فِي رأى الْعين بَين تِلْكَ الأنجم والطرفان المفردان هما الثريا والعنقود
وَمِمَّا جَاءَ فِي وصف الثريا أَيْضا قَول امرىء الْقَيْس
إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضتتعرض أثْنَاء الوشاح الْمفصل) // الطَّوِيل //
وَقد أبدعَ الْمُتَأَخّرُونَ فِي وصفهَا فَمن ذَلِك قَول ابْن المعتز
قَدِ انقَضَتْ دولةُ الصّيام وقَدْبَشَّرَ سُقْمُ الهلالِ بالعيدِ
يَتلوُ الثريا كفَاغِرٍ شَرِهٍيفتحُ فاهُ لأكل عنقود) // المنسرح //
وَمثله قَوْله أَيْضا
زَارَني والدُّجى أحمُّ الحوَاشيوالثريا فِي الغْربِ كالعُنقُودِ
وهلَالُ السَّمَاء طوقُ عَرُوسٍباتَ يُجْلَي على غلائل سود) // الْخَفِيف //
وَقَول ابْن بابك
وليلةٍ جوْزَاؤهامثلُ الخِباء المنهَتِكْ
قَطعتُها والبدرُ عنْسَمْتِ الثريا مُنفركْ
كأنهَا فِي عُرْضِهِبازٍ على كفّ مَلكْ) // من مجزوء الرجز //
وَقَول سهل بن الْمَرْزُبَان
كمْ لَيْلَة أحييتها ومُؤَانسيطُرَفُ الحَدِيث وَطيب حثّ الأكؤُسِ
شَبَّهتُ بَدْرَ سمائها لما دَنتْمنهُ الثريا فِي قميصٍ سندُسي
مَلِكاً مَهيباً قَاعِدا فِي روضةٍحيَّاهُ بعضُ الزائرينَ بنرجس) // الْكَامِل //
وَمثله قَول ابْن المعتز أَيْضا
أتانيَ والإِصباحُ يَرْفُلُ فِي الدُّجىبِصفرَاء لم تفسدْ بطبْخٍ وإحراقِ
فناوَلَنِيها والثريا كَأَنَّهَاجَنىَ نرجسٍ حيّا الندَامى بِهِ الساقِي) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول النَّاشِئ الْأَصْغَر
وليلٍ تَوارى النجمُ من طُولِ مُكثهِكَمَا ازْوَرَ محبوبٌ لخوف رقيبهِ
كأنّ الثريا فِيهِ باقةُ نرجسٍيُحيّى بهَا ذُو صبوةٍ لحبيبهِ) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْفَرح الببغاء من أَبْيَات
تَرى الثريا والبدر فِي قَرَنٍكَمَا يُحَيَّا بنرجسٍ مَلكْ) // المنسرح //
وَقَول الْوَزير أبي الْعَبَّاس الضَّبِّيّ
خلت الثريا إِذا بَدَتْطالعةً فِي الحِندِسِ
مُرْسلَة من لؤلؤٍأَو باقةً من نرجس) // من مجزوء الرجز //
وَقَوله أَيْضا
إِذا الثريا اعترضتْعندَ طلوعِ الفجرِ
حَسبْتَها لامعةًسَبيكةً من در) // من مجزوء الرجز //
ونفيس قَول ابْن حمديس أَيْضا من قصيدة
فاسْقِني عَن إِذن سُلطانِ الْهوىلَيْسَ يَشْفي الرُّوحَ إِلَّا كاسُ راحْ
وانتَظر للحلم مني كَرَّةًكم فَسادٍ كانَ عُقباهُ صَلاحْ
فالقَضيبُ اهتزّ والبَدرُ بداوالكَثيبُ ارْتَجّ والعَنبرُ فاحْ
والثرَيا زجج الجو بهَاكابنِ مَاء ضَمَّ للوَكْرِ جَناحْ
وكأَنَّ الغَرْبَ مِنْهَا نَاشِقٌباقَةً من ياسمينٍ أَو أفاح) // الرمل
وَقَول الصاحب بن عباد
تُنيرُ الثريا وَهِي قُرْطٌ مُسَلسلٌوَيَعقلُ مِنْهَا الطرْفَ دُرٌّ مبدد) // الطَّوِيل //
وَمَا ألطف قَول ابْن حُصَيْن
عَليَّ أَن أَتَذَلَّلْلهُ وأنْ يتَدَلَّلْ
خَدّ كأَن الثرياعَليهِ قُرْط مُسلسل) // المقتضب //
وَقَول أبي الْفرج الببغاء
خُذُوا من الْعَيْش فالأعمارُ فانِيةٌوالدهر منصَرِفٌ والعيشُ منقرضُ
فِي حامِلِ الكأس من بدرِ الدجَى خلفوَفِي المدَامَةِ من شمس الضُّحى عِوضُ
كَأَن نجم الثريا كفُّ ذِي كرممَبسوطَة للعطايا لَيْسَ تنقبض) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن سكرة الْهَاشِمِي
ترى الثريا والغربُ يجذبهاوالبدر يَسري والفجرُ يَنفجرُ
كَفَّ عروسِ لاحَتْ خواتمهُاأَو عِقْدَ دُرٍّ فِي الجو يَنتثرُ) // المنسرح //
وَمثله قَول أبي الْقَاسِم عَليّ بن جلبات
وَخِلتُ الثريا كف عَذراءَ طفلةٍمختَّمةٍ بالدر مِنْهَا الأنامِلُ
تخيلتُها فِي الْأُفق طُرَّةَ جعبةمُكوكَبة لم تَعْتَلقها حَبَائِلُ) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْقَاسِم بن هَانِئ الأندلسي
وَوَلَّتْ نُجُوم للثريا كَأَنَّهَاخَوَاتِم تبدو فِي بنان يَد تخفى) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول محيي الدّين بن عبد الظَّاهِر
مَلأتَ اللَّيَالِي من عُلاً وخَتَمْتَهَافقد أصبَحَتْ محشُوَّةً من مَكارمكْ
خَتمت عَلَيْهَا بِالثُّرَيَّا فَقُلْ لناأَهَذا الَّذِي فِي كَفِّها من خواتِمكْ) // الطَّوِيل //
وَقد أحسن الصنوبري فِي تشبيهه الثريا فِي جَمِيع أحوالها حَيْثُ يَقُول من أَبْيَات
قُم فاسقني والظلام مُنْهَزِمُوالصُّبح بادٍ كأنهُ عَلمُ
(والطَيرُ قد طرَّبَتْ فأفصحت الألحان طُرّاً وكلُّها عجم ...)
(ومَيَّلت رَأسهَا الثريا لاسرارٍ إِلَى الغَرْبِ وَهِي تحْتَشمُ ...)
فِي الشرق كأس وَفِي مَغاربهاقُرط وَفِي أوْسَطِ السما قدم) // المنسرح //
وَقد وصفهَا الوأواء الدِّمَشْقِي فِي حالتي الشروق والغروب فَقَط فَقَالَ
قد تأمَّلْتُ الثريافِي شروق وغروب
فَهِيَ كأس فِي شروقوَهِي قرط فِي غرُوب) // من مجزوء الرمل //
وَمَا أبدع قَول بَعضهم أَيْضا
وكأنما نجمإِذْ تَعَرَّضَ كالوِشاحْ
كأس بكَف خَرِيدَةٍتَسقى الْمَسَابِيَدِ الصَّباح) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول الوأواء الدِّمَشْقِي
وجَلا الثريا فِي ملاءةنُورِهِ بدرُ التمامْ
(فَكَأَنَّهَا كأسٌ ليَشْربها الدجَى والبدرُ جامْ ...)
وَكَأن زُرْقَ نجومهاحدق مفتحة نيام) // من مجزوء الْكَامِل //
وبديع قَول عبد الْوَهَّاب الْأَزْدِيّ الْمَشْهُور بالمثقال
يَا ساقيَ الكأس اسْقِ صحبيوأسقني إِنَّنِي أُوَاسِي
وَانْظُر إِلَى حيرةِ الثرياوالليلُ قد سُدَّ باندماسِ
مَا بَين بَهْرامِها المُلاحيوَبَين مرِّيخها المواسِي
كَأَنَّهَا رَاحَةٌ أشارَتْلأخذِ تفاحة وكاس) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَوله أَيْضا
رَأَيْت بهْرَام والثرياوالمُشْتري فِي القِران كرَّهْ
كراحَةٍ حَيَّرتْ يداهامَا بَين ياقوتة ودره) // من مخلع الْبَسِيط //
قَالَ عبد الْوَهَّاب الْمَذْكُور هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لما أنْشدهُ ابْن رَشِيق قَوْله
والثريا قُبَالَةَ الْبَدْر تحكيباسطاً كفَّه ليَأْخُذ جَاما) // الْخَفِيف //
وللوأواء الدِّمَشْقِي
رُبَّ ليلٍ مَا زلتُ ألثم فِيهِقمراً لابساً غُلالَةَ وردِ
والثريا كَأَنَّهَا كفُّ خَوْدٍداخلتها للبين رِعْدَةُ وَجدِ) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول بَعضهم
كَأَن الثريا بَين شَرْقٍ ومغربوَقد سَلْمَتّ للصبح طَوعاً عِنانها
مُرَوَّعة بالبينِ نحوَ أليفِهاتُقَلب من خوف الْفِرَاق بنانها) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
والليلُ قد ولىَّ يُقَلصُ بُردَهُكدّاً ويَسحب ذيله فِي الْمغرب
وكأنما نجم الثريا سُحْرَةًكفٌّ تمسّحُ عَن مَعَاطِفِ أَشهب) // الْكَامِل //
ولإبراهيم بن الْعَبَّاس الصولي فِي اقتران الثريا والهلال
وليلةٍ من ليَالِي النس بتُّ بهَاوالرَّوضُ مَا بيَن منظوم ومنضودِ
والنسرُ قد حام فِي الظلماءِ من ظمإِوللمَجَرَّةِ نهرٌ غيرُ مَوْرودِ
وَابْن الغَزَالَةِ فَوق النَّجْم منعطفٌكَمَا تأوَّدَ عُرجُونٌ بعنقود) // الْبَسِيط //
وَلأبي عَاصِم الْبَصْرِيّ فِي اقتران الْهلَال والثريا والزهرة
رأيتُ الْهلَال وَقد أحدقتهنُجُوم السَّمَاء لكَي تَسْبقْه
فشبَّهته وَهُوَ فِي إثْرهَاوَبَينهمَا الزهرة المشرقة
ِبقوْسٍ لرامٍ رمى طائراًفأتبعَ فِي إثره بندقه) // المتقارب //
وَلأبي الْحسن الْكَرْخِي فِي مثله
كأنّ الهلالَ المستنيرَ وَقد بدَاوَنجم الثريا واقفٌ فوقَ هَالَتهْ
مليكٌ على أعلاهُ تاجٌ مرصَّعٌويُزْهى على من دونه بجلالته) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن طَبَاطَبَا الْعلوِي
أمَا والثريا والهلال جلتْهُمالِيَ الشمسُ إِذْ ودّعت كُرْهاً نهارَها
كأسماء إِذْ زارت عشيا وغادَرَتْدَلالاً لدينا قُرْطهَا وسوارها) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي عَليّ الْحَاتِمِي
وليلٍ أَقَمْنَا فِيهِ نُعملُ كأسناإِلَى أَن بَدَا للصبح فِي اللَّيْل عسكرُ
ونجمُ الثريا فِي السَّمَاء كأنهُعلى حُلةٍ زرقاء جَيْبٌ مدنر) // الطَّوِيل //
وَمن بديع أَوْصَاف الثريا قَول البديع القليوبي الْكَاتِب
وصافية باتَ الغلامُ يديرُهاعلى الشرْبِ فِي جنحٍ من اللَّيْل أدعجِ
كأنَ حَبابَ المَاء فِي وَجنَاتهافرائدُ دُرّ فِي عقيق مُدَحرجِ
ولَا ضوء إلاّ من هلالٍ كَأَنَّمَانفرق عَنهُ الغيمُ عَن نصف دُملجِ
وقدْ حَالَ دونَ المشتريْ من شعاعهِومِيضٌ كمثْلِ الزئبقِ المُتَرجرجِ
كَأَن الثريا فِي أواخرِ ليلِهانجيةُ وَرْدٍ فَوقَ زَهرِ بنفسج) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن فضال
كأنّ بهرَامَ وَقد عارضَتْفِيهِ الثريا نظرَ المبصرِ
ياقوتةٌ يعرضهَا بائعٌفِي كَفه والمشتَري المشترِي) // السَّرِيع //
وبديع قَول الشهَاب مَحْمُود فِي تَشْبِيه الثريا والهلال والدارة
كأنّ الثريا والهلالَ ودارَةًحوَتهُ وَقد زَان الثريا التئامُهَا
حَبابٌ طَفا من فوقِ زورقِ فضةٍبكَفِّ فتاة طَاف بِالرَّاحِ جامها) // الطَّوِيل //
وَقد أغرب ابْن عون بقوله
رُبَّ ليلٍ لم أنمهُونجوم اللَّيْل تَشْهَدْ
والثريا فِي مَدَاهاحِين تَنْحَط وتَصْعَدْ
عقْرَبٌ يسعَى من الدّرّعلى صحن زَبْرجد
خَلْفها طالبُ نَاروشهاب لَيْسَ يخمد
فَهِيَ حَيرَى مَا أَرَاهَامن سَبِيل الغي ترشد) // من مجزوء الرمل //
وبديع قَول ظافر الْحداد
كَأَن الثريا تَقْدُم الفجرَ والدجىيَضُمُّ حَوَاشِي سِجْفِهِ للمغاربِ
مُقَّدَم جَيش الرومِ أَوْمَأ بكفِّهلتَبديدِ جَيش من بني الزنج هارب) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
كَأَن نُجُوم اللَّيْل لما تَنَحَّلتتَوقُّدَ جمرٍ فِي سَوادٍ رَمَادِ
حكى فوقَ ممتَدُّ المجرَة شكلُهافواقعَ تَطفو فَوق لجةِ وادِ
وَقد سَبَحَتْ فِيهِ الثريا كَأَنَّهَابَقيةُ وشْي فِي قَمِيص حِدَادِ
ولاحَتْ بتو نَعْش كتنقيط كاتِبٍبيُسْراه للتعليم هيئةَ صادِ
إِلى أَن بدا وَجه الصَّباح كأنهُرِدَاء عَروسٍ فِيهِ صِبْغ مداد) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
وليلةٍ مثلِ عين الظَبي داجيةٍعَسَفتها ونجوم اللَّيْل لم تَقِدِ
كَأَن أنْجمَهَا فِي اللَّيْل زاهرةًدَرَاهِم والثريا كفّ منتَقِدِ) // الْبَسِيط //
وظريف قَول بَعضهم فِي شكاية طول اللَّيْل
كَأَن الثريا راحَة تَشبْرُ الدجىلتعلم طَال اللَّيْل أم لي تَعَرَّضا
عجبت لليلٍ بَين شَرق ومغربيُقَاسُ بشبرٍ كَيفَ يُرْجى لَهُ انقضا) // الطَّوِيل //
ولبعضهم
والثريا كَأَنَّهَا رأَسُ طِرْفٍأدهم زين باللجام الْمحلى) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول ابْن المعتز
أَلا فاسقنيها والظلام مُقَوَّضوَنجم الدجى فِي لجةِ اللَّيْل يركضُ
كَأَن الثريا فِي أَوَاخِر لَيْلهَامفتحُ نورٍ أَو لجام مفضض) // الطَّوِيل //
واالاطلاع على تفنن الأدباء فِي أَوْصَاف الثريا يغتقر الإطالة هُنَا
وَأَبُو قيس لم يَقع لي إِلَى الْآن اسْمه والأسلت لقب أَبِيه واسْمه عَامر بن جشم بن وَائِل يَنْتَهِي نسبه لِلْأَوْسِ وَهُوَ شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَأسلم ابْنه عقبَة بن أبي قيس ﵁ وَاسْتشْهدَ يَوْم الْقَادِسِيَّة وَكَانَ يزِيد بن مرداس السّلمِيّ أَخُو عَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ الشَّاعِر قتل قيس بن أبي قيس فِي بعض حروبهم فَطلب بثأره هَارُون بن النُّعْمَان بن الأسلت حَتَّى تمكن من يزِيد ابْن مرداس فَقتله بقيسٍ ابْن عَمه ولقيس يَقُول أَبوهُ أَبُو قيس بن الأسلت الْمَذْكُور
أقيسٌ إِن هلكتُ وَأَنت حيّفَلَا تَعْدَم مواصلَةَ الْفَقِير) // الوافر //
وَقَالَ هِشَام الْكَلْبِيّ كَانَت الْأَوْس قد أسندوا أَمرهم فِي يَوْم بغاث إِلَى
أبي قيس بن الأسلت الوائلي فَقَامَ بِحَرْبِهِمْ وآثرها على كل أَمر حَتَّى شحب وَتغَير ولبث أشهراً لَا يقرب امْرَأَته ثمَّ إِنَّه جَاءَ لَيْلَة فدق على امْرَأَته وَهِي كَبْشَة بنت ضَمرَة بن مَالك من بني عَمْرو بن عَوْف ففتحت لَهُ فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَيْهَا فأنكرته ودفعته فَقَالَ أَنا أَبُو قيس فَقَالَت وَالله مَا عرفتك حَتَّى تَكَلَّمت فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو قيس
قالتْ وَلم تقصِدْ مقَال الْخَنَامَهلاً فقد أبلَغْتَ أسماعي
استَنكرتْ لوناً لَهُ شاحباًوَالْحَرب غولٌ ذاتُ أوجاع
مَنْ يَذُقِ الْحَرْب يجد طعمهامُرّاً وتتركْهُ بجمجاع
(لَا نألم الْقَتْل ونجزي لَهُ الْأَعْدَاء كيلَ الصَّاع بالصاع ...) // السَّرِيع //
وَلما قتل عبد الْملك بن مَرْوَان مُصعب بن الزبير ﵄ خطب النَّاس بالنخيلة فَقَالَ فِي خطبَته أَيهَا النَّاس دعوا الْأَهْوَاء المضلة والآراء المشتتة وَلَا تكلفونا أَعمال الْمُهَاجِرين وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ بهَا فقد جاريتمونا إِلَى السَّيْف برأيتم كَيفَ صنع بكم وَلَا أعرفنكم بعد الموعظة تزدادون جَرَاءَة فَإِنِّي لَا أزداد فَعَدهَا إِلَّا عُقُوبَة وَمَا مثلي ومثلكم إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو قيس بن الأسلت
مَنْ يَصْلَ نَارِي بِلَا ذَنبٍ وتِرَلاةٍيصلَ بنارِ كريمٍ غيرِ غَدّارِ
أَنا النذيرُ لكمْ مني مُجَاهرةًكيلَا أُلامَ عَلى نَهْيٍ وإِعذارِ
فإِن عصيتم مقالي اليومَ فاعترِفُواأنْ سوفَ تَلقون خزياً ظاهرَ العارِ
لتُتْرَكُنّ أحاديثاً وملعبةًعندَ المقيمِ وَعند المُدْلِجِ السارِي
وصاحبُ الْوتر ليسَ الدهْرَ يدركهُعِنْدِي وإِني لَطَلَاّبٌ لأوتارِ
أقيم عَوْجتهُ إِن كَانَ ذَا عِوَجكَمَا يُقوّمُ قدحَ النَّبْعَةِ الْبَارِي
وَعَن الْهَيْثَم بن عدي قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد صَالح بن حسان فَقَالَ لنا أنشدوني بَيْتا خفراً فِي امْرَأَة خفرة فَقُلْنَا قَول حَاتِم
يُضيءُ بهَا البيتُ الظليلُ خَصاصُهُإِذا هِيَ يَوْمًا حاولَتْ أَن تبسما) // الطَّوِيل //
فَقَالَ هَذِه من الْأَصْنَام أُرِيد أحسن من هَذَا فَقُلْنَا قَول الْأَعْشَى
كأنّ مشيتهَا من بَيت جارتهامرُّ السحابة لَا رَيْثٌ وَلَا عجل) // الْبَسِيط //
فَقَالَ هَذِه خراجة ولاجة كَثِيرَة الِاخْتِلَاف فَقُلْنَا مَا عندنَا شَيْء فَقَالَ قَول أبي الْقَيْس بن الأسلت
ويُكرمُها جارَاتُهَا فيزُرْنهاوتعتلّ عَن إتيانهنّ فتُعْذَرُ
وليسَ لَهَا أَن تستهينَ بجارةٍوَلكنهَا منهنّ تَحْيا وتخفر) // الطَّوِيل //
ثمَّ قَالَ انشدوني أحسن بَيت وصفت بِهِ الثريا فَقُلْنَا بَيت الزبير الْأَسدي وَهُوَ
وَقد لَاحَ فِي الْغَوْر الثريا كَأَنَّمَابِهِ رايةٌ بيضاءُ تخفق لِلطَّعْنِ) // الطَّوِيل //
فَقَالَ أُرِيد أحسن من هَذَا فَقُلْنَا بَيت امرىء الْقَيْس
إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضتتعرض أثْنَاء الوشاح الْمفضل) // الطَّوِيل //
قَالَ أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا بَيت ابْن الطثرية
إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء كَأَنَّهَاجمان وَهِي من سلكه فتسرعا) // الطَّوِيل //
قَالَ أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا مَا عندنَا شَيْء قَالَ قَول أبي قيس ابْن الأسلت
وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا لمن رأىكعنقود ملاحية حِين نورا) // الطَّوِيل //
قَالَ فَحكم لَهُ بالتقدم عَلَيْهِم فِي هذَيْن الْمَعْنيين وَالله أعلم
كأنّ مُثارَ النَّقعِ فوقَ رُؤُّوسناوأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُه
الْبَيْت لبشار بن برد من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا ابْن هُبَيْرَة وأولها
جَفا ودّه فازْورَّ أَو مَلَّ صاحبهْوأزرى بِهِ أَن لَا يزَال يعاتبهُ
خليليَّ لَا تستكثر الوعة الهوىَوَلَا سلوةَ المحزون شَطَّتْ حبائبهْ) // الطَّوِيل //
يَقُول فِيهَا
إِذا كنتَ فِي كل الْأُمُور معاتباًصديقكَ لم تلقَ الَّذِي لَا تعاتبهْ
فعش وَاحِدًا أَو صِلْ أخاكَ فإِنهُمُقارفُ ذنبٍ مرّة ومُجَانبهْ
إِذا أَنْت لم تشرب مرَارًا على القَذَىظمئتَ وأيُّ النَّاس تصفو مشاربه
رُوَيداً نصاهل بالعراق جيادناكَأَنَّك بِالضحاكِ قد قَامَ نادبُهْ) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
وَسامٍ لمروان وَمن دونه الشَّجاوهولٌ كلُجّ الْبَحْر جَاشَتْ غواربه
أخلت بِهِ أمُّ المنايا بنانهابأسيافنا إِنَّا رَدَى مَنْ نحاربه
وَكُنَّا إِذا دبّ العدوِّ لسخطناوراقبنا فِي ظاهرٍ لَا نراقبهْ
رَكبنا لَهُ جَهرا لكل مثقَّفٍوأبيضَ تستسقي الدماءَ مضاربُهْ
وجيشٍ كجنح اللَّيْل يزحف بالحصاوبالشوك والْخطىِّ حمرا ثعالبه) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
غدونا لَهُ والشمسُ فِي خِدْر أمهَاتطالعها والطلّ لم يجر ذائبُهْ
بِضرب يذوقُ الموتَ من ذاق طعمهوتدركُ من نَجيَّ الفرارُ مثالبهْ
وَبعده الْبَيْت وَبعده
بعثنَا لَهُم موت الفُجَاءة إننابَنو الْمَوْت خَفَّاقٌ علينا سبائبهْ
فراحوا فريقٌ فِي الأسَارَى ومثلهُقتيلٌ ومثلٌ لَاذَ بالبحر هاربُهْ
إِذا الْملك الْجَبَّار صغر خدَّهُمشينا إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نعاتبه) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة فوصله ابْن هُبَيْرَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَكَانَت أول عَطِيَّة سنية أعطيها بشار بالشعر وَرفعت من ذكره
وَالنَّقْع الْغُبَار وَمعنى تهاوى كواكبه يتساقط بَعْضهَا فِي إِثْر بعض وَالْأَصْل تتهاوى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الْمركب الْحسي فِي التَّشْبِيه الَّذِي طرفاه مركبان الْحَاصِل من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من هوى أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة الْمِقْدَار مُتَفَرِّقَة فِي جَوَانِب شَيْء مظلم فَوجه الشّبَه مركب كَمَا ترى وَكَذَا طرفاه كَمَا فِي أسرار البلاغة
يرْوى أَنه قيل لبشار وَقد أنْشد هَذَا الْبَيْت مَا قيل أحسن من هَذَا التَّشْبِيه فَمن أَيْن لَك هَذَا وَلم تَرَ الدُّنْيَا قطّ وَلَا شَيْئا مِنْهَا فَقَالَ إِن عدم النّظر يُقَوي ذكاء الْقلب وَيقطع عَنهُ الشّغل بِمَا ينظر إِلَيْهِ من الْأَشْيَاء فيتوفر حسه وتذكو قريحته وأنشدهم قَوْله
عميتُ جَنِينا والذكاءُ من الْعَمىفَجئْت عَجِيب الظَّن للْعلم موئلا
وغاضَ ضياءُ الْعين للْعلم رافداًلقلب إِذا مَا ضيعَ الناسُ حَصَّلا
وشعرٍ كنَوْر الرَّوْض لاءَمْت بينهُبقول إِذا مَا أَحْزَن الشعرُ أسهلا) // الطَّوِيل //
وَحدث أَبُو يَعْقُوب الخريمي الشَّاعِر أَن بشاراً قَالَ لم أزل مُنْذُ سَمِعت قَول امرىء الْقَيْس فِي تشبيهه شَيْئَيْنِ بشيئين فِي بَيت وَاحِد حَيْثُ يَقُول
كَأَن قُلُوب الطير رطبا ويابسالَدَى وَكرها الْعنَّاب والحشف الْبَالِي) // الطَّوِيل //
أعمل نَفسِي فِي تَشْبِيه شَيْئَيْنِ بشيئين حَتَّى قلت
كأنَّ مُثار النَّقْعالْبَيْت
وَقد كَرَّرَه بشار فَقَالَ
خلقت سَمَاء فَوْقنَا بنجومهاسيوفاً ونقعاً يقبض الطّرف أقْتَمَا) // الطَّوِيل //
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى مَنْصُور النمري فَقَالَ وَأحسن
ليلٌ من النَّقْع لَا شمسٌ وَلَا قمرٌإِلَّا جَببنُكَ والمذروبة الشَّرْع) // الْبَسِيط //
وَمُسلم بن الْوَلِيد أَيْضا حَيْثُ يَقُول
فِي عَسكر تُشْرق الأَرْض الفضاء بِهِكالليل أنْجُمُه القضبانُ والأسل) // الْبَسِيط //
ولمؤلفه ﵀ من قصيدة عثمانية مظفرية
وَالنَّقْع ليلُ سَمَاء لَا نجومَ لَهُإِلَّا الأسِنَّهُ والهِنْدِيةُ البتر) // الْبَسِيط //
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع