من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْفَنّ الثَّالِث وَهُوَ علم البديع
تردى ثِيَاب الْمَوْت حْمراً فَمَا أتىَلَهَا الليلُ إِلَّا وَهِي من سندس خُضْرُ
الْبَيْت لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من الطَّوِيل يرثي بهَا أَبَا نهشل مُحَمَّد بن حميد حِين اسْتشْهد وأولها
كَذَا فليجلّ الْخطب وليفدح الْأَمروَلَيْسَ لعين لم يفض مَاؤُهَا عذر
تُوفيتِ الآمالُ بعد محمدٍفَأصْبح فِي شعل عَن السفَرِ السفْر
وَمَا كَانَ إِلَّا مالَ من قلَّ مالهُوذُخراً لمن أَمْسَى وليسَ لهُ ذُخرُ
وَمَا كانَ يدرى مَنْ بَلَا يُسْرَ كفهِإِذا مَا استهلَّتْ أنهُ خُلق العسرْ) // الطَّوِيل //
يَقُول فِيهَا
غدَا غدْوَة والحمدُ نسجُ ردائهِفَلم ينصرفْ إِلَّا وأكفانهُ الأجرْ
وَبعده الْبَيْت وَبعده
كأنَّ بني نَبهَان يومَ وفاتهِنجومُ سَمَاء خرَّ من بَينهَا البدرُ
يُعَزَّوْنَ عَن ثاوٍ تُعَزَّى بهِ العلَاويبكِي عَلَيْهِ الْبَأْس والجود والنصرُ
وأنِّي لَهُم صَبر عَلَيْهِ وَقد مضىإِلَى الموتِ حَتَّى استشهَدَا هُوَ وَالصَّبْر) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت أَنه ارتدى الثِّيَاب الملطخة بِالدَّمِ فَلم ينْقض يَوْم قَتله وَلم
يدْخل فِي ليلته إِلَّا وَقد صَارَت الثِّيَاب خضرًا من سندس الْجنَّة
أَقُول وَلَو قَالَ أَبُو تَمام
تردَّى ثِيَاب الْمَوْت حمرا فَمَا اختفىعَن الْعين إِلَّا وَهِي من سندسٍ خضرُ
لَكَانَ أبلغ فِي الْقَصْد وأبدع فَإِنَّهُ جعل غَايَة تبديلها بالسندس دُخُوله فِي اللَّيْل وَهَذَا لَيْسَ بِمَعْلُوم فَإِن الْمَيِّت إِذا غيب بالدفن عَن الْأَعْين تبدلت أَحْوَاله إِلَى خير أَو شَرّ وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَيشْهد لذَلِك مَا ورد أَن الْمَيِّت بِمُجَرَّد ستره عَن الْأَعْين يَأْتِيهِ ملكا السُّؤَال
وَفِي معنى بَيت أبي تَمام قَول القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم ﵀
لهفي لمقتول تلاحظهعيونُ الْبيض شَزْرَا
(متضرّجاً بدَمٍ رَأَتْهُ ُالحورُ فِي الجناتَ عطرَا ...)
متكفنٌ بملابسٍحَمْرَاء وَهِي تعودُ خضرًا) // من مجزوء الْكَامِل //
يرْوى أَنه لما ورد نعي هَذَا المرثي غمس أَبُو تَمام طرف رِدَائه فِي مداد ثمَّ ضرب بِهِ كفيه وصدره وَأنْشد هَذِه القصيدة
وإِلى ذَلِك أَشَارَ ابْن زنجي الْكَاتِب المغربي فِي قَوْله يرثي الشَّيْخ أَبَا عَليّ ابْن خلدون
لَوْلَا الحياءُ وَأَن أجيء بفعلةٍتنْضَى عليَّ بهَا سيوفُ ملامِ
وأكون مُتبعا لأشنعِ سنةٍقد سنّهَا فبلي أَبُو تمامِ
للبست لبس الثاكلات وَكنت فِيسود الوجوهِ كأنني من حام) // الْكَامِل //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الطباق الْمُسَمّى بالتدبيج وَهُوَ أَن يذكر الشَّاعِر أَو الناثر فِي معنى من الْمَدْح أَو غَيره ألواناً لقصد الْكِنَايَة أَو التورية وَيُسمى
تدبيج الْكِنَايَة أَيْضا فَإِنَّهُ هُنَا ذكر لون الْحمرَة والخضرة وَالْمرَاد من الأول الْكِنَايَة عَن الْقَتْل وَمن الثَّانِي الْكِنَايَة عَن دُخُول الْجنَّة
وَمن طباق التدبيج قَول عَمْرو بن كُلْثُوم
بأنَّا نوردُ الراياتِ بيضًاونصدرهن حمرا قد روينَا) // الوافر //
وَلَو اتّفق لَهُ أَن يَقُول
منَ الأسل الظِّماء يردنَ بيضًاونصدرهن حمرا قد روينَا
لَكَانَ أبدع بَيت للْعَرَب فِي الطباق لِأَنَّهُ يكون قد طابق بَين الْإِيرَاد والإصدار وَالْبَيَاض والحمرة والظمأ والري وَقد تمّ لأبي الشيص فَقَالَ
فأورَدها بِيضاً ظماءً صدورُهاوأصدرَها بالريّ ألوانها حمرا) // الطَّوِيل //
فَصَارَ أَخذه مغفورا بِكَمَال مَعْنَاهُ وَمَا أحسن قَول ابْن حيوس
وتملكِ العلياءَ بالسعي الَّذِيأغناكَ عَن متعالم الأنسابِ
ببياض عِرْضٍ واحمرار صوارمٍوَسَوَاد نَقْع واخضرار رِحابِ
وأفخر بعمّ عمَّ جودُ نوالهِوأبٍ لأفعال الدنيةِ آبي) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا
إنْ تردْ عِلمَ حَالهم عَن يقينٍفالْقَهُمْ فِي مكارمٍ أَو نزالِ
(تلقَ بيضَ الْأَعْرَاض سمرَ مثار النَّقْع خضرَ الأكناف حمر النصال ...) // الْخَفِيف //
وَقد أَخذه ابْن النبيه فقصر عَنهُ فِي قَوْله
لهمْ بنانٌ طافحٌ بالندَىفهنَّ إِمَّا دِيَمٌ أوْ بِحارْ
بيضُ الأيادي خضرُ رَوض الرُّباحُمْرُ المواضِي فِي العَجَاج المثار) // السَّرِيع //
وَقَول بَعضهم
الغصنُ فوقَ المَاء تَحت شقائقٍمثلُ الأسنة خُضِّبَتْ بدماءِ
كالصَّعْدةِ السمراءِ تحتَ الرَّايَة الْحَمْرَاءفوقَ الَّلأمة الخضراءِ) // الْكَامِل //
وَقَرِيب من لَفظه قَول الصّلاح الصَّفَدِي رَحمَه الله تَعَالَى
مَا أبصرَتْ عيناكَ أحسنَ منْظرًافِيمَا يُرَى من سَائِر الأشياءِ
كالشامةِ الخضراءِ فَوق الوجنة الْحَمْرَاءتحتَ المقلةِ السوداءِ) // الْكَامِل //
وَلابْن النبيه
دَع النوحَ خلف حُدُوجِ الركائبْوَسلّ فؤادكَ عَن كل ذاهبْ
(ببيضِ السوالف حمر المراشف صفر الترائبِ سود الذوائبْ ...)
فَمَا العيشُ إلَاّ إِذا مَا نظمتَثغر الْحَبَاب ثنايا الحبائبْ) // المتقارب //
وَلابْن الساعاتي
من معشر ويجلُّ قدرُ علائهِعَن أَن يقاَل لمثلهِ من معشرِ
بيض الْوُجُوه كَأَن زُرْقَ رماحهمسر يحلُّ سَواد قلب الْعَسْكَر) // الْكَامِل //
وَلابْن دبوقاء الْعِمَاد من أَبْيَات
أرَى العقدَ فِي ثغره محكمايرينا الصِّحاح منَ الجوهرِ
وتكملَةُ الْحسن إيضاحُهاروينَاهُ عَن وَجهك الأزهرِ
ومنثورُ دَمعي غدَا أحمرَاعلى آس عارضكَ الأخضرِ
وبعتُ رشادي بغيِّ الْهوىلأجلكَ يَا طلعة المُشْتَرِي) // المتقارب //
وَلأبي الْحسن مُحَمَّد بن القنوع من أَبْيَات
ويخترمُ الْأَرْوَاح والموتُ أحمرُبأبيضَ يتلوه لَدَى الطعْن أزرقُ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن مَا قَالَ بعده
وُيجْرِي عتاقَ الْخَيل قُبَّاً شوازباًتبارى هبوبَ الرّيح بل هِيَ أسبقُ
إِذَا حفرت مِنْهَا الحوافرُ فِي الصَّفَامحَاريبَ ظلتْ بالنجيع تخلق) // الطَّوِيل //
وَلأبي الْفَرح الببغاء فِي قريب من مَعْنَاهُ
وكأنما نقشت حَوافرُ خيلهِللناظرين أهلةً فِي الجلْمَد) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَوْله بعده
وَكَأن طَرْفَ الشَّمْس مطروفٌ وقدْجعلَ الغبارُ لهُ مَكَان الأثمدِ
وَلأبي سعيد الرستمي
من النَّفر العالينَ فِي السّلم والوغىوأهلِ الْمَعَالِي والعواليَ واللُّهَا
إِذا نزلُوا اخضرَّ الثرَى من نُزُولهَاوَإِن نازلوا احمرَّ القنا منِ نزالها) // الطَّوِيل //
وَلابْن جَابر الأندلسي
(تَشْتَكِي الصفر من يَدَيْهِ وترضى السمر من راحتيه عِنْد الحروب ...)
(أحمرُ السَّيْف أخضرُ السيب حَيْثُ الأَرْض غبراء من سَواد الخطوب ...) // الْخَفِيف //
وَلأبي الْقَاسِم عبد الصَّمد بن عَليّ الطَّبَرِيّ من قصيدة
(حَمِّر يَدي بالكأس فالروضُ مخضرُّ الرُّبا قبل اصفرار البنان ...) // السَّرِيع //
وَلأبي بكر الخالدي
ومدامة صفراءَ فِي قارورةٍزَرقاء تحملهَا يدٌ بيضاءُ
فالراح ُشمسٌ والْحَبَاب كواكبٍوالكفّ قُطْبٌ والإناءُ سَمَاء) // الْكَامِل //
ولنجم الدّين الْبَارِزِيّ فِي وصف قلم
(ومثقف للخَطّ يحْكى فعلَ سمرِ الْخط إِلَّا أَن هَذَا أصغرُ ...)
(فِي رأسهِ المسودِّ إِن أجروه فِي المبيض للأعداء موت أَحْمَر ...) // الْكَامِل //
وَمن المضحك فِيهِ قَول ابْن لنكك الْبَصْرِيّ يهجو أَبَا رياش وَكَانَ نهما شَرها على الطَّعَام
يَطيرُ إِلَى الطَّعَام أَبُو رياشٍمُبَادرةً وَلَو واراهُ قبرُ
أصابعهُ من الحَلَواء صُفْرٌولكنَّ الأخادِعَ مِنْهُ حمر) // الوافر //
وَكَانَ أَبُو رياش هَذَا باقعة فِي حفظ أَيَّام الْعَرَب وأنسابها وَأَشْعَارهَا غَايَة بل آيَة فِي هَذ دواوينها وسرد أَخْبَارهَا مَعَ فصاحة وَبَيَان وإعراب وإتقان وَلكنه كَانَ عديم الْمُرُوءَة وسخ اللبسة كثير التقشف قَلِيل التنظف وَفِيه يَقُول أَبُو عُثْمَان الخالدي
كَأَنَّمَا قمْلُ أبي رياشٍمَا بينَ صِئْبَان قَفَاهُ الفاشي
وَذَا وَذَا قد لج فِي انْتِفاشِشهدانج يُذَرُّ فِي خشخاش) // الرجز //
وَفِيه يَقُول ابْن لنكك وَقد ولي عملا بِالْبَصْرَةِ
قل للوَضيع أَبي رياش لَا تُبَلْبِهِ كلُّ تِيهكَ بالولايةِ والعَمَلْ
مَا ازْدَدتَ حِين ولِيَت إِلَّا خِسّةًكَالْكَلْبِ أنجسُ مَا يكون إِذا اغْتسل) // الْكَامِل //
وَله فِيهِ أَيْضا
نبئت أَن أَبَا رياش قَدْ حَوَىعلم اللُّغَات وفاقَ فِيمَا يَدِّعى
مَنْ مُخْبري عنهُ فَإِنِّي سائلٌمن كَانَ حَنِّكهُ بإير الْأَصْمَعِي) // الْكَامِل //
وَله فِيهِ أَو فِي غَيره من الأدباء
يَا مَنْ تَطَيَّبَ وَهُوَ من خَرْقِ اسْتِهِقَلِقٌ يكابِد كل داءٍ مُعْضِلِ
فشل الصيال وَمَا عهدنا دبرهمذ كَانَ بغشل عَن صيال الفيشل
وأراهُ فِي الكُتُبِ الجليلَةِ زاهداًلَا يَسْتَجيد سوى كتابِ المَدْخَلِ
قَبِّلتهُ ولثمتُ فاهُ مُسَلماًلثم الصّديقِ فَم الصّديق المجملِ
فدَنا إليَّ على المكانِ وقالَ ليأفديكَ من مُتَعَشِّقٍ متعزل
إِن كنتَ تلثمني بودٍّ فاشْفِنيبلِسَانِ بطنِكَ فِي فمي من أسفلي) // الْكَامِل //
وَقد زاغ الْقَلَم وطاش بجريرة أبي رياش وَأَنا أسْتَغْفر الله من ذَلِك
لَا تعجبي يَا سلم من رجلضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبَكى
الْبَيْت لدعبل من قصيدة من الْكَامِل أَولهَا
أينَ الشَّبَاب وأية سلكالَا أَيْن يطلَبُ ضَلِّ بل هَلكا
وَبعده الْبَيْت وَبعده
يَا سَلْمَ مَا بالشيبِ مَنْقَصَةٌلَا سوقَةً يُبْقِي وَلَا ملِكا
قَصَرَ الْغَوايةَ عَن هَوَى قَمرٍأجِدُ السَّبيلَ إليهِ مُشتركا
يَا لَيْتَ شعري كَيْفَ نومكمايَا صاحِبَيَّ إِذا دمي سُفِكا
لَا تأخذا بِظُلَامتي أحَداًقلبِي وطَرْفي فِي دمي اشْتَركَا) // الْكَامِل //
حدث أَبُو هفان قَالَ قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد
مُستَعبر يبكي على دِمْنَةٍورأسُهُ يضْحك فِيهِ المشيب) // السَّرِيع //
فسرقه دعبل فَقَالَ وأنشا الْبَيْت فجَاء بِهِ أَجود من قَول مُسلم فَصَارَ أَحَق بِهِ مِنْهُ
وَحدث أَبُو الْمثنى قَالَ كُنَّا فِي مجْلِس الْأَصْمَعِي فأنشده رجل لدعبل لَا تعجبي يَا سلم .... الْبَيْت فاستحسناه فَقَالَ الْأَصْمَعِي إِنَّمَا سَرقه من قَول الْحُسَيْن
ابْن مطير الْأَسدي
أَيْن أهلُ القِبابِ بالدَهْناءأَيْن جيرانُنا على الأحْسَاء
فارقونا وَالْأَرْض ملبسة نورالأقاحي تُجَادُ بالأنْوَاءِ
كلَّ يَوْم بأقْحُوَانٍ جديدٍتضحَكُ الأرضُ من بكاء السَّمَاء) // الْخَفِيف //
وروى عَن أبي الْعَبَّاس الْمبرد أَنه قَالَ اخذ ابْن مطير قَوْله تضحك الأَرْض من بكاء السَّمَاء من قَول دُكَيْن الراجز
جُنَّ النباتُ فِي ذُراها ورَكاوضَحِكَ المزنُ بِهِ حَتَّى بَكَى) // الرجز //
وَقَالَ أَبُو هفان أنشدت يَوْمًا بعض الْبَصرِيين الحمقاء قَول دعبل ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى فَجَاءَنِي بعد أَيَّام فَقَالَ قد قلت أحسن من الْبَيْت الَّذِي قَالَه دعبل فَقلت يَا هَذَا وَأي شَيْء قلت فتمنع سَاعَة ثمَّ قَالَ
(قَهْقَه فِي رأسِهِ القتير ...) // الرجز //
وَقد تداول الشُّعَرَاء معنى بَيت دعبل فَمِنْهُ قَول الراضي الْقُرْطُبِيّ
ضحك المشيب بِرَأْسِهِفَبَكى بأعينِ كأسِهِ
رجل تخونه الزَّمَانببُوسِهِ وببأسِهِ
فجرَى على غُلَوَائِهِطَلْقَ الجموحُ بفأسِهِ
أخذا بأوفَرِ حَظِّهلرجائه من يأسه) // من مجزوء الْكَامِل //
وَمِنْه أَيْضا قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
تَبسُّمُ الشيب بذقْن الْفَتىيوجِبُ سَحَّ الدمع من جَفْنهِ
حسبُ الْفَتى بعد الصبذلةأَن يضْحك الشيب على ذقنه) // السَّرِيع //
ولمؤلفه رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا فِي هَذَا الْمَعْنى
ضحك الشيب برأسيفبكتْ عَيْني الشَّبَابا) // من مجزوء الرمل //
وَمن الْبكاء على الشَّبَاب وَهُوَ أبكى بَيت قيل فِي فَقده وينسب لأبي الْغُصْن الْأَسدي
أتأَملُ رجْعَةَ الدُّنْيَا سَفَاهاًوَقد سَار الشبابُ إِلَى الذهابِ
فَلَيْتَ الباكياتِ بكلِّ أرضٍجُمِعْنَ لنا فَنُحْن على الشبابِ) // الوافر //
وَمَا أحسن قَول أبي الْعَلَاء المعري فِيهِ أَيْضا
وَقد تَعَوَّضْتُ عَن كلٍّ بمشْبهِهِفَمَا وجدتُ لأيام الصِّبَا عوضا) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
شَيآنِ لَو بكَتِ الدماءَ عَلَيهمَاعينايَّ حَتَّى تُؤْذنا بذَهاب
لم تَبْلُغا المعشار من حَقِّيْهمافَقْدُ الشَّبَاب وفُرْقَة الأحبابِ) // الْكَامِل //
وَلأبي بكر بن مجير
رَحَلَ الشَّبَاب وَمَا سمعْتُ بعَبرَةٍتجْرِي لمثْلِ فِرَاقِ ذاكَ الرَّاحِلِ
قد كنت أُزْهَى بالشباب وَلم أخَلْأَن الشَّبيبَةَ كالخِضَاب الناصل
ظِلٌّ صفا لي ثمَّ زَالَ بسرعةٍيَا ويحَ مُغتُرٍ بِظِل زائل) // الْكَامِل //
وَلابْن حمديس فِي قريب من مَعْنَاهُ
وَلم أرَ كالدنيا خَؤوناً لصَاحِبٍوَلَا كمصابي بالشَّباب مُصَابا
فَقَدْتُ الصِّبا فابيَضَّ مُسْودُّ لمتىكأنَّ الصِّبَا للشيب كَانَ خضابا) // الطَّوِيل //
وَلأبي الْفَتْح البستي فِيهِ
دعْ دموعي تَسيلُ سَيْلاً بداراوضُلوعي يَصْلَينَ بالوَجْدِ نَارا
قد أعادَ الأسىَ نهاريَ لَيْلاًمذْ أعَاد المشيبُ ليلِي نَهَارا) // الْخَفِيف //
ولعلى بن مُحَمَّد الْكُوفِي فِي الْبكاء من المشيب والبكاء عَلَيْهِ
بَكَى للشَّيْبِ ثمَّ بَكَى عَلَيهفكانَ أعَزَّ من فَقْدِ الشبابِ
فَقلْ للشيب لَا تبرَحْ حميداإِذا نَادَى شَبَابِي بالذهاب) // الوافر //
وَمثله قَول مُسلم بن الْوَلِيد
الشيب كُرْهٌ وكُرهٌ أَن يُفارقنيفاعجَبْ لشَيْء على البَغْضاء مَوْدُود
يمْضِي الشَّبَاب وَقد يَأْتِي لَهُ خَلفٌوالشيب يذهَبُ مفقودا بمفقود) // الْبَسِيط //
وَقد أعَاد مُسلم بن الْوَلِيد هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
لَا يرحل الشيبُ عَن دَار أَقَامَ بهَاحَتَّى يُرَحَّلُ عَنْهَا صاحِبُ الدَّار) // الْبَسِيط //
وَيُقَال إِن مُسلما أَخذ هَذَا الْمَعْنى من قَول بعض الْأَعْرَاب
أسْتَغفر الله وأستَقِيلهمَا أَنا مِمَّن شَيبُهُ يَهُولهُ
(أعظَم من حُلُوله رحيله ...) // الرجز //
وَمثل قَول مُسلم قَول البحتري
يعيبُ الغانياتُ علىَ شيبيومَنْ لي أَن أُمَّتَع بالمشيبِ
ووجْدِي بالشباب وَإِن تَقَضَّىحميدا دونَ وجدي بالمشيب) // الوافر //
وَمَا أحسن قَول كشاجم الْكَاتِب
تَفَكرْتُ فِي شَيبِ الْفَتى وشبابهفأيقَنتُ أَن الْحق للشيب واجبُ
يصاحِبني شرخُ الشَّبَاب فَينْقَضيوشيبي إِلَى حِين المماتُ مصاحب) // الطَّوِيل //
وبديع قَول الْغَزِّي
ذهبَ الشَّبَاب ذهابَ سهم مارِقٍلَا يُسْتطاعُ مَعَ التأسُّفِ ردُّهُ
وأتى المشيب بقَضِّهِ وقَضيضهِوأشَدُّ من وجدانِ ذَلِك فَقْدهُ
أَنا فِي السُّرى والسَّير كالطِّفل الَّذِييجدُ السكونَ إِذا تحَرَّكَ مَهدُه
من يَقْتَدحْ زنداً بكف مَالهَازنْدٌ فَكيف ترَاهُ يقْدَح زنده) // الْكَامِل //
وبديع أَيْضا قَول حسن بن النَّقِيب رَحمَه الله تَعَالَى
لَا تأسَفَنَّ على الشَّبَاب وفَقْدهفَعلى المشيب وفَقْده يُتأسَّف
هاذاك يخلُفه سواهُ إِذا انْقَضىومَضَى وَهَذَا إِن مضى لَا يخلف) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا
عجبت للشيب كنت أكرَههُفأصبَحَ الْقلب وهوَ عاشقُهُ
وَكنت لَا أشْتَهي أرَاهُ وَقدأصْبَحْتُ لَا أشتهي أفارقه) // المنسرح //
وَمَا أحسن قَول الصفي الْحلِيّ
(لَو تَيَقَّنْتُ أَن شَينَ بَيَاض الشيب يبْقى لما كَرهت البياضا ...)
غيرَ أنِّي علمت من ذلكَ الزائرمَا يَقْتَضِي وَمَا يتقاضى) // الْخَفِيف //
وَلأبي الْفَتْح البستي رَحمَه الله تَعَالَى فِيهِ
يَا شَيْبتي دومي وَلَا تترحَّليوتيَّقِني أَنِّي بوصلك مُولَع
قد كنت أجْزَعُ من حلولك مرّةوالآن من خوف ارتحالك اجزع) // الْكَامِل //
وَلأبي الْيمن الْكِنْدِيّ فِيهِ أَيْضا
عَفا الله عَمَّا جرَّه اللَّهْو وَالصبَاوَمَا مرَّ منْ قَالِ الشَّبَاب وقيله
زمانٌ صحبناه بأرغد عيشةإِلَى أَن مضى مستكرهاً لسبيلهِ
وأعقَبَنَا من بعدهِ غير مُشْتَهيمَشيباً نَفى عنَّا الكَرَى بحلُولهِ
لَئِن عَظَمتْ أحْزَانُنا بقُدومِهِفأعْظَمُ مِنْهَا خَوْفُنا من رحيله) // الطَّوِيل //
وَقد خَالف ابْن الرُّومِي حَيْثُ يَقُول
من كانَ يبكي الشبابَ من أسَفِفَلَست أبْكِي عَلَيْهِ من أسَفِ
كيفَ وشَرْخُ الشَّبَاب عرَّضنييومُ حِسَابي لِمَوْقفِ التَّلَفِ
لَا صُوحِبَتْ شِرَّةُ الشَّبَاب وَلَاعدِمتُ مَا فِي المشيبِ مِنْ خَلَفِ) // المنسرح //
وَمثله قَول بَعضهم
(لم أقلْ للشباب فِي دعَة الله وَلَا حفظهِ غَدَاةَ اسْتَقَلَاّ ...)
زائر زارنا أَقَامَ قَليلاًسَوَّدَ الصُّحْفَ بِالذنُوبِ وَولى) // الْخَفِيف //
وَمن الْجيد أَيْضا قَول الْعلوِي
لَعَمْرُكَ لَلمشيبُ عليَّ مِمَّافَقَدْتُ من الشَّبَاب أجَلُّ فوتا
تمَليتُ الشَّبَاب فصارَ شيباًومُلِّيتُ المشيبَ فَصَارَ موتا) // الوافر //
وَمَا أحسن أَيْضا قَول الآخر
والمرءُ إِن حَلَّ شَيْبٌ فِي مفارقهفَمَا يفارِقُه أَو يرحلان مَعًا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول المعري فِي مدح الشيب
(خبرِيني مَاذَا كرِهْتِ من الشَّيْب فَلَا علم لي بذنبِ المشيب ...)
أضيِاَء النهارِ أم وضح اللُّؤْلُؤأم كونَهُ كثغر الحبيبِ
أَخْبِرِينِي فضلَ الشَّبَاب وماذافِيهِ من مَنْظر يَسُرُّ وطيبِ
(غَدْره بالخليل أم حبهُ للغي أم كونهُ كعيش الأديب ...) // الْخَفِيف //
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا أحسن قَول الْحَافِظ بن سهل بن غَانِم الْأَصْفَهَانِي وأصدقه
من شابَ قد ماتَ وهوَ حَيٌّيمشي على الأرضِ مَشْيَ هالِكِ
لَو كانَ عمرُ الْفَتى حِساباًلَكَانَ فِي شيْبه فَذَلِك) // من مخلع الْبَسِيط //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الْجمع بَين مَعْنيين غير مُتَقَابلين عبر عَنْهُمَا بلفظيين يتقابل معنياهما الحقيقيان فَإِنَّهُ هُنَا لَا تقَابل بَين الْبكاء وَظُهُور الشيب لكنه عبر
عَن ظُهُوره بالضحك الَّذِي يكون مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ مضاداً لِمَعْنى الْبكاء وَيُسمى إِيهَام التضاد لِأَن الْمَعْنيين الْمَذْكُورين وَإِن لم يَكُونَا مُتَقَابلين حَتَّى يكون التضاد حَقِيقِيًّا لكنهما قد ذكرا بلفظيين يوهمان التضاد نظرا إِلَى الظَّاهِر وَالْحمل على الْحَقِيقَة
وَمن الشواهد على إِيهَام التضاد قَول أبي تَمام الطَّائِي
وتَنَظَّرِي خَبَبَ الركاب ينُّصهامُحْيي القريض إِلَى مميت المَال) // الْكَامِل //
فَلَيْسَ بَين محيي ومميت هُنَا تضَاد بِالْمَعْنَى إِلَّا بِمَا يتَوَهَّم من اللَّفْظ لِأَن محيي القريض هُنَا كِنَايَة عَن مجيده وَيَعْنِي بِهِ نَفسه ومميت المَال كِنَايَة عَن مفنيه فِي الْكَرم وَلَيْسَ بَينهمَا تضَاد
وَمِنْه قَول الشَّاعِر
يُبْدِي وِشاحاً أبيضاً من سَيْفهوالجوُّ قد لبس الرِّدَاء الأغبرا) // الْكَامِل //
فَإِن الْأَبْيَض لَيْسَ بضد الأغبر وَإِنَّمَا يُوهم بِلَفْظِهِ أَنه ضِدّه
ودعبل هُوَ ابْن على بن رزين بن سُلَيْمَان بن تَمِيم الْخُزَاعِيّ ويكنى أَبَا عَليّ وَهُوَ شَاعِر مطبوع مُتَقَدم هجاء خَبِيث اللِّسَان لم يسلم مِنْهُ أحد من الْخُلَفَاء وَلَا من وزرائهم وَلَا من أَوْلَادهم وَلَا ذُو نباهة أحسن إِلَيْهِ أَو لم يحسن وَلَا أفلت مِنْهُ كَبِير أحد
وَحدث أَبُو هفان قَالَ قَالَ لي دعبل قَالَ لي أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ مِم اشتق دعبل قلت لَا أَدْرِي قَالَ الدعبل النَّاقة الَّتِي مَعهَا أَوْلَادهَا
وَحدث مُحَمَّد بن أَيُّوب قَالَ دعبل اسْمه مُحَمَّد وكنيته أَبُو جَعْفَر ودعبل لقب لقب بِهِ
وَعَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ الدعبل الْبَعِير المسن
وَحدث دعبل قَالَ كنت جَالِسا مَعَ بعض أَصْحَابنَا ذَات يَوْم فَلَمَّا قُمْت سَأَلَ الرجل وَلم يعرفنِي أَصْحَابِي عني فَقَالُوا هَذَا دعبل قَالَ قُولُوا فِي جليسكم خيرا كَأَنَّهُ ظن اللقب شتماً
وَقَالَ دعبل صرع مَجْنُون مرّة فَصحت فِي أُذُنه دعبل ثَلَاث مَرَّات فأفاق
وَكَانَ سَبَب خُرُوجه من الْكُوفَة أَنه كَانَ يتشطر ويصحب الشطار فَخرج هُوَ وَرجل من أَشْجَع فِيمَا بَين الْعشَاء وَالْعَتَمَة فَجَلَسَا على طَرِيق رجل من الصيارفة كَانَ يروح كل لَيْلَة بكيسه إِلَى منزله فَلَمَّا طلع مُقبلا عَلَيْهِمَا وثبا عَلَيْهِ وجرحاه وأخذا مَا فِي كيسه فَإِذا هِيَ ثَلَاث رمانات فِي خرقَة وَلم يكن كيسه مَعَه ليلتئذ وَمَات الرجل فِي مَكَانَهُ واستتر دعبل وَصَاحبه وجد أَوْلِيَاء الرجل فِي طلبهما وجد السُّلْطَان أَيْضا فِي ذَلِك فطال على دعبل الاستتار فاضطر إِلَى أَن يهرب من الْكُوفَة فَمَا دَخلهَا حَتَّى كتب إِلَيْهِ أَهله أَنه لم يبْق من أَوْلِيَاء الرجل أحد
وَحدث أَحْمد بن أبي كَامِل قَالَ كَانَ دعبل يخرج فيغيب سِنِين يَدُور الدُّنْيَا كلهَا وَيرجع وَقد أَفَادَ وأثرى وَكَانَت الشراة والصعاليك يلفونه فَلَا يؤذونه ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه وَكَانَ إِذا لَقِيَهُمْ وضع طَعَامه وَشَرَابه ودعاهم إِلَيْهِ ودعا بغلاميه نفنف وشنغف وَكَانَا مغنيين فأقعدهما يغنيان وسقاهم وَشرب مَعَهم وأنشدهم فَكَانُوا قد عرفوه وألفوه لِكَثْرَة
أَسْفَاره وَكَانُوا يواصلونه ويصلونه قَالَ وأنشدني دعبل لنَفسِهِ فِي بعض أَسْفَاره
حللتُ محلا يَقْصُر البرْقُ دونهُويعجز عَنهُ الطيفُ أَن يتجشما) // الطَّوِيل //
وَحدث مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ قَالَ دخل دعبل الرّيّ فِي أَيَّام الرّبيع فَجَاءَهُمْ ثلج لم ير مثله فِي الشتَاء فجَاء شَاعِر من شعرائهم فَقَالَ شعرًا وَكتبه فِي رقْعَة وَهُوَ
(جاءَنا دِعبلٌ بثلج من الشّعْر فجادت سماؤنا بالثلوج ...)
نزل الرّيّ بعد مَا سكن الْبردوَقد أينعت رياضُ المروجِ
(فكسانا بِبرْدِهِ لَا كَسَاه الله ثوبا من كرسفٍ محلوج ...) // الْخَفِيف //
وَألقى الرقعة فِي دهليز دعبل فَلَمَّا قَرَأَهَا ارتحل عَن الرّيّ
وَحدث أَحْمد بن خَالِد قَالَ كُنَّا يَوْمًا عِنْد دَار رجل يُقَال لَهُ صَالح ابْن عَليّ ابْن عبد الْقَيْس بِبَغْدَاد ومعنا جمَاعَة من أَصْحَابنَا فَسقط على كَنِيسَة فِي سطحها ديك طَار من بَيت دعبل فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قُلْنَا هَذَا صيد فأخذناه فَقَالَ صَالح مَا نصْنَع بِهِ قُلْنَا نذبحه فذبحناه وشويناه يَوْمنَا وَخرج دعبل فَسَالَ عَن الديك فَعرف أَنه سقط فِي دَار صَالح فَطَلَبه منا فجحدناه وشربنا يَوْمنَا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد خرج دعبل فصلى الْغَدَاة ثمَّ جلس على بَاب الْمَسْجِد وَكَانَ ذَلِك الْمَسْجِد مجمع النَّاس يجْتَمع فِيهِ جمَاعَة من الْعلمَاء ونبهاء النَّاس فَجَلَسَ دعبل على بَاب الْمَسْجِد وَقَالَ
أسَرَ المؤذِّنَ صالحٌ وضُيُوفُهُأسْرَ الكمىِّ هفا خلالَ المأقط
بَعثُوا عليهِ بناتهمْ وبنيهمُمَا بينَ ناتفةٍ وَآخر سامطِ
يتنازعون كَأَنَّهُمْ قد أوثقُواخاقَان أَو هزموا كتائب ناعطِ
نهشوه فانتزعتْ لَهُ أسنانهمْوتهشمتْ أقفاؤهمْ بِالْحَائِطِ) // الْكَامِل //
قَالَ فكتبها النَّاس عَنهُ ومضوا فَقَالَ لي أبي وَقد رَجَعَ إِلَى الْبَيْت وَيحكم ضَاقَتْ عَلَيْكُم المآكل فَلم تَجدوا شَيْئا تأكلونه سوى ديك دعبل ثمَّ أنشدنا الشّعْر وَقَالَ لي لَا تدع ديكاً وَلَا دجَاجَة تقدر عَلَيْهَا إِلَّا اشْتريت ذَلِك لدعبل وَبعثت بِهِ إِلَيْهِ وَإِلَّا أوقعتنا فِي لِسَانه فَفعلت ذَلِك
قَالَ وناعط قَبيلَة من هَمدَان وَأَصله جبل نزلُوا بِهِ فنسبوا إِلَيْهِ
وَقَالَ دعبل كُنَّا يَوْمًا عِنْد سهل بن هَارُون الْكَاتِب البليغ وَكَانَ شَدِيد الْبُخْل فأطلنا الحَدِيث واضطره الْجُوع إِلَى أَن دَعَا بغداء لَهُ فَأتى بقصعة فِيهَا ديك جاسٍ هرم لَا تخرقه سكين وَلَا يُؤثر فِيهِ ضرس فَأخذ كسرة خبز فَخَاضَ بهَا مرقته وقلب جَمِيع مَا فِي الْقَصعَة ففقد الرَّأْس فَبَقيَ مطرقا سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ للطباخ أَيْن الرَّأْس قَالَ رميت بِهِ فَقَالَ وَلم قَالَ ظننتك لَا تَأْكُله قَالَ بئس مَا ظَنَنْت وَالله إِنِّي لأمقت من يَرْمِي برجليه فَكيف من يَرْمِي بِرَأْسِهِ وَالرَّأْس رَئِيس وَفِيه الْحَواس الْأَرْبَع وَمِنْه يَصِيح وَلَوْلَا صَوته لما فضل وَفِيه فرقة الَّذِي يتبرك بِهِ وَفِيه عَيناهُ اللَّتَان يضْرب بهما الْمثل فَيُقَال شراب كعين الديك ودماغه عجب لوجع الكليتين وَلم ير عظم قد أهش من عظم رَأسه أَو مَا علمت أَنه خير من طرف الْجنَاح وَمن السَّاق وَمن الْعُنُق فَإِن كَانَ قد بلغ من نبلك أَنَّك لَا تَأْكُله فَإنَّا نأكله فَانْظُر أَيْن هُوَ قَالَ لَا أَدْرِي وَالله أَيْن هُوَ رميت بِهِ قَالَ لكني أَدْرِي أَيْن هُوَ رميت بِهِ فِي بَطْنك فَالله حسيبك
وَحدث إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر قَالَ لقِيت دعبل بن عَليّ فَقلت لَهُ أَنْت
أخبر النَّاس عِنْدِي وأقدمهم حَيْثُ تَقول يَعْنِي فِي حق الْمَأْمُون
إِنِّي من الْقَوْم الذينَ سيوفهمْقتلتْ أخاكَ وشرَّفتكَ بمقعدِ
رفعوا مَحَلِّكَ بعد طول خُمولهِواستنقذوكَ من الحضيض الأوهدِ) // الْكَامِل //
فَقَالَ لي يَا أَبَا إِسْحَاق أَنا أحمل خشبتي مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة فَلَا أجد من يصلبني عَلَيْهَا بعد
وَبَات دعبل لَيْلَة عِنْد صديق لَهُ من أهل الشأم وَبَات عِنْدهم رجل من أهل بَيت لهيان يُقَال لَهُ حوي بن عَمْرو السكْسكِي وَكَانَ جميل الْوَجْه فدب إِلَيْهِ صَاحب الْبَيْت وَكَانَ شَيخا كَبِيرا فانيا أَتَى عَلَيْهِ حِين فَقَالَ لَهُ دعبل
لَوْلَا حويٌّ لبيت لهيانمَا قامَ أيرُ العزب الفاني
لهُ دَواةُ فِي سراويلهِيليقها النازحُ والداني) // السَّرِيع //
وشاع هَذَا البيتان فهرب حوي من ذَلِك الْبَلَد وَكَانَ الشَّيْخ إِذا رأى دعبلاً سبه وَقَالَ فضحتني أخزاك الله
وَحدث مُحَمَّد بن الْأَشْعَث قَالَ سَمِعت دعبلاً يَقُول مَا كَانَت لأحد عِنْدِي منَّة قطّ إِلَّا تمنيت مَوته
وَكَانَ دعبل قد مدح مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فأنشده مَا قَالَه فِيهِ وَهُوَ جَالس وَفِي يَده طومار قد جعله على فِيهِ كالمتكئ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالس فَلَمَّا فرغ أَمر لَهُ بِشَيْء قَلِيل لم يرضه فَقَالَ
يَا منْ يقبلُ طوماراً ويلثمهُمَاذَا بقلبكَ من حُبّ الطواميرِ
فِيهِ مَشَابهُ من شَيْء تُسَرُّ بهِطولا بطولٍ وتدويراً بتدويرِ
لَو كنتَ تجمعُ أَمْوَالًا كجمعكهاإِذا جمعتَ بُيُوتًا من دَنَانِير) // الْبَسِيط //
وَقَالَ دعبل فِي الْفضل بن مَرْوَان
نصحت فأخلصت النصحية فِي الفضلِوقلتُ فسيرت الْمقَالة فِي الفضلِ
أَلا إنّ فِي الْفضل بن سهلٍ لعبرةًإِذَا اعتبرَ الْفضل بن مروانَ بالفضلِ
وللفضلِ فِي الْفضل بن يحيى مواعظٌإِذا فكرَ الفضلُ بن مَرْوَان فِي الفضلِ
فأبْقِ جميلاً من حديثٍ تَفزْ بهِوَلَا تدعِ الإحسانَ والأخذَ بالفضلِ
فإنكَ قدْ أصبحتَ للملكِ قَيْماًوصرتَ مَكَان الفضلِ والفضلِ والفضلِ
وَلم أرَ أبياتاً منَ الشعرِ قبلهَاجميعُ قوافيها على الفضلِ والفضلِ
وليسَ لَهَا عيْبٌ إِذا هِيَ أنشدتسوى أنَّ نصحي الفضلَ كَانَ من الْفضل) // الطَّوِيل //
فَبعث إِلَيْهِ الْفضل بِدَنَانِير وَقَالَ لَهُ قد قبلت نصيحتك فَاكْفِنِي خيرك وشرك
وَحدث مُحَمَّد بن حَاتِم الْمُؤَدب قَالَ فيل لِلْمَأْمُونِ إِن دعبلاً قد هجاك فَقَالَ وَأي عجب فِي هَذَا هُوَ يهجو أَبَا عباد فَلَا يهجوني أَنا وَمن أقدم على جُنُون أبي عباد أقدم على حلمي ثمَّ قَالَ لجلسائه من كَانَ فِيكُم يحفظ شعره فِي أبي عباد فلينشده فأنشده بَعضهم
أولىَ الأمورِ بضيعةٍ وفسادِأمْرٌ يدبرُهُ أَبُو عبادِ
خرقٌ على جُلَسَائِهِ فكأنهمْحَضَرُوا لملحمة وَيَوْم جلادِ
يَسْطُو على كِتَابه بدواتهِفمضمخ بدمٍ ونضحِ مِدادِ
وَكَأَنَّهُ من دير هِرقل مفلتخرد يجرُّ سلاسلَ الأقيادِ
فاشددْ أَميرَ الْمُؤمنِينَ وثاقهُفأصحُّ مِنْهُ بَقِيَّة الْحداد) // الْكَامِل //
قَالَ وَكَانَ بَقِيَّة هَذَا مَجْنُونا فِي المارستان فَضَحِك الْمَأْمُون وَكَانَ إِذا
نظر إِلَى أبي عباد يضْحك وَيَقُول لمن يقرب مِنْهُ وَالله مَا كذب دعبلٌ فِي قَوْله
وَحدث أَبُو نَاجِية قَالَ كَانَ المعتصم يبغض دعبلاً لطول لِسَانه وَبلغ دعبلاً أَنه يُرِيد اغتياله وَقَتله فهرب إِلَى الْجَبَل وَقَالَ يهجوه
بَكَى لشتات الدّين مكتئبٌ صبٌّوفاضَ بفرط الدمعِ من عينهِ غَرْبُ
وقامَ إمامٌ لم يكنْ ذَا هدايةٍفليسَ لَهُ دينٌ وَلَيْسَ لهُ لبُّ
وَمَا كَانَت الأنباءُ تَأتي بمثلهِيُمَلَّكُ يَوْمًا أَو تدينُ لَهُ العُرْبُ
وَلَكِن كَمَا قَالَ الَّذين تتابعوامن السّلف الْمَاضِي إِذا عظم الْخطب
ملوكُ بني العباسِ فِي الْكتب سبعةٌوَلم تأتيا عَن ثامنٍ لهمُ كتبُ
كذلكَ أهلُ الْكَهْف فِي العدّ سبعةٌخيارٌ إِذا عُدُّوا وثامنهم كلبُ
وَإِنِّي لأُعْلِي كلبهمْ عنكَ رفْعَةلأنكَ ذُو ذنبٍ وليسَ لهُ ذَنبُ
لقد ضَاعَ ملكُ النَّاس إِذْ سَاس ملكهمْوصيفٌ وأشناسٌ وَقد عظم الكربُ
وفضلُ بنُ مَرْوان سيثلمُ ثلمةًيظلّ لَهَا الإسلامُ ليسَ لهُ شعب) // الطَّوِيل //
وَلما مَاتَ المعتصم قَالَ ابْن الزيات يرثيه
قد قلت إِذْ غيبوه وَانْصَرفُوافِي خير قبرٍ لخير مدفونِ
لنْ يجْبر الله أُمة فقدَتْمثلك إِلَّا بِمثل هرون) // المنسرح //
فَقَالَ دعبل يُعَارضهُ
قد قلت إِذْ غيبوه وَانْصَرفُوافِي شرّ قَبرٍ لشرِّ مدفونِ
اذهبْ إِلَى النَّار وَالْعَذَاب فَماخلتكَ إِلَّا من الشياطينِ
مَا زلتُ حَتَّى عقَدْتَ بيعةَ منْأضَرَّ بِالْمُسْلِمين وَالدّين) // المنسرح //
وَحدث مُحَمَّد بن جريرٍ قَالَ أَنْشدني عبد الله بن يَعْقُوب هَذَا الْبَيْت وَحده لدعبل يهجو بِهِ المتَوَكل وَمَا سَمِعت لَهُ غَيره فِيهِ
ولستُ بقائلٍ بدعا ولكنْلأمرٍ مَا تعبدك العبيد) // الوافر //
قَالَ يرميه فِي هَذَا الْبَيْت بالأبنة
وَحدث مُحَمَّد بن جرير قَالَ كنت مَعَ دعبل بالصيمرة وَقد جَاءَنَا نعي المعتصم وَقيام الواثق فَقَالَ لي دعبل أَمَعَك مَا تكْتب فِيهِ قلت نعم فأخرجت قرطاساً فأملى عَليّ بديها
الْحَمد لله لَا صبرٌ وَلَا جلدُوَلَا عزاءٌ إِذا أهلُ البلا رقدُوا
خليفةٌ ماتَ لم يحزن لَهُ أحدوَآخر قامَ لم يفرح بِهِ أحدُ) // الْبَسِيط //
وَكَانَ الْمَأْمُون قد تطلب دعبلاً وجد فِي ذَلِك وَهُوَ طَائِر على وَجهه حَتَّى دس إِلَيْهِ قَوْله
علم وتحكيمٌ وشيب مَفَارقتطميسُ ريعان الشَّبَاب الرائقِ
وإمارةٌ فِي دولةٍ ميمونةٍكَانَت على اللَّذَّات أَشغبَ عائقِ
نَعَوُا ابْن شكلةَ بالعراقِ وأهلهِفَهَفَا إِلَيْهِ كلُّ أخرَقَ مائِق
أَنى يكونُ وَلَا يكونُ وَلم يكنْيرثُ الخلافةَ فاسقٌ عَن فاسقِ
إِن كَانَ إِبْرَاهِيم مضطلعاً بهَافلتصلُحَنْ من بعده الْمخَارِق) // الْكَامِل //
وَلما قَرَأَهَا الْمَأْمُون ضحك وَقَالَ قد صفحت عَن كل مَا هجانا بِهِ إِذْ قرن إِبْرَاهِيم بمخارق فِي الْخلَافَة وولاه عَهده ثمَّ إِنَّه كتب إِلَى دعبل أَمَانًا فَلَمَّا دخل وَسلم عَلَيْهِ تَبَسم فِي وَجهه وَقَالَ أَنْشدني
(مدارسُ آيَات خلت من تلاوةِ ...)
فجزع فَقَالَ لَهُ لَك الْأمان فَلَا تخف وَقد رويتها وَلَكِنِّي أحب سماعهَا من فِيك فأنشده إِيَّاهَا إِلَى آخرهَا والمأمون يبكي حَتَّى اخضلت لحيته بدمعه ثمَّ إِنَّه أحسن إِلَيْهِ وانسر بِهِ حَتَّى كَانَ أول دَاخل إِلَيْهِ وَآخر خَارج من عِنْده ثمَّ عَاد إِلَى خباثته وشاعت لَهُ أَبْيَات بعْدهَا أَيْضا يهجو بهَا الْمَأْمُون
وَحدث دعبل قَالَ دخلت على عَليّ بن مُوسَى الرضي فَقَالَ أَنْشدني مِمَّا أحدثت فَأَنْشَدته
مدارس آيَات خلت مِنْ تِلَاوَةٍومنْزلُ وحْيٍ مُقْفرُ العَرَصاتِ) // الطَّوِيل //
حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى قولي فِيهَا
إِذا وُتِرُوا مَدُّوا إِلَى واتِريهِمُأكُفّاً عَن الأوْتَارِ مُنقَبِضَاتِ
قَالَ فَبكى عِنْده حَتَّى أُغمي عَلَيْهِ فَأَوْمأ إِلَى خَادِم كَانَ على رَأسه أَن أسكت فَسكت فَمَكثَ سَاعَة ثمَّ قَالَ لي عد فَأَعَدْت حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى هَذَا الْبَيْت فَأَصَابَهُ مثل الَّذِي أَصَابَهُ فِي الْمرة الأولى وَأَوْمَأَ الْخَادِم أَيْضا إِلَيّ أَن أسكت فَسكت ثمَّ مكث سَاعَة أُخْرَى ثمَّ قَالَ لي أعد فَأَعَدْت حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى آخرهَا فَقَالَ أَحْسَنت أَحْسَنت ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أَمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم مِمَّا ضرب باسمه وَلم تكن دفعت إِلَى أحد بعد وَأمر لي من فِي منزله بحلى كثير أخرجه إِلَى الْخَادِم فَقدمت الْعرَاق فَبِعْت كل دِرْهَم مِنْهَا بِعشْرَة اشْتَرَاهَا مني الشِّيعَة فَحصل لي مائَة ألف دِرْهَم فَكَانَ أول مَال اعتقدته
ثمَّ إِن دعبلا استوهب من عَليّ بن مُوسَى الرضي ﵄ ثوبا قد لبسه ليجعله فِي أَكْفَانه فَخلع جُبَّة كَانَت عَلَيْهِ فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا وَبلغ أهل قُم خَبَرهَا فَسَأَلُوهُ أَن يبيعهم إِيَّاهَا بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فَلم يفعل فَخَرجُوا عَلَيْهِ فِي طَرِيقه فَأَخَذُوهَا غصبا وَقَالُوا لَهُ إِن شِئْت أَن تَأْخُذ المَال فافعل وَإِلَّا فَأَنت أعلم فَقَالَ لَهُم إِنِّي وَالله لَا أُعْطِيكُم إِيَّاهَا طَوْعًا وَلَا تنفعكم غصبا وأشكوكم إِلَى الرضي فَصَالَحُوهُ على أَن أَعْطوهُ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وفردكم من بطانتها فَرضِي بذلك
وَحدث دعبل قَالَ لما هربت من الْخَلِيفَة بت لَيْلَة بنيسابور وحدي وعزمت على أَن أعمل قصيدة فِي عبد الله بن طَاهِر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَإِنِّي لفي ذَلِك إِذْ سَمِعت وَالْبَاب مَرْدُود عَليّ قَائِلا يَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أَأَلِجُ يَرْحَمك الله فاقشعر بدني من ذَلِك ونالني أَمر عَظِيم فَقَالَ لي لَا ترع فَإِنِّي رجل من إخوانك من الْجِنّ من سَاكِني الْيمن طَرَأَ علينا طَارِئ من أهل الْعرَاق فأنشدنا قصيدتك مدارس آيَات ... إِلَى آخرهَا فَأَحْبَبْت أَن أسمعها مِنْك
قَالَ فَأَنْشَدته إِيَّاهَا فَبكى حَتَّى خر ثمَّ قَالَ يَرْحَمك الله أَلا أحَدثك بِحَدِيث فِي نيتك ويعينك على التَّمَسُّك بمذهبك قلت بلَى قَالَ مكثت حينا أسمع بِجَعْفَر بن مُحَمَّد رحمهمَا الله تَعَالَى فصرت إِلَى الْمَدِينَة المنورة فَسَمعته يَقُول حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن جده ﵃ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (على وشيعته هم الفائزون) ثمَّ وَدعنِي لينصرف فَقلت يَرْحَمك الله إِن رَأَيْت أَن تُخبرنِي بِاسْمِك فافعل قَالَ أَنا ظبْيَان بن عَامر
وَحدث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ بُويِعَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِبَغْدَاد وَقد قل المَال عِنْده وَكَانَ قد لَجأ إِلَيْهِ أَعْرَاب من أَعْرَاب السوَاد وَغَيرهم من أوباش النَّاس وأوغادهم فاحتبس عَلَيْهِم الْعَطاء فَجعل إِبْرَاهِيم يسوفهم وهم لَا يرَوْنَ لوعده حَقِيقَة إِلَى أَن خرج رَسُوله إِلَيْهِم يَوْمًا وَقد اجْتَمعُوا وضجوا فَصرحَ إِلَيْهِم بِأَنَّهُ لَا مَال عِنْده فَقَالَ قوم من غوغاء أهل بَغْدَاد أخرجُوا إِلَيْنَا خليفتنا ليقي أهل هَذَا الْجَانِب ثَلَاثَة أصوات فَتكون عطاءهم وَلأَهل هَذَا الْجَانِب مثلهَا قَالَ إِسْحَاق فأنشدني دعبل بعد أَيَّام
يَا مَعْشَر الأجْنَادِ لَا تَقْنَطُواوارّضوْا بمَا كاَن وَلَا تَسْخَطُوا
فَسَوْفَ تُعْطَونَ حنينيةيَلْتذَها الأمْرَدُ وَالأشْمَطُ
والمَعْبَدِيّاتُ لِقُوّادِكُمْلَا تَدْخُلُ الكِيسَ وَلَا تُرْبَطُ
وهَكَذَا يرزُقُ قُوَّادَهخليفَةٌ مُصْحَفه البربط) // السَّرِيع //
وَدخل عبد الله بن طَاهِر على الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ أَي شَيْء تحفظ يَا عبد الله لدعبل قَالَ أحفظ أبياتاً لَهُ فِي أهل بَيت أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَاتِهَا فأنشده عبد الله قَوْله
سقيا ورَعْياً لأيّام الصِّبَاباتِأيامَ أرفُلُ فِي أثْوَاب لَذَّاتي
أَيَّام غُصني رَطيبٌ مِنْ ليانتهِأصْبُو إِلَى غيْرِ جارَاتٍ وكنّاتِ
دعْ عنْكَ ذكر زمَانٍ فاتَ مطْلَبهواقْذِف برجْلِكَ عَنْ متن الجَهَالَاتِ
واقْصِدْ بِكلِّ مديح أنْتَ قائِلهُنَحْوَ الهُدَاةِ بني بَيْتِ الكرامات) // الْبَسِيط //
فَقَالَ الْمَأْمُون إِنَّه وجد وَالله مقَالا فَقَالَ ونال بِبَعِيد ذكراهم مَا لَا يَنَالهُ فِي وصف غَيرهم ثمَّ قَالَ الْمَأْمُون لقد أحسن فِي وصف سفر سافره فطال ذَلِك السّفر عَلَيْهِ فَقَالَ فِيهِ
ألم يأنِ لِلسّفْر الذِّينَ تَحَمّلواإِلَى وطَنٍ قبْلَ المَماتِ رُجُوعُ
فَقُلْتُ ولمْ أملك سوابق عِبْرَةنَطَقْنَ بمَا ضُمّتْ عَلَيْه ضلُوعُ
تَبَّين فكَمْ دارٍ تَفَرَّقَ شَمْلُهاوَشَمْلٍ شَتيتٍ عادَ وهْوَ جمِيعُ
كَذَاك اللَّيَالي صَرْفُهُنّ كَمَا تَرَىلِكلِّ أُناسِ جَدْبَةٌ وَرَبيعُ) // الطَّوِيل //
ثمَّ قَالَ الْمَأْمُون مَا سَافَرت قطّ إِلَّا كَانَت هَذِه الأبيات نصب عَيْني وهجيراى ومسليتي حَتَّى أَعُود
وَمن شعره يهجو
رُفعَ الكلْبُ فاتَضَعْلَيْسَ فِي الكلبِ مُصطَنعْ
بَلَغَ الغايَةَ الَّتيدُونَهَا كلُّ مَا ارْتفَعْ
إِنما قصر كل شَيْءإِذا طَارَ أنْ يَقَعْ
لَعَنَ اللهُ نَخْوَةًصارَ مِنْ بعْدهَا ضرع) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَمن شعره يهجو أَيْضا
سمت المَدِيحَ رجَالًا دون مَالهمرَدٌّ قَبيحٌ وقَوْلٌ لَيْسَ بالحَسَن
فَلم أفُزْ مِنْهُم إِلَّا بمَا حَمَلتْرِجْلُ البَعُوضةِ مِنْ فَخَّاَرة اللَّبن) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَوْله فِيمَن استشفع بِهِ فِي حَاجَة فَاحْتَاجَ إِلَى شَفِيع يشفع لَهُ
يَا عَجَباً لِلْمرتَجِي فَضْلَهُلَقَدْ رَجا مَا لَيْسَ بالنْافع
جئْنا بِهِ يَشْفَعُ فِي حَاجَةفَاحْتَاجَ فِي الأذنِ إِلَى شَافِع) // السَّرِيع //
وَحدث دعبل قَالَ خرجت إِلَى الْجَبَل هَارِبا من المعتصم فَكنت أَسِير فِي بعض طريقي والمكاري يَسُوق بِي بغلاً تحتي وَقد أتعبني تعباً شَدِيدا فتغني المكاري بِقَوْلِي
لَا تعجبي يَا سلم من رجلضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى) // الْكَامِل //
فَقلت لَهُ وَأَنا أُرِيد أَن أَتَقَرَّب إِلَيْهِ ليكف مَا يَسْتَعْمِلهُ من الْحَث للبغل لِئَلَّا يتعبني تعرف لمن هَذَا الشّعْر يَا فَتى قَالَ لمن ناك أمه وَغرم دِرْهَمَيْنِ فَمَا أَدْرِي من أَي أُمُوره أعجب أَمن هَذَا الْجَواب أم من قلَّة الْغرم على عظم الْجِنَايَة
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع