تجاوز إلى المحتوى

من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)

شَوَاهِد الْفَنّ الثَّالِث وَهُوَ علم البديع (٢)

وَحدث على بن عبد الله بن مسْعدَة قَالَ قَالَ لي دعبل وَقد أنشدته قصيدة بكر بن خَارِجَة فِي عِيسَى بن الْبَراء النَّصْرَانِي

زُنَّارُه فِي خَصْرِهِ مَعقُودكَأَنَّهُ مِنْ كَبِدِي مقدود) // الرجز //

وَالله مَا أعلم أَنِّي حسدت أحدا كَمَا حسدت بكرا على قَوْله كَأَنَّهُ من كَبِدِي مقدود وَكَانَ بكر هَذَا وراقاً ضيقا عيشه معاقراً للشراب فِي منَازِل الخمارين وحاناتهم وَكَانَ طيب الشّعْر مليحاً مطبوعاً حسنا مَاجِنًا خليعاً وَكَانَت الْخمْرَة قد أفسدت عقله فِي آخر عمره فَصَارَ يهجو ويمدح بالدرهم وَالدِّرْهَمَيْنِ وَنَحْو هَذَا فاطرح

وَحدث بعض الْكُوفِيّين قَالَ حَضَرنَا دَعْوَة ليحيى بن أبي يُوسُف القَاضِي وبتنا عِنْده ونمت فَمَا أنبهني إِلَّا صياح بكر يستغيث من الْعَطش فَقلت لَهُ مَالك قُم فَاشْرَبْ فالدار ملأى مَاء قَالَ أَخَاف قلت من أَي شَيْء قَالَ فِي الدَّار

كلب كَبِير فَأَخَاف أَن يظنني غزالاً فيثب عَليّ ويقطعني ويأكلني فَقلت لَهُ خرب الله بَيْتك أَنْت وَالله بالخنازير أشبه مِنْك بالغزلان قُم فَاشْرَبْ إِن كنت عطشانا وَأَنت آمن وَكَانَ عقله قد فسد من كَثْرَة الشّرْب

وَحدث أَحْمد بن عُثْمَان الطَّبَرِيّ قَالَ سَمِعت دعبل بن عَليّ يَقُول لما هاجيت أَبَا سعد المَخْزُومِي أخذت معي جوزاً ودعوت الصّبيان فأعطيتهم مِنْهُ وَقلت لَهُم صيحوا بِهِ قائلين

يَا أَبَا سَعد قوصرهزاني الأخْتِ والمَرَهْ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يا أبا سعد قوصره»
لَو ترَاهُ مجيباًخِلْتَهُ عقْدَ قَنْطرَهْ
أَو تَرَى الأير فِي استِهِقلت سَاق بمقطره) // من مجزوء الْخَفِيف //

فصاحوا بِهِ فغلبته

وَلأبي سعد المخزمي يهجو دعبلاً وَكَانَ قد دَعَاهُ إِلَى بَيته وأضافه

لدعْبلٍ مِنّةٌ يَمُنُّ بهَافَلسْتُ حَتَّى الْمَمَات أَنْسَاهَا
أدخلنا بَيْتَهُ فَأَكْرَمَنَاودَسّ امْرَأَته فنكناها) // المنسرح //

وَحدث أَبُو سعد المَخْزُومِي واسْمه عِيسَى بن خَالِد الْوَلِيد قَالَ أنشدت الْمَأْمُون قصيدتي الدالية الَّتِي رددت فِيهَا على دعبل قَوْله

ويَسومني المأمونُ خُطّة عَاجزأَو مَا رأى بالْأَمْس رأسَ مُحَمَّد) // الْكَامِل //

وَأول قصيدتي

أخَذَ َالمَشيبُ من الشَّبَاب الأغيدوالنَّائِباتُ من الْأَنَام بِمرْصَدِ) // الْكَامِل //

ثمَّ قلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ائْذَنْ لي أَن أجيئك بِرَأْسِهِ فَقَالَ لَا هَذَا رجل قد فَخر علينا فافخر عَلَيْهِ كَمَا فَخر علينا فَأَما قَتله فَلَا حجَّة فِيهِ

وَكَانَ الرشيد قد غنى بقول دعبل

لَا تعجبي يَا سلم من رجل.... الأبيات

فطرب لَهَا وَسَأَلَ عَن قَائِلهَا فَقيل لدعبل غُلَام نَشأ من خُزَاعَة فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وخلعة من ثِيَابه ومركب من مراكبه وجهز لَهُ ذَلِك مَعَ خَادِم من خدمه إِلَى خُزَاعَة فَأعْطَاهُ الْجَائِزَة وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَسلم أمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ واستنشده الشّعْر فأنشده إِيَّاه فَاسْتَحْسَنَهُ وَأمره بملازمته وأجرى عَلَيْهِ رزقا سنياً فَكَانَ أول من حرضه على قَول الشّعْر ثمَّ إِنَّه مَا بلغه أَن أَن الرشيد مَاتَ حَتَّى كافأه على فعله بأقبح مُكَافَأَة وَقَالَ فِيهِ من قصيدة مدح بهَا أهل الْبَيْت ﵃ وهجا الرشيد

وليْسَ حيٌّ من الْأَحْيَاء نَعلمهمن ذِي يَمانٍ وَلَا بكرٍ وَلَا مُضَرِ
إِلَّا وهم شُرَكَاء فِي دِمَائِهِمْكَمَا تشارك أيسارٌ على جُزُر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «تأسفت جارتي لما رأت زوري»
قتلٌ وأسْرٌ وتحريقٌ ومنهبةفعلُ الْغُزَاة بِأَرْض الرّوم والخَزَرِ
أرى أُمية مَعذُورين إِن قتلواوَلَا أرَى لبني العَباس من عُذُرِ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «تأسفت جارتي لما رأت زوري»
أرْبع بطوس على القبْر الزِكي إِذامَا كنْتَ تربع من دير إِلَى وطر
قبْران فِي طوس خيرُ النَّاس كلهموقبر شرَّهم هَذَا من العِبَر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «تأسَّفَتْ جَارتي لمَّا رَأْتْ زَوَري»
مَا ينفعُ الرِّجس من قرب الزكى وَلَاعلى الزكى بِقرب الرِّجس من ضَرَر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «تأسفت جارتي لما رأت زوري»
هَيْهَات كل امرىء رَهْنٌ بِمَا كسبتلَهُ يَدَاهُ فخُذْ مَا شِئْت أَو فذر) // الْبَسِيط //
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «تأسَّفَتْ جَارتي لمَّا رَأْتْ زَوَري»

يَعْنِي قبر الرشيد وقبر مُوسَى الكاظم ولعمري لقد هَذَا هَذَا ولنفسه ظلم وآذى

وَحدث أَبُو حَفْص النَّحْوِيّ مؤدب آل طَاهِر قَالَ دخل دعبل على عبد الله بن طَاهِر فأنشده وَهُوَ بِبَغْدَاد

جئتُ بِلَا حُرْمةٍ ولَا سَبَبإِلَيْك إِلَّا بحُرْمة الْأَدَب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «جئت بلا حرمة ولا سبب»
فاقْضِ ذِمَامِي فإنني رَجُلٌغيرُ مُلِحٍّ عَلَيْك فِي الطلبِ) // المنسرح //

قَالَ فانتقل عبد الله وَدخل إِلَى الْحرم وَوجه إِلَيْهِ بصرة فِيهَا ألف دِرْهَم وَكتب إِلَيْهِ مَعهَا

أعجلْتَنا فأتاك عاجلُ برناولَو انتَظَرْتَ كثيرَهُ لم يقلل
فخُذِ القليلَ وَكن كأنّكَ لم تسلونكُون نحْنُ كأننا لم نَفْعل) // الْكَامِل //
للشاعر أبو دلف العجلي، اقرأ القصيدة

وَكَانَ دعبل قد قصد مَالك بن طوق ومدحه فَلم يرض ثَوَابه فَخرج عَنهُ وَقَالَ فِيهِ

إنّ ابنَ طوْق وَبني تغلبلَو قُتلوا أَو جُرِحُوا قصره
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إن ابن طوق وبني تغلب»
لم يَأْخُذُوا من دِيَة درْهمايَوْمًا وَلَا من أرْشِهِمْ بعْرَهْ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إن ابن طوق وبني تغلب»
دِمَاؤُهُمْ لَيْسَ لَهَا طالبٌمطلولة مِثْل دم العذره
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إنَّ ابن طوقٍ وبني تغلبٍ»
وجوهُهُم بيضٌ وأحسابهُمْسودٌ وَفِي آذانهمْ صفره) // السَّرِيع //

وَقَالَ فِيهِ أَيْضا

سَأَلت عَنْكُم يَا بني مَالكفِي نازح الأرْضِينَ والدانيه
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
طرّاً فَلم نَعْرِف لكم نِسْبَةحَتَّى إِذا قلتُ بني الزّانيهْ
قَالُوا فَدعْ دَارا على يمنةٍوَتلك هادارهم ثَانِيَة) // السَّرِيع //

فبلغت الأبيات مَالِكًا فَطَلَبه فهرب فَأتى الْبَصْرَة وَعَلَيْهَا إِسْحَاق بن الْعَبَّاس ابْن مُحَمَّد بن عَليّ العباسي وَكَانَ قد بلغه هجاء دعبل وَعبد الله بن عُيَيْنَة نزاراً فَأَما ابْن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ هرب مِنْهُ فَلم يظْهر بِالْبَصْرَةِ طول أَيَّامه وَأما دعبل فَإِنَّهُ حِين دخل الْبَصْرَة بعث إِلَيْهِ فَقبض عَلَيْهِ ودعا بالنطع وَالسيف ليضْرب عُنُقه فَحلف

بِالطَّلَاق على جَحدهَا وَبِكُل يَمِين تبرىء من الدَّم أَنه لم يقلها وَأَن عدوا لَهُ قَالَهَا إِمَّا أَبُو سعد المَخْزُومِي أَو غَيره ونسبها إِلَيْهِ ليغري بدمه وَجعل يتَضَرَّع إِلَيْهِ وَيقبل الأَرْض ويبكي بَين يَدَيْهِ فرق لَهُ فَقَالَ أما إِذا أعفيتك من الْقَتْل فَلَا بُد أَن أشهرك ثمَّ دَعَا لَهُ بِالْعِصِيِّ فَضَربهُ حَتَّى سلخ وَأمر بِهِ فألقي على قَفاهُ وَفتح فَمه فَرد سلحه فِيهِ والمقارع تَأْخُذ رجلَيْهِ وَهُوَ يحلف أَن لَا يكف عَنهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه ويبلعه أَو يقْتله فَمَا رفعت عَنهُ حَتَّى بلع سلحه كُله ثمَّ خلاه فهرب إِلَى الأهواز وَبعث مَالك بن طوق رجلا حصيفاً مقداماً وَأَعْطَاهُ سما وَأمره أَن يغتاله كَيفَ شَاءَ وَأَعْطَاهُ على ذَلِك عشرَة آلَاف دِرْهَم فَلم يزل يَطْلُبهُ حَتَّى وجده فِي قَرْيَة من نواحي السوس فاغتاله فِي وَقت من الْأَوْقَات بعد صَلَاة الْعَتَمَة فَضرب ظهر قدمه بعكاز لَهَا زج مَسْمُوم فَمَاتَ من الْغَد وَدفن بِتِلْكَ الْقرْيَة وَقيل بل حمل إِلَى السوس فَدفن فِيهَا

وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة ووفاته فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ

وَلما مَاتَ وَكَانَ صديق البحتري وَكَانَ أَبُو تَمام قد مَاتَ قبله رثاهما البحتري بقوله

قدْ زادَ فِي كلفي وأوقدَ لوعتيمَثْوَى حبيب يَوْم مَاتَ ودعبلِ
أخويّ لَا تزلِ السَّمَاء مخيلةَتغشاكما بسماء مزنٍ مُسْبلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قد زاد في كمدي وأضرم لوعتي»
جدثٌ على الأهواز يبعدُ دُونهُمسرَى النعيِّ ورمة بالموصل) // الْكَامِل //
للشاعر البحتري، من قصيدة «قد زاد في كمدي وأضرم لوعتي»

ودعبل بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة

مَا أحسن الدينَ والدُّنيا إِذا اجْتمعَاوأقبح الْكفْر والأفْلَاسَ بالرَّجُلِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا»

الْبَيْت من الْبَسِيط ويعزى لأبي دلامة

يحْكى أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور سَالَ أَبَا دلامة عَن أشعر بَيت قالته الْعَرَب فِي الْمُقَابلَة فَقَالَ بَيت يلْعَب بِهِ الصّبيان قَالَ وَمَا هُوَ على ذَاك قَالَ قَول الشَّاعِر وأنشده الْبَيْت

قَالَ ابْن أبي الْأصْبع لَا خلاف فِي أَنه لم يقل قبله مثله فَإِنَّهُ قَابل بَين أحسن وأقبح وَالدّين وَالْكفْر وَالدُّنْيَا والأفلاس وَهُوَ من مُقَابلَة ثَلَاثَة بِثَلَاثَة وَكلما كثر عدد الْمُقَابلَة كَانَت أبلغ

وَأحسن من بَيت أبي دلامة قَول المتنبي

فَلَا الجودُ يفني المالَ والجدّ مقبلٌوَلَا البخلُ يبقي المالَ والجدُّ مدبرِ) // الطَّوِيل //

وَمن الْمُقَابلَة قَول النَّابِغَة الْجَعْدِي

فَتى تمّ فِيهِ مَا يَسْرُّ صديقَهُعلى أَن فِيهِ مَا يسوء الأعاديا) // الطَّوِيل //
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»

وَقَول الفرزدق

وَإِنَّا لنمضي بالأكف رماحنَاإِذَا أُرعشتْ أَيْدِيكُم بالمعالق) // الطَّوِيل //

وَقَول عبد الله بن الزبير الْأَسدي

فردّ شعورهنّ السودَ بيضًاوَرَدّ وُجوههن الْبيض سُودًا) // الوافر //

وَقَول لأبي تَمام

يَا أُمةً كَانَ قبحُ الْجور يسخطهادَهراً فَأصْبح حسنُ الْعدْل يرضيها) // الْبَسِيط //

وَقَول البحتري

فإِذا حَاربُوا أذلُّوا عَزِيزًاوإِذَا سالموا أعزوا ذليلا) // الْخَفِيف //
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا»

وَقَول يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي لِسُلَيْمَان بن وهب

فمنْ كانَ للآثامِ والذُلِّ أرضهُفأرضكمُ للأجرِ والعزِّ مَعْقِلُ) // الطَّوِيل //

وَقَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف

اليومُ مِثلُ الحولِ حَتَّى أرَىوَجهكَ والساعة كالشهر) // السَّرِيع //

لِأَن السَّاعَة من الْيَوْم كالشهر من الْحول جُزْء من اثْنَي عشر

ولمؤلفه من أَبْيَات

لَو كَانَ ذَا الكاشحُ فِي بلدتيلم يستطعْ يُوِمضُنِي وَمْضاً
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «لو كان ذا الكاشح في بلدتي»
وكنتُ فِي العزِّ سماءَ لهُوكانَ لي مِنْ ذلة أَرضًا) // السَّرِيع //

وحسنٌ فِي الْمُقَابلَة قَول الشريف الموسوي

ومنظرٍ كانَ بالسَّرَّاء يضحكُنِييَا قربَ مَا عادَ بالضرَّاء يبكيني) // الْبَسِيط //
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لواعج الشوق تخطيهم وتصميني»

وَقَول أبي عبد الله الغواص

جَهْلُ الرئيسِ وحقّ الله يضحكنُاوفعلهُ وإلهِ الناسِ يبُكينَا) // الْبَسِيط //

وَقَول ابْن شمس الْخلَافَة

طالتِ الشّقوَةُ للمرْءِ إذَاقَصُرَ الرزقُ وَطَالَ الْعُمر) // الرمل //

وَقَول السّري الرفاء

وَصَاحب يقدَحُ لِينارَ السرُورِ بالقدَح
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «إن عن لهو أو سنح»
فِي رَوْضَة قد لبستْمنْ لُؤْلُؤ الطلّ سبحْ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «إن عن لهو أو سنح»
والجَوُّ فِي مُمسَّكٍطرازُهُ قوسُ قزَحْ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «إن عن لهو أو سنح»
يبكي بِلَا حزنٍ كمَايضْحك من غير فَرح) // من مجزوء الرجز //

وَقَوله وَقد شرب لَيْلَة فِي زورق

ومعتدلٍ يسْعَى إليَّ بكأسهِوَقد كادَ ضوءُ الصُّبْح بِاللَّيْلِ يفتكُ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ومعتدل يسعى إلي بكأسه»
وَقد حجبَ الغيمُ السَّمَاء كَأَنَّمَايُزَرُّ عَلَيْهَا منهُ ثوبٌ ممسّكُ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ومعتدل يسعى إلي بكأسه»
ظَلِلنا نبثُّ فِي الوجدَ والكأسُ دائرٌونهتكُ أَسْتَار الْهوى فتهتَّكُ
ومجلسنا فِي المَاء يهوى ويَرْتقىوإبرِيقنا فِي الكأس يبكي ويضحك) // الطَّوِيل //

وَقَول التمتام الْحداد الْمصْرِيّ

أَما ترى الغيثَ كلما ضحكتْكمائمُ الزهرِ فِي الرياض بكىَ
كالحبّ يبكي لديهِ عاشقهُوَكلما فاضَ دَمعهُ ضحكَا) // المنسرح //

وَمَا أحسن قَول الأرجاني وأرشقه

شبتُ أَنا والتَحى حبيبِيحَتَّى برغمي سلوتُ عنهُ
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «شبت أنا والتحى حبيبي»
وابيضّ ذَاكَ السوادُ منيواسودّ ذَاكَ البياضُ مِنْهُ) // من مخلع الْبَسِيط //

وَمَا أصفى قَول الصفي الْحلِيّ

مليحُ يغيرُ الغصنَ عِنْد اهتزازهِويخجلُ بدرَ التمِّ عندَ شُروقهِ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «ترى سكرت عطفاه من خمر ريقه»
فَمَا فيهِ معنى ناقصٌ غيرُ خَصرهِوَلَا فيهِ شيءٌ باردٌ غيرُ رِيقه) // الطَّوِيل //

وَمَا أشرق قَول الشَّمْس التلمساني

فكم يتجافى خصرُه وَهُوَ ناحلٌوَكم يتحالى ريقهُ وَهُوَ باردُ
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «وما فيه من حسن سوى أن طرفه»
وَكم يَدعِي صَوتا وهذِي جفونهُبفَتْرتها للعاشقين تواعد) // الطَّوِيل //

وَمن مُقَابلَة خَمْسَة بِخَمْسَة قَول المتنبي

أزُورُهم وسوادُ اللَّيْل يشفعُ ليوأنثني وَبَيَاض الصُّبْح يغري بِي) // الْبَسِيط //
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

وَقد أَخذه بَعضهم أخذا مليحاً فَقَالَ

أقلى النهارَ إِذا أَضَاء صَاحبهوأظَلُّ أنْتَظر الظلامَ الدامسَا
فالصبح يَشْمت بِي فيقبلُ ضَاحِكاوالليلُ يَرثي لي فيدير عَابِسا) // الْكَامِل //

والمتنبي أَخذ معنى بَيته من مصراع بَيت لِابْنِ المعتز وَهُوَ قَوْله

لَا تلقَ إِلَّا بليلٍ مَنْ تواعدُهُفالشمسُ نَمَّامةٌ والليلُ قواد) // الْبَسِيط //

إِلَّا أَن ابْن المعتز هجن هَذَا الْمَعْنى بِذكر نمامة وقواد وَأَبُو الطّيب سبكه أحسن سبك وأبدعه فَصَارَ أَحَق بِهِ مِنْهُ

وَقَالَ عبد الله بن خَمِيس من شعراء المغاربة

باتتْ لَهُ الْأَهْوَاء أدهم سَابِقًاوغدَتْ بِهِ الأيامُ أشهبَ كابي) // الْكَامِل //

فَأحْسن مَا شَاءَ لمقابلته الأدهم بالأشهب والسبق بالكابي على أَنه مَأْخُوذ من قَول ذِي الوزارتين أبي عبد الله بن أبي الْخِصَال رَحمَه الله تَعَالَى

وَقد كنتُ أسرى فِي الظلام بأدهمفها أَنا أغدو فِي الصبَاح بأشهَبِ) // الطَّوِيل //
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

وَفِي بَيت كل مِنْهُمَا زِيَادَة على الآخر

وَمن مُقَابلَة سِتَّة بِسِتَّة مَا أوردهُ الصاحب شرف الدّين مُسْتَوْفِي إربل وَهُوَ

على رَأس عبدٍ تاجُ عِزٍّ يزينهُوَفِي رِجْلِ حرّ قيد ذُلٍّ يَشينهُ) // الطَّوِيل //

حكى غرس الدّين الأربلي أَن الصاحب الْمَذْكُور لما أنْشد لغيره هَذَا الْبَيْت قَالَ هُوَ بديهاً

تسر لئيماً مكرماتٌ تزينهُوتبكي كَرِيمًا حادثات تهينه) // الطَّوِيل //

وَمن مُقَابلَة خَمْسَة بِخَمْسَة قَول الْقَائِل فِي ذِي أبنة

يَأْتِي إِلَى الْأَحْرَار يجلسُ فوقهمْوينامُ من تَحت العبيد ويوتى) // الْكَامِل //

وَمن مُقَابلَة خَمْسَة بِخَمْسَة قَول النميري الغرناطي

هنّ البدُورُ تغيرتْ لما رأتْشعرَاتِ رَأْسِي آذنَتْ بتغيرِ
للشاعر ابن الحاج النميري، اقرأ القصيدة
رَاحت تحبُّ دُجى شباب مظلموغدَتْ تعاف ضحى مشيب نير) // الْكَامِل //

وَأَبُو دلامة اسْمه زند بن الجون وَأكْثر النَّاس يصحف اسْمه وَيَقُول زيد بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة وَهُوَ خطأ وَإِنَّمَا هُوَ بالنُّون وَهُوَ كُوفِي أسود مولى لبني أَسد وَكَانَ أَبُو دلامة عبدا لرجل مِنْهُم يُقَال لَهُ قضاقض فَأعْتقهُ وَأدْركَ آخر أَيَّام بني أُميَّة وَلم يكن لَهُ فِيهَا نباهة ونبغ فِي أَيَّام بني الْعَبَّاس فَانْقَطع إِلَى السفاح والمنصور وَالْمهْدِي وَكَانُوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون مُجَالَسَته ونوادره وَلم يصل لأحد من الشُّعَرَاء مَا وصل لأبي دلامة من الْمَنْصُور خَاصَّة وَكَانَ أَبُو دلامة فَاسد الدّين رَدِيء الْمَذْهَب مرتكباً للمحارم مجاهراً بذلك وَكَانَ يعلم هَذَا مِنْهُ وَيعرف بِهِ فيتجافى عَنهُ للطف مَحَله وَكَانَ أول مَا حفظ من شعره وأسنيت لَهُ الْجَائِزَة بِهِ قصيدة مدح بهَا أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وَذكر قَتله أَبَا مُسلم وفيهَا يَقُول

أَبَا مُسلم خوّفتني القتلَ فانْتَحَىعليكَ بِمَا خوفتني الأسدُ الوَرد
أَبَا مُسلم مَا غير اللهُ نعْمَةعلى عَبده حَتَّى يغيرها العبدُ) // الطَّوِيل //
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما غير الله نعمة»

وأنشدها الْمَنْصُور فِي محفل من النَّاس فَقَالَ لَهُ احتكم فَقَالَ لَهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم فَأمر لَهُ بهَا فَلَمَّا خلا بِهِ قَالَ لَهُ أما وَالله لَو تعديتها لقتلتك

وَكَانَ الْمَنْصُور قد أَمر أَصْحَابه بِلبْس السوَاد وقلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها وَأَن يلْقوا السيوف فِي المناطق ويكتبوا على ظُهُورهَا ﴿فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ فَدخل عَلَيْهِ أَبُو دلامة فِي هَذَا الزي فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر مَا حالك قَالَ شَرّ حَال وَجْهي فِي وسطي وسيفي فِي استي وَقد صبغت بِالسَّوَادِ ثِيَابِي ونبذت كتاب الله وَرَاء ظَهْري فَضَحِك مِنْهُ وأعفاه وحذره من ذَلِك وَقَالَ لَهُ إياك أَن يسمع مِنْك هَذَا أحد وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو دلامة

وَكُنَّا نرجِّى منحةً من إمامنَافجاءتْ بطُولٍ زادهُ فِي القلانسِ
ترَاهَا على هام الرِّجَال كَأَنَّهَادنانُ يهود جُلِّلتْ بالبرانس) // الطَّوِيل //
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «وكنا نرجي من إمام زيادة»

وَحدث الجاحظ قَالَ كَانَ أَبُو دلامة وَاقِفًا بَين يَدي الْمَنْصُور أَو السفاح فَقَالَ لَهُ سلني حَاجَتك قَالَ أَبُو دلامة كلب صيد قَالَ أَعْطوهُ إِيَّاه قَالَ ودابة أتصيد عَلَيْهَا قَالَ أَعْطوهُ قَالَ وَغُلَام يَقُود الْكَلْب قَالَ أَعْطوهُ غُلَاما قَالَ وَجَارِيَة تصلح لنا الصَّيْد وتطعمنا مِنْهُ قَالَ أَعْطوهُ جَارِيَة قَالَ هَؤُلَاءِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عِيَال فَلَا بُد من دَار يسكنونها قَالَ أَعْطوهُ دَارا تجمعهم قَالَ وَإِن لم يكن لَهُم ضَيْعَة فَمن أَيْن يعيشون قَالَ قد أقطعتك مائَة جريب عامرة وَمِائَة جريب غامرة قَالَ وَمَا الغامرة قَالَ مَا لَا نَبَات فِيهِ من الأَرْض قَالَ قد أقطعتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خَمْسمِائَة ألف جريب غامرة من فيا فِي بني أَسد فَضَحِك وَقَالَ اجعلوا الْمِائَتَيْنِ كلهَا عامرة قَالَ فَأذن لي أَن أقبل يدك قَالَ أما هَذِه فدعها فَأنى لَا أفعل قَالَ وَالله مَا منعت عيالي شَيْئا أقل ضَرَرا عَلَيْهِم مِنْهَا

قَالَ الجاحظ فَانْظُر إِلَى حذقه بِالْمَسْأَلَة ولطفه فِيهَا حَيْثُ ابْتَدَأَ بكلب فسهل الْقَضِيَّة وَجعل يَأْتِي بِمَا يَلِيهِ على تَرْتِيب فكاهة حَتَّى نَالَ مَا لَو سَأَلَهُ بديهة لما وصل إِلَيْهِ

وَحدث الْهَيْثَم بن عدي قَالَ دخل أَبُو دلامة على الْمَنْصُور فأنشده قصيدته الَّتِي أَولهَا

إنّ الخليط أجدَّ الْبَين فانتجعواوزودوك خبالاً بئس مَا صَنَعُوا) // الْبَسِيط //

إِلَى أَن قَالَ فِيهَا يهجو زَوجته

لَا وَالَّذِي يَا أميرَ المؤمنينَ قَضىَلَك بالخلافة فِي أَسبَابهَا الرَّفَعُ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانتجعوا»
مَا زلتُ أخلصها كسبي فتأكلهُدوني وَدون عيالي ثمَّ تضطجعُ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانتجعوا»
شوهاء مَشْنِيَّة فِي بَطنهَا بجَرٌوَفِي المفاصل من أوصالها فدعُ
ذكرتها بِكِتَاب الله حرمتنَاوَلم تكن بِكِتَاب الله ترتدعُ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانتجعوا»
فاخرَ نظمت ثمّ قالَتْ وَهِي مغضبةٌأَأَنْت تتلو كتاب الله يَا لُكَعُ
أخرجْ لتبغِ لنا مَالا ومزرعةًكَمَا لجيراننا مالٌ ومُزْدَرَعُ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانتجعوا»
واخدعْ خليفتنا عَنَّا بمسألةٍإنَّ الْخَلِيفَة للسؤَّالِ ينخدعُ) // الْبَسِيط //

فَضَحِك الْمَنْصُور وَقَالَ أرضوها عَنهُ واكتبوا لَهَا سِتّمائَة جريب عامرة وغامرة فَقَالَ أَنا أقطعك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرْبَعَة آلَاف جريب غامرة فِيمَا بَين الْحيرَة والنجف وَإِن شِئْت زدتك فَضَحِك وَقَالَ اجْعَلُوهَا كلهَا عامرة

وَشهد أَبُو دلامة لجارة لَهُ عِنْد ابْن أبي ليلى القَاضِي على أتان نازعها فِيهِ رجلٌ فَلَمَّا فرغ من الشَّهَادَة قَالَ لِابْنِ أبي ليلى اسْمَع مَا قلت قبل أَن آتِيك ثمَّ اقْضِ بِمَا شِئْت قَالَ هَات فأنشده

إِن النَّاسُ غطوني تغطَّيت عنهمُوَإِن بَحثُوا عني ففيهم مَباحث
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إن الناس غطوني تغطيت عنهم»
وَإِن حَفَروا بئري حفرت بئارهمليعلم يَوْمًا كَيفَ تِلْكَ النبائت) // الطَّوِيل //

فَأقبل القَاضِي على الْمَرْأَة وَقَالَ أتبيعينني الأتان قَالَت نعم قَالَ بكم قَالَت بِمِائَة دِرْهَم قَالَ ادفعوها إِلَيْهَا فَفَعَلُوا وَأَقْبل على الرجل فَقَالَ قد وهبتها لَك وَقَالَ لأبي دلامة قد أمضيت شهادتك وَلم أبحث عَنْك وابتعت مِمَّن شهِدت لَهُ ووهبت ملكي لمن رَأَيْت أرضيت قَالَ نعم وَانْصَرف

وَدخل أَبُو عَطاء السندي يَوْمًا إِلَى أبي دلامة فاحتبسه ودعا بِطَعَام وشراب فأكلا وشربا وَخرجت إِلَى أبي دلامة صبية لَهُ فحملها على كتفه فبالت عَلَيْهِ فنبذها عَن كتفه ثمَّ قَالَ

بَللْتِ عليّ لأحُيِّيتِ ثَوبِيفَبالَ علَيْكِ شيطانٌ رَجيمُ
فمَا وَلَدَتك مَرْيمُ أمُّ عيسىَوَلَا ربَّاكَ لُقْمَان الْحَكِيم) // الوافر //

ثمَّ الْتفت إِلَى أبي عَطاء فَقَالَ لَهُ أجزيا أَبَا عَطاء فَقَالَ

صَدقتَ أَبَا دُلامةَ لَمْ تَلدْهامُطهَّرَةٌ وَلَا فحلٌ كَريمُ
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة
ولكِنْ قَدْ حَوَتهَا أمُّ سوءٍإِلَى لَبَّاتها وأبٌ لئيمُ) // الوافر //

فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة عَلَيْك لعنة الله مَا حملك على أَن بلغت بِي هَذَا كُله وَالله لَا أنازعك بَيت شعر أبدا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَطاء يكون الَّذِي من جهتك أحب إِلَيّ ثمَّ غَدا أَبُو دلامة إِلَى الْمَنْصُور فَأخْبرهُ بِقصَّة ابْنَته وأنشده الأبيات ثمَّ انْدفع فأنشده بعْدهَا

لَو كَانَ يقْعد فوْقَ الشمسِ مِنْ كَرَمقَوْمٌ لَقيلَ اقْعُدُوا يَا آلَ عَبَّاسِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «لو كان يقعد فوق الشمس من كرم»
ثمْ ارْتَقْوا فِي شُعاع الشّمسُ كلكُمُإِلَى السماءِ فأنتُمْ أكرَمُ النّاسِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «لو كان يقعد فوق الشمس من كرم»
وقَدّمُوا القائمِ المَنْصُورَ رأسَكُمُفالعيْنُ والأنْف والأذنان فِي الراس) // الْبَسِيط //
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «لو كان يقعد فوق الشمس من كرم»

فاستحسنها وَقَالَ بِأَيّ شَيْء تحب أَن أعينك على قبح ابْنَتك هَذِه

فَأخْرج خريطة قد خاطها من اللَّيْل وَقَالَ تملأ لي هَذِه دَرَاهِم فوسعت أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم

وَلما توفّي أَبُو الْعَبَّاس السفاح دخل أَبُو دلامة على الْمَنْصُور وَالنَّاس يعزونه فَأَنْشَأَ أَبُو دلامة يَقُول

أمْسيتَ بالأنْبار يَا ابنَ مُحَمّدٍلم تَستطعْ عَن عُقرِها تحويلا
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمسيت بالأنبار يا ابن محمد»
وَيليَ عَليكَ وَوَيل أهْلي كلِّهمويلاً وعَوْلا فِي الحَياةِ طَويلَا
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمسيت بالأنبار يا ابن محمد»
فلتَبكِيَنَّ لكَ السّماءُ بِعَبْرَةٍولتَبكيَنَّ لَكَ الرِّجالُ عويلا
ماتَ النَدى إِذْ مُتّ يَا ابنَ مُحَمّدٍفجعَلْتَهُ لكَ فِي التُّرَابِ عَدِيلا
إنِّي سألْتُ النّاسَ بَعْدَك كلَّهُمْفوَجَدْتُ أسمَحَ مَنْ سألتُ بخيلَا
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمسيت بالأنبار يا ابن محمد»
ألِشَقْوَتي أُخِّرْتُ بَعْدَكَ لِّلتيتَدَعُ العزِيزَ مِنَ الرِّجال ذليلَا
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمسيت بالأنبار يا ابن محمد»
فلأحْلِفَنَّ يَمينَ حَقٍّ بَرّةًبِاللَّه مَا أُعْطِيتُ بَعْدَكَ سولَا
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمسيت بالأنبار يا ابن محمد»

فأبكى النَّاس قَوْله وَغَضب الْمَنْصُور غَضبا شَدِيدا وَقَالَ لَئِن سَمِعتك تنشد هَذِه القصيدة لأقطعن لسَانك فَقَالَ أَبُو دلامة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أَبَا الْعَبَّاس كَانَ لي مكرماً وَهُوَ الَّذِي جَاءَنِي من البدو كَمَا جَاءَ الله ﷿ بإخوة يُوسُف ﵇ إِلَيْهِ فَقل أَنْت كَمَا قَالَ يُوسُف ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ فسرى عَن الْمَنْصُور وَقَالَ قد أقلناك يَا أَبَا دلامة فسل حَاجَتك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد كَانَ أَبُو الْعَبَّاس أَمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَخمسين ثوبا

وَهُوَ مَرِيض وَلم أقبضها فَقَالَ الْمَنْصُور وَمن يعلم ذَلِك قَالَ هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ إِلَى جمَاعَة مِمَّن حضر فَوَثَبَ سُلَيْمَان بن مجَالد وَأَبُو الجهم فَقَالَا صدق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَنحْن نعلم ذَلِك فَقَالَ الْمَنْصُور لأبي أَيُّوب الخازن وَهُوَ مغيظ يَا سُلَيْمَان ادْفَعْ إِلَيْهِ وسيره إِلَى هَذَا الطاغية يَعْنِي عبد الله بن عَليّ وَكَانَ قد خرج بِنَاحِيَة الشَّام وَأظْهر الْخلاف فَوَثَبَ أَبُو دلامة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أُعِيذك بِاللَّه أَن أخرج مَعَهم فَإِنِّي وَالله لمشؤم فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور امْضِ فَإِن يمني يغلب شؤمك فَاخْرُج فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أحب لَك أَن تجرب ذَلِك مني على مثل هَذَا الْعَسْكَر فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيهمَا يغلب يمنك أَو شؤمي إِلَّا أَنِّي بنفسي أدرى وأوثق وَأعرف وأطول تجربة فَقَالَ دَعْنِي من هَذَا فَمَا لَك من الْخُرُوج بُد قَالَ فَإِنِّي أصدقك الْآن شهِدت وَالله تِسْعَة عشر عسكراً كلهَا هزمت وَكنت سَببهَا فَإِن شِئْت الْآن على بَصِيرَة أَن يكون عسكرك الْعشْرين فافعل فاستفرغ الْمَنْصُور ضحكاً وَأمره أَن يتَخَلَّف مَعَ عِيسَى بن مُوسَى بِالْكُوفَةِ

وَحدث أَبُو دلامة قَالَ أَتَى بِي إِلَى الْمَنْصُور أَو إِلَى الْمهْدي وَأَنا سَكرَان فَحلف ليخرجني فِي بعث حَرْب فَأَخْرجنِي مَعَ روح بن عدي بن حَاتِم المهلبي لقِتَال الشراة فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ قلت لروح أما وَالله لَو أَن تحتي فرسك وَمَعِي سِلَاحك لأثرت فِي عَدوك الْيَوْم أثرا ترتضيه مني فَضَحِك وَقَالَ وَالله الْعَظِيم لأدفعن ذَلِك إِلَيْك ولآخذنك بِالْوَفَاءِ بشرطك وَنزل عَن فرسه وَنزع سلاحه ودفعهما إِلَيّ ودعا لَهُ بِغَيْرِهِمَا فاستبدل بِهِ فَلَمَّا حصل ذَلِك فِي يَدي وزالت عني حلاوة الطمع

قلت لَهُ أَيهَا الْأَمِير هَذَا مقَام العائذ بك وَقد قلت بَيْتَيْنِ فاسمعهما فَقَالَ هَات فَأَنْشَدته

إنِّي استَجَرْتكَ أَنْ أقدم الوَغىلِتَطَاعُنٍ وتَنَازُل وَضِرَابِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني استجرتك أن أقدم في الوغى»
فَهَبِ السُّيُوفَ لما رَأَيْتُهَا مَشْهُورةًفَتَركتُهَا ومَضَيْتُ فِي الهُرَّابِ
ماذَا تَقُولُ لِمَا يَجِيءُ وَلَا يُرَىمن وَاردَاتِ المَوْتِ فِي النشاب) // الْكَامِل //

فَقَالَ دع عَنْك هَذَا وستعلم فبرز رجل من الْخَوَارِج يطْلب المبارزة فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِ يَا أَبَا دلامة فَقلت أنْشدك الله أَيهَا الْأَمِير فِي دمي فَقَالَ وَالله لتخْرجن قلت أَيهَا الْأَمِير إِنَّه أول يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَآخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا وَأَنا وَالله جَائِع مَا تنبعث مني جارحة من الْجُوع فَمر لي بِشَيْء آكله ثمَّ أخرج فَأمر لَهُ بِرَغِيفَيْنِ ودجاجة فَأخذت ذَلِك وبرزت من الصَّفّ فَلَمَّا رَآنِي الشاري أقبل نحوي وَعَلِيهِ فرو قد أَصَابَهُ الْمَطَر فابتل وأصابته الشَّمْس فاقفعل وَعَيناهُ تقدان فأسرع إِلَيّ فَقلت على رسلك يَا هَذَا كَمَا أَنْت فَوقف فَقلت أتقتل من لَا يقاتلك قَالَ لَا قلت أفتستحل أَن تقتل رجلا على دينك قَالَ لَا قلت أفتستحل ذَلِك قبل أَن تَدْعُو من يقاتلك إِلَى دينك قَالَ لَا فَاذْهَبْ عني إِلَى لعنة الله فَقلت لَا أفعل أَو تسمع مني قَالَ قل قلت هَل كَانَ بَيْننَا عَدَاوَة قطّ أوترة أَو تعلم بَين أَهلِي وَأهْلك وترا قَالَ لَا وَالله قلت وَلَا أَنا وَالله لَك إِلَّا على جميل وَإِنِّي لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين بِدينِك

وَأُرِيد الشَّرّ لمن أَرَادَهُ لَك قَالَ يَا هَذَا جَزَاك الله خيرا فَانْصَرف قلت إِن معي زاداً وَأُرِيد أَن آكله وَأُرِيد مواكلتك لتتأكد الْمَوَدَّة بَيْننَا ونرى أهل العسكرين هوانهم علينا قَالَ فافعل فتقدمت إِلَيْهِ حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق دوابنا وجمعنا أَرْجُلنَا على معارفها وَجَعَلنَا نَأْكُل وَالنَّاس قد غلبوا ضحكاً فَلَمَّا اسْتَوْفَيْنَا وَدعنِي ثمَّ قلت لَهُ إِن هَذَا الْجَاهِل إِن أَقمت على طلب المبارزة ندبني لَك فتتعب وتتعبني فَإِن رَأَيْت أَن لَا تبرز الْيَوْم فافعل قَالَ قد فعلت ثمَّ انْصَرف وانصرفت فَقلت لروح أما أَنا فقد كفيتك قَرْني فَقل لغيري يَكْفِيك قرنه قَالَ ثمَّ خرج آخر يُرِيد البرَاز فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِ فَقلت

إِني أعوذ بِروح أَن يُقدمنيإِلَى القتَال فتَخْزَي بِي بَنو أَسد
إنَّ البرَاز إِلَى الأقْرَان أعلَمُهُممَّا يُفَرِّق بَين الرّوح والجسد
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني أعوذ بروح أن يقدمني»
قَدْ حالَفَتْكَ المَنَايا إِذْ صَمَدْتَ لَهَاوأصبَحَتْ لجَمِيع الخَلْق بالرّصد
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني أعوذ بروح أن يقدمني»
إِنَ المُهَّلبَ حُبّ المَوْت أوْرثكموَمَا وِرثْتَ اختيارَ المَوت عَن أحد
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني أعوذ بروح أن يقدمني»
لَو أَن لي مُهجةً أُخرى لجدتُ بهَالكِنّها خُلقَتْ فَرْداً فَلم أجد) // الْبَسِيط //
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني أعوذ بروح أن يقدمني»

فَضَحِك وأعفاني

وعزم مُوسَى بن دَاوُد على الْحَج فَقَالَ لأبي دلامة احجج معي وَلَك عشرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ هَاتِهَا فَدفعت إِلَيْهِ فَأَخذهَا وهرب إِلَى السوَاد فَجعل ينفقها هُنَاكَ وَيشْرب الْخمر وَطَلَبه مُوسَى فَلم يقدر عَلَيْهِ وخشي فَوَات الْحَج فَخرج فَلَمَّا شَارف الْقَادِسِيَّة إِذا هُوَ بِأبي دلامة خَارِجا من قَرْيَة إِلَى قَرْيَة أُخْرَى وَهُوَ سَكرَان فَأمر بِأَخْذِهِ وتقييده وَطَرحه فِي الْمحمل بَين يَدَيْهِ فَفعل بِهِ ذَلِك فَلَمَّا سَار غير بعيد أقبل أَبُو دلامة على مُوسَى وناداه بقوله

يَا أيُّها النّاس قُولوا أجْمَعينَ مَعًاصلّى الأله على مُوسَى بن دَاوُد
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «يا أيها الناس قولوا أجمعين معا»
كَأَن ديباجتي خَدّيه منْ ذَهبٍإِذا بَدَا لكَ فِي أثْوَابه السُّود
إنِّي أعوُذُ بدَاوُدٍ وأعظُمهمِنْ أَن أُكلَّفَ حجّاً يَا ابنَ دَاوُدِ
أنبِئْتُ أَن طَريق الحجِّ مَعْطَشَةٌمنَ الشّراب وَمَا شُرْبي بتصريدُ
وَالله مَا فيّ منْ أجرٍ فَتطلبهُولَا الثّناء على ديني بمحمود) // الْبَسِيط //

فَقَالَ مُوسَى ألقوه لَعنه الله عَن الْمحمل وَدعوهُ ينْصَرف فَألْقى وَعَاد إِلَى قصفه بِالسَّوَادِ حَتَّى نفدت الْعشْرَة آلَاف

وَدخل أَبُو دلامة يَوْمًا على الْمَنْصُور فأنشده

رَأَيْتُك فِي المنَام كسوت جلديثيَاباً جمَّةً وقَضَيْتَ دَيْني
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «رأيتك في المنام كسوت جلدي»
وكانَ بنَفْسَجيُّ الْخَزّ فِيهَاوساجٌ ناعمٌ فأتَّم زَيني
فَصَدِّق يَا فَدَتكَ النّفْسُ رُؤيارَأتهَا فِي المَنام كَذَاك عَيْني) // الوافر //
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «رأيتك في المنام كسوت جلدي»

فَأمر بذلك وَقَالَ لَا عدت تتحلم عَليّ ثَانِيَة فَاجْعَلْ حلمك أضغاثاً وَلَا أحققه ثمَّ خرج من عِنْده وَمضى فَشرب فِي بعض الحانات فَسَكِرَ وَانْصَرف وَهُوَ ثمل فَلَقِيَهُ العسس فَأخذ فَقيل لَهُ من أَنْت وَمَا دينك فَقَالَ

ديني عَلى دين بني العَبّاسمَا ختم الطينُ على القرْطاس
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «ديني على دين بني العباس»
إِذا اصطَبَحْتُ أرْبعاً بالكاسفَقَدْ أدارَ شُرْبهُا براسي

(فَهَلْ بمَا قُلْتُ لكُمْ من بَأْس ...) // الرجز //

فَأَخَذُوهُ ومضوا بِهِ فخرقوا أثوابه وساجه وَأتوا بِهِ إِلَى الْمَنْصُور وَكَانَ يُؤْتى بِكُل من أَخذه العسس فحبسه مَعَ الدَّجَاج فِي بَيت فَلَمَّا أَفَاق جعل يُنَادي غُلَامه مرّة وجاريته مرّة فَلَا يجِيبه أحد وَهُوَ مَعَ ذَلِك يسمع صَوت الدَّجَاج وزقاء الديكة فَلَمَّا أَكثر قَالَ لَهُ السجان مَا شَأْنك قَالَ وَيلك من أَنْت وَأَيْنَ أَنا قَالَ فِي الْحَبْس وَأَنا فلَان السجان قَالَ وَمن حَبَسَنِي قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَمن خرق طيلساني قَالَ الحرس فَطلب مِنْهُ أَن يَأْتِيهِ بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس فَفعل فَكتب إِلَى الْمَنْصُور

أميرَ المؤمنينَ فدَتكَ نَفسِيعَلى مَ حبستني وخَرَقْتَ ساجِي
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
أمِنْ صَهْباءَ صافيةِ المزَاجِكأنَّ شُعاعها لهبُ السِّرَاجِ
وَقد طبختْ بنارِ الله حَتَّىلقد صارَتْ من النطفِ النضاجِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
تهشُّ لَهَا الْقُلُوب وتشتهيهاإِذا بَرزت تَرقرَقُ فِي الزجاجِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
أقاد إِلَى السجون بِغير جُرْمٍٍكأنِّي بعضُ عمالِ الخراجِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
وَلَو مَعَهم حُبستُ لكانَ سهلاًوَلَكِنِّي حُبستُ معَ الدجاجِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
وَقد كَانَت تُخبرنِي ذنوبِيبأنِّي من عقابكَ غيرُ نَاجِي
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
عَلَى أَنِّي وَإِن لَاقيُت شرَّاًلخيركَ بعْدَ الشَّرّ راجي) // الوافر //

فَدَعَا بِهِ وَقَالَ لَهُ أَيْن حبست يَا أَبَا دلامة فَقَالَ مَعَ الدَّجَاج قَالَ فَمَا كنت تصنع قَالَ أقوقىء مَعَهم حَتَّى أَصبَحت فَضَحِك وخلى سَبيله وَأمر لَهُ بجائزة فَلَمَّا خرج قَالَ لَهُ الرّبيع إِنَّه شرب الْخمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما سَمِعت قَوْله وَقد طبخت بِنَار الله يَعْنِي الشَّمْس فَأمر برده ثمَّ قَالَ لَهُ يَا خَبِيث شربت الْخمر قَالَ لَا قَالَ أفلم تقل طبخت بِنَار الله تَعْنِي الشَّمْس قَالَ لَا وَالله مَا عنيت إِلَّا نَار الله المؤصدة الَّتِي تطلع على فؤاد الرّبيع فَضَحِك وَقَالَ خُذْهَا يَا ربيع وَلَا تعاود التَّعَرُّض لَهُ

وَلما قدم الْمهْدي من الرّيّ دخل عَلَيْهِ أَبُو دلامة فَأَنْشَأَ يَقُول

إِنِّي نذَرتُ لَئِن لقيتُكَ سالمابِقُرى العرَاق وأنتَ ذُو وفرِ
لتصليَنَّ عَلى النبيّ محمدٍولتملأنَّ دراهما حجري) // الْكَامِل //

فَقَالَ صلى الله على النَّبِي مُحَمَّد وَسلم وَأما الدَّرَاهِم فَلَا فَقَالَ لَهُ أَنْت أكْرم من أَن تفرق بَينهَا ثمَّ تخْتَار أسهلهما فَضَحِك وَأمر بِأَن يمْلَأ حجره دَرَاهِم

وَدخل أَبُو دلامة على أم سَلمَة زوج السفاح بعد مَوته فعزاها بِهِ وَبكى فَبَكَتْ مَعَه فَقَالَت أم سَلمَة لم أجد أحدا أُصِيب بِهِ غَيْرِي وَغَيْرك يَا أَبَا دلامة قَالَ وَلَا سَوَاء يَرْحَمك الله لَك مِنْهُ ولد وَمَا ولدت أَنا مِنْهُ قطّ فَضَحكت وَلم تكن ضحِكت مُنْذُ مَاتَ السفاح إِلَّا ذَاك الْوَقْت وَقَالَت لَهُ لَو حدثت الشَّيْطَان لأضحكته

وَدخل يَوْمًا على الْمهْدي وَهُوَ يبكي فَقَالَ لَهُ مَا لَك قَالَ مَاتَت أم دلامة وَأنْشد لنَفسِهِ فِيهَا

وَكُنَّا كَزَوج من قَطاً فِي مفازةٍلدَى خَفْض عيشٍ مونِقٍ ناضِرٍ رغدِ
فأفرَدَني رَيب الزَّمَان بصرفهِوَلم أرَ شَيْئا قطُّ أوحشَ من فَرد) // الطَّوِيل //
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «وكثنا كزوج من قطا في مفازة»

فَأمر لَهُ بِطيب وَثيَاب ودنانير وَخرج فَدخلت أم دلامة على الخيزران وأعلمتها أَن أَبَا دلامة قد مَاتَ فأعطتها مثل ذَلِك وَخرجت فَلَمَّا التقى الْمهْدي والخيزران عرفا حيلتهما فَجعلَا يضحكان لذَلِك ويعجبان مِنْهُ

وَحدث الْمَدِينِيّ قَالَ دخل أَبُو دلامة على الْمهْدي وَعِنْده جمَاعَة من بني هَاشم فَقَالَ الْمهْدي لَهُ أَنا أعطي الله تَعَالَى عهدا لَئِن لم تهج وَاحِدًا مِمَّن فِي الْبَيْت لَأَضرِبَن عُنُقك فَنظر إِلَيْهِ الْقَوْم وغمزوه بِأَن عَلَيْهِم رِضَاهُ قَالَ أَبُو دلامة فَعلمت أَنِّي وَقعت وَأَنَّهَا عَزمَة من عزماته وَلَا بُد مِنْهَا فَلم أر أحدا أَحَق بالهجاء مني وَلَا أَدعِي إِلَى السَّلامَة من هجائي نَفسِي فَقلت

إِلَّا أبلغْ لديكَ يَا أَبَا دلامةفَلَيْسَ من الْكِرَام وَلَا كرامهْ
إِذا لبس الْعِمَامَة قلت قردٌوخنزيرٌ إِذا وضع العمامهْ
جمعت دمامةً وجمعت لؤماًكَذَاك اللؤم تتبعهُ الدمامهْ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «ألا أبلغ لديك أبا دلامه»
فإِن تكُ قد أصبتَ نَعيم دُنيافَلَا تفرحْ فقد دنت القيامهْ) // الوافر //

فَضَحِك الْقَوْم وَلم يبْق مِنْهُم أحد إِلَّا أجَازه

وَخرج الْمهْدي وَعلي بن سُلَيْمَان إِلَى الصَّيْد فسنح لَهما قطيع من ظباء فَأرْسلت الْكلاب وأجريت الْخَيل فَرمى الْمهْدي سَهْما فصرع ظَبْيًا وَرمى عَليّ بن سُلَيْمَان فَأصَاب كَلْبا فَقتله فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو دلامة

قد رمى المهديُّ ظَبْيًاشكّ بِالسَّهْمِ فؤادهْ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»
وعليٌّ بن سُلَيْمَانرمى كَلْبا فصادهْ

(فهنيئاً لَهما كلُّ امرىء يَأْكُل زَاده ...) // من مجزوء الرمل //

فَضَحِك الْمهْدي حَتَّى كَاد يسْقط عَن سَرْجه وَقَالَ صدق وَالله أَبُو دلامة وَأمر لَهُ بجائزة ولقب عَليّ بن سُلَيْمَان بصائد الْكَلْب فعلق بِهِ

وَتوفيت حمادة بنت عِيسَى وَحضر الْمَنْصُور جنازتها فَلَمَّا وقف على حفرتها قَالَ لأبي دلامة مَا أَعدَدْت لهَذِهِ الحفرة قَالَ بنت عمك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حمادة بنت عِيسَى يجاء بهَا السَّاعَة فتدفن فِيهَا فَضَحِك الْمَنْصُور حَتَّى غلب وَستر وَجهه

وَحدث الْهَيْثَم بن عدي قَالَ حجت الخيزران فَلَمَّا خرجت صَاح أَبُو دلامة جعلني الله فدَاك الله الله فِي أَمْرِي فَقَالَت من هَذَا قَالُوا أَبُو دلامة قَالَت اسألوه مَا أمره قَالَ أدنوني من محملها فأدنى فَقَالَ أَيهَا السيدة إِنِّي شيخ كَبِير وأجرك فِي عَظِيم قَالَت فَمه قَالَ تهبين لي جَارِيَة من جواريك تؤنسني وترفق بِي وتريحني من عَجُوز عِنْدِي قد أكلت رفدي وأطالت كدي فقد عاف جلدي جلدهَا وتمنيت بعْدهَا وتشوقت فقدها فَضَحكت وَقَالَت سَوف آمُر لَك بِمَا سَأَلت فَلَمَّا رجعت تلقاها وأذكرها وَخرج مَعهَا إِلَى بَغْدَاد وَأقَام حَتَّى سئم ثمَّ دخل على عُبَيْدَة حاضنة مُوسَى وَهَارُون فَدفع إِلَيْهَا رقْعَة قد كتبهَا إِلَى الخيزران فِيهَا

(أبلغي سيدتي بِاللَّه يَا أم عبيدَهْ ...)

(أَنَّهَا أرشدَها الله وَإِن كَانَت رَشيدهْ ...)

وَعدتني قبلَ أَن تخرجلِلْحَجِّ وليدهْ

(فتأتيت وَأرْسلت بِعشْرين قصيدهْ ...)

(كلما أخلقنَ أخلفت لَهَا أُخْرَى جديده ...)

(لَيْسَ فِي بَيْتِي لتمهيد فِرَاشِي من قعيدهْ ...)

غيرُ عجفاء عَجُوزساقُها مثل القديده
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبلغي سيدتي بالله»
وَجههَا أقبح من حوتطريٍّ فِي عصيده
مَا حَياتِي مَعَ أُنْثَىمثل عِرْسِي بسعيده) // من مجزوء الرمل //

فَلَمَّا قُرِئت عَلَيْهَا الأبيات ضحِكت واستعادت قَوْله وَجههَا أقبح من حوت إِلَى آخِره وَجعلت تضحك ودعت بِجَارِيَة من جواريها فائقة فَقَالَت لَهَا خذي كل مَا لَك فِي قصري فَفعلت ثمَّ دعت بخادم وَقَالَت لَهُ سلمهَا إِلَى أبي دلامة فَانْطَلق الْخَادِم بهَا فَلم يصبهُ فِي منزله فَقَالَ لامْرَأَته إِذا رَجَعَ فادفعيها إِلَيْهِ وَقَوْلِي لَهُ تَقول لَك السيدة أحسن صُحْبَة هَذِه الْجَارِيَة فقد آثرتك بهَا فَقَالَت لَهُ نعم فَلَمَّا خرج دخل إِلَيْهَا ابْنهَا دلامة فَوجدَ أمه تبْكي فَسَأَلَهَا عَن خَبَرهَا فَأَخْبَرته وَقَالَت إِن أردْت أَن تبرني يَوْمًا من الدَّهْر فاليوم قَالَ قولي مَا شِئْت فَإِنِّي أَفعلهُ قَالَت تدخل عَلَيْهَا فتعلمها أَنَّك مَالِكهَا فتطؤها وتحرمها عَلَيْهِ وَإِلَّا ذهبت بعقله وجفاني وجفاك فَفعل وَدخل على الْجَارِيَة فَوَطِئَهَا ووافقها ذَلِك مِنْهُ وَخرج ثمَّ دخل أَبُو دلامة فَقَالَ لامْرَأَته أَيْن الْجَارِيَة فَقَالَت فِي ذَلِك الْبَيْت فَدخل إِلَيْهَا شيخ محطم ذَاهِب فَمد يَده إِلَيْهَا وَذهب ليقبلها فَقَالَت لَهُ مَا لَك وَيلك تَنَح عني وَإِلَّا لطمتك لطمة دققت بهَا أَنْفك فَقَالَ أَبِهَذَا أوصتك السيدة فَقَالَت إِنَّهَا بعثت بِي إِلَى فَتى من حَاله وهيئته كَيْت وَكَيْت وَقد كَانَ عِنْدِي آنِفا ونال مني حَاجته فَعلم أَنه قد دهى من أم دلامة وَابْنهَا فَخرج إِلَى دلامة فَلَطَمَهُ وتلبب بِهِ وَحلف أَنه لَا يُفَارِقهُ إِلَى الْمهْدي فَمضى بِهِ متلبباً حَتَّى وقف على بَاب الْمهْدي فَعرف خَبره وَأَنه قد جَاءَ بِابْنِهِ على تِلْكَ الْحَالة فَأمر بإدخاله فَلَمَّا دخل قَالَ لَهُ مَا لَك وَيلك قَالَ عمل هَذَا الْخَبيث ابْن الخبيثة مَا لم يعمله ولد بِأَبِيهِ وَلَا يرضيني إِلَّا أَن تقتله فَقَالَ وَيلك فَمَا فعل بك فَأخْبرهُ الْخَبَر فَضَحِك حَتَّى اسْتلْقى على قَفاهُ ثمَّ جلس فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة أعْجبك فعله فتضحك مِنْهُ فَقَالَ عَليّ بِالسَّيْفِ والنطع فَقَالَ لَهُ دلامة قد سَمِعت قَوْله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فاسمع حجتي قَالَ هَات قَالَ هَذَا الشَّيْخ أصفق النَّاس وَجها وَهُوَ ينيك أُمِّي مُنْذُ أَرْبَعِينَ مَا غضِبت نكت أَنا جَارِيَته مرّة وَاحِدَة فَغَضب وصنع بِي مَا ترى فَضَحِك الْمهْدي أَشد من ضحكه الأول ثمَّ قَالَ دعها لَهُ وَأَنا أُعْطِيك خيرا مِنْهَا قَالَ على أَن

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.