من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
ابن خروف
الشاعر المحسن الشهير أبو الحسن علي بن محمد بن خروف القرطبي. وقفت على ترجمته في "تاريخ حلب" و"تاريخ المعاجم" وفي "زاد المسافر لأبي البحر". وتلقيت بعضها من الحافظ الدمشقي وغيره من أدباء الشام، إذ ذكره هناك مشهور، وهو إلى الآن على الألسن يدور.
أصله من القيذاف، الحصن المضاف إلى أعمال غرناطة، وهو بين قرطبة وبينها.
ونشأ أبو الحسن في قرطبة ورحل قبل أن يعظم اشتهار ذكره إلى المشرق، فطبق ذكره هنالك الآفاق، وامتلأت بمحاسنه مسامع الشام والعراق، واستقر في آخر أمره بحلب. وقال:
حلبت الدهر أشطرهوفي حلبٍ صفا حلبي
وقال الصاحب كمال الدين بن العديم: كان يتردد بين حلب والموصل، يمدح الظاهر بن صلاح الدين. ومدح نور الدين أرسلان شاه، إلى أن حضر مرة بدار العدل في حلب عند الملك الظاهر في إحدى ليالي شهر رمضان من سنة أربع وستمائة، وتاج العلا الشريف يعظمه، فأطال على عادته، وكان ابن خروف قد أتى بقصيدة في مدح الظاهر أولها:
شمس الهداية في أبناء أيوبأخت النبوة في أبناء يعقوب
هم الملائك في زي الملوك وهمأسد الحروب وأقطاب المحاريب
ثم خرج ليريق الماء في الظلمة فوقع في جب طامٍ كان هناك، وهو جار، فمات فيه، وأطلع منه، والقصيدة قد ضم عليها يده. فأمر الظاهر أن تجعل صلة القصيدة في تجهيز إلى قبره والصدقة عنه.
ثم إن ابن السنينرة الشاعر [جاء] بعد ذلك بقصيدة، ووجد تاج العلا في الدهليز يريد أن يدخل للوعظ، فبادر وكتب للظاهر:
العبد قد وفى لينشد مدحهبنيت قواعدها على التخفيف
وأخاف من تاج العلا تطويلهليلاً فألحق ملحق ابن خروف
فضحك وأمر بإدخاله قبل وعظ تاج العلا. فحضر وأنشد.
ومقطعات ابن خروف طيارة ظريفة، كقوله في غلام سندي:
ومنوع الحركات يلعب بالنهىلبس المحاسن عند خلع لباسه
متأود كالغصن بين رياضةمتلفت كالظبي عند كناسه
بالعقل يلعب مقبلاً أو مدبراًكالدهر يلعب كيف شاء بناسه
ويضم القدمين منه لرأسهكالسيف ضم ذبابه لرئاسه
وقوله في غلام خياط:
بني المغيرة لي في حكيم رشأٌظلالٌ سمركم تغنيه عن سمره
يزهي به فرس الكرسي من بطلبإبرةٍ هي مثل الهدب من شفره
إذا تألق عنها الخيط تحسبهاشهاب رجم جرى والنور في أثره
يود كل لسان أن يكون لهالبداً إذا فرغت بالرقم من حبره
وهذا كله مما لا يخفي أثر غوص الفكر فيه؛ وهو من محاسن "كنوز المعاني".
وكان الأستاذ أبو عمران الطبراني يتعجب من قوله في غلام معذر:
وكان غريب الحسن قبل عذارهفلما بدا صار الغريب المصنفا
ومن نوادره قوله، وقد حبس القاضي محبوباً له:
أقاضي المسلمين حكمت حكماًغدا وبه الزمان له عبوسا
سجنت على دراهم ذا جمالولم تسجنه إذ غصب النفوسا
وقوله وقد دعاه إلى طعامه ابن لهيب الدمشقي:
دعاني ابن لهيبدعاء غير نبيه
إن عدت له يوماً إليهفوالدي في أبيه
وأنشدني له أبو بكر بن الصابوني الإشبيلي مستطرفاً:
مثلي يسمى أديباًمثلي يسمى أريبا
إذا وجدت كثيباغرست فيه قضيبا
ثم زاد من قوله:
ولا أبالي خصيبالقيته أم جديبا
وأنشدني الشهاب القوصي عنه، وهي مشهورة عند أدباء دمشق:
تروق دمشق ولداناً وحوراًوتزهي زهو جنات النعيم
إذا رحلت عروبة عن حماهاتأوه كل أواب حليم
إلى سبتٍ حكى فرعون موسىيجمع كل سحار عليم
فتبصر كل أملودٍ قويمٍيميس وكل ثعبان عظيم
إذا انسابت أرقمه عليهتذكرنا بها ليل السليم
وشاهدنا بها في كل حالحبالا ألقيت نحو الكليم
وتحشر فوق أخضر مستديرضراغمة الشرى وهي العريم
بمغدي صبوةٍ ومراح أنسومورد ظبية ومراد ريم
مسلطة العيون على قلوبمؤيدة الفتون على حلوم
وتبدي بالصوالج في كراتمحاسن فعل أصحاب الرقيم
فتبصر عند ذلك كيف تصطوبدور بالبروق على نجوم
تظن كراتها تنبت منهاقلوب العاشقين عن الجسوم
وما في ضربها ألمٌ بشيءمن الأشياء إلا بالهموم
وأهل دمشق قد اختصموا بيوم السبت يعطلون في هذا اليوم من الجمعة جميع أشغالهم، ويخرجون إلى هذا الميدان الذي ذكره. فقوم يلعبون بالصوالج، وآخرون يغنون السماع. وكل أحد فيما مال إليه هواه، لا مثرب ولا منتقد. ويمتدون في ذلك عن الميدان إلى المقاسم، حيث تنقسم أنهار دمشق وتنصب إلى ما بين الشرفين المشهورين بالجسر. ووقع لي في ذلك أيام مقامي بها:
أما دمشق فجنةيبني بها الوطن الغريب
لله أيام السبوت بها ومنظرها العجيب
أنظر بعينك هل ترىإلا محباً أو حبيب
كل يبلغ نفسهما تشتهي مرحاً وطيب
في حيث لا داع هناك سوى السرور ولا مجيب
أرض خلت ممن ينغص أو يراقب أو يعيب
وقلت أيضاً:
أما دمشق فما في الأرض مشبههاجنات عدن بها ما يشتهي البشر
أرض لعمرك ما فيها لمبتذلذامٌ يلوم ولا في صفوها كدر
وكل سبت بها عيد تعود بهآمالهم وبه الزلات تغتفر
كلٌ إلى ما دعته نفسه عجلٌكأنما فرصة قد جاء يبتدر
حيث الميادين كالديباج قد بسطتخضراً جرت حولها من مائها طرر
بها النعيم غدا للناس مكتملاًمطولا وهو في الآفاق مختصر
القضب راقصةٌ والطير صادحةٌوالنشر مرتفع والماء منحدر
وقد تجلت من اللذات أوجههالكنها بظلال الدوح تستتر
وكل وادٍ به موسى يفجرهوكل روضٍ على حافاته الخضر
النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع