من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
فصل
ذكرت فيه مما في الأصل أربعة من الرجال، وصفهم حليٌ تتغاير فيه ربات الحجال.
تحث بهم عزمها القلوص النواجي، وتستفيد منهم سحرها العيون السواجي وإني لا آمن من أن يقال: كرروا على الأسماع، والمكرر مملول بالإجماع.
ومن العادات، ترك المعادات. فخبر الحبيب يطيب على الإعادة، وسجع الحمام إذا تردد أطرب بحسب العادة. ومن يمل من الأنفاس ترديداً، ويسأم من رشفات الثغور تعديداً. على أني مقتف أثر الباخرزي في دميته، حيث أعاد ذكر بعض من ذكر الثعالبي في يتيمته. وقال: لولا تكرار الكؤوس، لما استقر الإطراب في النفوس، ولا استقلت صبابة على الرؤوس، والحياة على حسن مساقها وطيب مذاقها، إذا جاوزت النفس الأول معادة، وحبها لكل من الحيوانات عادة، حتى إنها لا تمل إذا كررت عليها، ولا تكره إذا ردت إليها.
والشرط إني لا أذكر من شعرهم السامي، وزهرهم الذي نبت في الروض الشامي. إلا ما لم يصل إليه، وما ذكره منه لا أحاشره عليه.
والحكمة هي الضالة فأين وجدت أخذت، وحيث ما سمجت نبذت.
وما بعثني على ذكرهم، إلا التلذذ بحمدهم وشكرهم. وإني لأحسب إن طالت لعهدهم السنون، أن تتعلق بمحاسنهم خطاطيف الظنون. وعلى كل حال فحقهم علي أوجب، وزيادة إلمامي بنخبهم لا تنكر ولا تحجب.
فمنهم: أبو الطيب الغزِّي أوحد البلغاء العظام، وأجل من تفوه بالنثار والنظام.
جاء أمةً وحده في الافتنان، وامتطى جواد البراعة فأجراه طلق العنان. فهو في النباهة آية، لم تفته من مطالبه غاية. فكل خاطرٍ ينفد إلا خاطره، وكل سحابٍ يضن إلا سحابٌ يسح من فكره ماطره. ومكانته في السؤدد عالية، وساعة قربه ليست بالعمر غالية. تحلى بالزهد، وبذل في التخلي الجهد.
وشعره حجة متصابٍ وفتنة متناسك، إذا سمعه المشغوف لم يبق فيه إلا رمقٌ بلذاته متماسك. قالت الأصداف: الفخر لألفاظه الغر، فلذلك حشا الدهر في فمها الدر.
إذا ابتدأ معنًى أبرزه كهلال العيد، وأوقعه موقع فصل الخطاب وبيت القصيد.
وإن استعاره صيره خلقاً جديداً، وجعله كليله في الفكر جديدا.
وأقام دعامته إن خفي رسماً، وأعطاه روحاً إذا كان جسماً.
وأنا ممن ألهج به ابتهاجاً وزهواً، ولي بمحاسنه شغف المتيم بمن يهوى. تحركني إليها دواعي الوجد، فأولع بها ولوع ابن الدمينة بصبا نجد. وقد جئتك منها بما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذا.
قال في الغزل:
رشأٌ تمكَّن من فؤاد التَّائهفي قفر حُبِّيه وفي بيدائهِ
أسدٌ يجول بحلية الحسن التيفيها الأسود تكون من أُسرائهِ
ملكٌ ترى رمحَ القوم وقوس حاجبه وسيفَ اللَّحظ من نظرائهِ
قمرٌ تراءى نحو مرآة السَّماءِ وفيه أثَّر بدره بإزائهِ
أترى أرى نفسي مفكَّهةً بهليلاً يحنُّ إليَّ في ظلمائهِ
فلكم تطاول نأيه عنِّي وذقتُ به عناً لا ذقت طعم عنائهِ
في ليلةٍ تلقى الكئيب مفكراًممَّا به يرعى نجوم سمائهِ
لولا غزير الدَّمع أحرقه الحشالولاه أصبح مغرقاً ببكائهِ
أمعنِّفي دع عنك تعنيفي فليس يطيعني سمعي على إصغائهِ
لم يصغِ للتَّعنيف مسمع والهٍرسخ الهوى والوجد في سودائهِ
يا صاحبيَّ سلاه هل من عودةٍبزمان أنسٍ تمَّ لي بلقائهِ
أم هل وصالٌ أرتجيه منه أووعدٌ فأبقى في انتظارِ وفائهِ
أم هل أسامر طيفه من بعد أنقاسيتُ فرطَ نفورِهِ وإبائِهِ
فهواه داءٌ ضمن قلبي لا يزولُ وما لقلبي مَخلصٌ من دائهِ
فأنا المقيم على المحبَّة والوَلاوأنا الذي في الرِّقِّ من خُدَمائهِ
وله من قصيدةٍ كلها درر وغرر:
أما آن من نجم الشُّجون غروبُوحتَّى متى ريح الفتون تنوبُ
تكلِّفني من بعد سلوان صَبوتيشَمالٌ تُعنِّي مهجتي وجنوبُ
سهرتُ لها نائي المضاجع فانبرىلها بين أحناءِ الضُّلوع لهيبُ
إذا ركدت ريحٌ وقرَّ نسيمهاأبى منه إلاَّ أن يعود هبوبُ
وفي الصَّدر بدرٌ فيه لم تحظَ أعينٌولا صوَّرته للنُّفوسِ قلوبُ
محيَّاه روضٌ ناضرٌ في نثيرِهِنظائم منها باهرٌ وعجيبُ
قناةٌ عليها للشُّموس مطالعٌومركزها دون الإزارِ كثيبُ
بعيدُ مناطِ القُرطِ سحرٌ لحاظُهذَهوبٌ بألبابِ الرِّجال لعوبُ
بديع التَّثنِّي للهواء وللهوىنسيمٌ يباري لطفه ونسيبُ
يجول وِشاحٌ أو تَغصَّ دمالجٌإذا لاح في بردٍ وماس قضيبُ
يُرى منه في ريمٍ مهاةٌ وضيغمٌويعرض في الأخلاء منه مهيبُ
يشوب الرِّضا بالصَّدِّ والوصل بالقِلىوما هو إلاَّ مسقمٌ وطبيبُ
تمنُّعُ إطماعٍ وإطماعُ مانعٍودرٌّ ودَلٌّ رائقٌ وخلوبُ
دعاني إلى الرُّجعى على حين غفلةٍمن الحسن والأهواءُ منه تريبُ
دعا سائري من كلِّ عضوٍ وكلَّمادعا منه داعيهِ أجابَ مجيبُ
لُسِبْتُ من الصُّدغ الجنيِّ بعقربٍله بين ورد الوجنتين دبيبُ
لئن عاد لي عيد اللَّواعج غرَّةًفإن فؤادي للغرامِ نسيبُ
وعنوانُ حالي لو رأى بثَّ بعضهِشُحوبٌ ومن دون الشُّحوبِ وجِيبُ
لحا الله قلبي كم تنازعه الرَّدىلحاظٌ لها في صفحتيه نُدوبُ
يلَذُّ الهوى لا دَرَّ دَرُّ أبي الهوىوحسبك منه زفرةٌ ونحيبُ
أُدرِّجُ أنفاسي مخافة كاشحٍوأُطرق كيما لا يقال مريبُ
أدين بكتمان الهوى فيذيعُهُفؤادٌ وطرفٌ خافقٌ وسكوبُ
وقالوا غَوِيٌّ لا يتوب وآثمٌوما علموا حوباً فكيف نتوبُ
بحسب التَّوافي من عفافي زاجرٌومن صونه عمَّا يريب قريبُ
أُجلُّك أن أُبدي هواك علالةًولكن لسان العاشقين خطيبُ
وله من قصيدة، أولها:
نَهْنِه دوالح جفنك المقروحوأرحْ طلائح قلبك المجروحِ
ودع الهوى طلق العنان لأهلهوارْبَأْ بنفسك عن رباه الفيحِ
فلرُبَّما ضاق الفضاءُ بأهلهولربَّما سُدَّت مهافي الرِّيحِ
كم ذا تبيتُ مسهَّداً ترعى السُّهامتململاً من لاعج التبريحِ
كم ذا تصُدُّ عن النَّصيح عمايةًوترى وليَّ النُّصح غير نصيحِ
وممنِّعِ كابن الغزالة دونهغابا حمًى من ذبَّلٍ وصفيحِ
لم يعتلق مضناه منه بزورةٍتشفي ولا فتكه بمريحِ
لو شئت لا شئت المعادَ إلى الهوىلرأيتني بالروح غير شحيحِ
ورأيت آرام الصَّريمِ سوانحاًفي مجلسي وصوادراً في سوحِي
ورأيتني ضمَّت على متنسِّكٍمتعفِّفٍ حين اللقاء كشوحي
وله من أخرى، مستهلها:
وفتًى يرفُّ بمثل ثوب نضارِوعثاعثٍ ترتجُّ تحت إزارِ
أمَّا محيَّاه الوسيم فإنهمنح القلوب ومطمح الأنظارِ
شفعت ذوائبه الدُّجى وجبينهبهر الهلال عشيَّة الإفطارِ
يرنو بأكحل كالجراز فيا لهمن أسودٍ ذي أبيضٍ بتارِ
تبدو له أسد العرين ظواهراًفيعيدها أخفى من الأسرارِ
صنمٌ تخرُّ له البطارق سجُّداًليجيرهم فيهيلهم في النَّارِ
إن قلت بدرٌ رابني بسفورهأو قلت ريمٌ راعني بنفارِ
لو أنكرت منِّي هواه جوارحيفشحوب جسماني به إقراري
لم أنسه واللَّيل بحرٌ مزبدٌبنجومه وأديمه من قارِ
وإذا به وافى يفوح كأنَّمازرَّت غلائله على عطَّارِ
صدع الدُّجنَّة فارياً ديجورهاعن بدر تمٍّ مشرق الأنوارِ
وافتَّر يبسم عن ثنايا وامضٍبلآلئٍ نسق النَّظام صغارِ
قلت: صغر الأسنان ممدوح، قال ابن النبيه:
ولم أرَ قبل مبسمهصغير الجوهر المثمنِ
واعتذر عن كبرها القائل:
يفتَّرُّ عن مثل نظم الدُّرِّ أتقنهبحسن تأليفه في النَّظم متقنهُ
عابوا كبار ثناياه فقلت لهمالدُّرُّ أكبره في العين أثمنهُ
تتمة الأبيات:
علَّت بخرطومٍ كميتٍ سلسلٍلا مزَّةٍ كلا ولا مصطارِ
روح بلا جسمٍ ولكن جوهرٌمتصدِّفٌ بالقار والفخَّارِ
لو عبَّ ساقيها دجًى في كأسهالرأيت بدراً لسَّ شمس نهارِ
حمراء تحسبها عقيقة بارقٍإن لم تكنها فهي جذوة نارِ
مسكيَّةٌ فكأنها دم شادنٍيحتَّل من كاساتها في قارِ
منها في المديح:
وهَّابُ أذوادِ المطافل يكتفيبسقوبها بل واهب الأخطارِ
ينسي أحاديث المكارم إنهملغي الوعود ومهدر الأعذارِ
يطفو السَّخاء على أسرَّته كمايطفو الفرنْد على الصقيل العاري
ما زال في طلب العلا حتَّى انبرىكهلاً فأدرك خمسة الأشبارِ
في بردتيه أبو دؤاد لجارهولمن يناويه أبو الأذعارِ
مولاي يا كهف الأفاضل والنُّهىويمين بيت الله ذي الأستارِ
إنَّي لأُكبر منك هيبة ضيغمٍوأجلُّها مني عن الإكبارِ
سأقول فيك الشِّعر يقطر حسنهأو يستمدُّ السِّحر من أشعاري
يزري بوشيِ الرَّوض نمَّق نورهكفُّ النَّسيم وراحة الأمطارِ
وله من أخرى، مطلعها:
أمؤنِّبي في الحبِّ لا متوانيما أنت من ولهي ومن سلواني
لا تسقني ماء الملام فإنَّماعيناي من ماء الهوى عينانِ
وله بجانحتيَّ صون حديثهدينٌ وشأني مخبرٌ عن شاني
لولا ضرامٌ شبَّ بين جوانحيلغرقتُ من غربيَّ بالطُوفانِ
رفقاً فلا غير المنية والجوىهو أوَّلٌ وهي المحلُّ الثاني
ليت الذي فهقت كؤوس جفونهأنهى بهنَّ إليك ما سقَّاني
إنَّ المذرَّبةَ الظُّبي ولحاظهأنَّى اتَّجهتُ من الهوى سيَّانِ
لله من أجفان جؤذرِ كلَّةٍيرعى الحشا بدلاً عن الحوذانِ
يطفو النَّعيم على غرارة وجههفترفُّ منه شقائق النُّعمانِ
متوضِّح القسمات يبرح خالباًمنِّي جناني جاذباً بعناني
وبغيضةٌ سبل الغرام إليَّ مالم يعتسفها ضلَّة الهجرانِ
وسبيَّةٍ من خمر عانة مزَّةنظم المزاج بها عقود جمانِ
قتلت بصوبٍ من صبير غمامةٍلمعت بمثل مصابح الرُّهبانِ
ومنها في المديح:
فرعٌ تمكَّن من نصابٍ دونهأخذُ الكميِّ بمنكبي ثهلانِ
يقظٌ بأعقاب الأمور كأنَّمايدلي بجاسوسٍ إلى الكتمانِ
لا تطَّبيهِ مدامةٌ تجلى علىعزف القيان ورنَّة العيدانِ
عمَّت فضائله وذاع نوالهُكالشَّمس لا تخفى بكلِّ مكانِ
منها:
واستجلِها عذراء عُلَّ رضابُهاحمراء تهزأ بالنجيع القاني
شُجَّت بذي خصرٍ يبدِّد فوقهاحبَيَاً يجول كأعين النِّينانِ
النينان: جمع نونٍ، وهو الحوت. قيل هو جمعٌ غير معروف.
وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد، في قوله في صفة السفينة:
تلاعب نينان البحور ورُبَّمارأيت نفوس القوم من جريها تجري
فغيره بشار بتيار البحور وقد قال أبو الطيب يصف خيلاً:
فهنَّ مع السيدان في البرِّ عسَّلٌوهنَّ مع النينان في البحر عوَّمُ
قلت: وأبو الطيب، له في اللغة النظر الصيِّب، وهو ممن يميز الخبيث من الطيب. ومن نتفه ومقاطيعه قوله:
عاطيته حلب العصير ولا سوىزهر النُّجوم تجاه زهر المجلسِ
انظر إليه كأنَّه متبرمٌمما تغازله عيون النَّرجسِ
وكأنَّ صفحة خدِّه ياقوتةٌوكأنَّ عارضه خميلة سندسِ
هذا على أسلوب قول ابن هانئ الأندلسي:
خالسته نظراً وكان مورَّداًفاحمرَّ حتى كاد أن يتلهَّبا
انظر إليه كأنَّه متنصِّلٌبجفونه ولقد يكون المذنبا
وكأنَّ صفحة خدِّه وعذارهتفَّاحةٌ رميت لتقتل عقربا
وله:
صادفته متبذِّلاً بصحابهيوماً فأقصر عنهم في منزلِ
وتركته نهب الرِّعاع وإنَّهأشهى إليَّ من الرَّحيق السلسلِ
وله:
لقد علقْتَ يا فؤاديبالحسين ذي الوسنْ
فإن ظمئْتَ فارشِفنريق الحسين والحسنْ
وله:
ناسَقني الوصْل فهنَّيتهُميقات موسى فات بالصَّدِّ
لا بدَّ من بينٍ على غرَّةٍما أنت إلا زمن الوردِ
وله:
لنا نفوسٌ إذا هي انصدعتبلمح طرفٍ تقوم ساعتها
عزَّت فعاشت بفقرها رغداًوفي اعتزال الأنام راحتها
وله:
نضارة أهل الكيفِ ظلٌّ من اكتسىبه نحو شهرٍ ظلَّ في النَّاس عاريا
على وجه ميٍّ مسحةٌ من ملاحةٍتزول ويبقى الخزيُ من بعد باديا
وله:
أعدَّ لهمِّه أوراق كيفٍتمدُّ من السرور عليه فيئا
كألسنة الشموع تضيء لكنتذيب نفوسها شيئاً فشيئا
أحمد بن شاهين عين الزمان ويمينه، لو حلف ليأتين بمثله حنثت يمينه.
فهو شخصٌ كله جود، وما من فضلٍ إلا في ذاته موجود.
موارد كرمه سائغة، وملابس نعمه سابغة.
مورق عيدان العلا رطبهاأبلج وجه العرف بسَّامهُ
مع شيمةٍ لو أنَّها في الماء ما تغير، وهمةٍ لو أنَّها للنَّجم ما تغور. وأيادٍ روائحٌ غوادي، كنسيم الرياض غبَّ الغوادي.
فللمزنِ فيض بنانه، وللروض حسن افتنانه. وله فكرٌ إذا اتقد تلهب منه اللهب، وخلقٌ إذا انتقد تبهرج عنده الذهب.
وكان في مبدإه من الجند على طريقة والده، حتى بلغ فنزع بنفسه إلى مجدٍ أغناه مطرفه عن تالده. وحبب إليه أنواع المعارف، فاعتاض عن حمر المضارب بسود المراعف.
كما قال:
صبوت إلى حبِّ الفضائل بعدماتقلَّدت خطِّيًّا وصلت بمخذمِ
ومارست من بعد القناة يراعةًكأبيض مصقول العوارض لهذمِ
وصار مدادي من سواد محاجريوقد كان محمرًّا يسيل كعندمِ
فجاء من التحائف التي بيضت وجوه القراطيس، وجذبت المحاسن إلى صوبها جذب المغناطيس. بما أطلع قدود المها محفوفةً بالولائد، ولآلي الثغور كأنَّها على العقد قد نظمها للقلائد. إلى نظامٍ مثل السوالف زمَّت بالشعور، وأداءٍ كدرر البحور علِّقت في النحور. وشعره وإنشاؤه إذا رآهما الأديب، قال: ليس للبلاغة إلا ذان، يلجان السمع إلى القلب بلا أذانٍ ولا استئذان. أحاطت ببدائعه حواشي الإجادة، إحاطة الحلل بالقدود، وتوشت رياض روائعه بالملاحة توشية العذار بورد الخدود.
فكل ما كتبه أوفاه به لسانه، لا سبيل لأن يجحد حسنه وينكر استحسانه. ومضى عليه زمن وهو في عيشٍ رفيه، والعز ناظر وهو نورٌ فيه.
حتى أسن فوقف الدهر في تعهده دون حقوقه، وخرج إلى ما كان يهيؤه له من بره إلى عقوقه. وأخر مطالبه تأخير الغريم، لدين الكريم.
وبدله عن النشاط المقيم، بالحظ العقيم.
وللزمان حال لا إلى بقا، وصفوٌ لا يبقى على نقا.
فسلوة الأيام موعدها الحشر، ولكتابها منتهًى هو النشر.
ثم عاجله الحِمام، فسقى تربه هطَّال الغمام.
وما جاده الغيثُ عن غُلَّةٍولكن ليبكي النَّدى بالنَّدى
وقيل فيه:
قلت لما قضى ابن شاهين نحباًوهو مولًى كلٌّ يشير إليهِ
رحم الله سيِّداً وعزيزاًبكت الأرض والسَّماء عليه
فمما اخترته من آثاره، وألمعت به من نظامه ونثاره. رسالة ألمع على الأسلوب البديع، وجرى فيها على أسلوب البديع.
كتب بها إلى شيخه الحسن البوريني، يتعهد بها مطالعته، ويسأل مراجعته. عقب مهاجرة وقعت بينهما، واقتضت بينهما: أعز الله الشيخ الذي سكن من الجوارح أشرفها، وسلك من طرق الجفا أوعرها وأسرفها.
وبالغ في العقوبة وزاد، واستغرق أوقات الوداد بالبعد والعناد.
وارتكب مركباً من الخليقة صعباً، وقطع جميع الطرق إلا طريق الوفا وثباً.
واستعار أذناً ليستوعي بها المثالب، وعيناً ينظر بها المصائب.
ويداً يبطش بها من كل صاحب ومصاحب، ورجلاً يسعى بها إلى الأباعد دون الأقارب.
ووجهاً يتصرف في أسرَّته، كتصرُّف الملك الجائر في رعيته.
ويفعل بمحبيه، ما لا يفعل الدَّهر ببنيه.
لا تظهر الطلاقة في وجهه إلا ريثما يخلطها بإعراض، ولا ينبسط هنيئةً من الزَّمان إلا وهو وشيك انقباض.
يبدو لطفه لمعاً ثم ينقطع، ويحلو ماؤه جرعاً ثم يمتنع.
فلا يدوم له سرور الهنا، إلا بما هو من حمانا يحلُّه، وبما هو من أعراضنا يستحلُّه.
فيا ليت شعري، أيُّ مصونٍ من سرِّك أذعته، أو مفروضٍ في الخدمة رفضته، أو واجبٌ في الزِّيادة أهملته.
وهل كنت إلا كما قيل: ضيفٌ أهداه بلدٌ شاسع، وأدَّاه أملٌ واسع.
وحداه عقلٌ، وإن قلَّ. وهداه رأيٌ، وإن ضلَّ.
ثم ما أبعدت صحبةٌ إلا أدنت مهانة، ولا زادت حرقةٌ إلا نقصت صيانة. ولا تضاعفت ذمة، إلا تراجعت منزلة.
ولم تزل الغصة بنا حتى صار الوابل رذاذاً، والتشوق المفرط معاذا.
وصار حسن ذلك الالتفات ازوراراً، وطويل ذلك السلام اختصاراً.
وكان المهلب يقول: عجبت لمن يشتري العبيد بماله، كيف لا يملك الأحرار بمعروفه.
وفي الحديث: البشاشة خيرٌ من القرى.
وفي المثل: اليوم العبوس، خيرٌ من الوجه العبوس.
ومن كلامهم: الحوادث الممضة مكسبةٌ لحظوظٍ جزيلة، منها: ثواب مدخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريفٌ بقدر النعمة.
وقد شاهدت فيها خامساً؛ وهو صون ماء الوجه عن الذل والهوان.
مولاي يا من له في كلِّ جارحةٍلسان شكرٍ يؤدي بعض ما وجبا
ما هذه الكراهة من فتًى خفيف الجسد والروح، ثقيل الرأس بالعقل، غضيض الجفن بالحيا، طلق الوجه، عف اللسان، رحب الصدر، باسط الكف بالجود، طويل الباع بالإحسان، صافي القلب، سليم الفطرة، محني الضلوع على الأسى، مطوي الجوانح بالهوى، قصير الخطى عن الأذى.
فما محاسن شيءٍ كله حسن
ما فيه لَوٌّ ولا ليتٌّ تنقِّصهوإنَّما أدركته حرفة الأدبِ
على أنني والحمد لله لم أكنمذاداً مع الحرمان منك ولا شربُ
ولكنني أبردت صدري بنهلةٍمن الفضل غُصَّت دون موردها الشَّربُ
وذلك لأني أطلعت التردد إليك، وعولت أمري في طلبي عليك.
ووردت من أنهار فضلك كل معين، وكنت لي في طلبي وأملي خير معين.
والنعمة لا تجحد، والحسنة لا تكفر.
والشمس لا يمكن سترها بحجاب، والبدر لا يخفى ضوؤه وإن كان تحت السحاب.
والكذب شيمة المنافقين، ألا لعنة الله على الكاذبين.
وأنا ما قلت ذلك إلا رائياً أن لا طيب إلا ما اختلط بترابك، وأن لا سعد إلا ما خيم ببابك.
وأن لا ربيع إلا في بقعتك، وأن لا أنس إلا بطلعتك.
وأن لا فرح إلا بقربك، وأن لا ترح إلا ببعدك، وأن لا نشاط إلا بحبك، وأن لا علم إلا ما استفيد منك، وأن لا فضل إلا ما أخذ عنك، وأن لا دليل إلا ما جيء به معزوًّا إليك، وأن لا سند إلا ما أخذ من فيك، ومحالٌ عليك.
لعلمي بأنك البدر الكامل، والفرد الذي ليس له معادل ولا مماثل.
هذا، مع مغالاتي فيك، ومنافستي عليك، ومناظرتي بك، وانتمائي بالفضيلة التامة إليك.
وإنشادي مستمسكاً بحبل ودادك، ومتمسكاً بترب مهادك.
ومعتقداً أن رضاك ثوابٌ، وغضبك عقاب. ورغبتك إحسان، ورهبتك خسران.
وإعراضك جحيم، والتفاتك نعيم. ومثلك لا مثل يضاهيك.
إن غضب تجمل، وإن تأذى ولو بوهمٍ تحمل.
وإن جاء فاسقٌ بنباءٍ تبصر واستفسر، وإن ثبت لديه شيءٌ ولو دعاء اغتفر واستهتر.
فهاتِ قل لي يا من مكانتهفي القلب قد حلَّها بمفرده
أي جوابٍ لمن يسأل عن حلمك، واستفسر عن ثمرة علمك. فإن الحلم، ثمرة العلم. وهو دالٌّ عليه، كدلالة النور على الثمر، والهالة على القمر. وقد وجد كماله فيك، وظهرت ثمرته عليك، وتذللت قطوفه دانيةً إليك.
وأعود فأقول: بعض هذا الجفا يا مولاي يكفي، وجزءٌ من هذا الإعراض يجزي. وفي قليلٍ من صدودك انتقام كثير، وفي يسيرٍ من هجرك إسرافٌ وتبذير. وفي أدنى ما بلغني عنك كافٍ ومقنع، وفي أقل ما رأيته منك للقلب مؤلم وموجع. وفي المثل: من يسمع يخل، ومن يكثر يمل. وأظن أن الداعي إلى مهاجرتي نميمةٌ جاء بها فاسق، ونبأ افتراه كاشح.
ومع ذلك لو ارتكبت جريرةً لما استحقيت من القطيعة المهلكة أعظم مما رأيته وقاسيته، ولو اكتسبت كبيرةً لما استوجبت من العقوبة المنهكة بعض ما عاينته وعانيته. ولو أشركت، والعياذ بالله تعالى، لمحت ذنبي التوبة والاستغفار، ولو كفرت، معاذ الله، لغطت على كفري الندامة والاعتذار.
ولما أحتمل أن يسمى كبيرة، ويدعى ولو على المجاز جريرة. وهب أنني يا مولاي لا أؤاخذك بأغراضك وإعراضك، ولا أعاتبك بإسرافك وإخلاقك، ولا أقابلك بإخلافك وأخلاقك. ولا أواجهك بانقيادك وعدم انتقادك، ولا أعارضك بإعراضك، وعدم اعتراضك. ولا أطالبك بتألبك، وعدم تألمك، ولا أحاسبك بما حرمتنيه من عطفك، ولا أصادرك وإن سؤتني بما تثنيه من عطفك.
أفي حكم المروءة أن تبعد من يقاربك، وتطرد من يصاحبك. وتطرح من يهابك ولا يملُّك، وتسمح بقطيعة من يجلُّك ولا يخلُّك.
ومن أمثالهم: أهل الحفائظ أهل الحفاظ. والحفائظ تحلل الأحقاد، فأين من سيدي الحفيظة المأمولة لتحلِّل ما عنده وما استقصاه، وتهدم ما شاده الواشي وما بناه.
والعين تعرف من عيني محدِّثهاإن كان من حزبها أو من أعاديها
وقد باغتني مقالةٌ من بعضها في القلب جروحٌ. فليت شعري، وهل ليت بنافعة، متى كان جرحاً، حتى صار قرحاً.
ومتى قدح الزند حتى اضطرم هذا الوقد.
ومتى تكاثف القطر وهمى، حتى اجتمع هذا البحر وطمى ومتى طنَّت الحصا، حتى بلغ مداها عنان السَّما.
وبالجملة فقد شاركت الليال، في تقلب الأحوال. ووافقت الأيام، في اصطناعها اللثام.
هلاَّ ألهمت أن ترد بعقلٍ وتصدَّر بتميز، " وما ذلك على الله بعزيز ".
ولولا أنك أعنتها ونصرتها، وآزرتها وظاهرتها. لردَّت على أعقابها ناكصة، ورجعت على أدبارها خائبة. ولأمنت مكرها، واجتنبت إصرها.
ولكنها جمرة ليل، وأثمر ثمارٍ لا سيل. وبناءٌ على شفا، وعلَّةٌ قريبة الشِّفا.
وقد ثبت أن العقوبة للمسيء، والحرمان للمجرم، والخذلان للمعتدي، والقصاص للمذنب، والمؤاخذة للجاني. وأنا أبيض وجه العهد، واضح حجة الود، مصاحب التوفيق، بريء الساحة، مجانب الهفوات. ولو أنني علمت أنه أمرٌ بيت بليل، لجازيت الصانع كيلاً بكيل، ولكني سأريه ناجذي وأتجلد، وأري الشامتين أني لريب الدَّهر لا أتضعضع.
ولعمرك ما علمت أن صريح الرأي في التحول عنك مطلوب، ولا تحققت أن المجاز في كل تركيب من الألفاظ العرفية متداول مرغوب. لأتبصر أن قول القائل مثلاً: اذهب الأعمى. أن يكون عبارةً عن طرد المخاطب ضمناً، وقد تقرر أن المخاطب يدخل في عموم كلامه لا أن المخاطب يدخل فيما خوطب به. ولو علمت قبل ما عدت بعد.
لست أشكو من امتناعك عنِّييا منى النَّفس حيث عزَّ الإيابُ
سوء حظِّي أنالني منك هذافعلى الحظِّ لا عليك العتابُ
وأحرى بقول القائل:
إذا لم تكن حاجاتنا في نفوسهمفليس بمغنٍ عنك عقد الرتائمِ
حلفت ولم أترك لنفسك ريبةًوليس وراء الله للمرء مطلبُ
إني لا قابلت إحسانك بكفر، ولا أسأت أدباً فيما صنعته في خدمتك بأن أتبعه بمنّ. ولك عندي اليد البيضاء التي لا أقبضها عن الدعاء لك، والأخرى التي لا أبسطها بالدعاء عليك.
وها أنا أشكو إليك، جعلني الله فداك، ما لا يمكن الإيضاح به، ولا الصراحة عنه، ولا التوصل بالاستيفاء، ولا التسلط بالاستحضار عليه، ولا التجمل بالإغضاء، ولا البيان لما فيه، ولا التمحل له.
وربما ذكرت البعض منه، وقلت: لعلِّي كنت شائماً سراباً، أو مستمطراً جهاماً، أو رائياً خلَّباً، أو وارداً حيث لا مراد، أو مستعيناً حيث لا معين، أو مستغيثاً حيث لا مغيث، أو مستجيراً حيث لا مجار، أو مستميحاً حيث لا سماح، ولك المثل الأعلى.
لا تعجبوا ضربي له من دونهمثلاً شروداً في النَّدى والباسِ
فالله قد ضرب الأقلَّ لنورهمثلاً من المشكاة والنِّبراسِ
ولو كان رمحاً واحداً لاتقيتهولكنه رمحٌ وثانٍ وثالثُ
فهل كنت كالمقتدي بناقضة الغزل، أو كالمستصحب سراةً لملمَّةٍ فإذا عم عزل. أو كراضٍ من الغنيمة بالإياب، ومن المركب بالتعليق، أو كراجع بخفِّي حنين.
هذا، وأنا أقول: لن تضر الحوار وطأة أمِّه. بيد أنه يقال، فيما تقدم ومضى من المدد الخوال:
فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازماًفليقسُ أحياناً على من يرحمُ
ومثلي من تهفو به نشوة الصِّباومثلك من يعفو ومالك من مثلٍ
وإني لينهاني نهاي عن التيأشاد بها الواشي ويعقلني عقلي
وما أنا بالمهدي إلى السؤدد الخناولا بالمسيء القول في الحسن الفعل
فهات جواباً عنك ترضي به العلىإذا سألتني بعد ألسنة الحفلِ
فبين الرِّضا والسُّخط ظنِّي واقفٌوقوف الهوى بين القطيعة والوصلِ
ولو تيسرت لي مخاطبتك مشافهةً لكان لي معك ذوقٌ من الكلام، لكن لما عزَّت المشافهة، استغنيت بالمكاتبة والمراسلة، قائلاً:
لك الحمد أما من نحبُّ فلا نرىوننظر من لا نشتهي فلك الحمدُ
ولعمري إن ليلي عليك ليل السليم، ونهاري دونك نهار الأليم. وفكري قد صدئَ لعدم مطارحتك، وطرفي قد قذي لندرة مشاهدتك. وقلبي لعزة رضاك واجبٌ مضطرب، وصدري لعلة مؤانستك حرج ضيِّق، وفمي لبعد مصاحبتك واجمٌ ساكت، وصادف حجاي عارضٌ وعين، فغلبني الدمع بسلاسل من عسجد ولجين:
أما والذي أبكى وأضحك والذيأمات وأحيا والذي أمره الأمرُ
لقد صديت مرآة الخيال، وقذي طرفٌ طال ما سهر الليال. وتزلزل محلُّ سيدي من قلبي، أطال له البقاء، ومنحه سوابغ النعم والارتقاء.
رفقاً بمنزلك الذي تحتلُّهيا من يخرِّب بيته بيديهِ
وضاق وسع الفضا، وسكت مصقع الخطبا. وجنَّ صاحي القوم، وبكت مقلةٌ يعزُّ عليها النوم.
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوىوأذللت دمعاً من خلائقه الكبرُ
معلِّلتي بالوعد والموت دونهإذا متُّ عطشانا فلا نزل القطرُ
أما تتقي الله في واقفٍ أمامك، مستغفرٍ تائب. وأرق ما يعرض على المولى قول القائل:
سلي تعلمي إن كنت غير عليمةٍبأن ليس في حبِّي لغيرك مطمعُ
فأنَّ لي القلب الذي ليس خالياًمن الوجد والجفن الذي ليس يهجعُ
فوالله ما أنفكُّ أذكر موضعيلديك ولا أنفك نحوك أنزعُ
وبالجملة:
أُعيذها نظراتٍ منك صادقةًأن تحسب الشحم فيمن شحمه ورمُ
وهاك هدية الوقت، وعفو الساعة، وفيض البديهة. ومسارقة القلم، ومسابقة اليد للفم. وجمرات الحدَّة، وثمرات المودَّة. ومهاداة الخاطر للناظر، ومباراة الطَّبع للسَّمع، ومجاذبة الجنان للبيان. وها هو جواد البلاغة علك الشَّكيم، حابس العنان، لم يأخذ طلقه، ولم يستوف مضماره.
وهذا هو النهض فما بالك بالركض، وقد آلى لا يعرق عرق التنبيه ما لم يسمع بتصهالهِ، ويرعد بقرع نعاله. ويوصل ممتطيه غايةً لا تدرك، وغارةً بالرياح الهوج لا تنهك. ومع ذلك لو نظمت النثر كالدرر، وأتيت به رائقاً كنسيم السَّحر، وموشياً كألوان الزهر، وما كنت إلا كمهدي التمر إلى هجر، والفصاحة لأهل الوبر.
وآخر ما أقول إن ودي موقوفٌ عليك، وحبيس سبيلك، وتحت رهنك. فمتى عاودته، وجدته سائغ المعبر، غضَّ المنظر، جنيَّ المخبر. يندى بشاشةً، ويقطر حسناً، ويفوح عنبراً، ويثمر لطفاً. فإن فعلت ذلك فهو حسن، وإن عدت فالعود أحمد. وإن كان الأمر كما يقال: لا ولا. فالغبن مشترك. والله يتولى السرائر، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وإن راسلتك بما زاد أو نقص فهو منك، وبسببك والسلام.
وله من كتاب كتبه، وهو بجبل الشوف، إلى بعض خواصِّه، جواباً عن كتاب كتبه إليه، يطلب بعض طرائف الجبل: وإني أراك تُهدي ولا تستهدي، وتضلُّ في رأيك ولا تستهدي.
وكأنك تلوِّح بطرائف هذه الجبال، وليس فيها سوى العُقاب والوبال، عدد ما فيها من الحجارة والرمال.
وما ظنِّي إلا أنَّك تسبَّبت إلى استهداء طرائف المقال، وتقنَّعت عن جرِّ الأثقال، بالقيراط من الجواهر والمثقال.
وإلا فأنت أعلم بالحال، وما فيها من ضروب المحال، والاختلال، والاعتلال، والاضمحلال، والابتذال.
ولقد قرأت في أخبار بعض الأخيار؛ أن بعض الأدبار الأُرباء، كتب إلى بعض الأمراء النُّجباء. يستهديه من طرائف خراسان، ويلوِّح بالإحسان من فضل ذلك الإنسان.
فكتب إليه ذلك الأمير العريض الجاه، سقا الله ثراه، ورضي عنه وأرضاه: أما بعد، فقد وصل كتابك، معرِّضاً بطرائف هذه الناحية، وقد بعثت إليك بعدل صابونٍ لتغسل عني طمعك، والسلام.
قلت: وفي هذه الحكاية تسليةٌ للشيخ الذي رضاه قريب الغاية، وتلافيه لا يحتاج لشدة عناية، لوجود الكفاية. لأنه ربما يكتفي في الهدية، ببلغةٍ حامدية أو أحمدية. فيغسل طمعه رطل صابون، ويدفع عطشه وعد الكمون، وهو حرٌّ قانعٌ بالدُّون.
وله من رسالة كتب بها إلى أبي العباس أحمد المقري، ذلك الإمام اللوذعي العبقري، يذكر فيها موت ولدٍ له صغير: لا أوحش الله مولانا الأستاذ مما سيعرض على سمعه من عُجَري وبُجَري، ومن حديثي وغريب سمري. وهو أن الله سبحانه وله الحمد، قد جعل رونق معاشي، وريحانة فؤادي من غير تنفيس مهلةٍ ذخر معادي، ومشرد رقادي.
وقد مات للحجاج ولد، وكان بيضة البلد. فصعد متن المنبر، وحمد الله وشكر وأكثر.
ثم قال ويده على كبده، من حرِّ ما يجدِهِ: الحمد لله الذي يقتل أولادنا ونحمده.
ونظر أبو الحارث، وكان مشوه الخلق في المرآة، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه. وها أنا يا سيدي، أحمد الله سبحانه، وقد فقدت جزء نفسي، وفلذَة كبدي، وشطر روحي، ونور عيني. وما أسفي إلا على ما سمَّاه الشيخ باسمه، ووسمه بوسمه. وأرَّخ مولده، وحمد مصدره ومورده. وقد عراني بسببه الذُّهول، وأنا في سنِّ الكهول. ولولا ذاك لما أغفلت خدمة سيِّدي إلى الآن، من رسالةٍ أستجلب بها شرفاً طارفاً، كما استفدت في الفوز بخدمته مفخراً سالفاً.
وله من رسالة إلى بعض حواشيه، يعاتبه على نقيصةٍ قذف بها بحر واشيه: اعلم، أصلحك الله، أن خبر السوء ينمو ويربو، ويبلغ متراكماً متضاعفاً، ويصل متواتراً مترادفاً. ثم إنه في السرعة يقطع مسافة سنةٍ في جمعة، وذلك أنَّ الشرَّ أغلب في الطباع، والهوى كما يعلم به القاضي شفيعٌ مطاع.
والنَّفس أقرب إلى العقوق، ولإضاعة الحقوق. والعقرب، إلى الشرِّ أميل. والأفعوان، بعيد من مراتب الإحسان.
ومن وزن الميزان في غير ميزانه، عوقب بنقصانه، وعدم رجحانه. ولعمري لولا أن الخبر يحتمل سامرين، ويتردَّد بين شفتين. لأوجعت القاضي عتباً، ونهبت أديمه نهباً، وأخذت كلَّ سفينةٍ غصباً. كأنَّ القاضي سمع قولهم:
إذا أنت لم تنفع فضُرَّ فإنَّمايراد الفتى كيما يُضَرُّ وينفعُ
فعمل بمعناه، وتمسك بفحواه، ونسي أُولاه وأُخراه.
قال الصاحب لأبي سعد الرُّستمي حين جفاه:
فلعلَّ تيماً أن تُلاقي خطَّةًفتروم نصراً من بني العوَّامِ
القاضي، وإن كان يحتاج إلى ما هو أوضح في العتاب، من هذا الخطاب. تقريباً لفهمه، وتوضيحاً لعلمه. ولكن هو كما قال أبو الطيب:
وكلمةٍ في طريقٍ خفتُ أُعربهافتهتدي لي ولم أقدر على المحنِ
وإنما نهجت على سَنَني في البلاغة، وسبيلي في الخطابة والكتابة. وهو أصلحه الله تعالى على سَنَنِه في الجفا، وقلِّة الوفا، ووقوفه من الصِّدق في الصَّداقة على شفا، وحسبي الله تعالى وكفى.
وكان بينه وبين أبي الطَّيِّب الغزِّي مودَّة ومصافاة، ثم أعقبها مقاطعة ومجافاة. فكتب إليه هذه الاعتذارية النابغة، وهي كما تراها تهزأ باعتذارات النَّابغة. ومطلعها:
ألمَّت أيادي الخطب سائمة العتبعلى أنها العُتبَى تكون لذي الحبِّ
يقول فيها:
لأية حال يا ابن خيرِ أرومةٍأُذاذد عن العذب الزُّلال بلا شربِ
وأشرب صاب الدَّمع يطفو أجاجُهلبُعدك والأعداءُ واردةُ العذبِ
منها:
فيا ليت شعري والأماني تعلُّلٌوروض المنى ينبيك عن وابلٍ رطبِ
متى أردِ الإسعاف في منهل الرِّضاوأعتاض عن نزر المودَّة بالسَّكبِ
وقد كنت آتي في السَّلام تتابعاًفلم صرت أرضى في الزِّيارة بالغَبِّ
ولو أنَّني واقعت عمداً جريرةًلما كان بدعاً منك داعية السَّبِّ
ولكنني والله أعلم لم أكنلأقطع أوصال المحبَّة كالإربِ
ولم أستثر حرب الفجار ولم أُطعمسيلمةً إذ رام آلفة الحجبِ
ولم أعتقد أن الخلافة فلتةٌبعهد أبي بكرٍ ولا كان من دأبي
ولم أرم فاروق العدالة غيبةًوقد طلبت منه النَّجيبة بالكذبِ
ولم أكُ نجواً للخوارج إذ بغواعلى قتل عثمان بسطوةِ ذي شُطبِ
ولم أكُ سلماً لابن ملجم إذ سطالحربِ عليٍّ والهوان لذي الحربِ
ولم أكُ في قتل الحسينِ مجرِّداًلصِمامتي أو أن يذاد عن الشُّربِ
ولم أختلق بِدعاً وحسبك داعياًإذا كان عرض المرء منثلم الغربِ
وهبْ أنَّني مارستُ ذلك كلَّهفحسبي من الإعراض يا أملي حسبي
وقد وقفت من هذا النمط على اعتذارية، توسل بها أبو جعفر المري في تربة المهدي، عند عبد المؤمن سلطان الأندلس، بعد أن نكبه، وهي هذه: تالله لو أحاطت بي كلُّ خطيئةٍ، ولم تنفكَّ نفسي عن الخيرات بطيئة. حتى سخرت بمن في الوجود، وأنفت لآدم من السُّجود.
وقلت: إنه لم يُوحَ في الفُلك لنوح. وبريت لقدارٍ نبلاً، وبرمت لحطب نار الخليلِ حبلاً. وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطِّين. وقبضت قبضةً من أثر الرَّسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتها. وذممت كلَّ قرشي، وأكرمت لأجل وحشيٍّ كلَّ حبشي.
وقلت أن بيعة الثَّقيفة، لا توجب إمامة الخليفة. وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتقلت من حصار الدَّار وقتل أشمطها بشعبة.
وغادرت الوجه من الهامة خضيباً، وناولت من قرع سنِّ الحسين قضيباً. ثم أتيت حضرة المعصوم لائذاً، وبقبر الإمام المهديِّ عائذاً.
لآن لمقالتي أن تسمع، وتغفر لي هذه الخطيئات أجمع.
فعفواً أمير المؤمنين فإنَّنانُقلُّ قلوباً هدَّها الخفقانُ
وكتب إلى الأمير محمد بن منجك يسلِّيه وقد احترقت يده وقدمه، بنارٍ اعتلقت بمطبخه ليلة عيد الفطر، وقد أجاد وأحسن كلّ الإحسان:
قالوا يد المنجكيِّ ذو الرُّتَبِآلمها النار قلت من عَجَبِ
يمينه ديمةٌ ونائلهابحرٌ فكيف اختشت من اللَّهبِ
تضرُّه النار وهو مطفئهاوالنار ليست تضرُّ بالسُّحبِ
وإنَّما قام وهو محتفلٌكعادةٍ منه تنتمي لأبِ
تبغي قِرى الضَّيف في إثارتهاوذاك دأب الكرام في العربِ
فقبَّلتْ كفَّه لما له نظرتْمن هِمَّةٍ للقِرى مع النَّصبِ
أو قد رأت مكرمات راحتهعمَّت جميع الأنام بالنَّشَبِ
فبادَرَتْه لتجتدي نشباًمنه فساءت مواطن الطَّلبِ
وضرَّ أقدامها ولو عقلتْلقَبَّلَتْها بغاية الأدبِ
لكن بحمد الإله ما شُغلتعن مسِّها لليراع والقُضُبِ
انظر إلى وجوده وقد طلبتْمن كفِّه قبلةً فلم تخبِ
جُودٌ يروح الجمادُ يطلبهما شِيمَ كلاَّ في سالف الحقبِ
ومن نتفه قوله:
نَصَل الشَّباب وما نصُلتُ عن الهوىوبدا المشيب وفيَّ فضلُ تصابي
وغدوتُ أعترضُ الدِّيار مُسلِّماًيوماً فلم تسمح بردِّ جوابِ
فكأنَّها وكأنَّني في رسمهاأعشى يحدِّق في سطور كتابِ
وقوله:
إني أبُثُّك حبًّاحُبًّا يرى السِّلم حربا
ويغصبُ القلبَ غصباوينهب الصبر نهبا
يا من كوى ألف قلبٍسامح من النار قلبا
وقوله:
يا عدوًّا قد ظلمناهُ بتلقيب الحبيبِ
وغريب الطَّبع فيناوهو في زيِّ قريبِ
ما قليلٌ أنت لكنمنك قد ضلَّ نصيبي
وقوله:
لاحظته فتغيَّرتلحظاته غضباً لحربي
فاستلَّ من أجفانهسيفاً وأغمده بقلبي
يا من رأى في دهرهقلباً غدا غمداً لعضبِ
وقوله:
يا شقيق الظَّبيِ لحظاًوالرَّشا في لفتاتكْ
فتَّ غصن البان قدًّاوالنَّقا في خطراتكْ
لست هاروت ولكنسحره من حركاتكْ
عظَّم الله بصبريأجر ماضي لحظاتكْ
أنا والله قتيلٌهالكٌ من نظراتكْ
جرحت قلبي وهذاشاهدي في وجناتكْ
أنا أستبقي حياتيلتُقَضَّى في حياتكْ
كيف تعصيك حياةٌهي من بعض هباتكْ
آه من ضعف غراميوتقوِّي عزماتكْ
آه من طول عنائيوتداني خطراتكْ
وله من قصيدة، مطلعها:
ذا ودادي وهل ترى لوداديحافظاً في الأنام مثل فؤادي
كلَّما رحتُ أستميح حبيباًودَّه جاد لي بضدِّ مرادي
فكأنَّ الأنام أضحوا فلاناًوفلانٌ هو الذي لي يعادي
كلَّما رمت قربه أخذت بيشيمةٌ منه تقتضيه بعادي
مثل صبري إذا تلقَّى هواهُكان ذا رائحاً وذلك غادي
إن تمادى بنا جفاهُ قليلاًفانتظر للأساة والعٌوَّادِ
عجباً من نواك وهو طريفٌكيف لم يرع حقِّ قرب تلادي
أخلفَتْك الشؤون عجزاً فجادتبالسَّواري أكبادنا والغوادي
ليس عندي من الدُّموع سوى ماوهبتْهُ عصارة الأكبادِ
كان طول القناة ودُّك عنديفانبرى من جفاك عرض النِّجادِ
لا تلمني على هواك فإنَّاقد أتينا معاً على ميعادِ
صادف القلب خالياً فاحتواهمطمئِنَّاً وكان بالمرصادِ
معنى البيتين ينظر إلى قول الآخر:
أتاني هواهُ قبل أن أعرف الهوىفصادف قلباً خالياً فتمكَّناَ
نقل عن أبي بكر الأصبهاني أنه عابه، فقال: كل من صادف مكاناً خالياً تمكَّن فيه، والمستحسن أن يعرفه من دونه.
أقول: هذا كلام من لم يذق حلاوة المعاني؛ فإنَّ الشاعر قصد أن غرامه قائمٌ، لم يسبقه غيره، فإنه متمكِّن في قلبه لا يزول، وما قصد معنًى آخر، كما قيل:
أتاني هواه والهوى قد أحاط بيليجمل بيت القلب للحبِّ منزلا
فصيَّرته وقفاً عليه ولم يجدإليه سبيلاً غيره فتحوَّلا
تتمة الأبيات الأولى:
كان لي منك لحظةٌ أصطفيهافغدا لحظها كسيف الأعادي
كنت أخشى غِرارها وهي سلمٌكيف إذ جرِّدت من الأغمادِ
عملت للوشاة فينا سيوفٌعجباً رحن وهي غير حدادِ
لست مستسعداً حبيباً تجنَّىلي ذنباً وصدَّ عن إسعادي
آه من وصلك البعيد التَّدانيآه من هجرك الكثير التَّمادي
لا ابتلاني الإله بعدك حتىيلبس الخدُّ منك ثوب الحدادِ
ويرى الورد كالبنفسج لوناًمنك والأقحوان غير نوادي
إذ عرى نرجس العيون ذبولٌوغدا الغصن ليس بالميَّادِ
ذاك نوحي عليك وهو زمانٌمنصفٌ للهوى من الأضدادِ
ومن نتفه قوله:
علَّمتني الذُّلَّ حتى صرت آلفهوما التذَّلُّلُ خلق الباز والأسدِ
يا من أهان فؤادي من محبتهأعزَّك الله فارحمني ولا تزدِ
قد صرت طوع يد الأشواق مكتئباًمن بعد ما كانت الأشواق طوع يدي
وقوله:
وأذكرني قدَّ القناة قوامهوهزَّني الشَّوق اهتزاز المهنَّدِ
وأزعجني حتى ظننت وسادتيعليَّ وقد أمست كقطعة جلمدِ
ألا إنَّني يا شوق بالله عائذٌومستشفعٌ من فتنتي بمحمدِ
وله من قصيدة، أولها:
لحى الله أوقاتي وضاعف من صبريعلى مرِّها مرَّ السَّحاب بالقطرِ
تحاربني الأيام حتى كأنَّنيتطالبني عن كلِّ من مات بالوترِ
الوتر: الذَّحل، وهو الثأر.
قال يونس: أهل العالية يقولون: الوتر، يعني بالكسر: في العدد، وفي الذحل، بالفتح.
عددت أويقاتي ولاحظتُ طيبهافأجودها ما مرَّ في الحلم من دهري
إذا رحتُ أحصيها لأعلم يسرهاعدمت حياتي والمصير إلى عسرِ
متى ما اعتبرتَ العمر ما كان صافياًتجد رجلاً قد عاش عمراً بلا عمرِ
هذا معنًى غريب، وأظنه تناوله من قول الحتاتي، وهو:
عمرُ الفتى قالوا زمان الرِّضابصفوة الأحباب في اليسرِ
صدَّقت ما قالوه كي يُقبلوافينظروا شيخاً بلا عمرِ
وأصله قول الأمير أسامة بن منقذ:
قالوا نهاهُ الأربعون عن الصِّباوأخو المشيب يجور ثمَّتَ يهتدي
كم حار في ليل الشباب فدلَّهصبح المشيب على الطَّريق الأقصدِ
وإذا عددت سنيَّ ثم نقصتهازمن الهموم فتلك ساعة مولدي
قال العماد الأصفهاني: تعجب من مقاصد هذه الكلم، وتعرض لموارد هذه الحكم واقض العجب كل العجب من غرارة هذا الأدب، ولولا أن المداد أفضل ما رقم به صحائف الكتب، لحررت هذه الأبيات بماء الذهب، فهذا أبلغ من قول أبي فراس الحمداني:
ما العمر ما طالت به الدُّهورالعمر ما تمَّ به السُّرور
فالفضل للمتقدم في ابتكار المعنى، وللمتأخر في المبالغة.
العود أحمد:
وها أنا في طيِّ الليالي معدِّدٌكواكبه من حيث لا حاسبٌ يدري
كأنِّي في همِّي مدى الليل راكبٌعلى فلك نائي المدى أبداً يسري
أروح مجدًّا مصعداً وعزيمتيإلى اللَّوح كي أقرا به سورة اليسرِ
وأحفظها من جبهةٍ شمْتُ نورهاعلى بعدها قدرُ الكواكب والبدرِ
وله:
عجبت للشمس إذ حلَّت مؤثِّرةًفي جبهةٍ لم أخلها قطُّ في البشرِ
وإنما الجبهة الغرَّاء منزلةٌمختصَّةٌ في ذرى الأفلاك بالقمرِ
ما كنت أحسب أن الشمس تعشقهحتى تبيَّنتُ منها حدَّة النَّظرِ
وله:
انظر لأوراق الربيع وقد بدتمحمرَّةً في صفرة الأشجارِ
وكأنَّها لما تبدَّت بينهاشفقٌ تبدَّى في سماء نُضارِ
وله:
قد أُحبُّ الرَّبيع لِلَّهو فيهبلطيف الهواء والأزهارِ
ثم فصلُ الخريفِ عنديَ أحلىلاجتنائي فيه لذيذ الثِّمارِ
ومن غزلياته قوله:
ومعذِّرٍ خفيت خطوطُ عِذارهفبدت لطالب وصله أعذارهُ
قد لاح تحت ورودِه ريحانةٌوبدا خفيًّا للعيون غبارهُ
يبدو فتقطر بالدِّما أقطارُهدلاًّ ويخطو بالخُطى خطَّارهُ
رقَّت شمائله ورقَّ كلامُهوتعبَّدت أوطارنا أوطارهُ
فشككْتُ بين مؤنَّثٍ ومذكَّرٍفيه فأنْبَا باليقين عذارُهُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع