من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
المعروف بابن الأعوج
حاكم حماة صانها الله وحماها، ولا زالت حوامل المزن تحط أثقالها بحماها.
أميرٌ وابن أمير، وروض نضير، أنشأه ماءٌ نمير.
تلقى راية المجد بيمين عرابة، وما أتى أمراً قط وفيه غرابة.
وجَلا الإمارةَ في رَفيفِ نضارِةجلَتِ الدجى في حُلَّةِ الأنْوارِ
في حيثُ وَشَّح لبَّه بقِلادةٍمنها وحلَّى مِعْصَما بسِوارِ
فهو فارس ميدان اليراع والصفاح، وصاحب الرماح الخطية والأقلام الفصاح.
فالسيف من جملة خدمه، والقلم يقوم في خدمته على رأسه عوض قدمه.
يكتب فيجعل للأقلام حجة قاطعة على السيوف، وينتضي سيفه فيقول القلم مالي بارقة في ميدان هذا الحتوف.
وإن جرى أدهم قلمه في حومة البراعة فهو سباق الغايات، وإن غردت حمائم نفثاته على غصون أقلامه قيل جاء من الزمر ما غطى على النايات.
وهو جواد مبسوط الكف، ما أعرض يوماً عن مكرمة ولا كف.
فجوده يغني عن القطر إذا شم الغمام، ونعمه هي الأطواق والناس الحمام.
وكان عصره كابتسام البرق إذا خفق، والصبح إذا تكشف عن الشفق.
لم يتعلق أرج الكرم بغير أثوابه، ولم يتعشق صب الثناء إلا تراب أبوابه.
وأهل الأدب يروحون إليه على وجد ويغدون على وجد، ويتنافسون على مدائح أخلاق خلقن من محض المجد.
وهو مع شغله بالمنصب، وتشتت فكره بغرض المتعصب.
لا يخلو من مطارحات تدل على ندماء مجلسه بإيرادها، ومناظيم يجلو بها عليهم الحور العين في أبرادها.
وشعره مثقف المباني، له اتحاد بالمثالث والمثاني.
أبرزت منه إلى العيان، ما هو ألذ من عزف القيان.
فمنه قوله من قصيدة يشتكي فيها من الزمان:
حاديَ العِيسِ سِرْ بغير ارْتيابِففؤادي قد حَنَّ للاغْترابِ
لا أُرِيد الأوطانَ والذلَّ فيهاواضِعاً طوقَه بأعلى الرِّقابِ
ولو أنِّي قضَّيتُ فيها سروراًفي شبابي لم أكتئِبْ لمُصابِي
بل تولَّتْ نَضَارةُ العمرِ منّيبين عَيْشٍ ضَنْكٍ وفَرْطِ اكْتئابِ
فالفرارَ الفرارَ من دار هُونٍتركَتْني أشكو زمانَ الشبابِ
وإذا الضَّيْم ما أقام فأحْبِبْبجيادٍ تمُرُّ مَرَّ السحابِ
لم يكن في مُقامِ ذَ اللُّبِّ فضلٌقطَع السيفُ وهْو ضِمْنُ القِرابِ
أدرَك المسكُ بالتنقُّل شأْواًوهْو في أرضِه دُوَينُ الترابِ
فالفتى الشهمُ من إذا شام ضَيْماًلا يُبالِي بفُرْقة الأحبابِ
منها:
كيف مُكْثي ما بين أظْهُر قومٍعهدُهم في ثَباتِه كسَرابِ
جارُهم إن غدا عزيزاً عليهمْكان كالشَّاةِ في مَقِيلِ الذئابِ
هم إذا صادَرُوا أسودَ شَراءٍوإذا حارَبوا فدون الكلابِ
كم أناسٍ من دارِهم أخرجوهمْليسُومُونهم بسوءِ العذابِ
إن فِرْعَوْن ثم نَمْرودَ كانادونهم في اخْتراع سوءِ العذابِ
ومَساوِيهمُ التي مِثْلُ هذاعَدَدُ الرملِ والحصا والترابِ
ربِّ يا من أباد عَاداً وأوْدَىبثَمُودٍ ذوِي النفوسِ الصَّعابِ
لا تذَرْ منهمُ على الأرضِ شخْصاًإنهم جاحدون نَصَّ الكتابِ
وانتقِمْ مُسرِعاً وعجِّلْ عليهمْليس فينا صبرٌ ليوم الحسابِ
قوله: " قطع السيف " إلخ. من قول بعضهم: السيف لا يقطع في قرابه، والليث لا يفترس في غابه.
وقوله: " أدرك المسك "، من قولهم: المندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دمٌ في سرر غزلانه.
وله من قصيدة أخرى، أولها:
تبَّدتْ فأضْحى البدرُ في الأُفْق غائباًوشامَتْ فوَلَّى الظَبْيُ في البِيدِ هاربَا
رَبِيبةُ خِدْرٍ يحرس الحسنُ وجهَهابسهمِ لِحاظٍ يجعل يجعل القوسَ حاجِبَا
إذا ابْتسمتْ عن صُبْح ثَغْرٍ مُنوَّرٍتُشاهد منها في النهار كواكبَا
وإن برزَتْ في أسْود الشَّعْرِ ضحْوةًرأيتَ الدجى للصبحِ أضحى مُصاحبَا
فما دَوْحةٌ سَقى النَّدَى نَسْجَ بُرْدِهاوحاكتْ حِبالُ الشمس منه جَلائبَا
مُلوَّنةٌ من خَيْط ليلٍ وفجرِهمُنوَّعةُ الألْوانِ تُبْدِي العجائبَا
إذا سائلُ الغُدران حَنَّ صَداؤُهوطائرُها المَيْمون غنَّى مُجاوِبَا
بأبْهجَ منها حُلَّةً وطَراوةًوأخْصبَ مَرْعىً من حِماها وجانبَا
لها لا لِعَزّ حُقَّ وَصْفُ كُثَيِّرٍوتَوْبة في ليْلَى أعادتْه كاذِبَا
صدق توبة ليلى مشهور، وأصله ما روي أنه لما شغف بها، واشتهر أمره وأمرها به، قال:
ولو أنَّ ليلى الأخْيَلِيَّةَ سلَّمتْعليَّ ودوني جَنْدَلٌ وصفائحُ
لسلّمتُ تسلِيمَ البَشاشةِ أوزَقاإليها صَدىً من جانب القبر صَائحُ
فيقال: إنها مرت على قبره، وهي راكبة على جمل، ومعها زوجها، فقال لها زوجها: هذا قبر الكذاب، سلمي عليه، حتى ننظر وعده.
فقالت له: خلِّه، فقد مات إلى رحمة الله تعالى.
فقال لها: لا بد من ذلك.
فسلمت عليه، فطار من جانب قبره طائرٌ، فهاج جملها، فوقعت اندقت عنقها، فدفنوها إلى جانبه.
أخرجه صاحب " الأغاني " عن المدائني.
وله في النسيب:
آهِ مَن لي بظَبْيةٍ فَتَّانَهْوهْيَ تلْهو ومُهجتِي وَلْهانَهْ
ذاتُ ثَغْرٍ كأنه الُّلؤْلؤُ الرَّطْبُ حكى كفَّها وحاكى بَنانَهْ
قولهم: " في اللؤلؤ الرطب " كناية عما فيه من ماء الرونق والبها، ونعمة البشرة وتمام النقا؛ لأن الرطوبة فصل مقدم لذات الماء، فهي تنوب عنه في الذكر، وليس يعني بالرطوبة فيه المعنى الذي هو نقيض اليبوسة.
قاله أبو الريحان في كتابه " الجماهر ".
وقوله: " حكى كفها وحاكى بنانه ".
المراد بمحاكاة كفها في تناسب أصابعه واستوائها، وبمحاكاته لبنانه في حمرتها؛ فيكون قصد تشبيهين: تشبيه أسنانها، وتشبيه شفتيها.
هذا ما يظهر من البيت.
هي في القَدِّ غصنُ بَانٍ ولكنمَن رأى النَّهْد قال ذي رُمَّانَهْ
يا عجيباً منها تظُن سُلُوّاًمن فؤادي وتشْتكي سُلْوانَهْ
يا عجيباً أني أُرِيد رِضاهاوهْيَ في حالةِ الرضا غَضْبانَهْ
لستُ أخْشَى بحبِّها من عَذُولٍفدَعُوه فينا يُطِيل لسانَهْ
حاصلُ الأمْرِ أن يقول فلانطار صِيتاً بحبِّه لفُلانَهْ
أنا صَبٌّ بحبِّها مُستهامٌملَك الحبُّ سِرَّه وعَيانَهْ
لستُ أنْسَى لمَّا أتتْ ورَقِيبِيعينُه من يد الكرَى مَلآنَهْ
تتخطَّى العيونَ شرقاً وغرباضمنَ عينٍ بشَرْقها غَربَانَهْ
ضِمْنَ ثوبٍ من التقى مُستعارٍبعفافٍ قد طَيَّبتْ أرْدانَهْ
وقضيْنا الوِصَال رَشْفا وضَمّاًبقلوبٍ هَيْمانةٍ حَرَّانَهْ
وأراد الجُموحَ طِرْفُ التَّصابِيفلويْنا عما أراد عِنانَهْ
وملكْنا نفوسَنا برِضاهاوزجَرْنا بعِفَّةٍ شيطانَهْ
فدعِ العاذلين ينْقُلْنَ عنيآه مَن لي بظَبْيةٍ فَتَّانَهْ
وكان ليلة ألف مجلس راح، في موسم أفراح.
يحسد اتساقه الدر، وتتمنى إشراقه الزهر.
فلما محى عنبر الظلام كافور الصباح، نادى مؤذن القصف: حيَّ على الاصطباح.
وردت عليه رقعة من أحد أحبائه، الواقفين على سر حقيقة أنبائه.
ومكتوب فيها:
على الباب المعظَّم عَبْدُ رِقٍّبأنواعِ الحِبا منكم يفُوزُ
يجُوز البابَ عن إذنٍ كريمٍوإلاَّ فهْو شيءٌ لا يجوزُ
فلما قرأها تهلل كأنما منح بعمر معاد، أو حصل من حبيب مماطل على ميعاد.
ثم كتب إليه:
يحيط بعلْمكم أنَّا نَشاوَىوقد جُلِيتْ لنا بِكْرٌ عجوزُ
فإن جوَّزْتمُ ما نحن فيهوإلاَّ فهْو شيءٌ لا يجوزُ
وحكى بعض ندمائه، قال: دخلت عليه في مرض موته، فصادفت بريداً جاء بتقليد حماة، بعد عزل وقع له، فالتفت، وقال بصوت ضعيف: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان "، وحان من الحين المكتتب ما حان.
فدعوت له بامتداد الأجل، وسليته عن ذلك الاضطراب والوجل.
فرأيته قد تجمع، وبكى ملء جفونه وتوجع.
وقال: والله ما أبكى إلا من يسوءه الآن بعدي، وهو يتمنى الأوداء بعدي.
ثم أنشد:
لا يحسَب الإنسانُ بعد ذَهابِهمُكْثَ الأسَى في عِشْرةٍ وقَرِينِ
في الْحالِ يعْتاضُون عنه بغيرِهويعود ربُّ الحزنِ غيرَ حزينِ
العَنْدلِيبُ الوردُ كان أمامَهلمَّا مضى غنَّى على النِّسْرِينِ
ثم فارقته، ففي تلك الليلة تولاه مولاه، وفارق دنياه.
فبكى عليه السيف والقلم، وانفجع فيه العِلْم والعَلَم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع