من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الضرب الثامن اتحاد الطريق واختلاف المقصود
، مثل أن يسلك الشاعران طريقا واحدة فتخرج بهما إلى موردين، وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر.
فمن ذلك قول النابغة:
إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقهعصائب طير يهتدي بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيلهإذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
وهذا المعنى قد توارده الشعراء قديما وحديثا وأوردوه بضروب من العبارات، فقال أبو نواس:
يتوخّى الطّير غزوتهثقة باللّحم من جزره
وقال مسلم بن الوليد:
قد عوّد الطّير عادات وثقن بهافهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل
وقال أبو تمام:
وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحىبعقبان طير في الدّماء نواهل
أقامت مع الرّايات حتّى كأنّهامن الجيش إلا أنها لا تقاتل
وكل هؤلاء قد أتوا بمعنى واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السبك أو من جهة الإيجاز. قال: ولم أر أحدا أغرب في هذا المعنى فسلك هذا الطريق مع اختلاف مقصده إلا مسلم بن الوليد فقال:
أشربت أرواح العدا وقلوبهاخوفا فأنفسها إليك تطير
لو حاكمتك فطالبتك بذحلهاشهدت عليك ثعالب ونسور
فهذا قد فضل به مسلم غيره في هذا المعنى، ولما انتهى الأمر إلى أبي الطيب سلك هذه الطريق التي سلكها من تقدّمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه فأغرب وأبدع، وحاز الإحسان بجملته، وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دون غيره فقال:
سحاب من العقبان يزحف تحتهاسحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
فحوى طرفي الإغراب والإعجاب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع