من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء الثالث (٥)
وأقضي بنجاء إن قضاء الله نجاني
إلى أرض جناها منجنى جنة رضوان
غلى أرضي التي أرضىوترضيني وترضاني
هواء كهوى النفستصافاه صفيان
رقيق الآل كالآلوفيه أمن إيمان
رخاء كرخاء فرج الكربة عن عان
وماء مثل قلب الصبب مرتاعا بهجران
فإن سلمني اللهوبالصنع تولاني
وأخلى ذرعي الدهروخلاني وخلاني
فإني لا أعود الدهر ما عاد الجديدان
إلى الغربة حتى تغرب الشمس بشروان
فإن عدت لها يوماصفسجاني سجاني
وله من أبيات يهجو رجلاً أبخر:
سفت نتنا سوافيكإذا سيقت سوافيكا
وأطراف المساويكتجلت عن مساويكا
فما جارحة فيكلنا أجرح من فيكا
قيل لمدينية: أيهما أحب غليك النيك أم التمر؟ قالت: التمر ما أحببته قط.
جامع رجل قصير امرأة طويلة، فلما قبلها خرج متاعه من بطنها، فقالت له: نحن والله في طرائف، كل ما ربحناه من فوق خسرناه من أسفل.
رأى مزبد خاتماً من ذهب في يد جارية فقال لها: ناوليني خاتمك أذكرك به، قالت: هذا ذهب وأخشى أن تذهب، ولكن خذ هذا العود فعسى أن تعود.
شيع أبو العلاء المنقري جنازة أحمد بن يوسف الكاتب فظل يبكي، وكان مكتحلاً فسال كحله على وجهه، فنظرت إليه امرأة فقالت: سخنت عينك، كأنك والله مطبخ يكف، أيش هذه السماجة؟! فأضحك أهل الجنازة.
أدخل الجماز قحبة، فلما ركبها لم ينتشر عليه، ففي حركته ضرط فخجل، فقال لها: بالله لك زوج؟ فقالت له: لو كان لي زوج لم أدعك تخرا علي.
وقالت أخرى لآخر لم ينتشر عليه: لو كان لي زوج لم أدعك تجعل حري طنبوراً تضرب عليه، لأنه كان يدلك أيره على شفريها.
سمعت امرأة بغدادية تقول لجارتها وهي تصف رجلاً: لعنه الله، إذا أطبقفمه كأنه جحر مشنج، وغذا فتحه كأنه كس مفحج.
أنشد أبو دلف مسعر بن مهلهل الخزرجي:
تركت اللحم للإفلاس والدشة والضيق
فقالوا بل تثوبونبظن غير تحقيق
ولو مر بنا مانيأكلنا على الريق
قال ابن عبدوس في كتاب الوزراء كان عمرو بن ميمون بن
حاتم يتقلد ديوان الخاتم للمهدي، فخرج يوماً متوكئاً على عصا، فلقيه محمد بن سالم اليماني، وسالم كاتب هشام بن عبد الملك، وكان محمد في كتاب المهدي، فقال لعمرو: ما عصام هذه بعضا موسى، فقال عمرو: ولا الوادس الذي اغتصبه أبوك بالأردن أيام هشام بالوادي المقدس.
الجواب يجب أن يتقى، ففيه ما يعمل عمل السم.
رأيت رجلاً من العلماء قال لأبي حامد المروروذي: هل شاهدت عبد ال بن زياد النيسابوري صاحب المزني في بغداد؟ قال: نعم، قال: فإني ما رأيتك عنده، يغض منه، فقال أبو حامد: إنك لو رأيتني لكان خيراً لك.
قال العتيبي: قال عبد الملك بن مروان لزفر بن الحارث: ما بقي من حبك للضحاك بن قيس؟ قال: ما لا ينفعه ولا يضرك، قال: لشد ما أحببتموه يا معاشر قيس: قال: أحببناه ولم نواسه، ولو كنا فعلنا أدركنا ما فاتنا منه، قال: فما منعك من مواساته يوم المرج؟ قال: الذي منع أباك مواساة عثمان يوم الدار.
وهذا أيضاً جواب مر.
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول لرجل: جنبك الله الأمرين، وكفاك شر الأجوفين، وأذاقك البردين الأمرين: الفقر والعري، والأجوفان: البطن والفرج، والبردان: برد الغنى وبرد العافية.
شاعر:
لنا جلساء ما نمل حديثهمألباء مأمون غيباً ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم من مضىوحكماً وتأديباً ورأياً مسددا
بلا كلف يخشى ولا سء عشرةولا نتقي منهم لساناً ولا يدا
فإن قلت أحياء فلست بكاذبوإن قلت هم موتى فلست مفندا
قال بعض النساك: عجبت ممن لا يملك أجله كيف يملك أمله، ومن يعجز عن دفع ما عراه كيف له الأمان مما يخشاه.
شاعر:
وإن امرءاً دنياه أكثر همهلمستمسك منها بحبل غرور
مر تميم الداري يوماً بأصحابه فقال: كيف أصبحتم؟ فقالوا: أصبحنا نرجو ونخاف، فقال: والله ما أدري ما رجاء قوم لا يتحملون ما يكرهون لما يرجون، وما أدري ما خوف قوم لا يدعون ما يشتهون لما يخافون.
شاعر:
سكون النفس يعقبه راءوحرص النفس يدني للهوان
وليس بزائد في الرزق حرصوليس بناقص منه التواني
إذا ما الله سبب رزق عبدأتاه في التنائي والتداني
قيل لصوفي: أين حط العارفون رحالهم؟ قال: حيث ناجاهم الحق وبدا لهم.
سأل أعرابي قوماً فحرموه فقال: اللهم اشغلنا بذكرك، وأعذنا من سخطك، فقد ضن خلقك على خلقك بروقك، ولا تشغلنا بما عندهم عن طلب ما عندك.
العرب تقول: فلان نقي الجيب، عفيف الإزار، طيب الحجزة.
كان أبو ذر يقول: يا أيها الناس، إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، صلوا في الليل لوحشة القبور، وصوموا في الهاجرة لحر يوم النشور، وتصدقوا مخافة يوم عسير، وحجوا لعظيم الأمور.
قال علي بن أبي طالب ﵁: إياكم واتباع الهوى، وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يبعد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة.
قال عطاء السلمي: اللهم ارحم غربتي في الدنيا، ومصرعي عند الموت، ووحشتيفي القبر.
يقال: ما رؤي فاطمي أنصح لعباد الله من زيد.
كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: إن قوماً لزموا سلطانهم لغرماء بحق الله عليهم، فأكلوا بخلافهم، وعاشوا بأليسنتهم، وخلفوا الأمة بالمكر والخديعة والخيانة، وكل ذلك في النار، ألا فلا يصحبنا من أولئك أحد ولا سيما خالد بن عبد الله وعبد الله بن الأهتم، فإنهما رجلا بيان، وإن بعض البيان يشبه بالسحر، فمن صحبنا فلخمس خصال: فأبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ودلنا على ما لا نهتدي إليه من العدل، وأعاننا على الخير، وسكت عما لا يعنيه، وأدى الأمانة التي حملها منا من عامة المسلمين فحيلا به، ومن كل على غير ذلك ففي حل من صحبتنا والدخول علينا.
قال سفيان بن عيينة: قال أمير المؤمنين لأبي حازم: أوصني، قال: هين يسير، لا تأهذن شيئاً إلا بحقه، ولا تمنعن شيئاً من حقه، قال: يا أبا حازم، من يطيق هذا؟ قال: من طلب الجنة وهرب من النار.
أنشد اليزيدي:
ويصاد القطا فينجو سليماًبعد يأس ويهلك الصياد
ومثله لابن الجهم:
كم من عليل قد تخطاه الردىفنجا ومات طبيبه والعود
قال الأصمعي: ما تطلي به المأة عينها من الزعفران عند الولادة يقال له الدمام، ويقال للذي تصلح به القدر وتطلى: الدمام، ويقال للناقة: قد دمها الني دماً إذا ملأها الشحم.
قال: والنغض إشارتك برأسك إلى فوق، وإذا عوجت فمك من احد شقيه وأخرجت له صوتاً فهو مض، وأنشد:
سألتها الوصل فقالت مضوحركت لي رأسها بالنغص
قال ثعلب: الطل: إبطال الحق، والضهل: تصغيره، والطفشل من الرجال: لضعيف الأحمق.
وأنشد أبو خليفة الجمحي قال، أنشد التوزي:
بنفسي من لا أستطيع لقاءهعلى حالة إلا قلبي خائف
ومن حبه داء ومبذول نفعهشفاء ومن دون الشفاء متال
وأنشدني:
لا تعذلينا في الزيارة إنناوإياك كالظمآن والماء بارد
يراه قريباً صافياً غير أنهتحول المناي دونه والراصد
قال ابن الأعرابي: الهسر يكون في الخير والشر، والأرق لا يكون إلا في المكروه.
قال أبو محلم، حدثني رجل من قريش قال: مررت بحي من العرب وأنا حاج، فرأيت فيهم جارية كأنها مهاة، قد برعت جواري الحي، فسألت عن أبيها فدللت عليه، فأتيته فانتسبت إليه فأكرمني ورفعني، ثم خطبتها إليه وبذلت له مهراص سنياً يرغب في مثله، فقال: يا ابن أخي، لقد ذكرت شرفاً شامخاً، وبذلت بذلاً سنياً، ولكن الغريبة عن قومخا أمة لمن انتقلت إليه، ومستذلة فيمن حلت فناءه، لبعد ناصرها، وغيبة حماتها، وما اغتربت منا امرأة قط، ولو أمكن ذلك لكنت أول راغب؛ فقمت من عنده، فأقبل علي رجل في إثر رده إياي فقال: يا ابن أخي، لست أول من رد عن هذه الجارية، أما سمعت قول الشاعر فيها:
يظل خطابها ميلاً عمائمهمكأن أنضاءهم أنضاء حجاج
لها أب سيد ضخم وإخوتهامثل الأهلة لا يستبهم هاجي
قال أبو محلم في قول الراجز:
أما تاره وإلى آستوائهاوحسنها في العين وامتلائها
لا ترهب الذئب على أطلائهاوإن أحاط الليل من ورائها
يعني نخلة.
قال عمر بن شبة: أنشدني العريان:
فإنك لا تدري، فلا تعر جانباًمن المبتغى: أي الأمور المساعف
فيا ري كره جاء من حيث لم تخفوميسور أمر في الذي انت خائف
وما الناس إلا كالسيوف خاتلافهمفكل محلى الجفن والبعض قاطف
قال عمر بن شبة: أنشدني عبد الملك بن الوليد من ولد الحجاج ابن يوسف، وكان طفيلياً في البصرة، وكان أدياً شاعراً: الكامل المجوء
لا تحتشم دا القريب ومنزل الفظ مريد
واهجم على هذا وذاك هجوم شيطان مريد
وادخل كأنك خابزبيديك جردقة الثريد
وإذا دخلت مخففاًفاحمل كحملات الأسود
واختك ثرائدهم ولاتكفف عن اللحم النضيد
ودع الحياء فإنماوجه المطفل من حديد
كان الباقر ﵇ يقول: سلاح اللئام قبح الكلام.
قال المبرد: أنشدنا دعبل في أبي سعد المخزومي:
أنا بشرت أبا سعد فأعطاني بشاره
بأب صيد له بالأمس من دار الإماره
كل يوم لأبي سعدعلى الأنساب غاره
فهو يوماً من تميموهو يوماً من فزاره
خزمت مخزوم فاهفادعاها بالإشارة
قال المبرد: أنشدت لأبي العتاهية:
لقد نهج الطريق إليك قصداًفما أحد بريدك يستدل
إذا ورد الشتاء فأنت شمسوإن ورد المصيف فأنت ظل
قال محمد بن علي الباقر ﵁ لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ حاجته من الدراهم والدنانير؟ قالوا: لا، قال: لستم بغخوان إذن.
أنشد الأخفش لحداد بسر من رأى:
مطارق الشوق في قلبي لها أثريطرقن سندان قلب حشوه الفكر
ونار كير الهوى في الجسم موقدةومبرد الشوق ما يبقي ولا يذر
كيف اصطبار امرئ لاقى على مضضمن زبرة الهجر ما لم يلقه بشر
قد أنحلت كلبات الشوق مهجتهإذ قفل باب الرضا عن خرمه عسر
قال أبو الفرج الصفهاني في بيت الأعشى:
نازعتهم قضب الريحان متكئاًوقهوة مزة راووقها خضل
أنه عنى الحديث.
قال زيد بن علي: الداعي إلى الله بغير عمل كالرامي بغير وتر.
قال ابن الأعرابي: سأل ابن ميادة أيوب بن سلمة المخزومي حاجة فلم يحمده فقال:
ظللنا وقوفاً عند باب ابن أختناوظل عن المعروف والجود في شغل
للشام الطاعة والطاعون، وللعراق النعمة والشقاق، وللبادية الصحة والشقوة.
قال مسلمة بن عبد الملك: ما ركب الناس مثل بغلة قصيرة العذار طويلة العنان.
يقال: لم يمت قوم في سفر عطشاً إلا وهم على ماء.
يقال: إذا كان فقه الرجل حجازياً، وسخاؤه عراقياً، وطاعته شامية، فقد كمل.
قال: حمى خيبر، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وطواعين الشام.
قال ابن عباس: الكوفة مثلها مثل اللهاة في البدن، يأتيها الماء ببرده وعذوبته، ومثل البصرة مثل المثانة، يأتها الماء بعد تغيره وفساده.
شاعر:
تحت المحاجر أعين دعجمن فوقهن حواجب زج
وافين مكة للحجيجفلميسلم بهن لمسلم حج
قال بعض أهل الهند لبعض ولاة الحرب: احذر عدوك على كل حال: احذر مواثبته إن قرب، وغارته إن بعد، وكمينه إن انكشف، واستطراده إن ولى، ومكره إن انفرد.
قال الحسن: جربنا وجرب لنا المجربون، فلم نر شيئاً أنفع وجداناً
ولا أضر فقداناً من الصبر: به تداوى الأمور ولا يداوى هو بغيره.
سألرجل علياً عن عثمان ﵄ فقال: خذله أهل بدر، وقتله أهل مصر، غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير منه، ومن خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خير مني؛ والله ما أمرت به، ولا نهيت عنه، ولو أمرت لكنت قائلاً، ولو نهيت لكنت نصراً، واستأثر عثمان فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع.
قال أبو حامد عند هذه الحكاية: إن أمر عثمان ليس بمشكل، ولئن أشكل لقد جل خطبنا، فما خفي أشد من خفائه، قيل له: كيف لك؟ قال: لأنه لا يخلو من أن يكون فارق الدين فلا مرية في خروجه من الإمامة لو أتى بما فيه تأويل، فلا يستحق به القيل من القائل، ولا الخذل من الخاذل. قيل له: إن الصحابة لم تقث عنه إلا لإعضال القضية وخبث الحال، قال: إن الصحابة لا ينبغي أن تعقد عن موعظة الإمام وتنبيهه وإعانته وتقويمهورده إلى الرشد، وإعادته إلى القصد، فإن جمح به المنكر وصد عن سواء السبيل فعليها خلعه والاستبدال به، والمصيبة فيها إن قعدت عن نصرته إن كان مظلوماً، أو حين لم تعظه ولم تخلعه حين كان مظنوناً، أعطم من المصيبة فيه، وإن كان لا تأويل فيما أتى ولا وجه لما ارتكب، فكيف ولا شيء مما قنم عليه إلا وفيه باب واسع فيه التأويل، وفقه صحيح المخرج بالاعتبار؟ وكان يقول في هذا المعنى كلاماً كثيراً يتصل بأصول السياسة وآدابها، وأحكام الشريعة وتأويلاتها، وعلى قدر ما تعين في ذلك أرويه وأكتبه إليك، على أن معرفة الحقائق في سيرة قديمة ذات أحوال مشتبهة من الصعب العسير.
ذكر أعرابي قوماً فقال: لا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب.
قال ابن أم كلاب:
صفاً صلدة عند الندى ونعامةإذا الحرب أبدت عن نواجذها الثعل
قال ابن الأعرابي: كان أعرابي إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم إني أكفر بك لما كفر به محمد، وأومن بكل ما آمن به محمد، ثم يضع رأسه.
يقال في أمثال العرب: نعم كلب في بؤس أهله.
قال ثعلب عن ابن الأعرابي، قال أبو البيداء: ما طلعت الجوزاء إلا جدت علينا السباع، قال: وقبل طلوعها هي ساكنة هادئة.
أنشد اليزيدي:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبأسفل واد ليس فيه أراني
وهل آكلن ضباً بأسفل تلعةوعرفج أكماع المديد حواني
أقوم إلى وقت الصلاة وريحهبكفي لم أغسلها بشنان
وهل أشربن ماء الحفيرة شربةعلى عطش من سور أم أبان
وأنشد اليزيدي:
يوكون ذنباً للسلوب سنامهاحتى يعض بساقها المأثور
يقول: سمنها دعا إلى نحرها فهو ذنبها.
وأنشد اليزيدي أيضاً:
وقومي وإن شارعتهم حومة الردىأمر جناباً من جناب القبائل
قيا ابن أبي لا تغترب إن غربتيسقتني بكأس الضيم ماء الحناظل
وما يرأب الصداع المهم لقومهمن الناس إلا كامل وابن كامل
سمعت أبا النفيس الرياضي يقول: واشوقاه إلى قوم عقدوا قلوبهم بالله، وتابوا من ذنوبهم لوجه الله، وأحبوا إخوانهم في ذات الله، واعتمدوا في مصارفهم على الله، وطلبوا منازلهم عند الله، وتابوا قارئين لكتاب الله، وظلوا عاملين بأمر الله، ورضوا في السراء والضراء عن الله، فنالوا الراحة والمنى. أيها السامع، الدنيا قنطرة والجواز عليها سلامة، والآخرة دار القرار والوصول إليها
كرامة، المفتون من اغتر بدنياه، والمغبون من فاته مولاه، متى تعون وأنتم لا تسمعون، ومتى تسمعون لا تحضرون، ومتى تحضرون وأنتم لا تزهدون، ومتى تزهدون وأنتم لا ترغبون، ومتى ترغبون وأنتم لا تعرفون، ومتى تعروفن وأنتم لا تؤمنون، ومتى تؤمنون وأنتم لا توقنون؟ مالي لا أرى شمائلكم تنثني شوقاً وارتياحاً، ما لي لا أرى عيونكم تدمع مساء وصباحاً، ما لي لا أرى ألوانكم مصفرة من البعادة، ما لي لا أرى قلوبكم تحن إلى الزهادة، ما لي لا أرى أعمالكم تخلص، ما لي لا أرى قلوبكم تحن إلى الزهادة، ما لي لا أرى أعمالكم تخلص، ما لي لا أرى آمالكم تنقص؟ أظنكم مطرودين من باب الله، أجدكم مخيبيب مما عند الله، لقد خاب من ليس له عند الله نصيب.
جحظة:
لما حجبت بباب دارك والدهور لها تشاكل
أشرعت سير حميرتيوعلمت أنك كنت تاكل
قال بنان الطفيلي: عصعص عنز خير من قدرباقلي.
لبعض الكلبيين:
فقالت بحق الله إلا أتيتناإذا كان لون الليل شبه الطيالس
فجئت وما في النوم نقصان قدرهاوقد نام عنها كل وال وحارس
فبتنا بليل طيب نستلذهجميعاً ولم أقلب بها كف لامس
قيل لأشعب: كيف ترى أهل دهرك؟ قال: يسألوننا عن أحاديث الملوك ويعطون عطاه العبيد.
قال بنان: صلاح الأمر في خصلة: الطعام لايؤكل إلا على شهوة.
وقيل له: أي الطعام أطيب؟ قال: ما اتسع صدر صاحبه.
قال بعض الأغبياء لصاحب رمان مقد: رمانة مبرسمة لرجل حامض.
قالبنان: كان ابن عمر إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي رزقنا وجلعنا نشتهيه، فرب من يقدر عليه لا يشتهيه.
أنشد ثعلب:
راحوا ورحنا على آثارهم أصلاًمحملين من الأحزان أوقارا
كأن أنفسنا لم ترتحل معناأو سرن في أول الحي الذي سارا
قال زيد بن علي لرجل: إنما نفسك واحدة فإذا خسرتها فبم تعتاض عنها؟ قالت الفرس: أفعال الناس وأحوالهم تنقسم خمسة وعشرين قسماً: خمسة بالجد، وخمسة بالختيار، وخمسة بالعادة، وخمسة بالجوهر، وخمسة بالنسب؛ فاما التي بالجد فالحياة والأهل والولد والمال والمملكة؛ وأما التي بالاختيار فالطب والنجوم والفلسفة وافثم والأجر؛ وأما التي بالعادة فالأكل والنوم ولاجماع والمشي والأعمال الصعبة؛ وأما التي بالجوهر فالمحبة
والعداوة والخلق والشقاء والاستقامة؛ وأما التي بالنسب فالعقل والدهر والمنطق والحسد والجمال.
أنشد:
وجزعت يوم فراقكم يا سادتيمن ذا ليوم فراقكم لا يجزع
سمع الوشاة ببيننا فتغامزواليت الوشاة ببيننا لم يسمعوا
واهاً لقلبك والهوادح ترفعوالعيس تحدى والمآقي تدمع
فتوقدت أنفاسنا وقلوبناكل إلى كل يحن ويرجع
قال إسحاق الموصلي: أوصى بعض العرب ابنه فقال: يا نبي، كن كالضب ولا تكن كالجراد، فإن الضب يلتزم جحرة فلا يفارقه، وإن الجارد يسرح فيأكله كل شيء.
قال واعظ: احذر إلف قرين السوء، واذكر الموت، وأدم فيه الفكرة، فإن من لم يعتبر بما رأى لم يعتبر لما لم ير.
أنشد ابن الأعرابي:
كم لمت نفسي إذ أنفقت في سرفوكم أخذت فما اسطيع اقتصد
وأنشد:
أصبح وجه الزمان قد قلباوبان معروفه فقد ذهبا
ونكس الدهر فرق لمتهفأصبح الدهر رأسه ذنبا
وأنشد:
خلائق المرء في الدنيا تزينهوما يزينه طول ولا عظم
قد يخلق المرء والمرآة معجبةوقد يسود الفتى في كشحه هضم
كاتب: يحتاج الكاتب البليغ إلى تجنب العويص، والطرق المستوعرة، والألفاظ المستكرهة، وتلزيق المتكلفين، وتغليق أصحاب الأهواء والمتكلمين.
قال أعرابي: أين أعز الظفر عند المنافسة من المنع عند غضب الدالة.
قال ابن السماك: الغرباء في الدنيا الذين يصلحون إذا افسد الناس، كأننا عما يراد بنا نيام.
العيش حلو الدر مر الفطام.
يغيب المرء في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، وقد فارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غني عنا خلف، وفقير إلى ما قدم.
قال بعض الخطباء: نحن أمراء الكلام، فينا وشجب أعراقه، ولنا تعطفت أعصانه، وعلينا تهدلت ثماره، فنجني منه ما احلولى وعذب، ونترك منه ما املولح وخبث.
قال خطيب آخر: لا مرحباً بقلوب متغاوية وآذن غير واعية، يحفزها الطمع التافه عن موعظة الواعظ، كالنعام المجفل يراع لأول ناعق، ولا يرتد لأول رادع.
قال أعرابي: الدنيا إعلان وإسرار، وإقبال وإدبار، وإحلاء وإمرار.
قال اليونانيون: إفراط الأنس مقدمة الجرأة.
قوة العزم بنيل البغية.
جهل اعلل يوث الحصر، أي الجهل بمعرفة المعاد يؤدي إلى الانقطاع.
تمكن الذعر يدبر الخير جهل القدر يعقب بطراً وخوراً.
أمنك عدوك بغيته.
عادة الصمت تورث عياً.
اللجاجة تسلب الرأي.
الخفة تسلب البهاء.
الحدة تورث الندم.
صديق عدوك حربك.
الضمير على الصمير شاهد عدل.
من ظفر بالجد التذ ومن ظفر به الجد تعب.
رب فوت درك.
من أبطره الغنى أذله الفقر.
من لان إذا خاف وعتا إذا أمر فلا ناصر له.
الحزم آلة الظفر.
ثمرة الأمن التفريط.
آلة الرئاسة سعة الصدر.
الإسراف في النفقة مقدمة ذل الفقر.
من اتسولى عليه الضجر رحلت عنه الراحة.
ضوع اللفظ يحلل الحقد.
ليس بحي من لم يوثق بعهده.
قال سقراط: إذا أرادت العامة منازل الخاصة حسدتها عليها وتمنت أمثالها.
هذه نوادر كلام اليونانيين، وقد رم في هذا الكتاب ويمر ما إذا جمعته وأفردته، زادك حسنه، وانثالت عليك فائدته؛ فخذ منها ومن غيرها كل حسن بهيج، نفعلك الله بالعلم، وبصرك بالهدى.
قال محمد بن سلام: مدح عبيد الله بن قيس الرقيات عبد الله بن جعفر فأسنى له العطية وأجرى عليه وعلى بغلة له، فقال لوكيل عبد الله: قد نفد علف البغلة، فعرف عبد الله ذلك فدعا بكيس فيه دنانير فجعل يعدها، فطرب ابن قيس على صوتها، فأعطاه ألف دينار وقال: أتراها تكفي لعلف بغلتك؟ قال الجماز: سندية دب إليها مولاها بالليل سراً من امرأته، فلما أصبحت كنست البيت وقالتك يا مولاي، أين أضع هذا التراب؟ فكشف الرجل عن أيره وقال: على هذا يا ستي.
أدخل رجل قحبة في شهر رمضان، فلما دفع فيها وأراد ان يقبلها حولت وجهها، فقال لها: لم لا تقبليني؟ فقالت: بلغني أن القبلة تفطر الصائم.
نظرت امرأة إلى رجل قد بال وهو يدلك أيره في الحائط فقالت: يا عمي ارفق بسلعة عزيزي.
سمعت امرأة مؤذناً يؤذن قبل طلوع الشمس ويقول: الصلاة خير من النوم، فقالت: النوم خير من هذه الصلاة.
أدخل رجل قصير أيره على امرأة طويلة، فكان إذا قبلها خرج أيره من بطنها، وإذا أدخل عليها قصر عن تقبيلها، فقالت له: حبيبي، لا يستوي لك عملين في عمل، إذا ذهبت تسوي دروند الباب خرج المفتاح من الغلق.
قال مزبد لامرأته: ماالذي يعجب النساء من الرجال؟ قالت: شدة الرهز وقلة العجز.
من المروءة مجانية النساء لقلة وفائهن، وضعف عقولهن، وتلون أخلاقهن، وقذر أحوالهن.
أقبل رسول الله ﷺ مرذفاً أبا بكر، فكان الرجل يلقى أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟ فيقول: يهديني السبيل، يعني الحق.
أطال قوم العيادة عند بكر بن عبد الله فقال: المريض يعاد، والصحيح يزار.
قدم معاذ بن جبل بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال له أبو بكر: ارفع حسابك، فقال: أحسابان: حساب من الله وحساب منكم؟ والله لا علمت لكم عملاً أبداً.
شهد رجل عند سوار فقال له: ما صناعتك؟ قال: مؤدب قال: فإنا لا نجيز شهادتك، قال: ولم؟ قال: لأنك تأخذ على تعليم القرآن أجرة، قال: وأنت تأخذ على القضاء بين المسلمين أجرة، قال: إني أكرهت على القضاء، قال: أفأكرهت على أخذ الرزق؟ قال: هلم شهادتك، وأجازها.
شهد قوم عند ابن شبرمة على قراح فيه نخل فسألهم: كم في القراح من نخل؟ قالوا: لا نعلم، فرد شهادتهم، فقال له رجل منهم: أنت تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة فكم فيه من أسطوانة؟ فأجازهم.
دق رجل على عمرو بن عبيد الباب فقال: من هذا؟ قال: أنا، قال: لست أعرف في إخواننا أحداً اسمه أنا.
عمل سهل بن هارون كتاباً يمدح فيه البخل وأهداه إلى الحسن بن سهل، فوقع على ظهره: قد جعلنا ثوابك عليه ما أمرت به فيه.
قيل لعبد الله بن جعفر وهو يماكس في درهم: تجود بما تجود
وتماكس في هذا؟ فقال: ذاك ما لي أجود به، وهذا عقلي بخلت به.
قيل لخالد بن صفوان: لم لا تنفق مالك فإنه عريض؟ قال: الدهر أعرض منه.
لبس ابن أبي دواد طيلساناً جديداً، فزال عن منكبه فقال: ما أحسن أن ألبس الجديد، فقال له أبو العلاء: إن كنت لا تحسن أن تلبسه فإنك تحسن أن تلبسه؛ فوهبه له.
قال معاوية لابن عباس: لم لا تشير على ابن عمك - يعغني علياً ﵇ بكذا وكذا؟ قال ابن عباس: إن ابن عمي يرى ما يرى، وليس هو ممن يرى له، فيرى ما يرى.
نظر إلى كثير راكباً ومحمد بن علي يمشي، فقيل له: أتركب وأبو جعفر يمشي؟ فقال: هو أمرني بالركوب، فأنا بطاعته في الركوب أفضل مني في عصيانه بالمشي.
دخل الشعبي الحمام وفيه رجل حاسر، فغمض عينيه، فقال له الرجل: يا شيخ، متى ذهبت عينك؟ فقال: مذ أبدى الله عورتك.
ركب كسرى والموبذ يسامره، فراثت بغلته فعلم أن الملك قد علم
فقال كسرى: يا موبذ، ما الذي يستدل به على حمق الرجل؟ قالك أن يعلف دابته في الليلة التي يركب في صبيحتها مع الملك وهو يريد أن يسايره، قال: لهذه الفطنة قدمك آبائي.
ساح أعرابي لعبد الله بن جعفر: يا أبا الفضل، فقيل له: ليست بكنيته، قال: إن لم تكن فإنها صفته.
نشاب وحمد قالا، قال عبد الله بن عمر، إن إبليس قال: أي رب، إنك كنت أخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أسطيعه إلا بتسليطك، قال: فا، ت مسلط، قال: أي رب زدني، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله، قال: أي رب زدني، قال: صدورهم مساكن لكن وتجرون منهم مجرى الدم، قال: أي رب زدني، قال: " وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما بعدهم الشيطان إلا عروراً " الإسراء:.
قال آدم: أي رب، إنك قد سلطت علي إبليس، وإني لا أمتنع عليه إلا بك، قال: لا يولد لك ولداص إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء، قال: أي رب زدني، قال: الحسنة عشر أمثالها وأزيد والسيئة واحدة قال. أي رب زدني، قال باب التوبة مفتوح ما دام الروح في الجسد، قال: أي رب زدني، قال: " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقطنوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً " الزمر:.
قال مطرف بن عبد الله: لو كانت الدنيا لي فأخذها الله مني بشربة ماء يسقيني يوم القيامة كان قد أعطاني بها ثمناً.
قال ابن شهاب، قال أبو حازم الأعرج: إن العلماء كانوا فيما
مضى من الزمان يبلغون بعلمهم ما لا يبلغ أهل الدنيا بدنياهم، وأهل الدنيا تبع لأهل العلم على علمهم، حتى جاء هذا الزمان فصار أهل العلم اليوم تبعاً لأهل الدنياعلى دنايهم، لاتباع أهل العلم غياهم، وزهدوا في العلم لإضاعته عندهم.
هذا - أيدك الله - آخر الجزء الثالث، وقد حوى من فقر البلغاء، ونوادر الأدباء، ومحاسن النساك والحكماء، ما أسال الله أن ينفعك به، والرابع يتلوه على رسمه؛ فوسع بالك للفهم والتفهم، والبيان والتبين، فإن مزيتك على جميع ما عداك إنما هي بهذه الموهبة الشريفة، والنعم السابغة، ومتى قضيت حق الشكر عليها، امتريت الزيادة إليها، وكنت محفوظاً برعاية القلب، مستوجباً لحميد العقبى، مرقى إلى الدرجة العليا، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع