تجاوز إلى المحتوى

من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)

تعريف السيمياء

السيميا يطلق على غير الحقيقي من السحر وحاصله إحداث مثالات خيالية لا وجود لها وقد يطلق على إيجاد تلك المثالات وتصويرها في الحسن وتكوين صور في جوهر الهواء، وسبب سرعة زوالها سرعة تغير جوهر الهواء، وكونه لا يحفظ ما يقبله زماناً طويلاً.

ابن الدمينة اسمه عبد الله وهو من العرب العرباء من بني عامر، وشعره في غاية الرقة على خلاف ما كان عليه الصدر الأول، وهذا في ذلك الزمان عجيب، وكان العباس بن الأحنف يطرف بشعره جداً ومن شعره: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد الأبيات الخمسة.

وله أيضاً الأبيات المشهورة التي يقول فيها:

نهاري نهار الناس حتى إذا بدالي الليل هزتني إليك المضاجع
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أقمت على رمان يوما وليلة»

وله من أبيات

قفي يا أميم القلب نقضي لبانةونشكو الهوى ثم افعلي ما بدى لك
أرى الناس يرجون الربيع وإنماربيعي الذي أرجو زمان نوالك
تعاللت كي أشجي وما بك علةتريدين قتل قد ظفرت بذلك
لئن ساءني إن نلتني بمساءةفقد سرني أني خطرت ببالك
للشاعر علية بنت المهدي، من قصيدة «تمارضتِ كي أشجى وما بكِ علَّة ٌ»
أبيني أفي يمنى يديك جعلتني؟فأفرح أم صيرتني في شمالك؟

من كلام بعضهم لا يحصل هذا العلم إلا من خرب دكانه، وهاجر إخوانه، وباعد أوطانه، واستغنم إبانه.

قال في التبيان: بعد أن ذكر هذين البيتين في وصف الهلال لابن المعتز وقال: إنه أحسن ما قيل في الهلال:

وجاءني في قميص الليل مستتراًيستعجل الخطو في خوف وفي حذر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنيمثل القلامة إذ قصت من الظفر

قال لو قال لم يقص ليكون امتياز الهلال عن التدوير الذي يحس كالقلامة على الظفر كان أدق معنى هذا كلامه.

العجب من أبي نواس مع تمهره في كلام العرب وتعمقه في العربية كيف غلط في قوله:

كأن صغرى وكبرى من فواقعهاحصباء در على أرض من الذهب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ساع بكأس إلى ناش على طربي»

فإن فعلى التي هي مؤنث أفعل لا تعرى عن الألف واللام والإضافة معاً قاله في المثل السائر، وذكر ابن هشام أيضاً في الباب الثاني من كتاب مغني اللبيب ما صورته إنما قلت

صغرى وكبرى موافقة لهم وإنما الوجه استعمال فعلى أفعل بأل أو الإضافة ولذلك لحن من قال:

كان صغرى وكبرى من فواقعهاحصباء در على أرض من الذهب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ساع بكأس إلى ناش على طربي»

فكيف يظن ظان أنه في وصف الدينار إذا استولى الحب أدهش عن إدراك الألم، والتجربة أعدل شاهد على ذلك.

حكى سمنون المحب قال: كان في جوارنا رجل له جارية يحبها غاية الحب فاعتلت فجلس الرجل يصنع لها حميساً فبينا هو يحرك ما في القدر إذ قالت الجارية: آه فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى تساقط لحم أصابعه وهو لا يحس بذلك، فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق والتصديق به في حب الخالق أولى، لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر، وجمال الحضرة الربوبية أوفى من كل جمال، فإنه الجمال الخالص البحت وكل جمال في العالم فهو مختلط ناقص.

قصد بعض الشعراء أبا دلف: فسأله أبو دلف ممن أنت؟ فقال: من بني تميم فقال:

تميم بطرق اللوم أهدى من القطاولو سلكت سبل المكارم ضلت
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»

فقال الرجل: نعم، بتلك الهداية جئت إليك فخجل وأستكتمه وأجازه. إلى آخر ما قاله.

لبيك يزيد ضارع لخصومةومختبط مما تطيح الطوايح

إن الأولى في معنى البيت أن يكون يزيد منادى، وضارع نايب الفاعل أي الضارع ينبغي أن يبكي بعدك لعدم المعين والممد، أما أنت ففي جنات النعيم، وعلى هذا فلا حذف في البيت. لله در من قال:

أليس عجيباً بأن امرءاًلطيف الطباع حكيم الكلم
يموت وما حصلت نفسهسوى علمه أنه ما علم

ذكر أهل التجارب أن لتكون الجنين زماناً مقدراً فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف المجموع مثلاً انفصل الجنين.

وقال الشيخ في الشفا في الفصل السادس من المقالة التاسعة من كتاب الحيوان: إن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبت أسنانه وعاش.

ذكر أرسطاطاليس: أن مدة الحمل في كل الحيوانات مضبوطة إلا في الإنسان، وقال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل، فرأيت امرأة ولدت في المائة وأربعة والثمانين ليلة.

من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين علي ﵁:

هي حالان شدة ورخاءوسجالان نعمة وبلاء
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «هي حالان شدة ورخاء»
والفتى الحاذق الأريب إذا ماخانه الدهر لم يخنه العزاء
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «هي حالان شدة ورخاء»
إن ألمت ملمة بي فإنيفي الملمات صخرة صماء
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «هي حالان شدة ورخاء»
صابر في البلاء علماً بأنليس يدوم النعيم والبلواء

لابن المطروح

وعدك لا ينقضي له أمدولا لليل المطال منك غد
للشاعر الوزير ابن الطراح الشيباني، اقرأ القصيدة
عللتني بالمنى غداً فغداًإن غداً سرمداً هو الأبد
يضحك عن واضح مقبلةعذب برود كأنه البرد
أحوم من حوله ولي ظمأإلى جنى ريقه ولا أرد
وكلما زدت وجهه نظراًبدت عليه محاسن جدد
للشاعر الوزير ابن الطراح الشيباني، اقرأ القصيدة

البيت الأخير من هذه الأبيات مأخوذ من قول أبي نؤاس: كأن ثيابه اطلعن ... من أزراره قمرا

بعين خالط التغتيرفي أجفانه الحورا
يزيدك وجهه حسناًإذا ما زدته نظرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الرسم الذي دثرا»

الفاضل الجلبي في حاشيته المطول بعدما ذكر قول أبي نواس:

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتهالو مسها حجر مسته سراء
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»

قال: إن البيت في وصف االدينار

وقال جامع الكتاب: هذا عجيب من ذلك الفاضل، فإنه يفهم من حاشيته أن له اطلاعاً وممارسة بشعر العرب، وهذه الأبيات التي هذا البيت منها مشهور.

لأبي نواس في وصف الخمر وأولها:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراءوداوني بالتي كانت هي الداء
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»

وبعده قوله:

من كف ذات حرٍ في زي ذي ذكرلها محبان لوطي وزناء
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»

الاسطرلاب آلة مشتملة على أجزاء يتحرك بعضها فتحكي الأوضاع الفلكية ويستعلم بها بعض الأحوال العلوية، والساعات المستوية والزمانية، ويستنتج منها بعض الأمور السفلية.

قال أرسطو: القنية ينبوع الأحزان، نظمه أبو الفتح البستي فقال:

يقولون ما لك لا تقتنيمن المال ذخراً يفيد الفتى
فقلت فأفحمتهم في الجوابلئلا أخاف ولا أحزنا

حكى الصولي عمن أخبره قال: خرجنا للحج فعرجنا عن الطريق للصلاة، فجاءنا غلام فقال: هل فيكم أحد من أهل البصرة؟ فقلنا كلنا منها فقال: إن مولاي منها وهو مريض يدعوكم، قال: فقمنا إليه، فإذا هو نازل على عين ماء، فلما أحس بنا رفع رأسه وهو لا يكاد يرفعه ضعفاً وأنشأ يقول:

شعر

يا بعيد الدار عن وطنهمفرداً يبكي على شجنه
كلما جد الرحيل بهزادت الأسقام في بدنه

ثم أغمي عليه طويلاً، فجاء طائر فوقع على شجرة كان مستظلاً بها، وجعل يغرد ففتح عينيه وجعل يسمع التغريد، ثم أنشد:

ولقد زاد الفؤاد شجىطائر يبكي على فننه
شفه ما شفني فبكىكلنا يبكي على سكنه
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا غريب الدار عن وطنه»

ثم تنفس الصعداء فغاضت نفسه، قال: فغسلناه وكفناه، وسألنا الغلام عنه فقال: هذا العباس بن الأحنف وكانت وفاته سنة مائة وثلاث وتسعون ومائة وكان لطيف

الطبع، خفيف الروح دقيق الحاسة. حسن الشمائل، جميل المنظر، عذب الألفاظ كثير النوادر، ومن شعر وحدثتني يا سعد البيت.

للسيد الرضي ﵁:

من أجل هذا الناس أبعدت المدىورضيت أن أبقى ومالي صاحب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «مثواي إما صهوة أو غارب»
إن كان فقر فالقريب مباعدأو كان مال فالبعيد مقارب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «مثواي إما صهوة أو غارب»

من كلامهم من بخل بماله دون نفسه جاد به على حليل عرسه.

ومن كلامهم جود الرجل يجيبه إلى أضداده ويبغضه إلى أولاده. من إحياء علوم الدين في كتاب ذم الغرور، وهو العاشر من المهلكات؛ وفرقة أخرى عظم غرورهم في فن الفقه، وظنوا أن حكم العبد بينه وبين الله تعالى، يتبع حكمه في حكم القضاء، فوضعوا الحيل في رفع الحقوق وهذا نوع عم العامة، إلا الأكياس منهم فنشير إلى أمثلته فمن ذلك فتواهم بأن المرأة متى أبرأت الزوج عن الصداق برىء الزوج بينه وبين الله تعالى، وذلك على إطلاقه عين الخطأ، فإن الزوج يسيء إلى الزوجة بحيث يضيق عليها الأمور فتضطر إلى طلب الخلاص فتبرىء الزوج لتخلص منه، فهو إبراء لا عن طيب نفس، لقد قال الله تعالى: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً " وإنما طيب النفس أن تسمح نفسها بالإبراء لا عن ضرورة، وبدون إكراه وإلا فهي مصادرة بالحقيقة، لأنها رددت بين ضررين: فاختارت أهونهما. نعم قاضي الدنيا لا يطلع على القلوب، إذ الإكراه الباطني مما لا يطلع عليه الخلق، ولكن متى تصدى القاضي الأكبر في صعيد القمة للقضاء لم يكن هذا مجزياً ولا مفيداً في تحصيل الإبراء، وكذلك لا يحل مال الإنسان أن يؤخذ إلا بطيب نفس، فلو طلب الإنسان مالاً على ملأ من الناس فاستحى المطلوب منه من الناس أن لا يعطيه، وكان يود أن يكون سؤاله له في خلوة حتى لا يعطيه، لكن يخاف ألم مذمة الناس، ويخاف ألم تسليم المال فردد نفسه بينهما فاختار ألم تسليم المال، وهو أهون الألمين، فسلمه فلا فرق بين هذا وبين المصادرة، إذ معنى المصادرة إيلام البدن بالضرب حتى يصير ذلك أقوى من ألم القلب ببذل المال فيختار أهون الألمين والسؤال في مظنة الحياء ضرب القلب بالسوط، ولا فرق بين ضرب الظاهر وضرب الباطن عند الله تعالى، لأن الباطن عنده ظاهر، وكذلك من يعطي شخصاً شيئاً إتقاء شره بلسانه أو شر معاتبته فهو حرام

عليه، وكذلك كل مال يؤخذ على هذا الوجه، ومن ذلك هبة الرجل مال الزكاة في آخر الحول لزوجته مثلاً لإسقاط الزكاة، فالفقيه يقول: سقطت الزكاة، فإن أراد به أن مطالبة السلطان والساعي سقطت فقد صدق وإن أراد أنه يسلم في القيمة ويكون كمن لم يملك المال أو كمن باع لحاجته إلى البيع فما أجهله بفقه الدين ومعنى الزكاة، فإن سر الزكاة تطهير القلب عن رذيلة البخل، فإن البخل مهلك. قال النبي ﷺ ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وإنما صار شحه مطاعاً بما فعله، وقبله لم يكن مطاعاً، فقد تم هلاكه بما يظن أن فيه صلاحه انتهى.

من كلامهم من تغير عليك فلا تتغير له لا تكثر مجالسة الجبار وإن كان لك مكرماً محباً.

من برك الصديق توقيرك إياه في المجالس. أهون التجارة الشرى، وأشدها البيع.

من كتاب قرب الإسناد عن جعفر بن محمد الصادق ﵁ قال: كان علي ﵁ وفاطمة ﵄ حين دخلت عليه إهاب كبش إذا أرادا أن يناما عليه قلباه، وكانت وسادتهما أدماً حشوها ليف، وكان صداقها درعاً من حديد.

منه عن أمير المؤمنين ﵁ في قوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " قال: من ماء السماء وماء البحر، فإذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها فيقع فيها من ماء المطر، فتخلق اللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة، واللؤلؤة الكبيرة من القطرة الكبيرة.

لكل داء دواء يستطيب بهإلا الحماقة أعيت من يداويها

صاحب الحاجة أبله لأنه يخيل إليه أنها لا تقضى فيحزن والقلب إذا حزن فارقه الرأي، والحزن عدو الفهم لا يستقران في معدن واحد.

حيلة جار السوء وقرين السوء أن تكرم أبناءهم فيندفع عنك شرور آبائهم.

من أتاك راجياً فلا ترده كما لا تحب أن ترد إذا جئت راجياً من استعان بظالم خذله الله.

قال بعض الحكماء: مثل أصحاب السلطان كقوم راقوا جبلاً ثم وقعوا منه، فكان أبعدهم في المرقى أقربهم من التلف.

قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والدنيا غمي، والآخرة همي.

قيل لصوفي ما صناعتكم؟ فقال: حسن الظن بالله، وسوء الظن بالناس.

قال بعض الحكماء: إنما حض بالمشاورة لأن رأي المشير صرف ورأي المستشير مشوب بالهوى.

ومن كلامهم إن سلمت من الأسد فلا تطمع في صيده. لا تمرر بمن يبغضك وإن مررت فسلم. قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً " إن عنه في موضع رفع بمسؤول كقوله تعالى: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " اعترض عليه أكثر المفسرين بأن هذا خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم على الفعل.

سهم قطعة الدائرة الصغرى أطول من سهم قطعة الدائرة الكبرى إذا كان وتراهما متساويين وكانت القطعة الكبرى أصغر من النصف، وعلى هذا تبتني المسألة المشهورة من أن الإناء كالطاس مثلاً يسع من الماء وهو في قعر البئر أكثر مما يسعه وهو على رأس المنارة، فنقول في بيانه: ليكن قوساً اهـ ب، ار ب من محيطي الدائرتين مختلفتين في المقدار وعلى وتر اب، وليكن قوس ار ب من الدائرة الكبرى أصغر من النصف ثم يخرج من منتصف اب وهو نقطة ح عموج ح ر هـ على اب فهذا العمود يمر بمركزي الدائرتين وهما نقطتا ح م لكونه عموداً على الوتر ومنصفاً له فنصل خطي اح ام وتقول نقطة ح التي هي أقرب إلى وتر اب مركز لدائرة اهـ ب الصغرى لكون خط اح أصغر من خط ام فنقطة ح داخلة في سطح دائرة ار ب العظمى وقد خرج خطا ح اح ر إلى محيطها وح ر على سمت المركز فهو أصغر من ح الكن خطا ح اح هـ لكون كل منهما نصف قطر الدائرة الصغرى متساويان فخط ح هـ أطول من خط ح ر فبعد إسقاط خط ح المشترك يكون خط ح هـ الذي هو سهم لقوس اهـ ر التي هي قطعة من محيط الدائرة الصغرى أطول من خط ح د الذي هو سهم لقوس ار ب التي هي قطعة من محيط الدائرة العظمى، وذلك ما أردنا بيانه.

قال ابن عباس: ما اتعظت بعد رسول الله ﷺ بمثل كتاب كتب إلى علي بن أبي طالب ﵁ أما بعد فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه فلا تكن بما نلت من دنياك فرحاً، ولا بما فاتك منها ترحاً، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجو التوبة بطول الأمل فكان وقد والسلام.

عباد الله الحذر، الحذر فوالله لقد ستر حتى كأنه قد غفر وأمهل، حتى كأنه قد أهمل الله المستعان على ألسنة تصف وقلوب تعرف، وأعمال تخالف.

قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل فانظر إلى حنينه إلى إخوانه وشوقه إلى أوطانه، وبكائه على ما مضى من زمانه.

ومن كلامهم كما أن الذباب يتبع موضع الجروح فينكأها، ويجتنب المواضع الصحيحة، كذلك شرار الناس يتبعون معائب الناس، فيذكرونها ويدفنون المحاسن.

كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل.

سئل الإسكندر أي شيء نلته بملكك أنت أشد سروراً به قال: قوتي على مكافأة من أحسن إلي بأكثر من إحسانه. سئل سولون أي شيء أصعب على الإنسان؟ قال: الإمساك عن الكلام بما لا يعنيه.

شتم رجل اسخنيس الحكيم فأمسك عنه، فقيل له في ذلك: قال لا أدخل حرباً الغالب فيها أشر من المغلوب.

من كلام علي ﵁ أنعم على من شئت فأنت أميره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، واستغن عمن شئت فأنت نظيره. قوله تعالى " وجزاء سيئة سيئة مثلها " المشهور أنه من باب المشاكلة، وبعض المحققين من أهل العرفان لا يجعله من ذلك الباب بل يقول: غرضه تعالى أن السيئة ينبغي أن تقابل بالعفو والصفح عمن فعلها، فإن عدل عن ذلك إلى الجزاء وكان ذلك الجزاء سيئة مثل تلك السيئة. وهذا الكلام لا يخلو من نفحة روحانية.

قيل لديوجانس الحكيم: هل لك بيت تستريح فيه؟ فقال إنما يحتاج إلى البيت ليستراح فيه، وحيث ما استرحت فهو بيت لي. وكان في زمانه رجل مصور فترك التصوير وصار طبيباً، فقال له: أحسنت إنك لما رأيت خطأ التصوير ظاهر للعين وخطأ الطب يواريه التراب تركت التصوير ودخلت في الطب. ورأى رجلاً أكولاً سميناً، فقال له: يا هذا إن عليك ثوباً من نسج أضراسك، كثير عزه من أبيات:

وإني وتهيامي بعزة بعدماتخليت مما بيننا وتخلت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»
لكالمرتجي ظل الغمامة بعدماتبوأ منها للمقيل اضمحلت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلهاوحلت تلاعاً لم تكن قبل حلت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»
وكانت لقطع الحبل بيني وبينهاكناذرة نذراً فأوفت وبرت

فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطئت يوماً لها النفس ذلت أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلوة إن تقلت

تمنت سليمى أن نموت بحبهاوأهون شيء عندنا ما تمنت

دخل بشار على المهدي وعنده خاله يزيد بن منصور الحميري: فأنشده قصيدة يمدحه بها فلما أتمها قال له يزيد: ما صناعتك أيها الشيخ فقال: أثقب اللؤلؤ، فقال له المهدي: أتهزأ بخالي؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما يكون جوابي له وهو يراني شيخاً أعمى ينشد شعراً فضحك المهدي وأجازه.

قال بعض البلغاء صورة الخط في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض، رحم الله من أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه، لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال: وفي بعض الآثار إن لسان بني آدم يتشرف على جميع جوارحه كل صباح، فيقول: كيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير إن تركتنا، الله الله فينا ويناشدونه ويقولون: إنما نثاب ونعاقب بك.

رأيت في بعض التواريخ قال: كان كثير عزة رافضياً وكانت خلفاء بني أمية يعرفون ذلك ويلبسونه على أنفسهم ميلاً لمؤانسته ومحادثته.

دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: نشدتك بحق علي بن أبي طالب ﵁ هل رأيت أعشق منك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لو سألتني بحقك أخبرتك، نعم بينا أنا أسير في بعض الفلوات إذ أنا برجل قد نصب حبائله، فقلت: ما أجلسك هنا؟ فقال أهلكني وأهلي الجوع، فنصبت حبائلي لأصيب لهم ولنفسي ما يكفينا يومنا هذا، فقلت: أرأيت إن أقمت معك وأصبنا صيداً تجعل لي منه جزءاً قال: نعم، فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية فخرجنا مبتدرين، فأسرع إليها فحلها وأطلقها فقلت له: ما حملك على هذا قال: دخلني عليها رقة لشبهها بليلى وأنشأ يقول:

أيا شبه ليلى لا تراعي فإننيلك اليوم من وحشية لصديق
أقول وقد أطلقا من وثاقهالأنت لليلى لو عرفت عتيق
فعيناك عيناها وجيدك جيدهاولكن عظم الساق منك رقيق
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة

ولما أسرعت في العدو وجعل يقول:

إذهبي في كلاءة الرحمنأنت مني في ذمة وأمان
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «اذهبي في كلاءة الرحمن»
لا تخافي من أن يماجي بسوءما تغني الحمام في الأغصان
ترهبيني والجيد منك لليلىوالحشا والبغام والعينان

جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أوصني، قال: إحفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني، قال: إحفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني قال: إحفظ لسانك ويحك هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلى حصائد ألسنتهم..

وروي في كتاب ورام: أن أمير المؤمنين ﵁ كان يحتطب ويستقي ويكنس وكانت فاطمة ﵂ تطحن وتعجن وتخبز. وفي كتاب ورام في وصية النبي ﷺ لأبي ذر يا أبا ذر صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة وأفضل من هذه كلها صلاة يصليها الرجل في بيته، حيث لا يراه إلا الله ﷿ يرجو بها وجه الله ﷿.

لبعضهم

حيث ما كنت لا أخلف رحليمن رآني فقد رآني ورحلي

المعلم الثاني أبو نصر الفارابي:

ما إن تقاعد جسمي عن لقائكمإلا وقلبي إليكم شيق عجل
وكيف يقعد مشتاق؟ يحركهإليكم الباعثان الشوق والأمل
وإن نهضت فما لي غيركم وطروكيف ذاك وما لي عنكم بدل

وكم تعرض بي الأقوال قبلكم ... يستأذنون على قلبي فما وصلوا في الحديث إن الله تعالى يعطي الدنيا بعمل الآخرة ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكشكول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.