من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الثاني (٣)
وقع الاختيار من هذه القصيدة على ما أثبتناه وتركنا منها ما لو أتينا به كان مختاراً، فأمَّا قوله: " مقعياً يرمي صفاة لم ترم " البيتين وما بعد، هذه الأبيات من هذا المعنى فهو يُشبه قول زيد بن أحمد البردعي يمدح يوسف ابن أبي الساج ويصف القلعة:
وكأنَّما تلك الشَّوامخُ حولَ قَلعتها عشائرْ
وكأنَّها حُسّانةٌغيداءُ في غِيدٍ غرائرْ
شمطاءُ عن دارٍ تَوارثها الأكابرُ والأكابرْ
لا الرُّومُ رامتْها ولاقصدتْ تُطاولُها القياصرْ
وتأبَّهتْ عن ذِي رُعَيْنَ وذي نُواسَ وذِي شناترْ
عذراءُ لمَّا تُفترعْسبلاً ولا شَعرتْ لماهرْ
مَعقومةٌ ما أمْغَلَتْلكنَّها أُمُّ الحباكِرْ
بكرٌ قوابلُها العَوامِلُ والمُذلَّقة البواتِرْ
في فَرع سامقةٍ علىخَلقاءَ باسقةِ العراعِرْ
عنقاءَ عازبةِ المسالك والموارد والمصادِرْ
زَعراءَ حَصَّاءِ القرَىجرداءَ زلاَّءِ المآخِرْ
صَمَّاءَ ملساءِ الهوادِي والحناجِر والكَراكِرْ
رَوقاءَ لم تكْسَسْ وكمْشرِيَتْ نواجذُها الأواشِرْ
مِثل الرَّبابة في السَّماءِ خلاءَ أنجمُها الزَّواهِرْ
يرتدُّ عن شُرُفاتهانقدُ النَّواظرِ وهْوَ سادِرْ
منظومةٌ أبراجُهامطويَّةٌ طيَّ القناطِرْ
مثل الهوادج والفَوالِجِ تحتَها الهدلُ المشافِرْ
محجوبةٌ حُجَّابُهاما بين مأمورٍ وآمِرْ
هذا الشعر من أجود ما وصفت به قلعةٌ وهو أكثر من هذا إلاَّ أنَّا اختصرناه، وللشعراء في ذكر القلاع وصفاتها أشعارٌ تكثر وتتَّسع. ونحن نذكر منها ههنا شيئاً ممَّا نختاره، فمن جيد ذلك قول كعب الأشقريّ أو غيره من شعراء خراسان في أيَّام الفتوح، يقول في قلعةٍ افتتحها المسلمون:
محلِّقةٌ دونَ السَّماءِ كأنَّهاغمامةُ صيفٍ زالَ عنها سحابُها
فما يلحقُ الأرْوَى شماريخَها الدُّنَىولا الطَّيرُ إلاَّ نسرُها وعقابُها
وما رُوِّعتْ بالذِّئبِ وِلْدانُ أهلِهاولا نبحتْ إلاَّ النُّجومُ كلابُها
ولنا في صفة القلعة أيضاً قصيدة أنفذناها إلى الأمير سيف الدولة، ﵁، إلى الشام:
وخرقاءَ قد تاهتْ على مَن يرومُهابمرقَبها العالي وجانبِها الصَّعبِ
يزُرُّ عليها الجوُّ جيبَ غمامِهِويُلبسُها عقداً بأنجمِهِ الشَّهبِ
إذا ما سرَى برقٌ بدتْ من خلالهِكما لاحتِ العذراءُ من خَلَل الحُجبِ
فكم ذي جنودٍ قد أماتتْ بغُصَّةٍوذي سطواتٍ قد أباتتْ على عتبِ
سموتُ لها بالرَّأيِ يشرقُ في الدُّجَىويقطعُ في الجُلَّى ويقدعُ في الهضبِ
فأبْرَرتها مَهتوكةَ الجَيب بالقَناوغادرتَها ملصوقةَ الخدِّ بالتُّربِ
ولنا إليه، ﵀، قصيدة أخرى في هذا المعنى أنفذناها إليه إلى الشام:
وقلعةٍ عانقَ العيُّوقُ سافلُهاوجازَ مِنطقة الجوزاءِ عَاليها
لا تعرفُ القطرَ إذ كانَ الغَمامُ لهاأرضاً لوَطَّأ قُطرَيْهِ مواشيها
إذا الغمامةُ راحتْ خاضَ ساكبُهاحياضها قبلَ أن تهْمِي عَزالِيها
يعدُّ من أنجم الأفلاك مرقبُهالو أنَّه كانَ يجري في مَجاريها
على ذُرَى شامخٍ وعْرِ قدِ امتلأتْكِبراً به وهوَ مملوءٌ بهاتِيها
له عِقابُ عُقابُ الجوّ حائمةٌمن دونها فهْي تخفَى في خوافيها
ردَّتْ مكايدَ أملاكٍ مكايدُهاوقصَّرتْ بدَواهيهم دواهيها
أوطأتَ همَّتك العلياءَ هامتَهالمَّا جعلتَ العوالِي من مَراقيها
ولم تقِسْ بك خلقاً في البريَّة إذرأتْ قِسِيَّ الرَّدَى في كفِّ بارِيها
ابن الدُّمَيْنة:
طرقتْكَ زينبُ والرِّكابُ مُناخةٌبينَ المخارمِ والنَّدَى يتصبَّبُ
بثنيَّةِ العلَمَين وهناً بعدماخفقَ السِّماكُ وعارضتهُ العقربُ
فكرامةٌ وتحيَّةٌ لِخَيالهاومع الكرامة والتحيَّة مرحبُ
أنَّى اهتديتِ ومَن هداكِ وبَينناحمَلٌ فقُلةُ عالجٍ فالمرقبُ
وثنيَّةٌ قذفٌ يحارُ بها القطاويضلُّ فيها حين يعدُو الأحقبُ
وزعمتِ أهلكِ ضيَّعوكِ رغيبةًعنِّي فأهلِي بي أضنُّ وأرغبُ
أوَليسَ لي قُرناءُ إنْ أقصَيْتِنيحَدِبوا عليَّ وعنديَ المستعتبُ
فلئنْ دنوتِ أدنونَّ بعفَّةٍولئن نأيتِ فما ورائيَ أرحبُ
يأبَى وجدّكِ أنْ أكون مقصِّراًعقلٌ أعيشُ به وقلبٌ قُلَّبُ
قدم رجلان من بني زبيد لدمٍ أصابا في قومهما إلى سنجار فأقاما بها مدةً ثمَّ شربا بها يوماً ومعهما رجل من النَّمر بن قاسطٍ فلمَّا سكِرا اشتاقا بلدهما وحنَّا لذلك فقال أحدهما:
أيا جَبَليْ سنجارَ ما كنتُما لنامَقيظاً ولا مشتًى ولا متربَّعا
ويا جبلَيْ سنجارَ هلاَّ بكيتُمالداعِي الهوَى منَّا شَنِينَين أدمُعا
ولو جبَلا عُوج شكونا إليهماجرتْ عبراتٌ منهما وتصدَّعا
بكَى يومَ تلّ المحلبيَّة صاحبِيويوماً على الثَّرثار حنَّ ورجَّعا
فأجابه النمريّ:
أيا جبليْ سنجارَ هلاَّ دقَقْتمابرُكنَيكما أنفَ الزُّبيديّ أجمعا
لعمرك ما جاءتْ زُبيدُ لهجرةٍولكنَّها جاءتْ من الرَّملِ جُوَّعا
قال: خرج خالد بن علقمة، أحد بني دارم، يسترفد قومه، فنزل برجل منهم يقال له عطَّاف بن مدّ فسأله فجبَهَهُ وأساء ردّه فارتحل وهو يقول:
جزَى اللهُ عطَّافَ بنَ مدّ ملامةًإذا أشرقَ النَّفسَ البخيلةَ ريقُها
إذا سُئلَ المعروفَ بسَّل وجههُوجبهتهُ حتَّى تدِرّ عروقُها
وعدَّد لي فَقراً كثيراً وفاقةًومعتبةً لم يدرِ كيف طريقُها
وهجا قومه فقال:
لهم إبلٌ كُومٌ أتتهم فجاءةًقليل مواشيها ذَميمٌ صديقُها
إذا ماتَ منها ميَّتٌ يدفنونهكدفنِ الفتَى لو أنَّ لحداً يُطيبها
خاصمت بعض نساء العرب زوجها وقالت له: ما رأيت معك خيراً قطّ، فقال:
لمْ أبغكِ المالَ قد تعلمينَوجُبتُ العراقَ وجُبتُ الشَّآما
وجُبتُ الشّريف بأكنافهِوجُبتُ اليمامةَ غِرّاً غُلاما
فأنتِ الطَّلاقُ وأنتِ الطَّلاقُ وأنتِ الطَّلاقُ تماماً تماما
الشَّمّاخ:
تسألُني عنْ بعلِها أيُّ فتًى
خبٌّ جَروزٌ وإذا جاعَ بكَى
لا حَطَبَ القومَ ولا القوم سقَى
ولا رِكابَ القوم إنْ ضلَّتْ بَغَى
ولا يُوارِي فرجَهُ إذا اصْطَلَى
لمَّا رأَى الرَّملَ وقِيزان الغَضَا
والبَقَرَ الملمَّعاتِ بالشَّوَى
بكَى وقال هلْ تَرَونَ ما أرَى
أليسَ للسَّير الطَّويل مُنتَهَى
قلتُ أَعِرْني صاحبي ألا بَلَى
جرير:
أتغلبُ أُولي حِلفةً ما ذكرتُكُمبسوءٍ ولكنِّي عتبت على بكْرِ
فلا تُوبِسوا بَيني وبينكم الثَّرَىفإنَّ الَّذي بيني وبينكمُ مُثْرِي
ابن الطَّثريَّة:
سقَى دِمنَتَيْنِ ليس لي بهما عهدُبحيثُ التقَى الدَّاراتُ والجرَعُ الكُبْدُ
فيا ربوةَ الرَّبعينِ حُيِّيتِ ربوةًعلى النَّأيِ منَّا واستهلَّ بكِ الرَّعدُ
قضيتُ الغواني غيرَ أنَّ مودَّةًلذَلْفاءَ ما قضَّيتُ أخرَها بعدُ
فرَى نائباتُ الدَّهرِ بيني وبينَهاوصرفُ اللَّيالي مثلَ ما فُرِيَ البُردُ
فإنْ تَدَعِي نجداً ندعْهُ ومَن بهوإن تسكُني نجداً فيا حبَّذا نجدُ
وإنْ كانَ يوم الوعدِ أدنَى لِقائنافلا تعذُليني أنْ أقولَ متَى العهدُ
إذا وردَ المِسواكُ ريَّانَ بالضُّحىعوارضَ منها ظلَّ يُخصِرُهُ البردُ
وألْيَنُ من مسِّ الرَّحَى باتَ يلتَقيبمارِنِهِ الجاديُّ والعنبرُ الوردُ
جميل:
ألا تلكمُ أعلامُ بثنةَ قد بدتْكأنَّ ذَرَاها في السَّراب سَبيبُ
طوامسُ لي من دونهنَّ عداوةٌولي من وراءِ الطَّامساتِ حبيبُ
بعيدٌ على من ليسَ يطلبُ حاجةًوأمَّا على ذي حاجة فقريبُ
تساهَمَ بُرداها فأمَّا إزارُهافطارَ له عند السَّماءِ كليبُ
وكانَ لأعلَى البُرد منها مُبَتَّلٌلطيفٌ كخُوط الخيزران رطيبُ
ابن الدُّمَيْنة:
دعتكَ دواعِي حُبّ سلمَى كما دَعَاعلى النَّشرِ أخرى التَّالياتِ مُهيبُ
فلبَّيك من داعٍ دعَا ولَوَ انَّنيصدًى بين أحجارٍ لظلَّ يُجيبُ
وداعي الهوَى يغشَى المنيَّةَ بالفتَىويغترُّ عقلَ المرءِ وهْوَ لبيبُ
فللهِ درِّي يوم صحراءِ عالجٍودرُّ الهوَى إنِّي له لحبيبُ
ودَرُّ بَلائي من هواكِ فإنَّهلعَقْلي وإنْ غالبتُهُ لغلوبُ
الأعشى وقد رُويت لغيره:
قالتْ قُتَيلةُ ما لهُقد جُلِّلتْ شيباً شَواتُهْ
أمْ لا أراهُ كما عهدتُ صَحا وأقْضرَ عاذلاتُهْ
ما تُنكرينَ من امرئٍإنْ شابَ قد شابتْ لِداتُهْ
خارجة بن فليح المَلَليّ:
ألا طرقتْنا والرِّفاقُ هجودُفباتتْ بعلاَّتِ النَّوالِ تَجودُ
ألا طرقتْ لبلَى لقًى بين أرحُلٍشجاه الهوَى والبعدُ فهو عميدُ
فليت النَّوى لم تُسحقِ الخرقَ بينناوليتَ الخيالَ المُستراثَ يعودُ
إذنْ لأقاد النَّفسَ من فَجعة الهوَىبليلَى ورَوعاتُ الفؤاد تُقيدُ
كأنَّ الدُّموعَ الواكفاتِ بذكرهاإذا أسلمتْهنَّ الجفونُ فريدُ
إذا أدبرتْ بالشَّوق أعقابُ ليلةٍأتاكَ بهِ يومٌ أغرُّ جديدُ
نظرتْ امرأة إلى أبي السود الدؤلي وقد أسنَّ فقالت له مستهزئةً به: علِّق عليك يا أبا الأسود مَعاذة، فقال:
أفنَى الشَّبابَ الَّذي أفنيتُ لذَّتَهمرُّ الجديدَين من آتٍ ومنطلقِ
لم يتركا ليَ في طولِ اخْتلافِهماشيئاً يخافُ عليه لَذعةُ الحدَقِ
حدَّثنا ابن دريد عن عبد الرحمن عن الأصمعي قال: كان المحيا بن لغط الهمدانيّ رجلاً غيوراً لا ينزل مع النَّاس في محلٍّ واحدٍ ولا ينزل إلاَّ مُعتنزاً حريداً، وكان له ثلاث بناتٍ لهنَّ عقلٌ وجمال، وأدبٌ يقال لإحداهنَّ ظَمياء والأخرى ريَّا والأخرى وسنَى، فبينا هو ذات يوم بفناء بيته في أيام الرَّبيع وبقرب بيته روضة إذ أقبل سربٌ من ظباء فانتشر في الرَّوضة فقال:
فكأنَّهنَّ وقد ترجَّلتِ الضُّحَىودَعٌ تكبَّدُ صَحصحاناً أفيَحَا
ثمَّ قال: أجيزي يا ظَمياء فقالت:
أكذاكَ أو كحَجَا غديرٍ مُفعمٍرِيحتْ جوانبُهُ فراحَ مُسيَّحا
ثمَّ قال: أجيزي يا ريَّا، فقالت:
لا بلْ نواصلُ من وشاحِ خريدةٍخانتْ معاقدُ نظمِهِ المتوشّحا
فقال: أحسنتنَّ وأجدتنَّ. قال الأصمعي: والله لو كانت له رابعة لم تدرِ ما تقول.
بعض الأنصار:
أعفَّاءَ تحسبهم للحياءِ مرضَى تطاوَلَ أسقامُها
يهونُ عليهمْ إذا يَغضَبونَ سُخط العُداة وإرغامُها
ورتقُ الفتوقِ وفتقُ الرتوقونقضُ الأمور وإبرامُها
فروة بن حُمَيضة الأسديّ:
لقد طرقتْنا المالكيَّةُ غدوةًبصحراء فلجٍ والمطيُّ على قصدِ
فأرَّقنا تسليمُها وكلامُهاإلى الهائمِ الظَّمآنِ أحلَى من الشَّهدِ
فيا لك قولاً يُرجعُ الرّوحَ بعدَماتكادُ تزولُ الرُّوحُ من شدَّةِ الوجدِ
سقَى اللهُ وصلَ المالكيَّةِ إنَّهاوإنْ هي كانت لا تُثيب ولا تُجدي
لَيعتادُني منها على النَّأي عائدٌكما اعتادتِ الحمَّى أخا الوَعْك بالوِردِ
على أنَّني يوماً ملمٌّ فسائلٌومستخبرٌ بالغيْبِ ما فعلتْ بعدِي
فإنْ تكُ جذَّتْ باقيَ الوصلِ بعدَنافما أنا عنها بالصَّبورِ ولا الجَلدِ
وما اتَّخذتْ عندي يداً ما وصلتُهاولا انصرفتْ منِّي بذمٍّ ولا حمدِ
سُويد بن سواد الجُلهميّ وكان له فرسٌ يسمَّى ناصحاً فأراد السِّباق به فقال يخاطبه:
أناصحُ برِّزْ للسِّباق فإنَّهاغداةُ رِهانٍ جمَّعتهُ الحلائبُ
فإنَّك مجلوبٌ عليك ضُحَى غدٍوما لكَ إنْ لم يجلبِ اللهُ جالبُ
أتذكرُ إلباسِيك في كلِّ شتوةٍرِدائي وإطعاميكَ والبطنُ ساغبُ
لك اللهُ والإسلامُ إنْ جئتَ سابقاًعليَّ ونذرٌ لا أبيعُكَ واجبُ
وأنْ لا أُريحَ الدَّهرَ مالاً ملكتُهُوأنتَ سوى أرضَى من الأرضِ عازبُ
أحمُّ دَجوجيٌّ كأنَّ عِظامَهإذا ما بدتْ للنَّاظرينَ المشاجبُ
كان عند مرقال بن بَحْوَنة الأسديّ ابنة عمٍّ له ورهاءُ فدخل منزله يوماً وهي مُغضبةٌ فقال: ما شأنك؟ قالت: لأنَّك ما تشبِّبُ بي كما يشبِّب الرِّجال بالنِّساء، فقال: فإنِّي أفعل، قالت: فهاتِ، فأنشدها وكان اسمها عُبيدة:
تمَّت عُبيدةُ إلاَّ في ملاحَتهافالحُسنُ منها بحيث الشَّمسُ والقمرُ
ما خالفَ الظَّبيَ منها حين تُبصِرهإلاَّ سوالفهُ والجِيدُ والنَّظرُ
قلْ للَّذي عابَها من حاسدٍ حنِقٍأقصِرْ فرأسُ الَّذي قد عِبْتَ والحجرُ
رامة بنت الحصين بن منقذ بن الطمّاح وكانت وردت الحضر فلم تستطبه فحنَّت إلى البدو وقالت:
أقامَ معي مَن لا أُحبُّ جوارَهُوجارايَ جارا الصِّدق مُرتحلانِ
ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةًوبيني وبين البصرةِ النَّهرانِ
فإنْ يُنجِني منها الَّذي ساقَني لهافلا بدَّ من غمرٍ ومن شَنَآنِ
وقالت أيضاً:
يا ليتَ شِعري وليتٌ أصبحتْ غصَصاًهل أهبطَنْ قريةً ليستْ بها دورُ
ألا سبيلَ إلى نجدٍ وساكنِهِأولاَ فنجدٌ حبيبُ الأهلِ مهجورُ
لقد تبدَّلتُ من نجدٍ وساكنِهِأرضاً بها الدِّيكُ يزقُو والسَّنانيرُ
عمرو بن لأْي يقول للنعمان بن المنذر:
مهلاً أبَيتَ اللَّعنَ لا تأخذنَّنابذنبِ امرئٍ أمسَى من الحلمِ مُعدِما
فما العبدُ بالعبدِ الَّذي ليسَ مُذنباًولا الرَّبُّ بالرَّبِّ الَّذي ليس مُنعِما
الأحوص بن جعفر بن كلاب العامريّ:
يضعِّفُني حِلمي وكثرةُ جَهلكمعليَّ وأنِّي لا أصولُ بجاهلِ
دفعتكمُ عنِّي وما دفعُ راحةٍبشيءٍ إذا لم يُستَعَنْ بالأناملِ
ضِرار بن عمرو الأسديّ:
وكنَّا إذا نحنُ التقيْنا على النَّوىوأبْرَزها نحوي حجابٌ يصونُها
أخذنا بأطراف الأحاديثِ بينناوأوساطِها حتَّى تميل فنونُها
هذا يشبه قول الطّرمّاح:
ما زلتُ أقترضُ الحديثَ لهنَّ من حقٍّ وباطلْ
وأحثُّهنَّ عن الأيامِن تارةً وعن الشَّمائلْ
إن اخْتصارَك للحديثِ إذا خشيتَ من المحاوِلْ
وإليه نظر البحتريّ بقول:
وزائرٍ زارَ من أَعَقَّتهيميلُ وزناً بأُنسِهِ ذُعُرُهْ
كأنَّه جاءَ مُنجزاً عدَةًوبتُّ في الرَّاقبين أنتظرُهْ
لم أنسَهُ مُوشكاً على وجَلٍمُدامجاً في الحديثِ يختصرُهْ
كأنَّما الكاشحونَ قد عَلِموامكانَهُ أو أتاهمُ خبرُهْ
أبيات البحتريّ هذه أجود ما قيل في هذا المعنى ظرفَ كلام واستغراق تشبيه.
عبد الوهاب بن مطر الجرميّ:
وتعذُبُ لي من غيرها فأعافُهامَشاربُ فيها مقنعٌ لو أُريدُها
وأمنحُها أقصَى الوصال وإنَّنيعلى ثقةٍ من أن حظِّي صدودُها
قال: دعا أبا الدِّلْهاث الغنويّ أبو الدقيس الحذفيُّ لنبيذٍ له وكانا قد أسنَّا فقال أبو الدِّلْهاث:
ألم تَرَني على كَسَلي وفَتريأجبتُ أخا حُذيفةَ إذ دعانِي
وكنتُ إذا دُعيتُ إلى مُدامٍأجبتُ ولم يكُن منِّي تَوانِي
كأنَّا من بَشاشتنا ظَلِلْنابيومٍ ليسَ من هذا الزَّمانِ
ابن الدُّمَيْنة:
ألا يا لَقومي للأسَى والتَّذكُّرِوعينٍ قذَى إنسانها أُمُّ جعفرِ
فلمْ ترَ عيني مثلَ قلبيَ لم يطِرْولا كضلوعٍ تحتهُ لم تكسَّرِ
الفرزدق:
أروحُ بتسليمٍ عليك وأغْتَديوحسبُك بالتَّسليم منِّي تقاضِيا
كفَى بطِلاب المرءِ ما لا ينالُهُعَناءً وباليأسِ المبرِّحِ شافيا
هذا مثل قول الآخر:
وإذا طلبتَ إلى كريمٍ حاجةًفلقاؤُهُ يكفيكَ والتَّسليمُ
ومثله قول أبي تمَّام الطَّائيّ:
وإذا الجودُ كانَ عَوني على المرْءِ تقاضيتُهُ بتركِ التَّقاضي
جميل بن مَعمر:
ولو أرسلَتْ نحوي بُثينةُ تبتَغِييَميني وإنْ عَزتْ عليَّ يميني
لأعطيتُها ما جاءَ يَبْغي رسولُهاوقلتُ لها بعدَ اليمينِ سَليني
سلِي بعضَ مالي يا بثين فإنَّمايُبيَّنُ عند المال كلُّ ضَنينِ
أمَّا هذا الشاعر فقد خبَّرنا أنَّ جوارح بِنتيه أهونُ عنده من بعض ماله.
وقريب منه:
إذا شئت أنْ تلقَى أخاكَ معبِّساًوجَدّاهُ في الماضِين كعبٌ وحاتمُ
فكشِّفْهُ عمَّا في يدَيه فإنَّمايُبيِّنُ أخلاقَ الرِّجال الدَّراهمُ
قال لنا أبو بكر محمد بن أحمد بن منصور النَّحويّ، ﵀، قال لي أحمد بن عبيد، قال لي أبو عكرمة الضَّبِّيّ: أحسن ما قيل في التحريض على طلب الثَّأر قول الثعر العقيليّ:
تبعتْ بياضَ السَّيف حتَّى ركبْتهولَلْموتُ من لَوم العشيرةِ أروحُ
رأيتُكما يا ابني أخي قد سمِنْتُماوما يدركُ الأوتارَ إلاَّ الملوَّحُ
وأُمُّكما قد رابَني أنْ رأيتُهاتخضِّبُ أطرافَ البَنان وتمزحُ
وتكحلُ عينَيْها وتصبغ ثوبَهاوتسألُ عن خُطَّابها أين تنكِحُ
وبالرَّمْل محمود السَّجيَّة ماجدٌإذا راحت الفتيانُ لا يتروَّحُ
وأحسن ما قيل في التسليم للقضاء بعد الاجتهاد قول الطّرمّاح اليربوعيّ:
تقدَّمَ حتَّى لم يجدْ مُتقدَّماًوعضَّ به دهرٌ فعضَّ وصمَّما
ولمَّا رأَى أنَّ الأسَى غيرُ دافعٍعن المرءِ مقدوراً من الأمرِ سلَّما
وأحسن ما قيل في مدح الإبل والرّدّ على من يذمّها وينسبها إلى التَّفريق قول جِران العَود:
بأخْفافها يدنو الفتَى من حبيبهوتُبعدُهُ إن أذهلتْهُ الشَّدائدُ
يكونُ على أكوارها هجعةُ السُّرَىوأذْرعُها عند الصَّباحِ وسائدُ
أمَّا قوله: " وأذرعها عند الصَّباح وسائد " فمليحٌ ومثله قول زهير:
وتَنوفةٍ عمياءَ لا يجتازُهاإلاَّ المشيِّعُ ذو الفؤاد الهادِي
قفرٍ هجعتُ بها ولستُ براقدٍوذراعُ مُلقيةِ الجِران وِسادي
وقريب من هذا المعنى وإن لم يكن هو بعينه لأنه لم يذكر إغفاءه على ذراع الناقة بل على الحجر لما هو فيه من مقاساة الحرب وما يلحقه من الشَّقاء والبؤس قول الحَريش:
لبْدي فراشٌ إذا ما آنَسوا فزَعاًوتحتَ رأسي إذا ما نوَّموا حجَرُ
وعن شمالي خَشيبٌ ما يفارقُنيعضْبٌ مهَزَّتُهُ ذو رونقٍ ذكَرُ
يَبري الحديدَ ويحمينِي إذا هجعتْعنِّي العيونُ جوادٌ قارحٌ يسَرُ
وطامحُ الطَّرف لا يُكْدِي عُلالَتهيزداد جَرياً إذا ما ابتلَّتِ العُذَرُ
زَين الفِناءِ أسيل الخدّ يخفرهُرِجْلان حُنِّبتا والبطنُ مضطمرُ
نَهد المَراكل مخموص الشَّوى عتِدٌفيه ليانٌ وفي يوم الوغَى أشَرُ
بذاكَ أشهدُ يومَ الرَّوعِ إذ سجَرتْسَبَلُ الغَمام وضاقَ الوردُ والصَّدرُ
وهزهزَ القومُ والأصواتُ غمغمةٌوجالتِ الخيلُ والأرواحُ تُبتدَرُ
فلا لَجاءٌ ولا منجًى لِذي حِيَلٍإلاَّ السَّوابقُ والهنديَّةُ البُتُرُ
مثله لابن خازم:
أزالَ عظمَ ذراعي عن مُركَّبهحَملُ الرُّدَينيّ والإدْلاجُ في السَّحَرِ
حولين ما اغتمضتْ عَيني بمنزلةٍإلاَّ وكفِّي وسادٌ لِي على الحجرِ
وفي ضدّ المعنى الأوَّل الَّذي أتينا بهذه النظائر بعده وهو الَّذي مُدحت به الإبل قول الآخر في ذمِّها:
ما المطايا إلاَّ المنايا وما فرَّقَ شيءٌ فراقَها الأحْبابا
ظلَّ حاديهمُ يسوقُ برُوحيويَرَى أنَّه يسوقُ الرِّكابا
ومثله قول أبي الشِّيص وقد أجاد فيه:
ما فرَّقَ الأحبابَ بعْدَ الله إلاَّ الإبلُ
والنَّاسُ يلحَون غُرابَ البَين لمَّا جَهِلوا
وما على ظهرِ غُرابِ البَين تُمطَى الرِّحَلُ
ولا إذا صاحَ غُرابٌ في الدِّيارِ احتَمَلوا
وما غرابُ البَين إلاَّ ناقةٌ أو جمَلُ
والأشعار الَّتي في ذمّ الإبل للفُرقة أصحُّ منها في مدحها.
مسعود بن سنان بن أبي حارثة المُرّيّ وكان شريفاً شجاعاً وحضر باب بعض الملوك فأخَّرَ الحاجب إذنه وأذن لغيره ممَّن هو دونه فقال:
ما بالُ حاجِبنا يعتام بِزَّتَناوليس للحسبِ الزَّاكي بمُعتامِ
يدعو أمامي رِجالاً لا يُعَدُّ لهمجَدٌّ كجدِّي ولا عمٌّ كأعمامِي
لو كانَ يدعو على الأحساب قدَّمنيمجدٌ تليدٌ وجدٌّ راجحٌ نامِ
متى رأيتَ الصُّقورَ الجُدل يَقدمُهاخِلطانِ من رَخَمٍ فُرْعٍ ومن هامِ
عمير بن نائرة الجُهنيّ:
سَقياً لعهد لَيالي الهَضْب من شَطِبٍوعهدِ أيَّامه من عهدِ أيَّامِ
وما سُليمَى وإنْ جُنَّ الفؤادُ بهاعصراً وطالَ بها وَجْدي وتَهْيامي
إلاَّ كعصماءَ مَرعاها ذُرَى شَعَفٍتُحمَى طرائدُهُ من ذاتِ إبرامِ
تَرمي القلوبَ فما تشوِي رَميّتُهاشيئاً رَمَتهُ وما يصطادُها الرَّامِي
عروة بن الورد:
ولا تشتُمنِّي يا بن عَمرو فإنَّنيتعودُ على مالي الحقوقُ العوائدُ
ومَن يؤثِرِ الحقَّ النَّؤوبَ يكنْ لهحُشاشة جسمٍ وهْو طيَّانُ ماجدُ
وإنِّي امرؤٌ عافي إبائيَ شِركةٌوأنتَ امرؤٌ عافى إنائك واحدُ
أُقسِّمُ جِسمي في جسومٍ كثيرةٍوأحْسُو قَراح الماءِ والماءُ باردُ
أوس بن حجر:
فلا وإلهي ما غدرتُ بذمَّةٍوإنَّ أبِي قبلي لغيرُ مُذمَّمِ
يجودُ ويُعطي المالَ من غير ذَمَّةٍويخطِمُ أنفَ الأبلخ المتغشِّمِ
يجرِّدُ في السّربال أبيضَ ماجداًمُبيناً لِعين النَّاظرِ المتوسِّمِ
يقول فيها:
تركتُ الخبيثَ لم أُشاركْ ولم أذقْولكنْ أعفَّ اللهُ مالي ومَطعمي
وعندي قروضُ الخير والشَّرِّ كلِّهفبؤسَى بؤسَى ونُعمَى لأنعُمِ
بَنيَّ ومالي دون عِرضي وقايةٌوقولي كوقع المشرفيِّ المصمِّمِ
نمير بن ماجد الغنويّ:
أبْلغ لدَيك بني لأم مُغلغلةًقد كنتُ أعهدُكم من معشرٍ قَزَمِ
ما بالُ ظلْمهم مثلي وما ظلَموامثقالَ خردلةٍ في سالفِ الأُممِ
أصابَني معشرٌ ليست دِماؤُهمتُوفِي بأحساب أهل المجدِ والكرمِ
تَرْكي طِلابَهم عارٌ وقتلُهمكأكْلِك الغثَّ لا يَشفي من القَرَمِ
أمَّا قوله: " ما بال ظلمهم مثلي " البيت، فمثل قول النجاشيّ:
قُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمَّةٍولا يظلمون النَّاسَ حبَّةَ خردلِ
وهذا البيت والَّذي قبله من ممضّ الهجاء وشديده، وقد ذكرنا أبيات النّجاشيّ هذه وما تكلَّم فيها عمر بن الخطاب ﵁ وصرفها عن الهجاء إلى المدح بما نحن مستغنون عن إعادته هنا.
وأمَّا قوله: " تركي طلابهم عارٌ " البيت، فمثل قول الآخر:
نيك العجوز كلحم الغثّ تأكلُهلا تشتَهيه ولا يشفيك من قَرَمِ
وأمَّا قوله: " أصابني معشر ليست دماؤهم " البيت، فقد استغرقنا نظائره فيما تقدّم.
قيس بن زهير العبسيّ وهو الحازم:
تعرَّفْنَ من ذبيان من لو لقِيتُهُبيوم حفاظٍ طارَ في لَهَواتي
ولو أنَّ سافِي الرِّيح يجعلكم قذًىلأعيُنِنا ما كنتمُ بقَذاتِ
مثله للحارث بن عُبادٍ:
ما كانَ جمعهمُ في عرضِ سَوْرَتناإلاَّ ذُباباً هوَى فاقْتَمَّه الأسَدُ
وأخذ البيت الأول من ذينك البيتين البحتريّ لفظاً ومعنًى فقال:
يَجري ليدخلَ في غبار تسرُّعيمن ليسَ يَعشُرُ في الرِّهانِ أناتِي
ويَذِيمُني مَن لو ضَغَمتُ قبيلَهيومَ الفخار لطارَ في لَهَواتِي
وهذا من أقبح أخذِ البحتريّ لأنَّه لم يقتصر على المعنى دون اللفظ بل تناولها جميعاً.
مَرثد بن الحارث:
وخيلٍ تُنادِي للطِّعانِ شهدتُهافأكرهتُ فيها الرُّمحَ والجمعُ مُحجِمُ
وأفلَتَني نعمانُ فوتَ رِماحناوفوق قطاة الرّمح أزرقُ لِهْذِمُ
وهذا مثل قول الآخر:
ولَّوا وأرماحُنا حقائبُهمنُكرِهُها فيهمِ وتَنْأَطِرُ
وقال سلمة بن مرَّة الشَّيباني، وكان أسَر امرأ القيس بن عمرو، وكان سلمة بن مرَّة قصيراً دميماً، فأطلق امرأ القيس على الفدَى ثمَّ جاء إليه يطلبه منه فنظرت إليه ابنته فاستزرته وقالت: أهذا الَّذي أسرَ أبي وهو على ما أرى في الدَّمامة والقِصر، فسمع ذلك سلمةُ فقال:
ألا زعمتْ بنتُ امرئ القيس أنَّنيقصيرٌ وقد أعيا أباها قصيرُها
ورُبَّ طويلٍ قد نزعتُ سِلاحَهُوعانقتُهُ والخيلُ تدمَى نحورُها
وقد علمتْ خيلُ امرئ القيس أنَّنيكررْتُ ونارُ الحربِ تغلِي قُدورُها
ولو شهِدتْني يومَ ألقيتُ كَلْكيعلى شيخها ما اشتدَّ منِّي نُكورُها
أبو الوليد الأنصاريّ:
فإنْ لم أُحقِّقْ ظنَّهم بتيقُّنٍفلا سقتِ الأوصالَ منِّي الرَّواعدُ
ويعلَم أكفائي من النَّاس أنَّنيأنا الفارسُ الحامِي الذِّمارَ المُناجدُ
وأنْ ليسَ للأعداءِ عندي غَميزةٌولا طافَ لي منهم بوحشيِ صائدُ
وأنْ لمْ يزلْ لي منذُ أدركتُ كاشحٌعدوٌّ أُقاسيهِ وآخرُ حاسدُ
وله أيضاً:
أولئك قومِي فإنْ تسأليكرامٌ إذا الضَّيفُ ليلاً ألَمْ
عظامُ القُدور لأيسارِهميكُبُّونَ فيها المسنَّ السَّنيمْ
يُواسونَ مولاهمُ في الغِنَىويجمعونَ جارهُمُ إنْ ظلمْ
وله أيضاً:
فإنْ تكُ ليلَى قد نأتْك دِيارُهاوضنَّتْ بحاجات الفؤاد المتيَّمِ
فما حبلُها بالرَّثِّ عندي ولا الَّذييغيِّرُهُ نأيٌ وإنْ لم تكلَّمِ
لعمرُ أبيكِ الخيرِ ما ضاعَ سرُّكملديَّ فتَجْزيني بِعاداً وتَصْرِمي
ولا ضقتُ ذرعاً بالهوَى إذ ضمنتُهُولا كُظَّ صدري بالحديث المكتَّمِ
فإنْ كنتِ لمَّا تَخْبُرينا فسائليذوي العلمِ عنَّا كَي تُنَبَّيْ وتعلَمي
لعمركِ ما المعترُّ يأتي بلادَنالنمنعهُ بالضائع المتهضَّمِ
ولا ضيفُنا عند القِرَى بمدفَّعٍولا جارُنا في النَّائباتِ بمسْلَمِ
وما السَّيِّدُ الجبَّارُ حينَ يريدُنابكيدٍ على أرماحِنا بمحرَّمِ
نُبيحِ حِمَى ذي العِزّ حتَّى نكيدَهُونحمِي حِمانا بالوشيج المقوَّمِ
ونحنُ إذا لم يُبرمِ النَّاسُ أمرَهُمنكونُ على أمرٍ من الحقِّ مبرُمِ
وأمَّا قوله: " وما السيد الجبار " البيت، فمثل قول عنترة ولا ندري أيّهما أخذ من صاحبه:
فشككْتُ بالرّمحِ الأصمِّ ثيابَهُليسَ الكريم على القَنا بمحرّمِ
وهو شبيه بقول بعض بني تغلب:
نُعاطِي الملوكَ الحقَّ ما قصدوا بنافليسَ علينا قتلُهم بمحرَّمِ
ولنا بيت مثله من قصيدة في أهل البيت، ﵈، نُخاطب بها مولانا الحسين ﵇:
بِك صارَ عنترُ صادقاً في قولهليس الكريمُ على القَنا بمحرَّمِ
وهذا من جيّد التَّضمين ونادره.
وللأنصاريّ:
ألم تذَرِ العينُ تَسهادَهاوجَرْيَ الدُّموع وإنفادَها
تذكَّرُ شعثاءَ بعدَ النَّوَىومُلقَى خيام وأوتادَها
فإمَّا هلكتُ فلا تنكِحيخَذولَ العشيرة حَسَّادَها
برَى مدحهُ شتمَ أعراضهاسَفاهاً ويُبغضُ من سادَها
وإنْ عاتَبوه على مِرّةٍونابتْ مُبيَّتةٌ زادَها
وأحملُ إنْ مَغرَمٌ نابَهاوأضربُ بالسَّيف مَن كادَها
أهزُّ القَنا في صُدورِ الكُماةِ حتَّى أُكسِّرُ أعوادَها
سأُوتِي العشيرةَ مِيعادَها الكريمَ وأُكْذِبُ إيعادَها
ومثل هذا البيت قول الآخر:
وإنِّي وإنْ أعدْتُهُ أو وَعدتُهُلمخلفُ إيعادِي ومُنجزُ مَوعِدي
وله أيضاً يهجو:
أبلِغْ هَوازنَ أعلاها وأسفلَهاأنْ لستُ هاجِيها إلاَّ بما فيها
قبيلةٌ ألأمُ الأحياء أكرمُهاوأغدرُ النَّاس بالجِيران وافِيها
وشرُّ مَن يحضُر الأمصارَ حاضرُهاوشرُّ بادِية الأعراب بادِيها
تبلَى عظامهمُ في القبرِ إنْ دُفنواتحتَ التُّرابِ ولا تبلَى مَخازيها
كأنَّ أسنانَهم مِن خُبثِ طِعمَتِهمأظفارُ خاتنةٍ كلَّت مَراسيها
عمرو بن براقة:
ناديتُ هَمْدانَ والأبوابُ مغلقةٌومثلُ هَمْدانَ سنَّى فتحةَ البابِ
كالهِندُوانيّ لم تُفللْ مضاربُهُوجهٌ جميلٌ وقلبٌ غيرُ وجَّابِ
زيد بن جُندب الخارجيّ لمَّا وقع الخُلف بين أصحاب قَطَريٍّ:
قلْ للمحلِّينَ قد قرَّتْ عيونكمُبفُرقة الحقِّ والبغضاء والهَرَبِ
كنَّا أُناساً على دِينٍ ففرَّقناقَدْعُ الكلام وخلطُ الجِدّ باللَّعبِ
إنِّي لأهوَنُكم في الأرضِ مُضطرباًمالِي سوَى فَرَسي والرُّمح من نَشَبِ
هرم بن عمير التغلبيّ:
إنِّي امرؤٌ هدمَ الإقتارُ مأثُرتيواجتاحَ ما بنَتِ الأيَّامُ من خَطَري
أرُومةٌ عطَّلتْني من مكارمِهاكالقوس عطَّلها الرَّامي من الوَتَرِ
نَهَى قلوبَ الغواني عن مُواصَلَتيما يفجأُ العينَ من شَيبي ومن قِصَري
أمَّا قوله: " أرومة عطَّلتني " البيت، فأخذه البحتريّ وجوَّده بقوله:
والصُّنع إذ يرتجيه آمِلُهمُرْجًى إلى أن يسوقَهُ قَدَرُهْ
أُخرى: مُرْبًى:
كالسَّهم لا يكتفي بوحدتِهِالقانصُ حتَّى يُعينَه وَتَرُهْ
وأخذه آخر فقال:
يا كاسرَ الطَّرف علىكُحلٍ وسِحرٍ وحَوَرْ
أفْردتَني والقوسُ لاتصلحُ إلاَّ بوَتَرْ
مطرِّف بن جَعْوَنة الضَّبِّيّ:
لقد كنتَ في قومٍ عليك أشِحَّةٍبنفسك إلاَّ أنَّ من طاحَ طائحُ
مثله للمشرك الموصليّ:
يَودُّون لو خاطُوا عليك جلودَهمولا يدفعُ الموتَ النُّفوسُ الشَّحائحُ
ودونه في المعنى قول العلويّ الكوفيّ:
أيَّامَ كنتُ من الغواني كالسَّواد من القلوبِ
لو يستطعْنَ خَبأنَنيبين المخَانق والجيوبِ
وفي ضدّ هذا المعنى قول بشَّار:
وصاحبٍ كالدُّمَّل المُمِدِّحَمَلتهُ في رقعةٍ من جِلدي
طفيل الغنويّ:
ولستُ بمندمجٍ في الفِراشِ رَجَّابةٍ يَحْتَمي أن يُجيبا
ولا ذِي هَماهِمَ عند الحياضِإذا ما الشَّريبُ أربَّ الشَّريبا
الأحنف بن قيس:
أنا ابنُ الزَّافِرِيَّة أرْضَعَتنيبثدْيٍ لا أجدَّ ولا وخيمِ
أتَمَّتْني ولم تنقُصْ عظامِيولا صوتِي إذا اصطكَّ الخصومُ
متيم بن عمرة النَّهشليّ:
أولئك قومِي باركَ اللهُ فيهمُعلى كلِّ حالٍ ما أعفَّ وأكرَمَا
جُفاةُ المحَزّ لا يصيبونَ مفصِلاًولا يأكلونَ اللَّحمَ إلاَّ تخذُّما
يقول: هم ملوك ولهم كفاةٌ فهم لا يحسنون تقطيع اللحم ولا غيره ممَّا يؤكل، وهذا الوصف لغير الملوك ذمٌّ لأنَّهم يصفون الرّجل الحازم بفَلّة الحزّ وإصابة المفصِل، وما يريدون في هذا الفصل أيضاً اللحم بل هي استعارةٌ حسنةٌ، ومثل المعنى الَّذي ذكرناه قول الآخر:
يَبيع ويَشتري لهمُ سواهُمولكنْ بالرِّماحِ همُ تَجارُ
ومن المعنى المتقدّم في إخطاء المفصل في اللَّحم دون غيره قول طَرَفة:
وصُلْع الرّءوس عِظام البطونِجُفاةُ المحَزِّ غلاظُ القَصَرْ
ذكر أنَّ لبس البيض والمغافر ومداومتهم لذلك قد صلع رؤوسهم كما قال الخزرجيّ أبو قيس بن الأسلت:
قد حصَّتِ البيضةُ رأسي فماأطعَمُ غَمضاً غيرَ تهجاعِ
وقوله: " عظام البطون غلاظ القصر " فهو مدح للملوك وذمٌّ للصعاليك والفرسان، ومن المعنى المتقدّم قول الآخر:
من آل المُغيرة لا يَشهدونَ عند المَجازر لحم الوضَمْ
ومثله:
لا يمسكُ المالَ إلاَّ ريثَ يُرسلُهُولا يلاطمُ عند اللَّحم في السُّوقِ
وقريب منه:
ليسَ براعِي إبلٍ ولا غَنَمْولا بجزَّارٍ على ظَهر وَضَمْ
مثله للشَّنفرَى:
وكفّ فتًى لم يعرفِ السَّلْخَ قبلهاتجورُ يداه في الإهاب وتخرجُ
زهير بن أبي سُلمى:
وذي خَطَلٍ في القولِ تحسِب أنَّهمُصيتٌ فما يُلممْ به فهْوَ قائلُهْ
عَبأتَ له حِلماً وأكرمتَ غيرهُوأعرضتَ عنهُ وهْوَ بادٍ مَقاتلُهْ
عمرو بن كلثوم:
وكنتُ امرأً لو شئتَ أنْ تبلغَ النَّدىبلغتَ بأدنَى نعمةٍ تستديمُها
ولكنَّ فطامُ النَّفس أثقلُ محمِلاًمن الصَّخرةِ الصَّمَّاء حين ترومُها
مثله:
وشديدٌ عادةٌ مُنْتَزَعَهْ
العُجير السَّلوليّ يصف نفسه بالخَطابة:
ومنهنَّ قرعِي كلَّ بابٍ كأنَّمابه القومُ يَرجونَ الأذِينَ نُسورُ
فجئتُ وخصمِي يصرفونَ نُيوبَهمكما قُصِّبَتْ بين الشِّفار جَزورُ
لدَى كلَّ موثوقٍ به عند مثلِهاله قَدَمٌ في النَّاطقينَ خطيرُ
جَهيرٌ وممتدُّ العنان مُناقلٌبصيرٌ بعوراتِ الكلامِ خَبيرُ
لوَ أنَّ الصُّخورَ الصُّمَّ يسمعنَ صوتَهُلرُحنَ وفي أعراضهنَّ فطُورُ
مثله لعوانة بن ميمون القينيّ:
ألا ليتَ أُمَّ الجَهْم واللهُ سامعٌرأتْ حيثُ كانت بالعراقِ مَقامِي
عشيَّةَ عنَّ النَّاسَ صَمتي ومَنطقيوبذَّ كلامَ النَّاطقينَ كلامِي
مثله لخلف الأحمر يمدح خطيباً:
له حنْجَرٌ وحبٌ وقولٌ منقَّحٌوفصلُ خطابٍ ليس فيه تشادُقُ
إذا كانَ صوتُ المرء خلفَ لهاتِهِوأنحَى بأشداقٍ لهنَّ شقاشِقُ
وقبقبَ يحكي مُقرَماً في هِبابِهفليسَ بمسبوقٍ ولا هو سابقُ
مثله أو قريب منه:
وإذا خطبتَ على الرِّجال فلا تكنْخَطِلَ الكلامِ ولا تكنْ مُختالا
واعلمْ بأنَّ من السُّكوت لَبانَةًومن التَّكلُّف ما يكونُ خَبالا
مرداس بن عامر:
تمنَّى أبو العَفَّاق عندي هَجمةًتسهِّلُ مأوَى كيلِها بالكلاكلِ
ولا عَقلَ عندي غيرُ طعنِ نوافذٍوضربٍ كأشداق الفِصال الهَوادلِ
وسبٍّ يودّ المرءُ لو ماتَ قبلَهُكصَدْع الصَّفا فلَّقتهُ بالجنادِلِ
سُويد بن أبي كاهل ونظنّها لغيره:
أبا ضُبَيعةَ لا تعجِلْ بسيِّئةٍإلى ابْن عمِّكَ واذْكرْهُ بإحسانِ
إمَّا ترَاني وأثوابي مُقاربةٌليستْ بخزٍّ ولا من نَسْج كتَّانِ
فإنَّ في المجدِ هَمّاتي وفي لُغَتيعُلْوِيَّةٌ ولِساني غيرُ لحَّانِ
الأسْلَع الطُهَويّ:
فداءٌ لقومِي كلُّ معشَر جارِمٍطريدٍ ومخذول بما جرَّ مُسلَمِ
همُ ألْجَموا الخصمَ الَّذي يستَضِيمُنيوهم فَصموا حِجْلي وهم حقَنوا دَمِي
بأيدٍ يفرِّجْنَ المَضيقَ وألسُنٍسلاطٍ وجمْعٍ ذي زُهاءٍ عرمرَمِ
إذا شئتَ لم تعدمْ لدَى الباب منهمُجميلَ المُحيَّا واضحاً غيرَ توأمِ
ابن رِبْعٍ الهذليّ عبد مناف:
أعَينِي ألا أبكِي العامريَّ فإنَّهوَصولٌ لأرحامٍ ومِعطاءُ سائلِ
فأُقسمُ لو أدركتُهُ لَحَميتُهُوإنْ كانَ لم يتركْ مقالاً لقائلِ
وقافيةٍ قِلتْ لكم لم أجدْ لهاجَواباً إذا لم تَضْرِبوا بالمناصِلِ
فأنطقَ في حقٍّ بحقٍّ ولم يكنْليرْحَضَ عنكم قالةَ الخِزْيِ باطِلِي
هذا مثل قول الآخر، عمرو بن معد يكرب:
فلو أنَّ قومِي أنْطَقَتْني رِماحُهمنطقتُ ولكنَّ الرِّماحَ أجرَّتِ
أبو الأسود القريعيّ ورُويت لغيره:
فتى مثلُ صفو الماء ليس بباخلٍعليك ولا مُدْلٍ ملاماً لباطلِ
ولا قائلٍ عوراءَ تُؤذي رفيقَهولا رافعٍ رأساً بعوراءِ قائلِ
ولا مُسلمٍ مولًى لأمرٍ يضيمُهُولا مُخلطٍ مُصيباً بباطِلِ
ولا رافعٍ أحدوثةَ السَّوء مُعجباًبها بين أيدي المجلسِ المتقابلِ
أعرابيّ:
فإنْ أهلِكْ فقد أبقيتُ بعدِيقوافيَ تُعجبُ المتمثِّلينا
لذيذاتِ المقاطعِ مكحماتٍلَوَ أنَّ الشِّعرَ يُلبسُ لارْتُدينا
عمرو بن وابصة:
ومَوقفٍ مثل حدِّ السَّيف قمتُ بِهِأحمِي الذِّمارَ وتَرميني بِهِ الحَدَقُ
فما زَللْتُ وما أُلفيتُ ذا خطَلٍإذا الرِّجالُ على أمثالها زَلَقوا
عمر بن لَجَأٍ:
كَسَا اللهُ حيَّ تغلب ابْنة وائلٍمن اللُّؤمِ أظفاراً بطيئاً نصولُها
إذا ارتحَلُوا عن دار ذُلٍّ تعاذَلُواعليها وردُّوا بعضَهم يستقيلُها
عمر بن لَجَأٍ أو صفوان بن عبد يالِيل:
فسائل عامراً عنَّا جميعاًبأعلى الجِزع من وادي مِلاحِ
عشيّة لم يكن للرُّمح حظٌّوكانَ الحظُّ فيه للصِّفاحِ
وأفْلتَنا أبو ليلَى طُفيلٌصحيحَ الجِلد من أثرِ السِّلاحِ
هذا من الهجاء الممضّ الشَّديد لأنه قال: أفلتَنا طفيل ولم يُجرح، يريد أنَّه هرب قبل التقائنا وهذا من أشدّ الهجاء عندهم.
أبو البلاد الطّهويّ:
وإنَّا وجدنا النَّاسَ عُودَين طيِّباًوعُوداً خَبيثاً لا يَبِضُّ على العصرِ
يَزينُ الفتَى أخلاقُهُ وتَشينُهُوتُذكرُ أخلاقُ الفتَى وهو لا يدرِي
بشامة بن الغدير:
قالتْ أُمامةُ يوم بُرقَة ضاحكٍيا بنَ الغديرِ لقد جعلتَ تَغَيَّرُ
أصبحتَ بعد زمانك الماضي الَّذيذهبتْ بشاشتُهُ وغُصنُكَ أخضرُ
شيخاً دِعامتُك العصا ومُشيِّعاًلا تبتَغِي خبَراً ولا تُستخبَرُ
الحارث بن حِلِّزة:
لا أعرفنَّكَ إنْ أرسلتُ قافيةًتُلقِي المعاذيرَ إذْ لم تنفعِ العِذَرُ
إنَّ السَّعيدَ له في غيرِهِ عِظةٌوفي التَّجارب تحكيمٌ ومعتَبَرُ
مالك بن تاجرة العبديّ ورويت لغيره:
ونحنُ بنو الفحل الَّذي سالَ بولُهُبكلِّ بلادٍ لا يبولُ بها فحلُ
أبَى النَّاسُ والأقوامُ أن يَحسُبُوهمُفكلُّ كثيرٍ عند قُلِّهم قُلُّ
ومثله قول الآخر:
أرَى كلَّ قومٍ قارَبوا قيدَ فَحْلهمونحنُ خلعْنا قيدَهُ فهْوَ ساربُ
وأمَّا قوله:
وإنْ غضِبُوا سدُّوا المشارقَ بالقَناوبالبِيضِ تُمضيها غَطارفةٌ بُسلُ
فقد تناوله بشَّارٌ فقال:
إذا ما غضبْنا غضبةً مُضَريَّةًهتكْنا قِناع الشَّمس أو مطرتْ دَمَا
وما أقربه من قول جرير:
إذا غضبَتْ عليك بنو تميمٍرأيتَ النَّاسَ كلَّهمُ غِضابا
حارثة بن بدر الغُدانيّ:
هو الشَّمسُ إلاَّ أنَّه للشَّمس غَيبةًوهذا الفتَى العمريُّ ليسَ يغيبُ
يروحُ ويغدُو ما يفترُّ ساعةًوإنْ قيلَ ناءٍ منكَ فهْوَ قريبُ
هذا مثل قول أخت المنتشر ترثيه:
لا يأمنُ النَّاسُ مُمساهُ ومصبَحَهُمن كلِّ أوبٍ وإنْ لم يغزُ يُنتظرُ
مثله قول عُروة بن الورد:
مُطلاًّ على أعدائِهِ يزجرونَهُبساحتهم زجرَ المَنيح المشهَّرِ
إذا بَعُدوا لا يأمنونَ اقترابَهُتشوُّفَ أهل الغائب المتنظَّرِ
ما نعرف شيئاً من الشعر القديم ولا المحدَث يلحقه من العيب على تقدُّم صاحبه وإجماع العلماء على تفضيله في الشِّعر وحذقه به مثل هذه الأبيات وهي للكُميت بن زيد يمدح بها النَّبيّ ﷺ، وهي:
فاعْتَتَبَ الشَّوقُ من فؤادي والشِّعرُ إلى مَن إليه يُعْتَتَبُ
إلى السِّراج المُنيرِ أحمدَ لاتعدِلُني رغبةٌ ولا رَهَبُ
عنهُ إلى غَيره ولو رفَعَ النَّاسُ إليَّ العيونُ وارْتَقَبوا
وقيلَ أفرطتَ بل قصدتُ ولوعنَّفَني القائلونَ أو ثَلَبوا
إليكَ يا خيرَ مَن تضمَّنتِ الأرضُ ولو عابَ قوليَ العُيَبُ
لَجَّ بتفضيلك اللّسانُ ولوأُكثرَ فيه اللَّجاجُ والصَّخَبُ
هذا الشِّعر من غرائب الحُمق، من رأى شاعراً مدح النَّبيّ ﷺ فاعترض عليه أحدٌ من جميع أصناف المسلمين حتَّى يزعم أنَّ ناساً يعيبونه ويثلبونه ويعنِّفونه؟ وله شبيهٌ بهذا في مرثيَّة رثى بها النَّبيّ ﷺ يقول فيها:
وبورِك قبرٌ أنتَ فيه وبوركتْبه وله أهلٌ لذلك يثربُ
لقد غيَّبوا بِرّاً وحزماً ونائلاًعشيَّة واراك الصّفيحُ المنصَّبُ
وهذا شعرٌ يصلح أن يُرثى به عامة النَّاس غير النبي.
ابن جَهْوَر يرثي قوماً من أهله:
كم فيهمُ لو تملَّينا حياتَهمُمن فارسٍ يومَ روع الحيّ مِقدامِ
ومن خطيبٍ غداة الفخر مُرتجلٍثبْتِ المقام أريبٍ غير مِفْحامِ
وله أيضاً:
وما خيرُ من لا ينفعُ الأهلَ عيشهُوإنْ ماتَ لم يجْزَعْ عليه أقاربُهْ
كَهامٌ عن الأقصى كليلٌ لسانهُوفي بشر الأدْنى حِدادٌ مخالبُهْ
معاذ بن عامر:
مُطِلاًّ على أعدائه يزجرونهبساحتهم زجرَ المنيح المشهّرِ
إذا بعدوا لا يأمَنون اقْترابَهتشوُّفَ أهل الغائب المتنظَّرِ
ما نعرف شيئاً من الشعر القديم ولا المحدث يلحقه.
تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وغايتيإلى أجلٍ أقصى مَداهُ قريبِ
وما رغبتي في آخر العيش بعدمالبستُ شبابي كلَّه ومَشيبي
وأصبحتُ في قومٍ كأنْ لستُ منهمُوبادَ شُكولي منهمُ وضُروبي
مثله:
وزهَّدَني في صالح العيش أنَّنيرأيتُ لِداتي في المجالس قلَّتِ
مثله:
إذا ما مضى القرنُ الَّذي كنتَ منهمُوخُلِّفتَ في قرنٍ فأنتَ غريبُ
المتلمّس:
إلى كلّ قومٍ سُلَّمٌ يُرْتقى بهوليس إلينا في السَّلاليم مَطْمعُ
ويهربُ منّا كلُّ وحشٍ وينتميإلى وحْشنا وحشُ الفَلاة فيرْتَعُ
عُطارد بن قُرّان:
ولا يلبثُ الحبلُ الضّعيفُ إذا التويَوجاذَبه الأعداءُ أن يتجذَّما
وما يستوي السَّيفانِ سيفٌ مؤنّثٌوسيفٌ إذا ما عضَّ بالعظم صمَّما
عبد الحارث بن ضِرار:
وعمرٌو إذْ أتانا مُستميتاكسَونا رأسَهُ عضْباً صقيلا
فلولا اللَّيلُ ما آبوا بشخصٍيُخبِّرُ أهلَهم عنهم قتيلا
مثله لآخر:
يا شدَّةً ما شدَدْنا غير كاذبةٍعلى سخينةَ لولا اللَّيلُ والحرَمُ
مثله:
فلولا اللَّيلُ والمهرُ المُفدَّىلأُبتَ وأنتَ غِربالُ الإهابِ
خَمْخام السَّدوسيّ:
وإنّا بالصُّلَيب صُلَيب نجدٍجميعاً موقِدونَ به لَظانا
نُدَخِّنُ بالنّهار ليُبصروناولا نَخفى على أحدٍ بَغانا
يقول: ظهرْنا لعدوّنا فكنّا نوقد النار في اللَّيل ليراها من يريدنا وندخِّن بالنّهار لئلاّ نخفى وهو من أعظم الفخر، وقريبٌ منه قول الأخطل:
وما تركتْ أسيافُنا حين جُرِّدتْلأعدائنا قيسِ بن عَيلان من عُذْرِ
يقول: لقيناهم نهاراً فلم نجعل لهم عذراً يحتجُّون به ويقولون كانت كبسة أو مُخاتلة.
نُعَيم بن خير البكريّ:
فتلك ثيابي لم تُدَنَّسْ بغدْرَةٍوورْىُ زنادي في ذُرى المجد ثاقبُ
ولو صادفتْ عوداً سوى عود نبعةٍوهيهاتَ أفْنَتْهُ الخطوبُ النَّوائبُ
جرير يهجو بني حنيفة:
أبناءُ نخلٍ وحيطانٍ ومزرعةٍسيوفُهم خُشُبٌ فيها مساحيها
قطعُ الثِّمار وسقيُ النَّخْل عادتُهمقِدْماً وما جاوزتْ هذا مساعيها
لو قيل أين هوادي الخيل ما عَلِمواقالوا لأعجازها هذي هواديها
أو قيلَ إنّ حِمام الموت آخذُكمأو تُلْجموا فرساً قامت بواكيها
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع