من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)
الهفوات النادرة (١٠)
وحدث ابن جريج قال: كان عبد الله بن صفوان يُطعم كل يوم بمكة الناس في داره سويقاً وتمراً، ويأكل معهم، ثم ينصرف إلى بيته، فجاء يوماً من ذلك وعليه ثوبان وعمامة خزقانية، وقد ضاقت المجالس، فوقف على حلقة من تلك الحلق، وجعل يأكل وهو قائم، فقال له الذي حصل قائماً على رأسه وهو لا يعرفه ما رأيت كاليوم ملانا أذيتنا، فقال له خالد: أيها المرء الأمر أيسر من ذاك، إنما هو آكل ثم انصرف عنك! وعرفه بعد ذاك فقال: هذا أشرف البشر! وندم على مابدر منه، وكان حيث يراه يعتذر إليه.
وحكى ابراهيم بن إسحق الموصلي قال: غنيت بين يدي الرشيد وستارته مضروبة:
وأرى الغواني لا يواصلنَ أمرأًفقد الشباب وقد يصلن الأمردا
فقال: يا عاض كذا وكذا أتغني هذا وجواري أمير المؤمنين من وراء الستارة يسمعنه! لولا حرمتك لضربت عنقك! قال: فتناسيت الصوت من بعد حتى أنسيته.
وحدث أبو ظبيان الحماني قال: اجتمعت جماعة من الحي على شراب فتغنى أحدهم بشعر حسان:
إن التي عاطيتني فرددتهاقتلتْ قتلتَ فهاتها لم تقتلِ
كلتاهما حلبُ العصيرِ فعاطنيبزجاجةٍ أرخاهما للمفصلِ
فقال أحدهم: ما معنى قوله "إن التي" فجعلها واحدة، ثم قال "كلتاهما حلب العصير" فجعلهما اثنتين؟ فلم يكن عند أحدهم جواب، فقال: امرأته طالق ثلاثاً إن بات الليلة أو يسأل القاضي عبيد الله بن الحسن عن هذا! فأسقط في أيديهم ليمينه، واجتمعوا وقصدوا القاضي وهو في مسجده يصلي بين العشاءين، فلما سمع حسهم أوجز في صلاته، وأقبل عليهم فقال: ما حاجتكم؟ فبدأ أحدهم وكان أحسنهم هيئة فقال له: قد جرى من صاحبنا هذا زلة لسان وهفوة إنسان بطلاقٍ لزوجته أوجبه عليه، فاقتضى انطلاقنا ب نحو القاضي والقدوم عليه، فإن أذن لنا القاضي شرحنا اله ورجونا فيه تفضلك؟ فقال: قل ماهذا؟ فشرح له القصة، فقال القاضي: أما قوله "إن التي عاطيتني" فإنه عنى الخمرة، وأما قوله "كلتاهما حلب العصير" فعنى الخمر والماء الذي مزجت به، فالخمر عصير العنب، والماء عصير السحاب، قال الله تعالى: (وأنزلنا من المعصراتِ ماءَ ثجّاجا) انصرفوا إذا شئتم، فانصرفوا.
حدثنا أبو منصور محمد بن عبد العزيز العكبري قال: حدثني أبو عبد الله البشير البصري، وكان صاحب خبر القادر بالله، قال: وقع بين أبي الحسن ابن سكرة الهاشمي الشاعر وزوجته بنت أبي تحفة الهاشمية لأجل خمرة المغنية وميله إليها، فاستعدت زوجته إلى أبي القاسم بن أبي تمام الزيني نقيب الهاشميين، فأحضره وألزمه إرضاءها أو طلاقها، فقال لها: مارضاك؟ قالت: أن تحلف بطلاقي أنك لا تجتمع معها ولا تقربها، فإن فعلت خلصت منك وانصرفت عنك! فاغتاظ منها وحلف بطلاقها على ذاك، وأضاف إليه أنه يهجوها كل يوم، فكانت زوجته لا تدعه يخرج من البيت حتى يهجوها، وتزوجت خمرة بإنسان يعرف بابن طومار، فاتفق أن جاء ابن طومار إلى أبي إسحق الطبري الشاهد المقرئ المحدث، ودخل ابن سكرة وهو لا يعرف ابن طومار، فقال له أبو إسحق: ما خبرك وما عندك؟ فقال: أمسكتني بنت أبي تحفة الساعة ولم تدعني أخرج حتى قلت:
خمرةُ من سخنةَ عينِ أستِهاتنتفُ من حولٍ إلى حولِ
فقد غلتْ شعرتُها واغتلتْفهيَ إذاً هولٌ منَ الهولِ
كأنها من خشنها ليفةٌشُدتْ بها قارورة البولِ
فقال له أبو إسحق الطبري: هذا زوجها، وقد سمعك! فاستحيا ونكس رأسه، ثم قال له: فلي ينطح أو لك! ونهض فخرج.
وحدث محمد بن اسماعيل بن موسى الهادي قال: كنت عند المعتصم وعنده علويه ومخارق ومحمد بن الحارث وعقيد، فتغنى عقيد، وكنت أضرب عليه:
نام عذالي ولم أنمِواشتفى الواشونَ من سقمي
وإذا ما قلتُ بي ألمٌشكَّ من أهواه في ألمي
فطرب المعتصم وقال: لمن الشعر والغناء؟ فلم يجبه أحد، فقلت: لعلية، فأعرض عني، فتبينت غلظي، وأن القوم اعتمدوا الإمساك، وقطع بي، فتبين حالي فقال: لا ترع يا محمد، فإن نصيبك منها مثل نصيبنا!
حدثني أبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قال: حدثني أبو علي الحسن بن شهاب الحنبلي ابن عم والدتي من حفظه قال: استدعى هشام بن عبد الملك بن مروان زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵈ وهو مكبل بالحديد، وقال له: يابن السوداء! فقال زيد: صبغة جلدها وخلقة ربها، قال: يا بن العجانة الخبازة! فقال: مهنة أهلها وخدمة بيتها، قال: يا بن الزانية! فقال: إن كنت صادقاً فغفر الله لها، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك! فأسقط هشام وعلم أنه أساء، وخجل ونكس رأسه، وأمر به فأعيد إلى محبسه.
وحدث ابراهيم بن المهدي قال: ما خجلت قط خجلي يوماً دخلت لى عُلية أُختى عائداً فقلت: كيف أنت جعلت فداك؟ وكيف كانت حالك وما خبرك مما كنت تشكينه؟ فقالت: بخيرٍ والحمد لله، ووقعت عيني على وصيفة قائمة على رأسها تذب عنها، فأعجبتني وشغلت بالنظر إليها، وأطلت ثم استرجعت فرددت نظري إلى علية عنها، وأنسيت أني قد تعرفت أخبارها، فقلت: كيف كنت يا أختي وما خبرك وحالك مما كنت تجدينه؟ فرفعت رأسها إلى حاضنة ها قائمة على رأسها وقال لها: أليس قد مضى هذا مرة وأجبنا عنه! فخجلت خجلاً ما خجلت مثله قط، وقمت فانصرفت.
وكان يعقوب بن المهدي لا يقدر أن يمسك الفساء، فاتخذت داية له مثلثة من الطيب وتنوقت فيها فلما وضعتها تحته فسا، وشمَّ المثلثة فقال لها: ماهي طيبة! فقالت له: يا سيدي لما كانت مثلثة كانت طيبة، فلما ربعتها صارت ليس بطيبةٍ!.
وكان محمَّقاً مع ذلك: كان يخطر بباله شيء فيشتهيه فيثبته فيما له، فضج الخازن من ذاك، فكان ذا كتب شيئاً من ذاك كتب الخازن تحته: "ليس هذا له وإنما اشتهاه! ".
ووجد له دفتر فيه ثبت ثياب: "ثبت ما في الخزانة من الثياب المثقلة الإسكندرية الهاشمية: لا شيء! أستغفر الله، بلى عندنا منها زر من جبة كانت للمهدي؛ الفصوص: الياقوت الأحمر التي من حالها وصفتها كذا وكذا: لا شيء! أسغفر الله، بلى عندنا درج كان فيه خاتم للمهدي هذه صفته .. " فحمل إلى المأمون هذا الدفتر، فضحك لما قرأه حتى فحض برجليه وقال: ما سمعت بمثل هذا قط!.
وروى أحمد بن ابراهيم بن اسماعيل عن أبيه قال: كان عند المهدي رجل من بني مروان فدخل إليه وسلم عليه، فأتي المهدي بعلج فأمر المرواني بضرب عنقه، فأخذ السيف وضربه، فنبا السيف عنه، فدحا به المرواني وقال: لو كان من سيوفنا ما نبا! فسمعه المهدي فاغتاظ حتى تغير وجهه، فقام يفطين وأخذ السيف، وحسر عن ذراعيه، وضرب العلج فرمى رأسه، وقال يا أمير المؤمنين إن هذه السيوف سيوف الطاعة لا تعمل إلا في أيدي الأولياء، فلا تعمل في أيدي أهل المعصية! ثم قام أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين قد حضرني بيتان أتأذن في إنشادهما، فقال: قل، فقال:
أيهذا الإمامُ سيفُك ماضٍوبكفِّ الوليِّ غيرُ كهامِ
فإذا ما نبا كبفٍّ علمناأنها كفُّ مبغضٍ للإمامِ
فقام المهدي عن مجلسه وأمر بقتل المرواني، فقتل.
وحدث ابن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: قدم رجل من سلول على قتيبة بن مسلم بكتاب عامله بالري المعلى ابن عمرو المحاربي، فرآه قدامة بن جعدة المخزومي، وكان صديقاً لقتيبة، فدخل عليه، فقال له: ببابك الأم العرب: سلولي رسول محاربي إلى باهلي! فتبسم قتيبة مغيظاً، وكان قدامة بن جعدة يشرب الخمر ويعاشر عليا الأقيشر، فقال قتيبة: علي بمرداس بن جذام الأسدي، فدعي به، فقال له: أنشدنا ما قال الأقيشر في قدامة وهما بالحيرة، فقال:
ربَّ ندمانٍ كريمٍ سيدِماجدِ الجدين من فرعي مضرْ
قد سقيتُ الكأس حتى هرهالم يخالطْ صوها منه كدرْ
قلتُ: قم صلِّ، فصلى قاعداًيتغشاه سماديرُ السكرْ
قرنَ الظهرَ مع العصر كماتقرنُ الحقةُ بالحق الذكر
ترك الطور فلم يقرأ بهاوقرأ الكوثر من بينِ السورْ
فتغير وجهُ قدامة وخجل، فقال له قتيبة: هذه بتلك والبادي أظلم!.
وحدث جعفر بن قدامة قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال كان علويه يغني بين يدي الأمين فغنى:
ليتَ هنداً أنجزتنا ما تعدْوشفتْ أنفسنا مما تجدْ
واستبدتْ مرةً واحدةًإنما العاجزُ من لا يستبِد
فقال الأمين: قد عرض بأخي المأمون وقصده لي ومحاربته إياي! وقيل: بل الفضل بن الربيع قال له ذلك، فتقدم بأن يجر ن بين يديه وأن يضرب خمسين سوطاً!
وحدث علويه قال: كنت مع المأمون لما خرج إلى الشام، فدخلنا إلى دمشق وطفنا فيها، وجعل يطوف على صور بني أمية ويتتبع آثارهم، فدخل صحناً من صحونها فإذا هو مفروش بالرخام الأخضر كله، وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك، وبين يديها بستانٌ على أربع زواياه أربع سرواتٍ كأنها قصتْ بمقراضٍ من التفافها أحسن ما رأيت من السرو قداً وقدراً! فاستحسن ذلك وعزم على الصبوح، وقال: هاتوا إلي الساعة طعاماً خفيفاً، فأُتي ببزماوردٍ فأكله، ودعا بالشراب، وأقبل علي فقال: غنني ونشطني، فكأن الله ﷿ أنساني جميع ما أحفظه إلا هذا الصوت:
لو كان حولي بنو أمية لمينطقْ رجالٌ أراهم نطقوا
فنظر إليَّ مغضباً وقال: عليك لعنة الله وعلى بني أمية، ويلك قلت لك سرني أم سؤني! ألم يكن لك وقت تمدح فيه بني أمية إلا هذا الوقتَ! فتجلدت عليه، وعلمت أني قد أخطأت فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية، هذا مولاكم زرياب عندهم يركب في مائتي غلامٍ مملوك له، ويملك ثرثمائة ألف دينار وهبوها له سوى الضياع والخيل والرقيق، وأنا عندكم أموت جوعاً! فقال: ما وجدت شيئاً تذكرني به نفسك غير هذا؟ فقلت: هكذا حضرني حين حضرتهم! فقال: اعدل عن هذا وتنبه ى إرادتي، وغنِّ، فأنسيت كل شيء كان قد علق بحفظي إلا هذا الصوت:
الحينُ ساقَ إلى دمشقَ ولم أكنأرضى دمشقَ لأهلنا بلدا
فرماني بالقدح فأخطأني، وانكسر القدح وقال: قم عني إلى لعنة الله وحرِّ سقره! وقام فركب فكانت والله تلك الحال آخر عهدي به حتى مرض ومات.
وكان خالد بن عبد الله القسري قدم على هشام بن عبد الملك، فأخذ يصف له طاعة أهل اليمن وحسن موالاتهم ونصيحتهم، فصفق عمر ابن يزيد يده على يده الأخرى حتى سمع لها في الإيوان دوي، وقال لهشام: كذب والله يا أمير المؤمنين، ما أطاعت اليمانية ولا نصحت قط! أليسوا أعداءك وهم أصحاب يزيد بن المهلب وابن الأشعث، والله لا ينعق ناعق إلا أسرعوا الوثبة إليه، فاحذهم يا أمير المؤمنين! فظهر تقبل ذلك في وجه هشام، واضطغنها عليه خالد ابن عبد الله؛ وولي خالد العراق فلم يكن له هم إلا قتل عمر بن يزيد حتى قتله.
ومات ابن للفرزدق صغير، فصلى عليه ثم التفت إلى الناس فقال:
وما نحن إلا مثلهم غير أنناأقمنا قليلاً بعدهم وترحلوا
فمات بعد ذلك بأيام.
وروى محمد بن موسى بن طلحة قال: قال أبو عبيدة: دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
فإن أبا موسى خليلُ محمدٍوكفَّاه يمنى للهدى وشمالُها
فقال له ابن أبي بردة: هلكت والله يا أبا فراس! فقال: وكيف ذاك؟ قال: ذهب شعرك! أين مثل شعرك في سعيد بن العاص والعباس بن الوليد وفلان وفلانٍ، وأسمى قوماً .. فقال له: فجئني بأحساب مثل أحسابهم حتى أقول مثل ما قلت فيهم! فغضب بلال حتى أتى بطست وفيه ماء بارد، فوضع يده ورجليه فيه، ليذهب الغيظ عنه، وتبين الفرزدق غلطه فذهب عقله، وخاطبه جلساؤه في الفرزدق وقالوا له: لا تعجل عليه، فقد كفيت أمره، فإنه هم وصدى اليوم أو غدٍ، وأذهب عنك عار قتله! ففعل، ولم يحل على الفرزدق الحول حتى مات.
قال أبو عبيدة: كان خالد بن عبد الله القسري من أجبن الناس، فخرج إليه المغيرة بن سعيد فعرف ذلك وهو على المنبر بالكوفة، فدهش وتحير وقال: أطعموني ماء! فقال الكميت بن زيد فيه، ويمدح يوسف بن عمر الثقفي:
خرجت لهم تمشي البراح ولم تكنكمن حصنُه فيه الرتاجُ المضببُ
وما خالدٌ يستطعمُ الماءَ فازعاًبعذلكَ والدعي إلى الموتِ ينعبُ
وحدث الصولي قال: حدثني أبو ذكوان قال: حدثني طماس قال: جاء ابن دنقش الحاجب إلى محمد بن عبد الملك برسالة من المعتصم يستحضره بها، فدخل يلبس ثيابه، ورأى ابن دنقش غلماناً لمحمد روقة، فقال وهو يظن أن محمداً بحيث لا يسمعه:
وعلى اللواطِ فلا تؤمنْ كاتباًإن اللواطَ سجيةُ الكتّابِ
فخرج إليه محمد، وقد لبس ثيابه، وقال له:
وكما اللواطُ سجية الكتابِفكذا الخلاقُ سجيةُ الحجابِ
فخجل ابن دنقش واعتذر إليه، فقال له: إنما يقع الاعتذار لو لم يقع القصاص، فأما وقد كافأتك فلا!
وحدثني هرون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: جلس أبي يوماً للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلاً جالساً، فقال له: ألك حاجة؟ قال: تدنيني إليك فإني مظلوم، فأدناه فقال له: أنا مظلوم قد أعوزني الإنصاف! قال: من ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك فأذكر حاجتي! قال: ومن يحجبك عني وقد ترى مجلسي مبذولاً؟ قال: يحجبني عنك هيبتي لك وخوفي منك وطول لسانك وفصاحتك واطراد حجتك! قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك مني غضباً بغير ثمن، وإذا وجب خراجها أديته أنا في الديوان عنك لئلا يثبت لك اسم في الديوان بتصرفك فيها وملكك لها فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي خراجها، وهذا ما لم يسمع مثله في الظلم! فقال له: هذا قول يحتاج إلى بينة وشهود وأشياء غير ذلك! فقال له: تؤمنني من غضبك حتى أجيب؟ قال: قد أمنتك! قال: البينة أطال الله بقاءك هم الشهود، والشهود هم البينة، وأشياء غير ذلك عي منك وحصر وظلم وتغطرس! فضحك منه وقال: صدقت والبلاء موكل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعاً! ووقع له برد ضيعته عليه، وبأن يطلق له كران حنطة وشعيراً ومائة دينار يستعين بها على عمارة الضيعة، وصيره بعد ذلك من أصحابه، واصطنعه لنفسه.
وذكر أبو الفرج الأصفهاني قال: كان عبد الله بن الحسن الأصفهاني يخلف عمرو بن مسعدة على ديوان الرسائل، وكتب إلى خالد بن يزيد ابن مزيد عن المعتصم: "إن أمير المؤمنين ينفخ منك في غير فحمٍ، ويخاطب امرأً غير ذي فهم" فقال محمد بن عبد الملك الزيات: هذا كلام ساقط سخيف جعل أمير المؤمنين ينفخ في الزق كأنه حداد! وأبطل الكتاب ولم ينفذه؛ ثم كتب من بعد محمد بن عبد الملك عن المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: "وأنت تجري أمرك على الأربح فالأربح والأرجح فالأرجح، لا تسعى بنقصان ولا تميل برجحان" فقال عبد الله الأصفهاني: قد أظهر ابن الزيات من سخافة اللفظ ما دل على رجوعه إلى صناعته منت جارته بذكر ربح السلع ورجحان الميزان ونقصان الكيل والخسران من رأس المال! فضحك المعتصم وقال: ما اسرع ما انتصف الأصفهاني من ابن الزيات! وحقدها عليه ابن الزيات حتى نكبه.
ذكر إسحق بن ابراهيم عن معبد قال: استقدمني الوليد بن يزيد، فبينا أنا يوماً في بعض حمامات دمشق إذ دخل علي رجل له هيبة ومعه غلمان له، فأطلى واشتغل به أصحاب الحمام عن سائر الناس، فقلت: والله لئن لم اطلع هذا عل بعض ما عندي لأكونن بمزجر الكلب، فاستدبرته حتى يراني ويسمع مني، ثم ترنمت، فالتفت إلى الغلمان وقال: قدموا إليه جميع ما هاهنا، فصار جميع ما كان بين يديه عندي، وأمر القوام بخدمتي فخدمت وأخرجت، وخرج، وسألني أن أصير إلى داره معه، ففعلت، ولم يدعْ من البر والإكرام شيئاً إلا أولانيه، ثم وضع النبيذ، فجعلت أغني له، ولا آتي بحسنٍ إلا وأتبعه ما هو أحس منه، وهو لا يرتاح لغنائي ولا يحفل بما يسمعه مني، فلما طال عليه أمري قال: يا غلمان، شيخنا شخنا، فأُتي بشيخٍ، فلما رآه هش به وأدناه منه، فأخذ الشيخ العود وغنى:
سلَّور في القدرِ ويلي علُوهجاءَ القطُّ أكلهْ ويلي علُوهْ
السلورُ: السمك الجرِّي بلغة أهل الشام فجعل صاحب المنزل أن يخرج من جلده طرباً، وانسللت منهم فانصرفت ولم يعلم بي، فما رأيت مثل ذلك اليوم غناء أضيع، وشيخاً أجهل.
اسماعيل بن يونس عن أبي هفان قال: حضرت يوماً مجلس بعض القواد الأتراك، وكانت له ستارة فنُصبت، فقال لها: غني لي صوت الخمار الأسود المليح! فلم ندْرِ ما أراد حتى غنت:
قل للمليحةِ في الخمار الأسودِ
ثم قال: غني: إني خربت وجئت أنتقله! فضحكت ثم قالت: كذا يشبهك! ولم ندْر ما أراد فغنت:
إن الخليط أجدَّ منتقله
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان جعفر بن المنصور ويعرف بابن الكردية يستخف مطيع بن إياس، وكان منقطعاً إليه وله منزلة حسنة، فذكر له مطيع حماد الرواية، وكان مطرحاً مجفوا في ايامهم، فقال له حماد دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية، ومالي عند هؤلاء خيرٌ! فأبى مطيعٌ إلا الذهاب به إليه، فاستعار سواداً وسيفاً ثم أتاه فدخل على جعفر فسلم وجلس، فقال له جعفر: أنشدني، قال لمن أيها الأمير؟ فقال: لجرير؛ قال حماد: فسلخ الله تعالى مني شعر جرير أجمع من قلبي إلا قوله:
بان الخليطُ برامتينِ فودعوا
واندفعت أنشده القصيدة حتى بلغت إلى قوله:
وتقول بوزعُ قد دببتَ على العصاهلاَّ هزئتِ بغيرنا يا بوزَعُ
فقال لي جعفر: أعد هذا البيت، فأعدته، فقال: ما هو بوزع؟ قلت: اسم امرأة، قال: امرأة اسمها بوزع! أنا بريء من الله ورسوله ومن العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولة من الغيلان! تركتني والله يا هذا لا أنام الليلة من الفزع ببوزع! يا غلمان اصفعوا قفاه! فصفعت حتى لم أدر أين أنا، ثم قال: جروا برجله، فجُرَّت رجلي حتى أخرجت من بين يديه، وكان أغلظ من ذلك غرامتي ثمن السواد والسيف! فلما انصرفت إلى مطيع وأخبرته قصتي جعل يتوجع لي، فقلت: ألم أخبرك أني لا أصيب من هؤلاء القوم خيراً وأن حظي كان مع بني أمية؟ فعجب مما جرى على لساني من غلطي وزللي الذي اقتضى صفعي وحرماني!
ورد كثير على يزيد بن عبد الملك، فرحب به يزيد، واستنطقه فقال: يا أمير المؤمنين ما يعني الشماخ بقوله:
فما أروى وإن كرمتْ علينابأدنى من موقفةٍ حرونِ
تطيفُ على الرماةِ وتتقيهمبأوعالٍ معقَّفةِ القرونِ
فغضب يزيد من ذاك وقال له: وما يضر أمير المؤمنين يا ماصَّ بظر أمه ألا يعلم هذا! وإن احتاج إلى علمه سأل عبداً مثلك عن مثله! فسكنه من حضر من أهل بيته عن كثير وقالوا: كانت له عادة بمثل هذا أن يلقيه على الخلفاء وأولاد الخلفاء فجرى على تلك السنة، وأنسي ما فيها من سوء التوفيق، ولعمرنا إنه ما كان يحب له أن يبدأ بذاك، فإن أمر بمثله وأذن له فيه قاله! وخزي كثير، ولم يلتفت عليه يزيد.
جحظة عن ميمون بن هرون قال: حدثني بعض من كان مختلطاً بالبرامكة قال: كنت عند ابراهيم بن المهدي وقد اصطبحنا، وعنده عمرو بن بانة وعبيد الله بن أبي غسان ومحمد بن عمرو الرومي وعمرو الغزال، ونحن في أطيب ما كنا عليه إذ غنى عمرو الغزال، وكان ابراهيم بن المهدي يستثقله إلا أنه يتخفف بين يديه ويقصده، ويبلغه عنه تقديم له وعصبية، وكان يحتمل ذاك منه؛ قال: فاندفع عمرو الغزال فتغني في عر محمد بن أمية:
ما تمَّ لي يومُ سرورٍ بمنْأهواهُ، مذ كنتُ، إلى الليلِ
أغبطَ ما كنتُ بما نلتهُمنهُ أتتني الرسلُ بالويلِ
لا والذي يعلمُ كل الذيأقولُ ذي العزةِ والطولِ
ما رمتُ مذ كنتُ لكمْ سخطةًبالغيبِ في فعلٍ ولا قولِ
فتطير ابراهيم، ووضع القدح من يده، وقال: أعوذ بالله من شر ما قلت! فوالله ما سكت حتى دخل حاجبه يعدو، فقال له: مالك؟ فقال: خرج الساعة مسرور من دار أمير المؤمنين حتى دخل على جعفر بن يحيى فلم يلبث أن خرج ورأسه بين يديه، وقُبض على أبيه وإخوته! فقال ابراهيم: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، ارفع يا غلام، ارفع! فرُفع ما كان بين أيدينا، وتفرقنا، فما رأيت عمرو الغزَّال بعدها في دار ابراهيم ةوابن المهدي.
الصولي عن أبي ذكوان عن محمد بن سلام قال: وجه أبو الأسود الدؤلي إلى الحصين بن أبي الحر العنبري جد عبيد الله بن الحسن القاضي، وهو يلي بعض أعمال الخراج لزياد، وإلى نعيم بن مسعود النهشلي، وكان يلي مثل ذلك، برسول وكتب معه إليهما، وأراد منهما أن يبراه، ففعل نعيم بن مسعود ذلك، ورمى الحصن بن أبي الحر بكتاب أبي الأسود وراء ظهره ولم يجبه عنه ورد الرسول، وعاد الرسول إليه بذلك، فقال يهجو الحصين:
حسبتَ كتاي إذ أتاكَ تعرضاًلسيبكَ، لم يذهبْ رجائي هنالكما
وخبرني من كنت أرسلتُ أنماأخذتَ كتابي معرضاً بشمالكا
نظرتَ إلى عنوانهِ فنبذْتهُكنبذكَ نعلاً أخلقتْ من نعالكا
نعيم بنُ مسعودٍ أحقُ بما أتىفأنت بما تأتي حقيقٌ بذلكا
يصيبُ وما يدري ويُخطي وما درىوكيفَ يكونُ النوكُ إلا كذلكا
قال محمد بن سلام: وتقدم رجل إلى عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحر، وهو يلي القضاء بالبصرة، مع خصمٍ له فخلط عليه في قوله وفعله، فتمثل عبيد الله بقول أبي الأسود:
يصيب وما يدري ويُخطي ومادرىوكيف يكونُ النوكُ إلا كذلكا
فقال له الرجل: إن رأى القاضي أن يدنيني منه لأقول شيئاً فعل! فقال: أدنُ، فدنا منه وقال: إن أحق الناس بستر هذا الشعر أنت، وقد علمتَ فيمن قيل! فتبسم عبيد الله وقال: أرى فيك مصطنعاً، فقم إلى منزلك؛ وقال لخصمه: رح إلي لتأخذ مالك، فراح إليه وغرم له ما كان يدعيه.
قيل لرجلٍ: بكم تبيع شاتك؟ قال: اشتريتها بخمسة، وهي خيرٌ من ستة، وقد رأيت دونها بسبعة، وقد أُعطيت بها ثمانية، وفي نفسي أني لا أبيعها بتسعة، ولكن لا أنقصها عن عشرة، فمن وزن أحد عشر وإلا لم أبعها والسلام!
ابن مهرويه عن علي بن القاسم طارمة قال: كنت مع المعتصم لما غزا الروم، فجاءه بعض سراياه فأخبره بخبر ساءه، فركب من فوره، وسار أحد سير، وأنا أسايره، فسمع منشداً ينشد في عسكره:
إنَّ الأمورَ إذا انسدتْ مسالكُهافالصبرُ يفتحُ كل ما أرتتجا
لا تيأسنَّ وإن طالتْ مطالبةٌإذا استعنتَ بصبرٍ أن ترى فرجا
فسرَّ بذلك، وطابت نفسه، ثم التفت إلي وقال: يا علي أتروي هذا الشعر؟ قلت: نعم، قال: من يقوله؟ قلت: محمد بن بشير، فتفاءل باسمه ونسبه، وقال: أمرٌ محمود وبشرٌ سريعٌ يعقب هذا الأمر! ثم قال: أنشدني أبيات برمتها فأنشدته:
ماذا يكلفكَ الروحاتِ والدلجاالبرَّ طوراً وطوراً تركبُ اللُّججا
كم من فتىً قصرتْ في الرزق خطوتُهُألفيتهُ بسهام الرزق قد فَلَجا
لا تيأسنَّ وإن طالتْ مطالبةٌإذا استعنتَ بصبرٍ أن ترى فرَجا
إن الأمور إ ذا انسدَّتْ مسالكهافالصبرُ يفتحُ منها كل ما ارتتجا
أخلقْ بذي الصبر أن يحظى بحاجتهِومدمنِ القرعِ للأبوابِ أن يلِجا
فاطلب لرجلك قبلَ الخطوِ موقعَهافمن علا زلقاً عن غرةٍ زلجا
فلا يغرَّنك صفوٌ أنتَ شاربُهُفربما كانَ بالتكديرِ ممتزحا
لا ينتجُ الناس إلا من لقاحهمُيبدو لقاحُ الفتى يوماً إذا نُتجا
قال: وأصاب من ذلك الوجه ما أحب، وزال ماكره، وعاد غانماً مسروراً.
ذكر جحظة أن أبا الفضل بن القصار المعروف ببردِ الخيار مر يوماً على أبيه وهو يقصر في دكانه، ومعه غلامٌ يحمل قاطر ميز نبيذ وجوا مرجه مذبوحة مسموطة، وقد صار طنبورياً وأيسر، فقال: الحمد لله الذي جعل ابني وأرانيه قبل أن أموت ممن يأكل لحم الجوانيرات ويشرب نبيذ القامرطيزات يريد القاطرميزات!
أبو إسحق محمد بن هرون بن عيسى بن ابراهيم المعروف بابن شبرمة قال: كنا عند عبد الله بن أيوب، وكان يحدثنا بالعشيات، فخرج فقعد للحديث، فخرج طفلان صغيران، فقال له بعض من كان معنا: يا أبا محمد هؤلاء أولادك؟ يا أبا محمد تعرف ذلك الحديث؟ قال: أي حديث؟ قال: "قيل: يولد لابن ثمانين؟ قيل: نعم، إذا كان في جواره ابن عشرين! " فأطرق ابن أيوب وغضب غضباً شديداً وقال: لأحدثتكم العشية! ماذا التهجم وسوء الأدب؟ فحلف الرجل أنه سهل وغلط، ولم يورد ذلك على أصلٍ ولا عن قصد! فقلنا له: قد جئناك من مكانٍ بعيد من المدينة! قال: قد قلتُ لا أحدثكم، ادخلوا إلى ابني فاكتبوا عنه فإنه قد سمع من سعيد بن سعيد بن محمد الحرمي! وتركنا ودخل، ولم ينتفع به أحد من بعد؛ وكنا دائماً ندم المخاطب له تلك العشية ونلومه ونوبخه.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع