من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن سَناء المُلك
الصفحة ١ من ٢
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن سناء الملك؟
هبة الله بن جَعْفَر بن سناء الْملك هُوَ القَاضِي السعيد عزّ الدّين أَبُو الْقَاسِم بن القَاضِي الرشيد الْمصْرِيّ الأديب الْكَامِل الْمَشْهُور قَرَأَ الْقُرْآن على الشريف أبي الْفتُوح والنَحوَ على ابنِ بَرّي وَسمع بالإسكندرية من السِّلَفي كَانَ كثير التنعّم وافر السَّعَادَة محظوظاً من الدُّنْيَا وُلِدَ سنة خمسٍ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي سنة ثمانٍ وسِتمِائَة فِي العَشر الأول من شهر رَمَضَان وهوعندي من الأباء الكَمَلَة لِأَنَّهُ جَوَّدَ الترسل والموشحات البديعة وَأما شعره فَإِنَّهُ فِي الذرْوَة العُليا كثير الغَوص على الْمعَانِي كثير الصِّنَاعَة واري زِنادَ التورية قَالَ ابْن سعيد المَغرِبي كَانَ غالياً فِي التشيّع وَله مصنفات مِنْهَا ديوَان موشحات لَهُ وَكتاب دَار الطّراز وَكتاب مصايد الشارد وَكتاب فصوص الْفُصُول وعقود الْعُقُول وديوان شعره يدْخل فِي مجلَّدين كُله جيدٌ إِلَى الْغَايَة وَاخْتصرَ كتاب الْحَيَوَان للجاحظ وَسَماهُ روح الْحَيَوَان)
وَهِي تسميةٌ لطيفةٌ وَلما انتشأ جُعِل فِي جملَة
كتاب الْإِنْشَاء بِمصْر وأُجرِيَ لَهُ على ذَلِك رِزقٌ كَانَ يتَنَاوَلهُ حضر الدِّيوَان أَو لم يحضر وأحبه أهل الدولة لدَماثةٍ كَانَت فِيهِ وحُسن عشرَة وتودّد وربّ المَال محبوبٌ فَسَار لَهُ ذكرٌ جميلٌ قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب كنت عِنْد القَاضِي الْفَاضِل بخيمته بمرج الدلهميّة فأطلعني على قصيدة عينيّة كتبهَا إِلَيْهِ ابْن سناء الْملك من مصر وَذكر أَن سِنَّه لم يبلغ الْعشْرين سنة فأعجِبتُ بنظمها ثمَّ ذكر القصيدة وأولها
فراقٌ قَضَى للقلب والهمِّ بالجَمعوهَجرٌ تَولّى صُلحَ عَيْني مَعَ الدَمع
وَقَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ حَدثنِي الصاحب الْوَزير جمال الدّين الأكرم قَالَ كَانَ سناء الْملك واسْمه رَزين رجلا يَهُودِيّا صيرفيّاً بِمصْر وَكَانَت لَهُ ثروةٌ فَأسلم ثمَّ مَاتَ وخلّف ولدَه الرشيد جعفراً وَكَانَ لَهُ مضارَباتٌ وقُروضٌ وتجاراتٌ اكْتسب بهَا أَمْوَالًا جمّةً وَلم يكن عِنْده من الْعلم مَا يشتهِر إِلَّا أَنه ظفِر بِمصْر بِجُزْء من كتاب الصِحاح الجَوهري وَهُوَ نِصف الْكتاب بِخَط الْجَوْهَرِي نفسِهِ فَاشْتَرَاهُ بِشَيْء يسير وَأقَام عِنْده محروساً عدّة سِنِين إِلَى أَن ورد إِلَى مصر رجلٌ أعجمي وَمَعَهُ النّصْف الآخر من صِحَاح الْجَوْهَرِي فعرضه على كتبيّ بِمصْر فَقَالَ لَهُ نصف هَذَا الْكتاب الآخر عِنْد الرشيد بن سناء الْملك فَجَاءَهُ بِهِ وَقَالَ هَذَا نصف الْكتاب الَّذِي عنْدك فإمَّا أَن تُعطِيَني النصفَ الَّذِي عنْدك وَأَنا أدفَعُ إِلَيْك وزنَه دَرَاهِم فَجعل الرشيد يضْرب أَخْمَاسًا لأسداس ويخاصم نفسَه فِي أحد الْأَمريْنِ حَتَّى حمل نَفسه وَأخرج دَرَاهِم ووزَن لَهُ مَا أَرَادَ وَكَانَ مقدارها خمسةَ عشر دِينَارا وَبقيت النُّسْخَة عِنْده وَنَشَأ لَهُ السعيد ابنهُ هبةُ الله فتردّد بِمصْر إِلَى الشَّيْخ أبي المحاسن البَهنَسي النَّحْوِيّ وَهُوَ وَالِد الْوَزير البهنسي الَّذِي وزر للأشرف بن الْعَادِل وَكَانَ عِنْده قَبولٌ وذكاء وفطنة وعاشر فِي مَجْلِسه رجلا مغربيّاً كَانَ يتعانى عمل الموشحات المغربية والأزجال فوقّفه على أسرارها وباحثه فِيهَا وكثّر حَتَّى انقَدَح لَهُ فِي عَملهَا مَا زَاد على المَغاربة حُسناً وتعانى البلاغة وَالْكِتَابَة وَلم يكن خَطّه جيّداً انْتهى قلتُ وَكَانَ يُنبَز بالضفدع لجحوظٍ فِي عَيْنَيْهِ وَفِيه يَقُول ابْن الساعاتي وَكتب ذَلِك على كِتَابه مصايد الشوارد
تأَمَّلتُ تَصنيفَ هَذَا السعيدوَإِنِّي لأمثالِهِ ناقدُ
فكم ضَمَّ بيتَ نُهىً سائراًوصِيدَ بِهِ مَثَلٌ شارِدُ
وَفِي عَجَب الْبَحْر قولٌ يطولوأعجبَه ضفدعٌ صائدُ
)
وَفِيه يَقُول أَيْضا وَقد سقط عَن بغل لَهُ كَانَ عَالِيا جدّاً ويسمَّى الجَمَل
قَالُوا السعيد تعاطى بَغلَه نَزِقاًفزلّ عَنهُ وأهلٌ ذَاك للزلل
فقُل لَهُ لَا أقالَ اللهُ عَثرَتهُوَلَا سَقَته بَنانُ العارضِ الهَطِل
أَبغَضت بالطَّبع أُمَّ الْمُؤمنِينَ وَلمتُجِيب أَبَاهَا فهذي وقعةُ الْجمل
وَهَذَا دَلِيل على أَن ابنَ سناء الْملك كَانَ شيعيّاً وَقَالَ ابْن سناء الْملك
قيل لي قد هجاك ظُلماً عَليٌّقلتُ عُذراً لِلَمِ ذَاك اللئيمِ
مستحيلٌ أَن لَا يكون هجائيوَهوَ مُغرىً بهَجوِ كلِّ عَظِيم
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول ابْن القيسراني
يَا ابنَ مُنيرٍ هَجُوتَ منّيحَبراً أَفَادَ الورَى صوابَه
وَلم تُضيِّق بِذَاكَ صَدريلأنّ لي أسوةُ الصحابَه
وَقد قيل فِي ابْن سناء الْملك ايضاً
أبغضتَ كلَّ أبي بكرٍ وَمَاتَرِبت إلاّ يداك بذا حَتَّى ابْن أيّوب
وَلما نظم ابْن سناء الْملك قصيدتَهُ الَّتِي امتدح بهَا تورانشاه أَخا صَلَاح الدّين وأولّها
تقنّعتُ لَكِنْ بالحَبيب المعمَّمِوفارَقتُ لكِن كلَّ عَيشٍ مُذَمَّم
تعصّب عَلَيْهِ شعراء الديار المصرية وهجّنوا هَذَا الِافْتِتَاح وَكتب إِلَيْهِ الْوَجِيه ابْن الذَرَوي
قل للسعيد مقالَ من هُوَ مُعجَبٌمِنْهُ بكلِّ بديعةٍ مَا أَعجبا
لقصيدك الفضلُ المُبينُ وإنمّاشعراؤنا جهِلوا بِهِ المُستغرَبا
عابوا التقنُّعَ بالحبيب وَلَو رأى الطّائيُّ مَا قد حُكتَهُ لتعصَّبا
فَقَالَ ابْن المنجّم
ذَرَويُّنا قَتَلتهُ قِلةُ عقلِهِفِي نَصرِ بيتٍ شائعٍ عَن ضِفدعِ
شيءٌ من الشّعْر الركيك رَويتَهُلمخنثَينِ معصَّبٍ ومقنَّع
قلت لقد تحامل عَلَيْهِ من هجّنه وتعَنَّتَ من قبَّحهُ وَلَكِن هَذَا من الْحَسَد الَّذِي جُبِلَت عَلَيْهِ الطِباع الرَّديئَة لِأَنَّهُ قَالَ تقنَّعتُ من القناعة ورَشَّحه بالمعمّم فَصَارَ من التقنُّع بالقِناع وَأَشَارَ بقوله الحبيب المعمّم إِلَى قَول أبي الطيِّب
وَلَو أنّ مَا بِي من حَبيبٍ مقنَّعِعَذرتُ ولكِن من حبيبٍ معمّمِ
)
وَكَذَلِكَ تَعَنَّتَ شرف الدّين عَليّ بن جُبارة على ابْن سيناء الْملك وعلّق على شعره مجلدةً
سمّاها نظم الدرّ فِي نقد الشّعْر وواخذه فِي أَشْيَاء مَا أَظنّه كَانَ لَهُ ذوقٌ يَفهم بهَا مقاصدَ ابْن سيناء الْملك وَمن ترسلأِهِ مَا كتب بِهِ إِلَى القَاضِي الْفَاضِل يشكو من رمدٍ أَصَابَهُ كتب الله لمولانا على نَفسه الرحمةَ وعَلى عدوّه النِّقمة وآتاه الْخطاب وَالْحكمَة وأسبغ عَلَيْهِ كَمَا أَسْبغ بِهِ النِّعْمَة وعضّد بآزائه الدولةَ وببقائه الملّةَ واعزّ بسلطانه الأُمةَ وأدام الله أيامَه حَتَّى تطيرَ من آفاقه النعائم وَحَتَّى تخلَعَ أطواقَها الحمائمُ وَحَتَّى تنزِلَ من منازلها النجومُ العواتمُ وَحَتَّى تسقُطَ من كفّ الثريّا الْخَوَاتِم
وَحَتَّى يؤوبَ القارظان كِلَاهُمَاويُنشَرَ فِي القَتَلى كُليبٌ لوائلِ
خدمَتَهُ بعد أَن حَصَلَت عينه فِي قَبْضَة الرمد وَبعد أَن قسا قلبُه وَطَالَ عَلَيْهِ الأمد وَبعد أَن تعاقبت فِيهَا الدَمعتان دَمعةُ الْأَلَم ودمعة الكَمَد وَبعد أَن أُحِّجت عَلَيْهَا نارُ الله المؤصَدة وأصبحت مِنْهَا فِي عمدٍ ممدَّدةً وَبعد أَن سخَّر الله عَلَيْهَا الآلام سبع ليالٍ وثمانيةَ أيّامٍ وَكَأَنَّهَا واللهِ سبعُ سِنِين وثمانيةُ أَعْوَام وَبعد أَن فصَدَ فِي أُسْبُوع وَاحِد دَفعتَين وشَرِبَ المُسهِل ثلاثَ مرّات وَكَاد لأجل السجعة يكذب وَيَقُول مرّتين وَبعد أَن مَلأ الدَّار صُراخاً وأقلق الْجَار صياحاً وَبعد أَن كَلمه العَمى شِفاها وخاطبه صُراحاً وَبعد أم مرّت بِعَيْنِه العبرات والعِبَر وَبعد أَن قذفت من القَذَى برمادٍ ورمَت من الدُّمُوع بشَرَر وَبعد أَن استشفى بِتُرَاب الرَبع الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّاعِر
ورَبع الَّذِي أهواه يروِي شرابهُ العِطاشَ ويَشفي تُربُه الأعيُنَ الرمدا
فَضَحِك رَمَده من هَذَا الشَّاعِر الْكَاذِب وسخِر مِنْهُ باللحية والشارب وَأما الشَّاعِر فَلَو أبصره مَا أبصره بصر الْمَمْلُوك لما قَالَ
يَا شِعرُ فِي بَصَري وَلَا فِي خَدّههَذَا السوادُ فِداء أَحْمَر وَدّه
ولكان يسْأَل الله أَن يَقِيَ سَواد عينه بِأَن يُنبِتَ فِي خدّ معشوقه شوك القنا فضلا عَن شوك الْورْد وَأَن يُطلع كل نباتٍ فِي كتاب أبي حنيفَة على ذَلِك الخدّ وَلَو علم جميل بن مَعمَرٍ مِقادرَ أذَى القَذَى لما دَعَا على محبوبته فِي قَوْله
رمى الله فِي عَينَي بُثينةَ بالقَذىوَفِي الغُرِّ من أنيابها بالقوادح
وَأما الْقَائِل
ترابُهم وحقّ أبي تُرابٍأعزُّ عليّ مِن عَيني الْيَمين
)
فخصمه على كذبه من أقسم بِهِ فِي هَذَا الشّعْر ولكنّهم جهِلوا مَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ وتكلّم كل شاعرٍ مِنْهُم وطرفه مخلَّصٌ من يَد سُقمه وواللهِ لقد ناحت الْمَمْلُوك وَهُوَ فِي شدّة المَرَض وساوسه وخاطبته هواجسُه وَقَالَت لَهُ لعلّك عوقبتَ بِمَا كنتَ تدّعيه وَتكذب فِيهِ على
عَيْنك فِي شعرك وَلَا سيّما فِي قَوْلك
وَلَقَد جرت مِنْهَا الدِّماء كأننّي مِنْهَا طَعينُ
وَفِي قَوْلك
وَيَقُول دمعُك لم يَدَع بَصَراًأسَمِعتَ قَطُّ لعاشقٍ ببَصَر
وَفِي قَوْلك
وَإِن بكَيتُ فنّكِّب عَن مجاورتيواحذَر وَإِيَّاك من طُوفان أجفاني
ويعوذ الْمَمْلُوك بِاللَّه من فأل الشّعْر فَوحَيات مَوْلَانَا لقد جرت من أجفان الْمَمْلُوك دموع تكون كالطُوفان بالنِسبة إِلَى الْإِنْسَان وَلَقَد فاضت إِلَى أَن كَادَت مياهُهَا تُغرقه ونيرانها تحرقهولقد شرقَت بِهِ مِمَّا تشرقه وَلَقَد ضَاقَ بهَا منزله إِلَى أَن قَالَ مَا قَالَه الشَّاعِر
بَكَى النَّاس أطلالَ الديار وليتنيوجدتُ ديارًا للدموعِ السواكبِ
وَلَقَد نَدَب مُقلتَه وبكاها وتوجَّعَ لَهَا ورثاها وَقَالَ لَهَا مَا قَالَه ذَلِك المتأخّر المحسن
يَا عينُ والعاشقون قد عشِقواوَلَا كَمَا ضَاعَ جفنك الغَرَقُ
تحظَى بطيف الكَرَى والعيونُ وَمَاطَيفُك إلاّ الدُّمُوع والأَرَق
وَهِي دموع لَو تقاسَمها العُشَّاقُ الَّذين نَزَحَت دموعُهم ويبِست عيونُهم وجفَّت جفونُهم لكَانَتْ تكفيهم وتَفضل عَنْهُم وَتفِيض من أَيْديهم ويقضون بهَا حُقُوق الغُيّاب ويُروُون بهَا ديار الأحباب ولكان الْقَائِل
وَمَا متعوني بالبُكاء عَلَيْهِموَلَكِن تَولَّوا بالدموع وبالصبر
قد تَمتَّع باّحدِ مَطلبيَه وَوجد الْأَيَّام قد رَدَّت عَلَيْهِ أحد غائبيه وَلَو أدْركهَا الْقَائِل أرأيتَ عينا للبُكاء تَعارُ لقَالَ الْمَمْلُوك لَهُ نعم هَذِه عينٌ خُذْهَا عَارِية وأقبلها هَدِيَّة وأمّا الْقَائِل
أفنيتم دمعي مقيمينيَا لَهفي بِمَا أُبكيِكم ظاعنين
فَلَو وجدهَا لوَجَد مَا يبكي بِهِ عَلَيْهِم أَقَامُوا أَو ظعنوا وأساءوا أَو أَحْسنُوا على أَنَّهَا واللهِ مَا هِيَ)
من الدُّمُوع الَّتِي تُنفِّس من الخناق وَلَا تُخفِّف عَن الآماق وَلَا يرغَبُ فِي مثلهَا العشاق وَلَا هِيَ كَمَا قيل حزنٌ محلولٌ على الْخَدين وَلَا ثقل موضوعٌ عَن الْعين بل دموعٌ تزيد الكرب وَلَا تُزيله وتَعقُد الهمَّ وَلَا تُحيلُه وَتقتل الْأَهْدَاب بتدبيقها وَتَقْيِيد الأجفان بتلثيقها وتغلظ
العَذاب بغليظها وترقّق قلبَ الحَسود برقيقها وَلَو أَطَالَ الْمَمْلُوك وَقَالَ ووسّع الْمقَال واستنحى الألسنةَ واستنجدها فِي وصف مَا كَانَ عَلَيْهِ من سوء الْحَال لَقَصَر وقصّر كل لِسَان وَأقَام الْخَبَر عَنْهَا مقَام العِيان وَالْجُمْلَة الملخَّصة أَن عينَه كَانَت تَجَرُّ من وَجهه بحبلٍ من مَسَد وتُنخَس بأسنّة الأَسَل وتُجذَب بمخالب الْأسد وممّا جعل الأمرَ قطّ على عينه وَلَا عبر على جفْنه وَلَا مر على طَرفه وَلَا أنسَت مقلتُه قطّ بالوَهج الناري وَلَا تبرَّحت فِي الثوبِ الجُلَّناري وَلَا قَذَيت قطّ إِلَّا بِالنّظرِ إِلَى ثقيل وَلَا جرَت دَمعتُها إِلَّا على فِراق خَلِيل وَلَا سَخَنت إِلَّا يَوْم سَفَرٍ لمولانا وَسَاعَة رحيل وَلَا رابَهُ بصرُه قطّ بعد صِحَّة وَلَا خانَهُ فِي لَمحَة وَلَا كَانَ يكذبهُ فِي الْأَشْيَاء بعُدَت عَنهُ أَو قرُبت مِنْهُ بل يَنقُلها إِلَيْهِ على مَا هِيَ عَلَيْهِ لَكِن ربّما أرَاهُ النجومَ نَهَارا والأهلِه أقماراً وَأبْدى لَهُ خطوطَ الأحزاز كَأَنَّهَا خطوط الغُمَر وجلا عَلَيْهِ السُّهى فِي قَد الشَّمْس لبا قَدّ الْقَمَر وَلَقَد كَانَ واثقا الْجَدِيد ة نظره الْحَدِيد كثِقتِه بِالتَّوْحِيدِ يَوْم الْوَعيد
مَا أعجَبُ الشَّيْء ترجوه فتحرمهقد كنت أَحسب أَنِّي قد ملأتُ يَدي
وَمن تَوَابِع الرمد الَّتِي كَانَت واللهِ تُضيق انفاسَه وتُصدِّع رأسَه الخِرقَة السَّوْدَاء الَّتِي كَانَت كَأَنَّهَا لعنةُ الله على الْكَافِر وفرار الْأَطِبَّاء إِلَى غمس الرجلَين فِي المَاء الفاتر وكل مِنْهُمَا لَا يُغني نقيراً وَلَا فتيلاً وَلَا ينفع كثيرا وَلَا قَلِيلا وَلكنهَا استراحة مَن طبّه مُستراح وسِلاح من لَا لَهُ سلَاح وَأما اللبَن الَّذِي يُغسَل بِهِ الْعين ووّضَره وزَيبَق الْبيض وزَفرُه والقِطنةُ الَّتِي تُوضع على الجفن لتَرفعَه وَهِي واللهِ تطمُره فنعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم وَأما العُوَّاد فَرَأى الْمَمْلُوك مِنْهُم فُنُونا وعَلَّقَ من ألفاظهم عُيونا فَمنهمْ من يحضر شامتاً وَمِنْهُم من قد أنعم الله عَلَيْهِ لَو كَانَ صامتاً وَمِنْهُم من يَقُول الله يَكْفِيك ويُحميك بِضَم الْيَاء وَمِنْهُم من يَقُول الله يُغنيك عَن الْإِعَادَة والنادرة الَّتِي لَو سَمعهَا ابْن المعتزّ لسلك سَبِيلهَا فِي البديع وَلَو رَآهَا الصنوبري لوصفها إِذْ يَظُنهَا زهرَة من زهر الرّبيع قَول بعض السَّابِقين فِي ميدان التخلّف والواصلين للدرجة العُليا من الكُلفة والتكلُف وَقد رأى عين الْمَمْلُوك والمجلس حافلٌ حاشد وَجَمِيع الْحَاضِرين لما قَالَه ساعٌ وَبِه شَاهد فبُهِتَ وشكّ وَأَرَادَ الْكَلَام فتقيَّدَ لسانُه ورام)
الْإِقْدَام على النُّطْق فجبُنَ جَنانه ثمَّ تشجع فَلم يُفتح عَلَيْهِ إِلَّا بأنّ قَالَ يَا مولايّ هَذِه الْعين تَزُول فَقَالَ الْمَمْلُوك زاه زاه مَا غلَت وَالله رمدتي بِهَذِهِ الْوَاحِدَة وَلَقَد كَانَ يجِب أَن أسألَ الرّمد أَن يشرفني بالحضور من هَذَا الرمد وَإِن تعجبَه نورها وضياءها وَكَيف لَا تظمأ وَقد أقلعَت عَنْهَا من بركَة قُربه أنواؤها وَكَيف لَا تَسخن وَقد
تقلَّصت عَنْهَا ظِلالُها وفاءَ أفياؤها وَمَا كَانَت سلامتها السالفة إِلَّا بنظرها لطلعته الميمونة ولاكتحالها بغبار مَوكبه الَّذِي السعادةُ بِهِ مقرونة والصحّة بِهِ مَضْمُونَة لَا مظنونة وَمَا فرج الله عَنهُ إِلَّا بأدعية مَوْلَانَا الَّتِي تُخلِّصُه كل وقتٍ من العِقابي والعقبَات وتحرُسه من بَين يَدَيْهِ وَمن خلفِه بمعقَّباتٍ وَمَا أذهب عَنهُ غَيَّر رَمده وكمل لَهُ عَافِيَة جسده إِلَّا سعيُه إِلَى الدَّار الْكَرِيمَة وتقبيل الأَرْض بَين يديَ سيّدنا الأجلّ الْأَشْرَف أَعلَى الله قدره وإمرار يَده الشَّرِيفَة على مقلته وجلا ناظره بِنور غُرته وتهنئته بِهَذَا الشَّهْر الشريف عرف الله مَوْلَانَا بركةَ أَيَّامه وأعانه على مَا فرض على نَفسه من صِيَامه وقيامه وَأرَاهُ فِيهِ من البركات مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَجعل من نعْمَة عَلَيْهِ فِيهِ الصِّحَّة الَّتِي لَا طمحت نفسُ الْأَمْرَاض إِلَى زَوَالهَا عَنهُ وَلَا طمعت وألبسَه فِيهِ الْعَافِيَة فَإِنَّهَا أشرف لِباس وَلَا نَزَعَ عَنهُ سرابيلَها فَإِنَّهَا الَّتِي تَقِيّ الحُرَّ وتقي الْبَأْس وَتقبل الله فِيهِ أدعيتُه وَلَو قَالَ وأدعية الْخَلَائق فِيهِ لَكَانَ قد خلط الْأَعْلَى بالأدوَن ومزج الْأَعَز بالأهون لِأَن أدعيته أدام الله أَيَّامه يحملُها الرّوح الْأمين وتكتبها مَلَائِكَة الْيَمين وتتعطر بهَا أَفْوَاه المقربين وتَرِدُ حَظِيرَة الْقُدس فَلَا يضْرب دُونَها حجاب وتَصِل إِلَى جنَّة عَدنٍ فتجدها مفتحة الْأَبْوَاب وَلَا يقصِد بهَا الدَّار الْأُخْرَى وَلَا يَبْتَغِي بهَا الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَرْجُو بهَا إلاّ أَن تقربّبه إِلَى الله زُلفَى وأدعية الْخَلَائق لَهُ فَإِنَّمَا هِيَ لأَنْفُسِهِمْ لأنّ بقاءَهم معذوق بِبَقَائِهِ وسلامتهم مرتبطة بسلامة حوبائه وأرزاقُهم واصلة إِلَيْهِم من نعَم وَيعود إِلَى تَمام حَدِيث رَمَده وَإِلَى بِشارة مَوْلَانَا بأنّ شفاعةَ أدعيته لَهُ قد قُبِلت وأنّ بركَة هَذَا الشريف قد عَادَتْ عَلَيْهِ بعوائد فضل ربه وفكّتْ ناظره من إسار كَربه إنّ رَبِّي لطيفٌ لما يشاءُ إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم وَمَا سطر خدمتَه إِلَّا بعد أَن زَالَ أَلَمُها وانفش وَرَمها وخمِدَت جَمرتها وَذَهَبت حُمرتها وَظهر إنسانها وجفت أجفانها ورقأت دموعها وَعَاد إِلَيْهَا هُجوعُها وكملت بِحَمْد الله صِحَّتهَا ونَقِيت بِحَمْد الله صَفحتها وَقد ذخرها الْمَمْلُوك ليَفديَ بهَا مواطىء مَوْلَانَا إِن رضها لِفدائه أَو أَن يهبَها لمن يُبشِّره بإيابه ويهنئه بلقائه وَجعلهَا سِراجاً يَهْتَدِي بِهِ إِلَى تسطير مدائح مَوْلَانَا وتحبيرها وتصنيف سيرة دولته الْفَاضِلِيَّةِ)
وتفسيرها وَتَابَ إِلَى الله أَن ينَسُب إِلَى عينه مَا يَدعِيهِ الشُّعَرَاء فِي شعرهم وينحوه الْكتاب فِي نثرهم من أَن نومها مَفْقُود وَأَن هُدَبها بِالنَّجْمِ مَعْقُود وأنَّ جفنها بالسهاد مَكْحُول وَأَن سوادها بالدمع مغسول وَأَن ربَعهَا بالقذى مأهول أَو أَنَّهَا رَأَتْ الطيفَ وَمَا كَانَت رَأَتْهُ أَو قَرَأت مَا فِي وَجه الحبيب وَمَا كَانَت قرأته إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يُزخرفونه من زُورهم ويُطلِقون بِهِ ألسنتَهم لغرورهم فَعَسَى يُمحى بِهَذَا الحَدِيث ذَاك الْقَدِيم وسِوى ذَلِك فَالْحَدِيث الَّذِي يَأْكُل الْأَحَادِيث أَن الْأَيَّام كَانَت تَحِسّ مَعَه فِي بعض الْمُعَامَلَة وتُجامِله بعض المجاملة وَلَا تسقيه
كأس الصُروف صِرفاً وَلَا تُرسِل إِلَيْهِ من الهموم صِنفاً إِلَّا كَفّتْ عَنهُ صَفاً وَلَا تُبكي لَهُ عينا إِلَّا تضحك لَهُ سِناً وَلَا تُذيقه خوفًا إِلَّا تتبعه أَمناً وَكَانَ يَذمها تَارَة ويشكرها أُخْرَى وتُنسيه مرَارَة الْبلوى مَا يذوقه من حلاوة النعماء ثمَّ رَآهَا فِي هَذَا الْوَقْت قد استحالت مَعَه حالتَها وانتقضت عَلَيْهِ عَادَتهَا وجاءَته بعددِ الرَمل عربدة والحصَى قوقلة والقطر أخلافاً متلونة كَأَنَّهَا سِهَام مُرسلة وسَقته من تسنيم عينا يشرَب بهَا المقرّبون من المصائب صِرفاً بِلَا مِزاج ومدّت عَلَيْهِ من ظَلالها لَيْلًا يُهتدى فِيهِ بشِهابٍ وَلَا يُمشى فِيهِ بسِراج وَمَا قنعت لَهُ لوالد الْمَمْلُوك التوجّه إِلَى الْبَيْت الْحَرَام وَجَعَلته مُغرَماً بِالسَّفرِ إِلَيْهِ أتمَّ إِلَيْهِ غَرامٍ
مَا أنصفتني الحادثاتُ رمَيتَنيبمُفارقينِ وَلَيْسَ لي قَلبان
وَكم رقّقه الْمَمْلُوك وحنَّته وأوضح لَهُ الغَلطَ الدُنيوَيَّ وبينَّه وأعلمه أَنه يُذيقه اليُتم وَإِن فارقَ سنَّ الحُدوثة وقارَبَ سِنَّ الكَهل وَذكره أَن الكِرش منثورةٌ والعاملة كثيرةٌ والكلفة كبيرةٌ والذُّرِّيَّة الضعيفة الَّتِي كَانَ ذَلِك الشيخُ ﵀ يَتَّقِي الله خوفًا عَلَيْهَا قد أسندها إِلَيْهِ وصيرّها فِي يَدَيْهِ وتوكل بعد الله فِيهَا عَلَيْهِ وَأَن الوِزرَ بتضييعها رُبمَا أحبط الأَجر وضيعه وَعكس الأمل وقطعه وأسهب الأصدقاء فِي هَذَا الْمَعْنى وأطنبوا وخلجوا بالعذل وأجلبوا فَمَا زَاده التسكين إِلَّا نَبوة وَلَا الترقيقُ إِلَّا قَسوة وَلَا التحنين إِلَّا جفوة وَلَا العذل إِلَّا تصميماً على السّفر وَلَا التفنيد إِلَّا اعتزاماً على ركُوب الْغرَر وَإِن توَلّوا فَقُل حَسبيَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلتُ وهوربّ الْعَرْش الْعَظِيم وَفِي بَقَاء مَوْلَانَا أدام الله دولته وَوُجُود جُوده مَا يُغني الْمَمْلُوك عَن الْآبَاء قربوا أَو بُعدوا وراحوا أَو قعدوا قسَوا أَو حَنَوا وسخَوا أَو ضنوا لَا زَالَ جَبابُه الكريمُ كعبةً تَطوف بهَا الآمال وكنزاً يُستغنى مِنْهُ بِالْمَالِ إِلَى أَن يستغنِيَ بِهِ عَن المَال وَله أدام الله أَيَّامه فِيمَا أنهاه علوُّ رَأْيه وَفضل الْآيَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ)
ذكرتُك واللَّحِي يعانِدُ بالعذلفكنتُ أَبا ذرٍّ وَكَانَ أَبا جَهلٍ
لَهُ شاهِدا زورٍ من النُّهىعَلَيْك وَمن عينَك شاهدَا عَدلِ
حبيبةُ هَذَا القلبِ من قبلِ خلقِهيحبُّك قلبِي قبلَ خلقِك مِن قَبلي
رأَيتُ مُحياً منكِ تحتَ ذوائبٍفأجلستُ طرفِي مِنْك فِي الشَّمسِ والظِّل
أَلا فارفَعِي ذَا الشَّعرَ عَنهُ فَإِنَّهُأغارُ عَلَيْهِ من مُداعبة الحِجلِ
إِذا نَشَبَ الخلخالُ فِيهِ فإنَّهيعانِقُه والخِلُّ يصبو إِلَى الخِلِّ
عجِبتُ لَهُ إِذْ يَطمئنّ مُعانقاًأّما أَذهلَ الخلخالَ خوفُ بني ذُهل
بشوك القَنا يحمُون شهدَ رُضَابهاوَلَا بُدَّ دون الشَّهد من إِبَر النَّحل
تطلَّعُ من بدرِ السماءِ إِلَى أَخٍوتنظرُ من زُهر النُّجوم إِلَى أَهلِ
لَهَا ناظرٌ يَا حيرةَ الظبي إِذ يَرىبِهِ كَحَلا ناداه يَا خَجلة الكُحل
وأَثقلَها الحسنُ الَّذِي قد تكاثرَتملاحتُه حتَّى تَثَنَّت مِنَ الثَّقل
وإِني لأَبكِي وَهِي تبْكي تَطَرُّباًجعلتُك من هَذَا التَّطرُّب فِي حِلِّ
إِذا استحسَنُوا فِي وردةٍ دمعةَ الحيافَما نَظَروا فِي خدِّها دمعةَ الدَّلِّ
وإنَّ فمي مُغرىً بفيها لأَنَّهرحيمٌ بِهِ أَنَّ الفطامَ أَخُو الثُكل
ووَصلٌ تولَّى أَدمج الدَّهرُ ذِكرَهكَمَا أُدمِجَت فِي منطقٍ أَلِفُ الوَصل
تَقضَّى فجسمي فِي أواخرَ مِن ضَنىًعَلَيْهِ وعقلي فِي عَقَائلَ مِن خَبلِ
سأمنعُ عَيني كُلَّما يمنعُ البكاعَلَيْهِ وأُسلي الْقلب عَن كُلِّ مَا يُسلِي
وأُغلِقُ بابَ العِشقِ عنِّي فإننيجهلتُ إِلى أَن صارَ بَابا بِلا قُفلِ
فبدرُ الدُّجى أَشهى إِليَّ من الخَنَاوأَقبحُ فِي عينِ الكريمِ منَ البُخلِ
وَمن عرفَ ألأيَّام مثلي فإنَّهيعيشُ بِلَا حبٍّ ويحيَّا بِلا خِلِّ
وَقَالَ أَيْضا
ليلَ الْحمى بَات بَدري فيكَ مُعتَنِقيوَبَات بدرُك مرِميا على الطُّرُقِ
شتَّان مَا بَين بدرٍ صِيغَ من ذهبٍوذاكَ بَدْرِي وبدرٍ صِيغَ من بَهَق
زار الحبيبُ وبدرُ التَّم فِي كمدٍبادٍ عَلَيْهِ وغصنُ البان فِي قَلَق
يمشي على خَدِّ مَن يَهوَى وأَدمُعهتهمِي فسبحان منجِيه من الغَرَقِ
)
وَقبل ذَا كَانَ طيفاً من تكَبُّرِهفإِن سرى كَانَ مَسراه على الحَدَق
وَبَات باللَّثم تَحت الْخَتْم مَبسِمُهوالصَّدرُ بالضَّم تحتَ القُفل والغَلَق
وعِفتُ طيفي لما جاءَ سيِّدُهيَا عينُ عَفيِّ طريقَ الطَّيفِ بالأَرَق
يَا عاذلي فِيهِ أمَّا خدُّه فَنَدٍكَمَا تراهُ وأَما ثغره فَنَقي
وَمَا جفونك تلويها على سَهَريوَلَا ضلوعُك تطويها على حُرَقي
تريدُني خارِجياً عَن مَحَبَّتِهأَنَّى وبيعةُ ذَاك الحُسنِ فِي عُنُقي
يَا صاحبَ الْحسن لَا تَعجل بفُرقَتِنافَمَا رمَقتُك إلَاّ آخِر الرَّمقِ
وساتراً ليَ عينَيه بارحَتِهليتَ الضَّنَى لِيَ مسروقاً من السَّرَق
ونكهة لَك تُحيي نفسَ ناشِقهابمسترقٍّ من الفردوس مسترق
جاءَ الغَرامُ وَهَذَا الْحسن فِي قَرنٍوالغيثُ يَهمي وَنور الدّين فِي طَلَق
وَقَالَ
باتَت مُعانِقَتي وَلَكِن فِي الكَرىأَتُرى دَرَى ذاكَ الرَّقيبُ بِمَا جَرى
ونَعم دَرى لَمَّا رأى فِي بُردَتيرَدعاً وشمَّ مِن الثِّيابِ العَنبَرا
طيفٌ تخطَّى الهولَ حتَّى يَشتريبيتَ الحَشَا وَقد اشتَرى وَقد اجتَرا
مَا زارَ إِلَاّ فِي نَهارِ جَبينهِفأقولُ سَار وَلَا أقولُ لَهُ سَرى
بأَبي وأُمي من حَلَمتُ بذكرهالما انتبهتُ ومُذ رَقَدتُ تَفَسَّرا
عُلِّقتُها بيضاءَ سمراءَ اللَّمىأَسمعتَ فِي الدُّنيا بأَبيضَ أَسمَرا
ومِن العَجَائِب أَنَّ ماءَ رُضابِهاحُلوٌ ويُخرج حِين تبسِمُ جَوهَرا
إِني لأَعشَقُها وَمَا أَبصَرتُهافالشَّمسُ يمنعُ نورَها أَن تُبصرا
أيَروعني فِي كُلِّ وقتٍ نهدُهافغذا اعتنقنا خِفتُ أَن يتكسرا
أَشْكُو إِليها رِقَّتي لِترقَّ ليفَتَقول تطمَع بِي وَأَنت كَمَا تَرى
وَإِذا بكيتُ دَمًا تقولُ شمت بِييومَ النَّوى فصبغتَ دمعَك أحمَرا
من شاءَ يمنحها الغَرامَ فدونَههَذي خَلائِقُها بِتَخْيِير الشَّرا
يَا من لَهَا من الحسِ عبلةُ عبدةٌرقّي عليَّ فليسَ قلبِي عنترا
غادَرتِنِي والصَّبرُ مشدودُ الوِكاوغدرتِ بِي والدَّمعُ محلولُ العُرا
)
وَجعلت قلبِي بالهمومِ مُزمَّلاًإِذْ كَانَ طرفك بالفتورِ مُدثَّرا
وَفتحت أَبْوَاب السُّهادِ لناظريوَجعلت ليلِي بالهموم مُسمَّرا
فَمَتَى أَقولُ جوانحي بك قد هَدتومدامِعي رجَعت عَلَيْك إِلى وَرا
وَقَالَ
يَا ليلةَ الوصلِ بَل ليلةَ العُمُرأَحسنتِ إلَاّ إِلَى المشتاق فِي القِصَرِ
يَا ليتَ زيد بِحكم الوصلِ فيكِ لَهُمَا طوّل الهجرُ من أيَّامه الأُخَر
أوليتَ نَجمَكِ لم تُعقَل ركائبهُأَوليتَ صُبحِكِ لم يَقدَم من السَّفَر
أَو ليتَ لم يَصفُ فِيك الشَّرقُ من عَبَسٍفَذَلِك الصَّفوُ عِنْدِي غَايَةُ الكَدَر
أَو ليتَ كُلاًّ من الشَّرقين مَا ابتَسماأَوليتَ كُلاًّ من النَّسرين لم يَطِر
أَو لَيْت كنتِ كَمَا قَد قَالَ بعضُهُمُليلَ الضريرِ فَصُبحي غيرُ مُنتَظَر
أَو ليتَ حُطَّ على الأفلاكِ قاطبةًهمِّي عليكِ فَلم تَنهَض وَلم تَسر
أَو ليتَ فجرِك مفتَرّ بِهِ رَشِئيأَو ليتَ شمسِكِ مَا غَارت على قَمرِي
أَو ليتَ قَلبي وطَرفِي تَحتَ مُلكِ يَديفَزِدتُّ فِيك سوادَ القلبِ والبَصَر
أَو ليتَ أَلقى حَبِيبِي سِحرَ مُقلتِهعلى العِشاءِ فأَبقَاها بِلَا سَحَر
أَو ليتَ كَانَ يُفدي مَن كَلِقتُ بِهِدرُّ النجومِ بِما فِي العِقِد من دُرَر
أَو لَيْت كنتِ سأَلتِيه مساعدةًفَكَانَ يَحبوكِ بالتَّكحِيل والشعَر
أَو ليتَ جُملةَ عُمرِي لَو غَدا ثَمَناًفِي البعضِ منكِ ومَن لِلعُمي بالعَوَر
كأَنَهَّا حِين ولَّت قمتُ أجذِبُهافانقدَّ فِي الشَّرقِ عَنها الثوبُ من دُبُر
لَا مَرحباً بصباحٍ جاءَني بَدَلاًمن غُرَّة النجمِ أَو مِن طَلعَة القَمَر
زار الحبيبُ وقَد قَالَت لَهُ خُدعِيزُره وَقَالَ لَهُ الواشُون لَا تَزُر
فجاءَ والخَطوُ فِي رَيبٍ وَفِي عَجلٍكقلبِه جَاءَ فِي أَمنٍ وَفِي حَذَر
كأَنَّه كانَ من تخفيفِ خطوَتِهِيَمشي على الجَمرِ أَو يَسعى عَلى الإبَر
وَقَالَ إِذ قلتُ مَا أَحلَى تَخَفُّرَهتبرَّجَ الحُسن فِ خدِّي مِن الخَفَر
يَا أخضرَ اللَّون طابَت رائحةٌوغبتَ عنَّا فَمَا أبقيتَ للخضر
فَقَامَ يَكسِرُ أَجفاناً مَلاحتُهاتُعزَى إِلى الحُورِ دَعْ تُعزَى إِلى الحَوَر
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع