من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (٢٥)
الصفحة ٢ من ٢
خمس وَأَرْبَعين وَألف وَله منظومة سَمَّاهَا شرح الصُّدُور وتنوير الْقُلُوب فى الاعمال المكفرة للمتأخر والمتقدم من الذُّنُوب وَشَرحهَا وَمن شعره قَوْله
غانية تخجل بدر التَّمامغَايَة سؤلى من جَمِيع الانام
رقيقَة الخصر حوى لَفظهَارقى فَأَصْبَحت لَهَا كالغلام
بَين ثناياها وَذَاكَ اللمابرق تلألأ فى دياجى الظلام
يحسدها الْمسك على لَوْنهَايَا للهوى والريق يحْكى المدام
هَمت بهَا جدا وَكم فى الْهوىهام بهَا فى الْعِشْق قبلى هيام
وَقَوله فى مليحة تسمى غَرِيبه
ولى جِهَة غربية أشرقت بهَالعينى شمس الافق من غير مَا حجب
ولاح بهَا بدر التَّمام لناظرىوَمن عجب شمس وَبدر من الغرب
وَقَوله فِيهَا
ان الاهلة مذ بَدَت غربيةفالغرب مِنْهُ ضيا المسرة يشرق
فالشرق دَعه فَلَيْسَ مِنْهُ سوى ذكاتحترفي وسط النَّهَار وَتحرق
وَذكره السَّيِّد على بن مَعْصُوم فَقَالَ فى حَقه سَابق فرسَان الاحسان وَعين أَعْيَان الْبَيَان الْمشَار اليه فى المحافل الحالب ضرع الادب الحافل والباهر الالباب والعقول بفوائد الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول غاص فى بحار الادب فاستخرج درره وسا إِلَى مطالعه فاستجلى غرره فنظم اللآلي والدرارى ونثر وجدد مَا درس من مغانى الْمعَانى ودثر فَمن نثره مَا كتبه الى القاضى تَاج الدّين المالكى مسائلا سيدنَا المقتدى بآثاره المهتدى بأنواره امام محراب الْعُلُوم البديعه وخطيب مِنْبَر البلاغة الَّتِي أضحت مذعنة لَهُ ومطيعه قمر سَمَاء الْمجد الاثيل فلك شمس فَخر كل ذى مقَام جليل المميطة يَد بَيَانه حواجز الاشكال عَن وُجُوه الْمعَانى الْمُعْتَرف بمنطقه الفصيح القاصى من هَذِه الامة والدانى عُمْدَة الْمُحَقِّقين قَدِيما وحديثا ملاذ المدققين تَفْسِيرا وتحديثا الصاعد معارج الْعليا بِكَمَالِهِ المنشد فى مقَام الافتخار لِسَان حَاله
لنا نفوس لنيل الْمجد عاشقةوَلَو تسلت أسلناها على الاسل
لَا ينزل الْمجد الا فى مَنَازلنَاكالنوم لَيْسَ لَهُ مأوى سوى الْمقل
وَالْقَائِل عِنْد المجادلة فى مقَام المباهلة
نَحن الَّذين غَدَتْ رحى أحسابهموَلها على قطب الفخار مدَار
الْمَمْلُوك يقبل الارض الَّتِي ينَال بهَا القاصد مَا يؤمله ويرتجيه وَينْهى انه نظم بعض الجهابذة الاعيان بَيْتَيْنِ فى التَّشْبِيه وَالسَّبَب الداعى لَهما وَالْمعْنَى الْمُقْتَضى لنظمهما انه أَبْصرت الْعين ظَبْيًا يرتع فى رياضه وَيمْنَع بسيوف جماله عَن وُرُود حياضه يرى العاشق سيآته حَسَنَات جاد بهَا وَأحسن ويعترف لَهُ بالْحسنِ كل حسن فى الانام وَابْن أحسن بدا وَهُوَ الْجَوْهَر السَّالِم من الْعرض وَظهر وَعَلِيهِ أثر من آثَار الْمَرَض فَأَرَادَ الْمُشبه تشبيهه فى هَذِه الْحَالة فشبهه بِغُصْن ذابل قَائِلا لَا محاله ونظم ذَلِك الْمَعْنى فشدا بِمَا قَالَه صادح الفصاحة وغنى وَهُوَ
بدا وَعَلِيهِ أثر من سقامكمكحول من الآرام ساهى
فخيل لى كبدر فَوق غُصْنذوى للبعد من قرب الْمِيَاه
فَاعْترضَ معترض عَالم بالاصدار والايراد قَائِلا ان الْبَيْت الثانى لَا يُؤدى الْمَعْنى المُرَاد اذ الْقَصْد تشبيهه بالغصن الْمَوْصُوف وَلَيْسَ المُرَاد تشبيهه بالبدر فالبدر لَا يُوصف الا بالخسوف فطالت بَين الْمُعْتَرض والمعترض عَلَيْهِ المنازعه وَلم يسلم كل وَاحِد مِنْهُمَا للثانى مَا جادل فِيهِ ونازعه فاختارا القاضى الْفَاضِل حكما ورضيا سيدنَا حَاكما ومحكما فليحكم بِمَا هُوَ شَأْنه وشيمته من الْحق وليتأمل مَا عَسى أَن يكون قد خفى عَن نظرهما ودق والاقدام مقبله وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد مَا هبت المرسله فَأَجَابَهُ القاضى بِمَا هَذَا صورته سيدنَا الامام الْهمام الذى أضحى علم الائمة الاعلام الامام المقتدى بِهِ وانما جعل امام الحبر الذى قصرت عَن اسْتِيفَاء فضائله الارقام وَلَو ان مَا فى الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَارِث الْجَلالَة عَن آبَائِهِ الَّذين زهت بذكرهم الاخبار وَالسير الْمُقِيم من نَفسه العصامية على ذَلِك أوضح دلَالَة يصدق فِيهَا الْخَيْر الْخَبَر الحرى بِمَا اسْتشْهد بِهِ فى شَأْن الْمَمْلُوك السالك من الْكَمَال طَريقَة عز على غَيره فِيهَا لعزته السلوك يقبل الْمَمْلُوك الارض بَين يَدَيْهِ ويؤدى بذلك مَا هُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِ وَينْهى وُصُول الْمِثَال العالى الفائقة جَوَاهِر كَلِمَاته على فرائد اللآلى يتَضَمَّن السُّؤَال عَن بيتى ذَلِك الجهبذ فى الشَّأْن الذى قضى حسنه أَن تسلب الارواح وَتُؤْخَذ وَمنع حبه الْكَلَام الالسن وَكَانَ الدَّلِيل على ذَلِك اعْتِرَاف ابْن أحسن فانه ذُو النّظر العالى الْمدْرك حَقِيقَة الكنه فاذا تنور من أَذْرُعَات أدنى مَا تنوره الى قيد شبر مِنْهُ فَتَأمل الْمَمْلُوك مَا وَقع من تِلْكَ المعارضه الَّتِي أفضت الى التَّحْكِيم والمفاوضه فاذا المتعارضان قد مزجا فى حُلْو فكاهتهما
شدَّة الْبَأْس فى الْبَحْث برقة الْغَزل وَأَخْرَجَا الْكَلَام لبلاغتهما على مُقْتَضى حَال من جد وهزل وجريا الى غَايَة حققا عِنْد كل سَابق انه الْمَسْبُوق وأريا غبارهما لمن أَرَادَ اللحوق وَكَانَ الاحرى بالمملوك ستر عوار نَفسه وَحبس عنان قلمه ان يجرى فى ميدان طرسه لَكِن لما كَانَ ترك الْجَواب من الامر الْمَحْظُور لم يلْتَفت الى مَا يَتَرَتَّب على الْوَاجِب من الْمَحْذُور فَقَالَ حَيْثُ كَانَ الامر على مَا السندة مَوْلَانَا عَن الناطم وروى من انه قصد التَّشْبِيه فى حَال بقايا أثر السقام بِغُصْن ذوى فَعدل الى سبكه فى قالب صياغته وسلكه فى سلك بلاغته فلاشك انه أَتَى بِمَا لَا يدل على المُرَاد دلَالَة أولية ظَاهِرَة وَكَانَ كمن شبه الاغصان أَمَام الْبَدْر ببنت مليك خلف شباكها ناظره وَحِينَئِذٍ فاطلاق القَوْل بِأَن الْبَيْت الثانى لَا يدل على مَا أُرِيد رُبمَا تمسك الْخصم فى عدم ثُبُوت الحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ اطلاق فى مَحل التَّقْيِيد كَمَا ان للمعترض أَن يتَمَسَّك فى ذَلِك باشفاء الدّلَالَة الاولوية فَيكون الْمَحْكُوم بِهِ هُوَ المتعارض فى الْقَضِيَّة وَهَذَا أجدى مَا رَآهُ الْمَمْلُوك فى فصل الْخطاب وَأَحْرَى مَا تحرى فِيهِ انه الصَّوَاب مَعَ اتهامه نَفسه فى مُطَابقَة الْوَاقِع فى الْفَهم لعلمه بدقة نظر مَوْلَانَا اذا قرطس اغراض الْمعَانى من فهمه بِسَهْم وتجويزه على نَفسه الْعَجز عَن الْوُصُول الى مَأْخَذ مَوْلَانَا ومدركه واعترافه بِأَنَّهُ لَا يجارى فى نقد الشّعْر لانه فَارس معركة انْتهى قَوْله فى أثْنَاء الْجَواب كَانَ كمن شبه الاغصان أَمَام الْبَدْر ببنت مليك خلف شباكها ناظره يُشِير بِهِ الى الصّلاح الصفدى حَيْثُ قَالَ
كَأَنَّمَا الاغصان لما انْثَنَتْامام بدر التم فى غيهبه
بنت مليك خلف شباكهاتفرجت مِنْهُ على موكبه
وَقَالَ فى ذَلِك أَيْضا
كَأَنَّمَا الاغصان فى روضهاوالبدر فى أَثْنَائِهَا مُسْفِر
بنت مليك سَار فى موكبقَامَت الى شباكها تنظر
قَالَ النواجى لَا يخفى مَا فى هذَيْن المقطوعين من ضعف التَّرْكِيب وَكَثْرَة الحشو وقلب الْمَعْنى وَذَلِكَ انه جعل الاغصان مُبْتَدأ وَأخْبر عَنهُ ببنت المليك وَهُوَ فَاسد وان كَانَ قَصده تَشْبِيه الْمَجْمُوع بالمجموع الا أَن الاعرب لم يساعده على انه لم يخترع هَذَا الْمَعْنى بل سبقه اليه القاضى محيى الدّين بن قرناص فَقَالَ
وحديقة غناء يتظم الندىبفروعها كالدر فى الاسلاك
والبدر من خلل الغصون كَأَنَّهُوَجه المليحة طل من شباك
فَانْظُر الى حشمة هَذَا التَّرْكِيب وانسجامه وَعدم التَّكَلُّف والحشو وَاسْتِيفَاء الْمَعْنى فى الْبَيْت الثانى فَحسب والصفدى لم يسْتَوْف الا فى بَيْتَيْنِ على مَا فيهمَا فَلَو قَالَ فى الْمَقْطُوع الاول
كَانَ بدر التم لما بدامن خلل الاغصان فى غيهبه
بنت مليك خلف شباكهاتفرجت مِنْهُ على موكبه
وفى الْمَقْطُوع الثانى
كَانَ بدر التم فى رَوْضَةمن خلل الاغصان اذ يسفر
بنت مليك سَار فى موكبفامت الى شباكها تنظر
وَمن شعر الامام الْمَذْكُور قَوْله
هذى رياض الْحسن أَغْصَانهَاغرد بالدوحة مِنْهُ الهزار
يَهْتَز فِيهَا قد ذَات الرنىرقيقَة الخصر على الِاخْتِصَار
بت ونار الشوق قد أضرمتبمهجة قد أحرقها الاستعار
رام عذولى هد ركن الْهوىيَا كعبة الْحسن بك الاستجار
غضيت ذَاك الطّرف عَن نَاظرهيجة الوجد عفيف الازار
وَقَوله مشجرا
غزال كبدر التم لَاحَ بِوَجْهِهِهِلَال رَأَتْهُ الْعين من أفق الشَّمْس
رنا طرفه الفتان يَوْمًا لناظريهيم بِهِ من حَيْثُ يصبح أَو يمسى
بدا لى فى خضر الرياض بأسمربِهِ سودها تيبك الحدائق فى لبس
يُعلل بالتسويف قلبى فليتهرأى دنفا مَا زَالَ يقنع باللمس
هَلَكت جوى مِنْهُ فَمن لمتيمغَرِيب عَن الاوطان يدنو من الرمس
وَقَوله فى الفتاة الْمَار ذكرهَا وهى غربية
هيفاء كَالشَّمْسِ وَلكنهَاغربية يَا قوم عِنْد الشروق
يفتر مِنْهَا الثغر عَن لُؤْلُؤرطب ويبدو مِنْهُ لمع البروق
بِاللَّه يَا عاذل عَنى فَذابارده السلسل فِيهِ يروق
رفقا فَمَا فى العذلى لى طَاقَةيُمكن مِنْهَا العذولى الطروق
غبت عَن العاذل فِيهَا فَمَاهزل وجد لذوات الفروق
وَقَوله فى صدر كتاب
على الحضرة العلياء دَامَ مقَامهَاعليا سَلام طيب النشر وَالْعرْف
الى نَحْوهَا حَملته نسمَة الصِّبَالتكسب وَصفا من شذا ذَلِك الْوَصْف
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبعين وَألف بِمَكَّة وَدفن بالمعلاة بتربتهم الْمَعْرُوفَة
السَّيِّد على بن عبد الله بلفقيه الشَّيْخ الشهير صَاحب الشبيكة بِمَكَّة المشرفة الصوفى ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد بتريم وارتحل مَعَ أَبِيه وَهُوَ صَغِير الى مَكَّة واستوطنها وَكَانَ شَيخا مُعْتَقدًا عِنْد الْخَاص وَالْعَام مَقْبُول الشَّفَاعَة وَقَامَ بِمنْصب وَالِده بعده أتم قيام وَظَهَرت مِنْهُ كرامات كَثِيرَة وَحج مَعَ وَالِده وَأخذ عَنهُ ولازمه مُلَازمَة تَامَّة حَتَّى تخرج بِهِ وَكَانَ وَالِده يثنى عَلَيْهِ وَحضر الشَّيْخ ابْن حجر وَأَظنهُ أَخذ عَنهُ مؤلفاته وَغَيرهَا وَأخذ عَنهُ التصوف والخرقة الشَّرِيفَة خلق وترجمه تِلْمِيذه الشَّيْخ شيخ بن عبد الله العيدروس فى السلسلة وَقَالَ كَانَ من الْمَشَايِخ العارفين لَهُ قدم راسخة فى الْحَقِيقَة وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الصمت وَحكى انه لما زار النبى
آخر زياراته نهى النَّاس عَن الدُّخُول مَعَه فى الْحُجْرَة وَتَبعهُ خَادِم لَهُ فَلَمَّا دخل الْحُجْرَة وَرَأى الانوار صَاح الْخَادِم فَدَعَا عَلَيْهِ بِأخذ عَيْنَيْهِ فَلَمَّا أَصْبحُوا أَتَى سيل عَظِيم وَنهى السَّيِّد خادمه عَن الذّهاب الى السَّيْل فَذهب وَدخل السَّيِّد يغْتَسل فَأَخذه السَّيْل ورماه بِمحل بعيد مَيتا وأكلت الطُّيُور عَيْنَيْهِ وَله أَحْوَاله ومقامات مأثورة وكرامات كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَعشْرين وَألف وعمره أَكثر من سبعين سنة وازدحم النَّاس على جنَازَته وَصلى عَلَيْهِ بِالْحرم الشريف وَدفن بقبة وَالِده عبد الله الى جِهَة الْقبْلَة
على زين العابدين بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس الْمَشْهُور بزين العابدين وتاج العارفين وَهُوَ وَالِد جَعْفَر الصَّادِق الْمُقدم ذكره الشريف الحضرمى الامام الفنن الْكَبِير كَانَ فى عصره رَئِيس الْعلمَاء بحضرموت وَكَانَ أَمر اشرافها اليه وَكَانَ ذَا جاه عَظِيم عِنْد السُّلْطَان يصرفهُ فى مَمْلَكَته كَيفَ شَاءَ ويأتيه الى بَيته ويصدر عَن رَأْيه وتناهى فى الرياسة حَتَّى كَانَ هُوَ الْمُخَاطب بالامور ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَكَانَ سريع الْحِفْظ حسن البديهة وَنَشَأ فى حجر أَبِيه وَكَانَ مَعَ تفرده بعلو الْمنزلَة بارا بوالده يقف بَين يَدَيْهِ ويعتنى بخدمته فَكَانَ يمده بدعائه وَأخذ عَنهُ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والتصوف
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع