من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْمِيم (٢٠)
الصفحة ٢ من ٢
(لست أرضاك مُسْرِفًا فى تجنيك بِحَال وَالْحسن بعض صفاتك)
(لَك فى كل مهجة راضها الْحبّ هوى يستطاب فى مرضاتك ...)
(بقوام يملى على اذا مَال حَدِيث الرماح فى لفتاتك ...)
ومحيا يرى ضئيل نحولىلعذولى وَالصُّبْح للسر هاتك
وسنا مبسم الى الرشد يهدىهائما ضل فى دجى مرسلاتك
(يَا بديعا تحكى الرياض سجاياه أقل مهجتى شبا لحظاتك ...)
أَنا من لَا يحيله فرط اعراضك عَن مَذْهَب الولا وحياتك
(وعَلى مهجتى رَقِيب من الوجد أرى فى لقاه بهجة ذاتك ...)
حسب قلب وناظر يتمناك بِأَن لَا يرى سوى حَسَنَاتك
ملح تسلب النهى ومزاياأَيهَا يُسْتَطَاع واللحظ فاتك
وَله غير ذَلِك مِمَّا ذكرته فى كتابى النفحة وَكَانَت وِلَادَته فى غرَّة رَجَب سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَتوفى ختام صفر سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن لطف الله بن زَكَرِيَّاء بن بيرام الشهير بشيخ مُحَمَّد العربى أستاذى ومرجعى وملاذى عين الرّوم وعماد ملك بنى عُثْمَان وَصدر عُلَمَائهمْ وأوحد الْعَصْر فى الْعلم وَالْفضل وَسَائِر أدوات الرياسة والآخذ من الْآدَاب بالطرف القوى وَكَانَ اليه الاشارة فى الفصاحة والبراعة مَعَ حسن النّظم والنثر فى الالسن الثَّلَاثَة وجزالة الالفاظ وسلاستها الى براعة الْمعَانى ونفاستها وَقد جمع الله تَعَالَى لَهُ أدوات الْفَضَائِل وَلم يزل يتدرج الى المعالى حَتَّى بلغ مَا بلغ وازداد على الايام رونقا واتساقا ورياسة وَعزة وَاسْتقر فى الذرْوَة الْعَالِيَة من قَضَاء الْعَسْكَر ورياسة الْعلمَاء وَكَانَ مقصد الشُّعَرَاء من كل مَكَان لَا تزَال عطاياه وَارِدَة عَلَيْهِم واحساناته فائضة لديهم وَلَو جمع مَا مدح بِهِ من القصائد والمقاطيع لناف على ألف ورقة وَجمع من الْكتب مَا لَا يدْخل تَحت حصر حاصر وَلَا ضبط ضَابِط وَكَانَ مَعَ كَثْرَة تنوعها لَا يشذ عَن فكره شئ مِنْهَا برسومه كلهَا وَلَقَد شاهدت مِنْهُ غَرِيبَة وهى انه افْتقدَ يَوْمًا ملحمة دانيال فَأمر حَافظ كتبه أَن يخرج الرسائل الْمُتَعَلّقَة بالعلوم الرياضية فاستمر الْحَافِظ وَالْفَقِير مَعَه ثَلَاثَة أَيَّام فى مُرَاجعَة هَذِه الرسائل وظفرنا
من الملحمة بنسخ مُتعَدِّدَة وَكَانَت النُّسْخَة الَّتِي أرادها لم تخرج بعد فَكَانَ يشخصها بأسطرها وورقها ثمَّ ظفرنا بهَا على طبق مَا شخصها وَكَانَ من الذكاء فى مرتبَة لم تسمع عَن أحد حَتَّى انه جَاءَهُ يَوْمًا رجل بأسطرلاب عَلَيْهِ كِتَابَة لِسَان الارمنى وَكَانَ عرضه على اناس مِمَّن يعرف ذَلِك اللِّسَان فَلم يستخرجوا الْكِتَابَة وَكَانَ الاستاذ صَاحب التَّرْجَمَة لم يعرف مصطلح كِتَابَة الارمنى فاستملى من شخص نصرانى مقطعات حُرُوفه وَمَا زَالَ يعْمل فكرته حَتَّى استخرج الْكِتَابَة بِقُوَّة رَأْيه وَسلمهَا لَهُ أَرْبَاب ذَلِك اللِّسَان وَكَانَت الْكِتَابَة تَارِيخ عمل الاسطرلاب وَله من هَذِه الخوارق فى الحدس أَشْيَاء كَثِيرَة ولد بغلبه وَتقدم أَن وَالِده ولى قضاءها مُدَّة خمس وَأَرْبَعين سنة وَتوفى أَبوهُ وَهُوَ ابْن سبع سِنِين فَأحْضرهُ اليه عَمه شيخ الاسلام يحيى وتقيد بِحِفْظ هَذَا الدّرّ الْيَتِيم وَكَانَ عِنْده وَعند زَوجته أعز من كل أحد فانهما مَا رزقا ولدا وَكَانَ عَمه يطْلب لَهُ الدُّعَاء من كل من يدْخل اليه وَيرد من أهالى الْبِلَاد عَلَيْهِ لَا سِيمَا من أهالى الْحَرَمَيْنِ الشريفين ثمَّ شرع فى الِاشْتِغَال فَقَرَأَ أَولا على الاستاذ السَّيِّد مُحَمَّد نزيل قسطنطينية ثمَّ على حَامِد بن مصطفى الاقسرابى وعَلى الْعَلامَة أَحْمد الشهير بدرس عَام وعَلى الْمولى حسن الطَّوِيل قاضى الْعَسْكَر باناطولى رُتْبَة ثمَّ لزم الْمولى مُحَمَّد الكردى الشهير بمنلا حلبى وعَلى الملا عبد الله وَتخرج فى الادب على عَمه سُلْطَان الْعلمَاء وَالشعرَاء وَكَانَ فى عنفوان عمره يعرض عَلَيْهِ لطائف أشعاره فيصلح مَا فِيهَا وتخلص أَولا بشيخى ثمَّ بعزتى واشتهر كَمَاله من حِين كَانَ ولدا وَكَانَ السُّلْطَان مُرَاد يسْأَل عَمه عَنهُ كثيرا وَيُرْسل لَهُ العطايا الطائلة وَلَقَد ذكر والدى بوأه الله تَعَالَى فسيح جنانه انه استدعاه السُّلْطَان مُرَاد وَأَعْطَاهُ فى يَده بعض دَنَانِير فَفَاضَتْ عَن يَده وَسقط مِنْهَا الى الارض جَانب فَلم يلْتَفت الى مَا سقط فَعجب السُّلْطَان من نزاهته ثمَّ لَازم على دأبهم من السُّلْطَان ابراهيم فى أَوَائِل شَوَّال سنة احدى وَخمسين وَمَات عَمه بعد ذَلِك فاستقر فى دَاره وانضمت اليه حواشى عَمه من الصُّدُور وَحكى أَنه لما عَاد من جَنَازَة عَمه الى دَاره وَمَعَهُ حفدة عَمه صحبهم السَّيِّد مُحَمَّد نقيب الاشراف فَلَمَّا أَتَوا الدَّار أَخذ المخدوم صَاحب التَّرْجَمَة الى صَدره وضمه وَقبل رَأسه وَأَجْلسهُ مَكَان عَمه وكساه الله تَعَالَى فى ذَلِك الْوَقْت ثوب الْوَقار والسكون والهيبة وَكَانَ عمره يَوْمئِذٍ ثَمَان عشرَة سنة فَأَقَامَ بدار عَمه وَورثه وحفته جمَاعَة عَمه كالمولى مُحَمَّد عصمتى وَالْمولى مُحَمَّد العجمى ثمَّ اتَّصل بكريمة
شيخ الاسلام أَبى سعيد فَأقبل عَلَيْهِ وصيره كَأحد أَوْلَاده فى الْمحبَّة والحنو وَوجه اليه ابْتِدَاء مدرسة عَمه برتبة موصلة الصحن ثمَّ نَقله الى احدى الثمان وَمِنْهَا درس بمدرسة أسماخان بنت السُّلْطَان سُلَيْمَان وَنقل مِنْهَا الى دَار الحَدِيث وَأعْطى مِنْهَا قَضَاء الشأم وَكَانَ ذَلِك فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وأرخ قَضَاءَهُ عبد الْبر الفيومى بقوله للشام عز وَشرف وَقدم اليها نَهَار الْجُمُعَة عشرى رَجَب من تِلْكَ السّنة وسلك طَرِيقا محمودة مَعَ الْوَقار والعفة وَكتب اليه والدى هَذِه القصيدة يمدحه بهَا وهى
صبح الْوِصَال بدا عمودهوالدهر قد صدقت وَعوده
وَالرَّوْض أضحى باسمالمسرتى واخضر عوده
( ... وتضوعت أنواره ... بمناى اذ وَردت وُرُوده)
قد صَاح فِيهِ العندليبوفاح فى الْآفَاق عوده
من منصفى من شادنفى الْحبّ قادتنى قيوده
ملك تحكم فى الورىوَقُلُوبهمْ طَوْعًا جُنُوده
رقت معاطف خصرهفتحيرت فِيهَا بنوده
(ان رمت معنى الْحسن مِنْهُ عَلَيْك تمليه خدوده ...)
وعَلى الْحَقِيقَة مَالهمن مشبه لَوْلَا صدوده
(نشوان من خمر الدَّلال عَلَيْهِ مَا قَامَت حُدُوده ...)
مَا زلت أخْشَى بعدهفعلى اذ وفدت وفوده
(والصب من نَار الغرام فُؤَاده فِيهَا خلوده ...)
وعَلى مياه خدودهورياضها أبدا وُرُوده
رق العذول لحالهيَوْم النَّوَى وَكَذَا حسوده
وافى خيال خيالهفَأتى لمضناه يعودهُ
فلك المسرة والمنىنحوى لقد دارت سعوده
بقدوم مولى الشَّام منأمْلى من الدُّنْيَا وجوده
قد حَاز رقى بالولاولرق أجدادى جدوده
من ذَا يضاهى مجدهلاسؤدد الا يسوده
مَا الْمجد الا مجدهفاليه قد خضعت أسوده
قاضى عَدَالَته غدنكل الانام بهَا شُهُوده
ملئت ملابسه حَياوَمن التقى نسجت بروده
فى الْعلم طود والتواضع مُفْرد وَالْبَحْر جوده
أبقاه ربى ملْجأأبدا وللعليا صُعُوده
ثمَّ نقل مِنْهَا الى مصر فى غرَّة رَجَب سنة خمس وَسِتِّينَ ثمَّ عزل وَتَوَلَّى قَضَاء بروسه ثمَّ أعْطى رُتْبَة قَضَاء أدرنه ثمَّ صَار قَاضِيا بدار السلطنة فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَاسْتمرّ بهَا قَاضِيا سَبْعَة عشر شهرا وصل اليه والدى فى أثْنَاء قَضَائِهِ فَوجه اليه نِيَابَة أخى جلبى وأجزل عَلَيْهِ نعمه الدارة قَالَ والدى وَوجدت مِنْهُ أَبَا شفيقاً وأخا بارا شقيقا فنظم أمرى واغتنم شكرى وأجرى ورعى فى معروفه مَعْرُوف اسلافه لاسلافى وَجعل السُّعُود فى جَمِيع الْمَقَاصِد من أخلافى بانيا كَمَا بنوا وبادياً من حَيْثُ انْتَهوا فغدت وَحْشَة اغترابى بخدمته انسا وألسن شكرى لاياديه وَنشر مساعيه خرسا وَكنت أرى من فَضله وبديع بديهته وصفاء قريحته ولطف طَبِيعَته واشاراته الذوقيه ومحاضراته الادبيه مَا يبهر الْعُيُون ويحقق الظنون الى مَا حواه من كرم الشمايل والاحتشام والمحاسن الموفرة الانواع والاقسام فَمَا أنْكرت طرفا من أخلاقه وأقواله وَمَا شاهدت الا مجدا وشرفا من أَحْوَاله
واذا نظرت الى أميرى زادنىضنابة نظرى الى الامراء
فَلَو صرفت أَوْقَات عمرى وتشرعت بِجَمِيعِ مَذَاهِب الثَّنَاء وَالدُّعَاء لَهُ طول دهرى لما كنت الا فى كَمَال التَّقْصِير ومعترفا بِالْعَجزِ الْكثير وَمِمَّا شنف سمعى بِهِ فى أثْنَاء المذاكره أَيَّام تشرفى فى مجالسة الزاهية الزاهره قَوْله من ربَاعِية أنشدنيها
ناديت أحبتى لاجل السلوىوالدهر رسوم ربعهم قد سوى
بالنوحة جدت فى المغانى حَتَّىقد ساعدنى على بكائى رضوى
فَأَنْشَدته بديهة على طَرِيق الْمُعَارضَة وهى
يَا من بعدوا وأورثونى الْبلوىأبدى لكم من الْفِرَاق الشكوى
أَصبَحت وحبكم عميدا دنفامن بعدكم رق لحالى رضوى
وأنشدنى بعد أَيَّام قَوْله أَيْضا
يسبى الْعُقُول بلحظه فَكَأَنَّمَاسقيت سيوف جفونه بسلاف
سيفيه صَاد الْقُلُوب بنظرةمن بَين نقل قوادم الخطاف
فَأَنْشَدته
رشأ رَقِيق الْقد والاعطافلم يخْش صارم لحظه اتلافى
خطف الْفُؤَاد بنظرة من لحظهلما رآنى انقض كالخطاف
ثمَّ فارقته عَازِمًا على الرحلة الى الوطن وأنشدته حَالَة التوديع هَذَا
ان سَار عَبدك ظَاعِنًافى النَّاس أَو أضحى مُقيما
فَهُوَ الذى لحماكمومَا زَالَ فى الدُّنْيَا خديما
انْتهى ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بانأطولى فى ثامن عشر الْمحرم سنة تسع وَسبعين وَكَانَ وَهُوَ قَاض بِدِمَشْق وعد أَبى بملازمة لى فَأحْسن بهَا وأرسلها من مَدِينَة يسكى شهر وَكَانَ توجه اليها فى خدمَة السُّلْطَان مُحَمَّد وَأرْسل الى مَعهَا مدرسة لامعى فى بروسه بِخمْس وَعشْرين عثمانيا ثمَّ نقل الى قَضَاء عَسْكَر روم ايلى وَأرْسل الى مدسة خوجه خير الدّين بِثَلَاثِينَ عثمانيا ثمَّ عزل عَن قَضَاء الْعَسْكَر وَقدم الى دَار السلطنة فانزوى فى دَاره وَاسْتمرّ مُدَّة لَا يخرج الا فى يَوْم الثلاثا وَيَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ اذا خرج فى هذَيْن الْيَوْمَيْنِ تواردت عَلَيْهِ الافاضل من كل نَاحيَة وجبيت اليه أنفس البضائع من الْفُنُون فَلَا تمر لَحْظَة من ذَلِك الْمجْلس الا فى مذاكرة ومطارحة وَلما وصلت الى قسطنطينية فى سنة سبع وَثَمَانِينَ رَأَيْته فى تِلْكَ الْحَالة وحضرته فَوَجَدته محط رحال الْفُضَلَاء ومقصد الادباء وَالشعرَاء فَدخلت الى مَجْلِسه وأنشدته هَذِه الابيات وهى
دنا الركب من حى تقادم عَهدهوهيج فِيهِ الْقلب وجد يجده
دَعَتْهُ الى الشكوى معالم انسهوَلَكِن أسرار الغرام تصده
بنفسى من جرعائه كل شادنتملك منى حَبَّة الْقلب وده
من الصَّيْد يرنو لحظه عَن مهنديفْسد قُلُوب الدارعين فرنده
أرد عيونى عَنهُ خيفة كاشحوَهل يمْنَع الصادى عَن المَاء رده
سقانى مداما رق فى اللطف جرمهافشف بهَا عَن أَحْمَر الْورْد خَدّه
سلافا يصير الصُّبْح فى كشفه لناقناع الدجى مِنْهُ سنا يستمده
وَقد بسطت فى الرَّوْض كف بَيْعهنَسِيج نوار حيك كالوشى برده
أَقَمْنَا بِهِ نملى حَدِيث صبَابَةالى الْعُمر اشهى من شباب يوده
الى أَن دعانى للوداع فهاج بىخفى سعير يظْهر البث وقده
وقفت وطرفى لَا أردد دمعهوَقد كنت حينا للفراق أعده
وطار بى الغى المشت فى كل منهلفؤاد بحى يصحب الْحبّ رشده
أنهنه طرف الشوق فى كل منهليكَاد الفضا يبدى وَلم يبد ورده
وعزمى يَقُود الشوق منى عنانهلربع جواد يمْلَأ الدَّهْر رفده
أَخُو عَزمَات لَا يفل جسامهاوَعند مضاها يجل السَّيْف حَده
يفوت احْتِمَال الْمَرْء أول عَفوهوَقد جَاوز الْمَقْدُور فى السعى جهده
اذا أشرقت شمس العلى عَن جَبينهفطلعها يستخدم الدَّهْر سعده
يروق بِهِ غُصْن من الْحَمد يَانِعويعبق من نشر الثنا فِيهِ رنده
( ... فَلَا تعثر اللحظان دون مقَامه ... بِغَيْر منال يقْدَح الْعِزّ زنده)
بِمَا تستجد المزن وضاير وقهوَمن فيض يمناه المنى يستجده
أدر على الايام سيا تَفَجَّرَتْينابيع حَتَّى الصخر أعشب صلده
وَلم يبْق للمقدار غير تعلةيسير بهَا من قَارن الْيمن كده
فيا من يرينى من نداه أمانيايسالمنى فِيهَا من الدَّهْر وغده
رعى الامل الغادى اليك انسيابهفَكَانَ الى صوب المجرة قَصده
وشام لديك الْبَحْر فى صُورَة الحجايفِيض علينا من هباتك مده
فَلَا تنتهى فى يَوْمنَا لَك نعْمَةكَمَا انه لَا ينتهى فِيك حَمده
وَكَانَت الامراض قد أثرت فِيهِ تَأْثِير بَالغا وأحناه الضعْف حَتَّى صَار كالقوس وَكَانَ لَا يقدر على الْحَرَكَة الا بِمَشَقَّة عَظِيمَة وَكَانَت النزلات تعتريه فى دماغه وفى الشتَاء يجلس فى مَكَان صَغِير وَيكون عِنْده منقل كَبِير يكون عَلَيْهِ من الفحم وَالنَّار شئ كثير وَكَذَا فى الموقد كثير من الْحَطب وَعَلِيهِ الثِّيَاب الْكَثِيرَة وَتَحْته الطرحة الوثيرة بِحَيْثُ انه يُوجد الْحر وَالْكرب وَهُوَ مرتاح ثمَّ ولى ثَانِيًا قَضَاء روم ايلى وازدانت بِهِ الدولة وَأَقْبل عَلَيْهِ السُّلْطَان مُحَمَّد اقبالا زَائِدا وَكَانَ يطْلب الِاجْتِمَاع بِهِ وَطلب أَن يضيفه فى بستانه الذى باستبه فأضافه فَلَمَّا تمّ الْمجْلس ألبسهُ السُّلْطَان فَرْوَة من السمور ثمَّ عزل فَقلت أسليه بِهَذِهِ القصيدة
ضرب الْغَمَام مضاربا من عنبرملئت خزائنها بأنفس احور
والارض ترفل فى مطارف سندسكالخود فى حلل الْحَرِير الاخضر
وَالرَّوْض معتل النسيم كَأَنَّهُدَار النَّعيم وماؤه كالكوثر
فَاشْرَبْ على ورد الخدود مَعَ الربىرَاح الزجاجة والرضاب الْمُسكر
وانهب زمَان اللَّهْو قبل فَوَاتهفالعيش لَيْسَ بدائم لمعمر
والدهر أغدر من أضب فانهيصمى الْفَتى من حَيْثُ مَا لم يحذر
وَلَقَد عرفت بنيه معرفتى بِهِفعجبت من حَظّ اللبيب الْمُدبر
وَالنَّاس أميل مَا رَأَيْت الى الْغنىفيكاد يعبد كل عبد مُوسر
ولرب ذى فضل يواصل ليلهطيا وَجَهل فى النَّعيم الاوفر
لَا سامح الله الزَّمَان فانهمن شَأْنه تَقْدِيم كل مؤحر
والنذل أَضْعَف مَا يرى مُتَقَدماكتقدم الْمَعْمُول قبل الْمصدر
وَالنَّدْب أجمل مَا يكون مُجَرداكالعضب لَيْسَ قدما لم يشهر
واذا الضمائر فى الْمَرَاتِب قدمتوتظاهرت حسن اختفاء الْمظهر
مَا خص ذُو الْجَهْل الدنى برتبةالا كَمَا خص الختام بخنْصر
والمرء أتعب مَا ترَاهُ اذا ابْتغىخطرا وليل حظوظه لم يقمر
كالمدح أضيع مَا يكون اذا جرىفى غير روح الْكَوْن قاضى الْعَسْكَر
عَلامَة الدُّنْيَا وَخير مقدمهُوَ فى الصُّدُور كتبع فى حمير
قلب الْوُجُود العزتى مُحَمَّدذُو الْوَجْه وَالْفِعْل الْجَمِيل الازهر
وتر الْكَمَال فَمن رأى أهل العلىوأضله أَمْسَى كمن لم يُوتر
متواضع للسائلين وَرُبمَايسمو تكبره على المتكبر
بِالْعَدْلِ تقطر نعْمَة أَيَّامهللمهتدين ونقمة للفجر
لَو كَانَ يطْلب قدره لم يرضهالا الاسرة أَو مراقى الْمِنْبَر
مولى اذا بخل الْغَمَام أَفَاضَ منيمناه بالنقدين خَمْسَة أشهر
يعْطى على الْحَالين قدرَة ملكهويريك عذر المذنب المستغفر
لَا شئ أكْرم مِنْهُ الا جائدكرما بِهِ والجود أشرف مخبر
تبع الافاضل والا ماجد رَأْيهان الْقَلِيل لتابع للاكثر
قَامَت فضائلهم بِهِ فَكَأَنَّهَاعرض وجوهر ذَاته كالجوهر
من قاسهم جودا بِهِ فَكَأَنَّمَاقَاس الجداول جَاهِلا بالابحر
نسخت مكارمه أَحَادِيث الألىسَبَقُوهُ من معن الْجواد وجعفر
وَلَئِن تَأَخّر عصره عَنْهُم فَمَاهُوَ فى سَبِيل الْمجد بالمتأخر
لَيْسَ الزَّمَان بِمُوجب تَفْضِيلهمْفَسَمِّيهِ الْمُخْتَار آخر مُنْذر
والطل قبل الوبل والاسفار منقبل الضُّحَى والخلد بعد الْمَحْشَر
وتجئ فذلكة الْحساب أخيرةلتَكون جَامِعَة العديد الاوفر
وَاضْرِبْ لَهُم مثلا مَنَاقِب ماجدمحصورة لمناقب لم تحصر
يأيها الْمولى الْعَظِيم وَخير منورث السياد قسورا عَن قسور
خُذْهَا بديعة بَابهَا وضاحةرقت فرق لَهَا قريض البحترى
واستجلها بكرا قبولك مهرهَاوَالْبكْر لَيْسَ تحل مَا لم تمهر
فَلَانَتْ أهل الْمَدْح دمت لاهلهمَا بيع الا كنت أَنْت الْمُشْتَرى
لَا زلت فى أوج السَّعَادَة راقياومقامك الْمَحْمُود فَوق الْمُشْتَرى
مَا حجك الراجى وبابك قبْلَةبقلائد فضحت صِحَاح الجوهرى
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع