تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْمِيم (٢١)

الصفحة ٢ من ٢

قَالَ فأجابنى بقوله بِهَذِهِ وهى

أَيهَا الْفَاضِل الذى فى الْمعَانىوَبَيَان علا بديع الزَّمَان
يَا فصيحا قد فاق فى الْفضل قساوبليغا أربى على سحبان
من يجارى جواد فكرك يكبوطرفه فى غَدَاة يَوْم الرِّهَان
هَكَذَا هَكَذَا القريض والافالاحق السُّكُوت للانسان
قد حللت الْمَعْقُود أحسن حلوعقدت المحلول عقد الجمان
وبذكر الخدود هيمت قلباكَانَ من قبل زَائِد الهيمان
وبواو الاصداغ وَالدَّال أضحىلى دور فى فى الْورْد وَالريحَان
وحوى نظم عقد لفظك لغزاسَاب الرّوح من يَد الجثمان
هُوَ شئ لَهُ على النَّاس حكممن تولى عَلَيْهِ أصبح عانى
حَاكم ظَالِم لطيف عنيفبَاطِن ظَاهر بِلَا كتمان
جَائِر فى قُضَاته لَيْسَ يخْشَىمن وَزِير علا وَلَا سُلْطَان
وَقُلُوب الاسود بالرغم أمستمِنْهُ قهرا مراتع الغزلان
كم لَهُ فى الاحياء مثلى قَتِيلامن كماة لَدَى الوغى شجعان
وَهُوَ فى اللَّفْظ ذُو حُرُوف ثَلَاثولدى الْبسط وَاحِد مَعَ ثَمَان
أول مِنْهُ ان بدا لى أنادىمرضى من مرضة الاجفان
وأخير مماثل طور سيناعَكسه فاق شامخ الْبُنيان
ان تفصل حُرُوفه وتصحفتلقه فى مفصل الْقُرْآن
وتراه مُصحفا عَاد كالصبحاذا من هَاجر بالندانى
وَهُوَ فى الْقلب كامن وتراهناطقا مفصحا بِغَيْر لِسَان
ثُلُثَاهُ أودعته فى مقالىعِشْت دهرا ممتعا فى أَمَان
خُذ جَوَابا بَينته لَك حَتَّىصَار من بعد وَاضح التِّبْيَان
ثمَّ دم راقيا سَنَام المعالىحائز الْمجد فائق الاقران
مَا جرى بَين أهل فضل سُؤالوَجَوَاب يفوق زهر الْجنان

وَمِمَّا أوردهُ النَّجْم الغزى مَا أنْشدهُ اياه قَوْله

لَوْلَا ثَلَاث هن من ودىمَا كنت أخْشَى الرمس فى لحدى
ان أنشر السّنة أبغى بهَانصرا على الْحَاسِد والضد
وأتلو الْقُرْآن لَيْلًا اذانَام الورى فى الْفرش والمهد
وان أرى فى عمل مخلصالَدَى الاله الْوَاحِد الْفَرد
فهى ثَلَاث أرتجى فى غَدأرقى بهَا فى جنَّة الْخلد

قَالَ النَّجْم مولده كَمَا سمعته من لَفظه ثمَّ قرأته من خطه فى أحد الربيعين سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى يَوْم الاربعاء ثَالِث شعْبَان سنة بعد الالف وَكَانَت جنَازَته حافلة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قَالَ وَكَانَ سَبَب مَوته مرض عقب غيظ حصل لَهُ فى مجْلِس عقده عَلَيْهِ شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا حِين كَانَ قَاضِيا بالشأم بِسَبَب حمية لابى زَوجته السَّيِّد أَبى بكر الحصرى بِسَبَب دَعْوَى سبقت مِنْهُ فى زمن الْمولى كَمَال الدّين حُسَيْن كَانَ قاضى الشأم على زين الدّين بن المريد أَنه سبه وَسَب أجداده وَكَانَت مفتراة على ابْن المريد أَن يذب عَن عرضه وَيدْفَع

مَا سجل عَلَيْهِ من الدَّعْوَى فعرضت صُورَة الدَّعْوَى على شُيُوخ الْعَصْر فوجدوها متناقضة هى وَالشَّهَادَة وبينوا التَّنَاقُض فعارف فى ذَلِك الداودى فَجمع قاضى الْقُضَاة الْعلمَاء مِنْهُم شَيخنَا القاضى محب الدّين الحنفى وَالشَّيْخ شهَاب الدّين العيثاوى الشافعى وَكَانَا قد أفتيا بِعَدَمِ مُطَابقَة الشَّهَادَة للدعوى فعارضهما الداودى وأيد أهل الْمجْلس كَلَامهَا وأفهموا القاضى مَا أفهماه وَوَقع من القاضى فى حَقه بِسَبَب انه قَالَ معتذرا عَن قِيَامَة فى ذَلِك الْمُصَاهَرَة تقتضى المناصرة وَقَالَ لَهُ القاضى لَا تكْتب على الْفَتْوَى بعْدهَا فَحصل لَهُ غيظ وانزعاج وَمرض من يَوْمئِذٍ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الذى مَاتَ فِيهِ ابرهيم بن الطباخ الْمُقدم ذكره دخل ضحوة النَّهَار جمَاعَة يعودون الداودى فَبَيْنَمَا هم عِنْده اذ دخل عَلَيْهِ منلا على العجمى الاعرج وَكَانَ من أصدقائه وتلاميذه فَقَالَ لَهُ أعظم الله أجركُم فى الشَّيْخ ابراهيم بن الطباخ فتألم الداودى وتأوه وتأسف عَلَيْهِ وتكدر الْمجْلس لما كَانَ بَينهمَا من الصداقة والتلاميذ فَخرج النَّاس فَقَالَ لاخيه الشَّيْخ عبد الْقَادِر أقعدنى يَا أخى فأقعده فلقف ثَلَاث لقفات وَمَات لوقته رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن مُحَمَّد الملقب بدر الدّين الكرخى الشافعى نزيل مدرسة السُّلْطَان حسن بِمصْر ذكره الشَّيْخ مَدين القوصونى فَقَالَ فى حَقه كَانَ عَالما عَاملا فَاضلا كَامِلا فَقِيها مُفَسرًا مُحدثا مطلعا أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة مِنْهُ شيخ الاسلام زَكَرِيَّا الانصاري قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأت عَلَيْهِ سُورَة الْفَاتِحَة وأجازنى بِجَمِيعِ مروياته ومؤلفاته وَمِنْهُم الامام شهَاب الدّين أَحْمد الرملى وَولده الشَّمْس وَالشَّيْخ الْعَلامَة الشَّمْس مُحَمَّد بن ابراهيم التتائى المالكى قَالَ وَمن جملَة مَا قرأته عَلَيْهِ شَرحه على القصيدة الَّتِي فى مصطلح الحَدِيث الَّتِي أَولهَا قَوْله

غرامى صَحِيح والرجا فِيك معضلوحزنى ودمعى مُرْسل ومسلسل
للشاعر ابن فَرْح الإشبيلي، اقرأ القصيدة

قَالَ قرأتها عَلَيْهِ فى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَألف التآليف الفائقة مِنْهَا حاشيتان على تَفْسِير الجلالين كبرى فى أَربع مجلدات وصغرى مجلدين ضخمين وَله أَيْضا حَاشِيَة على شرح الْمِنْهَاج للشَّيْخ جلال الدّين الْمحلى وَكَانَت وِلَادَته فى عشرَة وَتِسْعمِائَة وَتوفى سنة سِتّ بعد الالف فى ذى الْقعدَة وَدفن بحوش الامام الشافعى رحمهمَا الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن مُؤذن باجمال قَالَ الشلى فى وَصفه صَاحب الاحوال

والمهابة ولد فى سنة خمس وَتِسْعمِائَة بعد وَفَاة وَالِده مُحَمَّد فَسمى باسمه وتربى فى حجر عَمه الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وَحفظ الْقُرْآن وَقَرَأَ على عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور الْعلم وَأخذ الْفِقْه عَن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن سراج ووالده والفقيه مُحَمَّد بامهيد وَحصل كتبا كَثِيرَة ووقفها على طلبة الْعلم وَكَانَ صَحِيح الْقلب والجسم معافى من الامراض معاشر بِالْمَعْرُوفِ قَائِما بِحُقُوق الاخوان والمحبين فى الله تَعَالَى من الاكرم وصلَة الرَّحِم لَهُ صَبر شَدِيد شكور لله تَعَالَى على نعمه الظَّاهِرَة والباطنة وَكَانَ لَهُ همة علية ومروءة تَامَّة فى جَمِيع أَحْوَاله ووقف على عمَارَة كتبه وَقفا كَبِيرا ووقف سقايتين ووقف عَلَيْهِ مَا يقوم بهما وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبع بعد الالف

مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله التركى الخلوتى المصرى أَخُو عبد الله الصبان الْمُقدم ذكره المناوى فى طبقاته وَقَالَ كَانَ شَيخنَا صَالحا متعبدا متزهدا ريض الاخلاق حسن الشمايل جيد الْخِبْرَة بطرِيق التصوف مشاركا لاهل الْحَقَائِق أَخذ عَن الشَّيْخ كريم الدّين الخلوتى ثمَّ عَن أَخِيه الشَّيْخ عبد الله وَكَانَ مَعَ تخلقه باخلاق الْقَوْم وتمكنه فى طريقهم لَا يَأْكُل إِلَّا من عمل يَده فَكَانَ يعْمل المناخل ويبيعها ويتقوت مِنْهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك ملازما للْجدّ وَالِاجْتِهَاد بِحَيْثُ لَا يغْفل طرفَة عين وَكَانَ محمدى الصِّفَات ان ذكرت الدُّنْيَا ذكرهَا مَعَك وان ذكرت الْآخِرَة ذكرهَا مَعَك وَلم يكن للغضب عَلَيْهِ سَبِيل وَكَانَ قد انْتهى الى حَالَة يسمع مَعهَا نطق الْحَيَوَانَات والجمادات بالتسبيح وَكَانَ اذا اشْتغل بِالذكر شَاركهُ الموجودات قَالَ وَلَزِمتهُ فَمَا رَأَيْته غضب وَقَالَ لى انه أَقَامَ ثَلَاثَة عشر عَاما لَا يضع جنبه الى الارض بل يصلى الصُّبْح بِوضُوء الْعشَاء وَقَالَ لى انه أَقَامَ بِمَكَّة سِنِين ينفصد فى كل أُسْبُوع مرَّتَيْنِ لشدَّة حر الْقطر وحدة الِاشْتِغَال قَالَ وَهَذِه كَرَامَة لَا ينكرها الا حَاسِد أَو معاند وَوَقع لَهُ أَنه دخل بَيْتا لَيْسَ فِيهِ مِصْبَاح فأضاء بدنه وَكَانَ يتأسف على اندراس أهل الطَّرِيق واختفاء آثَارهم وَحج فى آخر عمره وَرجع مَرِيضا وَمَات فى سنة سبع بعد الالف بعد هُوَ شهر من قدومه وَقَالَ فى مَرضه قد فتشت وطفت الْحجاز فَلم أر أحدا من الظاهرين فِيهِ أَهْلِيَّة التسليك وَطَرِيقَة الخلوتية قد صَارَت شاذلية وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع الازهر وَدفن بِجَانِب أَخِيه عبد الله بحارة بهاء الدّين تجاه مدرسة ابْن حجر وَلم يخلف بعده مثله رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن مُحَمَّد شمس الدّين القدسى الشافعى الدمشقى الْمَعْرُوف فى بِلَاده بِابْن خصيب وبالسيد الصادى وفى دمشق بالسيد القدسى وَقد تقدم حفيده مُحَمَّد بن على وَذكرت نسبه ثمَّة فَليرْجع اليه وَكَانَ هَذَا السَّيِّد المترجم من أهل الْفضل والادب نَشأ على الْجد وَالِاجْتِهَاد حَتَّى سَاد وبرع ونبغ من بَين أَهله وحيدا لانه لم يكن فيهم صَاحب معرفَة بل كلهم من أَرْبَاب الْحَرْف ورحل الى مصر فى ابْتِدَاء أمره وَحفظ فِيهَا صفوة الزّبد وَكَانَ يَقُول كنت أسمع العلاماء بَيت الْمُقَدّس يَقُولُونَ من قَرَأَ هَذَا الْكتاب لابد أَن يلى الْقَضَاء قَالَ وَكنت لَا أَرغب فِيهِ فَكنت أَقُول انخرمت الْقَاعِدَة فَلَمَّا كنت بالروم احْتِيجَ الى قَاض شافعى لاجل فسخ نِكَاح فوليت الْقَضَاء فى تِلْكَ الْقَضِيَّة فَقلت هَذَا تَأْثِير مَا قيل فى من قَرَأَ الصفوة وَأخذ تدريس الْمدرسَة الجوزية وَأخذ فى مرّة أُخْرَى توجه فِيهَا الى الرّوم تدريس الْمدرسَة العمرية بالصالحية وَكَانَت لِلشِّهَابِ العيثاوى فَأعْطَاهُ العيثاوى دَرَاهِم واستفرغه عَنْهَا ثمَّ سَافر الى الرّوم مرّة أُخْرَى فاخذ تدريس العذارية فَقَرَأَ واقرأ وَأخذ العذراوية عَن القاضى ابْن المنقار فسافر وَأَخذهَا عَن ابْن المنقار ثَانِيًا واستمرت عَلَيْهِ الى أَن مَاتَ ودرس بالجامع الاموى وَلما هدمت دَار الْعدْل الَّتِي كَانَ قد عمرها الْملك الْعَادِل نور الدّين بِدِمَشْق وَكَانَ هدمها فى أَوَاخِر سنة ألف أَخذ السَّيِّد الْمَذْكُور حِصَّة من أرْضهَا وعمرها دَارا لَهُ وَسكن بهَا مُدَّة وَكَانَ قبل ذَلِك سَاكِنا بِالْمَدْرَسَةِ الريحانية وَكَانَ فى مُدَّة اقامته بِدِمَشْق يزاخم أكابرها ويداخلهم ويشفع فَتقبل شَفَاعَته الى أَن ولى قَضَاء الشَّام شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّاء فولاه قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِدِمَشْق قَالَ البورينى فاقتضت حِكْمَة الله تَعَالَى أَن اخْتَلَّ تَدْبيره وانهدم تعميره وَصَارَ عقله معقولا وَعقد تصرفه محلولا وَصَارَ يسير فى الاسواق مُنْفَردا وَيدخل بيُوت الطباخين وحيدا فيأكل من طعامهم ويلتذ بكلامهم ويلقى أَصْحَابه فَلَا يعرفهُمْ وينصرف عَنْهُم ويصرفهم وَلما ظهر اختلاله وَاخْتلفت أَفعاله وتناقضت أَقْوَاله وَلم تنتظم أَعماله قَيده وَلَده فى دَاره وَمنعه من تسياره وَمَضَت لَهُ مُدَّة شنيعة وَانْقَضَت أَحْوَاله البديعة والدهر أَبُو الاهوال وَلَا يبْقى مَعَ أحد على حَال ثمَّ قَالَ وَكَانَ لى رَفِيقًا وَكنت لَهُ صديقا لَا أفتر عَن مصاحبته وَلَا أغيب عَن مُوَافَقَته فاما يكون عندى واما أكون عِنْده وَكَانَ

لَا يلتذ بالعيش بعدى وَلَا ألتذ بالعيش بعده كَمَا قيل فى مَعْنَاهُ

بروحى من نادمته فَوَجَدتهألذ من الشكوى وأصفى من الدمع
يوافقنى فى الْهزْل والجدد دَائِمافَينْظر من عينى وَيسمع من سمعى

قَالَ وَكنت فى صحبته مرّة فى قَرْيَة منين من قرى الشَّام وهى فى الْحَقِيقَة ذَات روض نسام وزهر يفوق وزه على الثغر البسام مَاء جارى ونسيم سارى وواد لَا ترى فِيهِ الشَّمْس الا من خلال الاشجار وفوقها أطيار تسبح الْوَاحِد الْغفار فى الاصل والاسحار فَلَمَّا دنا وَقت الظهيره وَحمى حر الهجيره أَرَادَ الراحه فَانْفَرد عَنَّا للاستراحة فَمَا رَأَيْت الْمَنَام غنما بل رَأَيْته فى مثل ذَلِك الْمَكَان غرما فَكتبت اليه مرتجلا وَأرْسلت اليه عجلا

بحقك خلى لَا تضع فرْصَة المنىوبادر الى هَذَا الغدير المسلسل
وان لم تَجِد زهر الرياض فاننانريك زهوراً من كَلَام مرتل

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.