تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

الرسالة السادسة عشرة كتاب البغال (٢)

الصفحة ١ من ٢

وقال دعْبلٌ في بعض رجال العسكر، ممن كان ولي البريد:

ألا أبْلغا عنِّي الإمام رسالةًرسالة ناءٍ عنْ جنابك شاحطِ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ألا أبلغا عني الإمام رسالة»
بأنَّ ابْنَ زيْدٍ حين يشحجُ شاحجٌيُمرُّ على القرْطاس أقْلام غالطِ
أحبَّ بغال البُرْدِ حُبّاً مُداخلاًيُكلِّفُه إثْباتها في الشَّرائط
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ألا أبلغا عني الإمام رسالة»
ولولا أمير المؤمنين لأصْبحتْأُيٌورٌ بغال البُرْدِ حشْو الخرائطِ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ألا أبلغا عني الإمام رسالة»

وقال دعْبلٌ أيضاً:

من مُبْلغٌ عنِّي إمام الهُدىقافيةً للعرْضِ هتَّاكَةْ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «من مبلغ عني إمام الهدى»
لهذا جناحُ المُسْلمين الَّذيقدْ قصَّه بولْيك الحاكَةْ
أضحتْ بغالُ البرْدِ منظومةًإلى ابن زيدٍ تحمل النَّاكَةْ

وذكر الفرزدق في مرثية وكيع بن أبي سُود البُردَ، فقال:

لتبْك وكيعاً خيْلٍ مُغيرةٌتساقي المنايا بالرُّ ديْنيَّةِ السُّمْر
لقوا مثْلهم فاسْتهزموهم بدعوةٍدعوْها وكيعاً والجياد بهم تجري
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ليبك وكيعا خيل حرب مغيرة»
وبين الَّذي يدعو وكيعاً وبينهمسيرة شهْرٍ للمُقصَّصة البُتْرِ

وقال ابن المُعذَّل في جاريةٍ لبعض ولد سعيد بن سلْم، وقد ولى البريد:

دهتْك بعلَّةِ الحْمَّامِ فوزٌومال بها الرَّسول إلى سعيدِ
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
أرى أخبْار دارك عنك تخْفىفكيْف وليت أخبار البريد
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

ولمّا فخّم ابن غسطة عظيم الروم شأن مُلكه، ثم قال للرسول: هل عندكم بعض ما تُعارضوني به؟ قال: نعم، لملكنا أربعون ألف بغل موقوفة على إبلاغ رسائله وأخباره، من واسطة مُلكه إلى أقطار سلطانه. فأفحمه.

يعني بغال البريد. قال هذا وحال البُرُد على غير هذه الحال، ولم يعرفوا توجيه الخرائط في الماء، وعلى أيدي الرجال.

وابن غسطة هو الذي ذكره سلْم الخاسر في قصيدته التي مدح فيها الرَّشيد، قال:

منع ابن غسطة رأْسَهُ بخراجهولقد يكون وما عليه خراجُ

قالوا: ولمّا رأى نصرٌ أنّ يزيد بن عُمر يُميت أخباره، ليموت ذكره عند الخليفة كتب إليه:

أبلغ يزيد وخيْرُ القوْل أصدقهوقد علمت بأنْ لا خيْر في الكذبِ

وكنب إليه:

أرى تحت الرَّماد وميض نارٍفيوشك أنْ يكون لها ضرامُ
فإنّ النَّار بالعُوديْن تُذْكىوإنَّ الحرب أوَّلها الكلامُ
فقلتُ تعجُّباً: يا ليت شعْريأأيقاظٌ أُميَّةُ أمْ نيامُ

حدثني عليّ بن المديني، قال: كان يزيد بن زُريْع إذا سمع

أصحاب الحديث يخوضون في أبي حنيفة، وفي كيف عظُم شأنه بعد خموله، قال: هيهات! طارت بفتياه البغال الشُّهْب!.

قالوا: ووجَّه معاوية لما كلّموه في يزيد بن ربيعة بن مفرِّغ رجلا مجرَّداً، لإخراجه من السجن، فخرج حتى أتى سجسْتان فأخرجه، فبلغ ذلك عبَّاد بن زياد، فأرسل إلى حمْحام، فلما رأى عهد معاوية كفَّ، وأقبل حمْحام بابن مفرِّغ على بغلةٍ من بغال البريد، وأنشأ ابن مفرِّغ يقول:

عدَسْ ما لعبَّادٍ عليْك إمارةٌنجوْت وهذا تحمْلين طليقُ
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
طليقُ الَّذي نجَّى من الكرْبِ بعد ماتلاحم في درْبٍ عليك مضيقُ
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

قولهم للبغلة عدس

قوله: " عدس ما لعبّاد عليك إمارة "، فزعم ناس أن " عدس " اسم لكلّ بغلة كمن، وذهبوا إلى قول الشاعر:

إذا حملت بزَّتي على عدسْعلى التي بين الحمار والفرسْ

فما أُبالي من غزا ومن جلسْ

قالوا: وإنما قوله " عدس " على مثل قول خالد بن صفوان حين فاخر اليمانية، وقال: " والله ما منهم إلاّ ناسجُ بُرد، أو سائس قرد، أو دابغ جلد، أو راكبُ عرد، غرَّقتْهم فأرة، وملكتهم امرأة، ودلَّ عليهم هُدْهُد "..

وقال آخرون: قولهم: " عدس " للبغلة مثل قولهم: " سأسأ " للحمار، و " حا " للجمل، و " حل " للناقة. ألا تراه حين سخر الأعرابيّ من صاحبه، وحين جهَّله قال:

يقول للنَّاقة قولاً للجمليقول حا ثمَّ يثنِّيه بحلْ

قالوا: إلا ترون أن الفرزدق لما خلع لجام بغلته، وأشرعها في ثغاب مسجد بني أُسيِّد، قال له جرنْفشٌ المجنون: نحِّ بغلتك، جدَّ الله ساقيْك! قال الفرزدق: ولم عافاك الله؟ قال: لأنك زاني الكمرة،

كذوب اللسان. فلما سمع ذلك منه ركب بغلته، وقال: عدس، كما يقال للفرس " اجدم "، وللثور: " وحْ ".

أشعار في البريد

وقد ذكر امرؤ القيس البريد، فقال:

ونادمت قيْصر في ملكهفأوْجهني وركبْت البريدا
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»
إذا ما ازْدحمنا على سكَّةٍسبقت الفرانق سبْقاً بعيدا
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»

ومما قالوا في البريد، قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك:

طال ليْلي وبتُّ أُسْقى المداماإذْ أتاني البريدُ ينعي هشاما
وأتاني بحُلَّةٍ وقضيبٍوأتاني بخاتمٍ ثمَّ قاما
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طال ليلى فبت أسقى المداما»

وذكر البريد الكُميْت في مديح أسماء بن خارجة، فقال:

إذا ما مات أسماء بن حصنٍفلا مطرتْ على الأرض السَّماءُ
ولا قام البريد بغنم جيشٍولا حملتْ على الطُّهر النِّساءُ
فيومٌ منْك خيرٌمن رجالٍيروح عليهم نعمٌ وشاءُ

وقال أيمن بن خُريمٍ الأسديّ:

ركبت من المقطَّم في جمادىإلى بشرِ بن مروان البريدا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
فلو أعطاك بشرٌ ألف ألفٍرأى حقَّاً عليه أنْ يزيدا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

إذا ما بريد الشام أقبل نحوناببعض دواهي الدهر سار فأسرعا
فإن كان شرّاً سار يوماً وليلةوإن كان خيراً قصد السير أربعا

رؤيا البغال وتأويلها

سمعت أبا شعبة الأعمى المعبر، ونحن بالنهروان، سنة قدم الحسن بن سهل، وهو يقول لمويس بن عمران: اذكر لإخوانك هؤلاء رؤياك، وتعبيري لها. قال: نعم، قلتُ لك: رأيت فيما يرى النائم كأنِّي على بغل بريدٍ، فقلت لي: تحمُّ يومين وثُلُثي يوم، فكان كما قلت؛ فسألتك عن العلّة، فقلت: لأن تشريف ذنب البغلة تشريفتان وثلثا تشريفة.

وقال الأصمعيّ: أرسل الحجّاج إلى الجرْميّ المعبِّر، يسأله عن رجل رأى كأنّه على بغلة، وكأنّه على شرف، وكأنه يستفُّ تُراباً، فقال له: أما البغل فطول عُمُر، وأما الشرف فشرفٌ من شرف الدنيا، وأما التُّرابُ ففيْءٌ تأْكله.

وقالوا: وسأل بعض المصريِّين الفرّاء المعبّر، فقال: رأيت كأنّ معي درهماً بغلْيّاً. قال: لست تمُسي حتى تأكل شيئاً طيّباً. فكان كذلك.

ثم أتاه بعد أيّام، فقال: رأيت فيما يرى النائم كأنَّ معي درهماً بخيّاً. قال: لست تُمسي حتى تُضرب ضرباً وجيعاً! فكان كذلك. فسأله عن العلّة، فقال: الدرهم البغليّ مكتوب عليه بالفارسيّة: " خُشْ بخُرْ " ترجمة

هذه الكلمة: " كلْ طيِّباً ". والدَّرهم البخيّ مكتوب عليه: " ضُرب هذا الدرهم ". وهما مختلفان.

وأنشد الحكم بن عبْدلٍ أسماء بن خارجة شعراً ذكر فيه أنه رآه في المنام، فقال:

أغْفَيْتُ قبْل الصُّبح نوم مُسهَّدٍفي ساعةٍ ما كُنت قبلُ أنامُها
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
فرأيت أنَّك رُعتني بوليدةٍمغنوجةٍ حسنٍ عليَّ قيامُها
وببدْرةٍ حُملتْ إليَّ وبغلةٍشهباء ناجيةٍ يصلُّ لجامُها
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
فدعوت ربيِّ أنْ يثيبك جنَّةًعوضاً يُصيبك برْدها وسلامُها

قال أسماء: كلّ ما رأيته في النوم فهو عندنا كما رأيت، إلاّ البغلة فإنَّها دهماء! قال: أعتق ما أملك إن كان رآها إلاّ دهماء، ولكنّه غلط.

استطراد لغوي يتعلق بالبغال

ومما اشتقَّ من اسم البغل: " الدرهم البغليّ ". وفي بني تغْلب " رأس البغل " وهو رئيس من رؤسائهم، وهو الذي كان إبراهيم بن هانئ الخليع نُسب إليه.

وإذا كان الإنسان عظيم الرأس لقَّبوه: " رأس البغل ".

والبغلات: جوارٍ من رقيق مصر، نتاج ما بين الصَّقالبة وجنس آخر، والواحدة منهنَّ يقال لها: " البغلة "، ولهنَّ أبدان ووثارة وحدارة.

معنى البغلة عند المصريين

ويُروى عن بعض العراقيِّين، قال: كنت عند قاضي مصر، وهو يقول لبعض جُلسائه: عندي جارية أطؤُها منذ حين، وقد اعتراني شبق، وأنا على أن أشتري بغلة. قلت: وما تصنع ببغلة؟ قال: أطؤها، وأُصيبُ منها. فقلت في نفسي: هذا أمْجن الناس وأحمقهم، يتكلم بهذا وهو قاضٍ؟! ثم حكيت ذلك عند رجل من أهل مصر، فقال: عافاك الله، ما منّا من أحدٍ إلاّ وعنده بغلات ينيكهنّ! فتعجَّبت، فلما رأى إنكاري ذلك، فسَّر لي معنى البغلة عندهم.

ما قيل من الأمثال في البغال

قالوا: وإذا عظمت المرأة، وعظم بطنها، قالوا: " ما هي إلاّّ بغلة "، وما رأْس فلان إلاَّ رأس بغل، وما أيره إلاَّ أير بغل، وما خُلُقه إلاَّ من أخلاق البغال.

بعض ما أضيف إلى الرأس والمثل السائر: " كأنه جاء برأس خاقان "، " ورأس الجالوت "، "

ورأس الفاعوس "، " ورأس الكتيبة والقبيلة ". فلذلك قال عمرو بن كُلثوم:

برأْسٍ منْ بني جشم بن بكرٍندُقُّ به السُّهُولة والحزُونا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وقال أبو المهوِّش الأسديّ:

تراه يطوِّف الآفاق حرْصاًليأكل رأس لقْمان بن عادِ

ورأس بن أبي الرأس القائد، مشهورٌ معروف.

ويقولون: " هذا على رأس الثُّمام ".

وبالشَّام موضع يقال له: " بيت رأسٍ " تباع فيه الخمر؛ ولذلك قال الشاعر: مُجاجة كرمةٍ من بيت رأْسِ وبيت رأس بالشام مثل....أبيات، وبيت لهيْا.

ويقال: فلان رأس من الرءوس.

والرأس: رئيس السُّوَّاس.

التبغيل

ومن سير الإبل سيرٌ يُسمَّى: " التبغيل "، قال الراعي:

وإذا ترقَّصت المفاوز غادرتربذاً يبغِّل خلْفها تبغيلا

والبغيْلة: اسم ناقةٍ كانت لجميل بن معْمر، ولذلك قال:

أضرَّ بأخْفافِ البغيْلة أنَّهاحذار ابن ربْعيّ بهنَّ تحومُ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أضر بأخفاف البغيلة أنها»

ولذلك قال الرَّقاشيّ في صفة ناقةٍ له تسمّى " سرْوة ":

لعمْرك ما البغيْلة حين تغْدووصيْدح حين تسْرح في الرِّحابِ
كسرْوة حين تذْرع عرْض خرْقٍبعيدِ الآل مُشتبه الظِّرابِ

مما قالوا في البريد، قال رجل من الأنصار عند ولاية عُمر بن عبد العزيز، ﵁:

ثمَّ جاء البريدُ يُخْبرُ أنَّ القوم طرّاً لم يُحرموا التوْفيقا

من سكونٍ وأُلْفةٍ واجتماعٍلم يفارقْ منهم فريقٌ فريقا

قلَّدوا الأمر سيِّد النَّاس كلِّ النَّاسِ نفساً وأُسرةً وعروقا

من أبوه عبد العزيز بن مروان ومن كان جدُّهُ الفاروقا

وقال ابن أُذينة اللَّيثيّ:

أتانا البريد التَّغلبيُّ فراعناله خبرٌ شفَّ الفؤاد فأنعما
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «أتانا البريد التغلبي فراعنا»
بموت أبي حفصٍ فلا آب راكبٌبموت أبي حفصٍ أخبَّ وأرْسما
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «أتانا البريد التغلبي فراعنا»

وذكر يزيد بن معاوية البريد، فقال:

جاء البريدُ بقرْطاسٍ يخُبُّ بهفأوْجس القلبُ من قرْطاسه فزعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جاء البريد بقرطاس يخب به»
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكمقالوا: الخليفةُ أمسى مُدنفاً وجعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جاء البريد بقرطاس يخب به»
فمادت الأرض أو كادت تميد بناكأنَّ أغبر من أركانها انقلعا

ضروب من البغال

وقد كان أيضاً بالكوفة نتاجٌ بين الخُراسانية والهنديّات، وكان أملح وأحسن قدوداً من البغلات اللواتي بمصر؛ وكانت ألوانهنّ تجيء ذهبيّة، لها حلاوة الهندية، وروعة الخراسانية.

جواري الكوفة والبصرة وكذلك مُطهِّمات جواري الكوفة، زُرقاً تجدهنَّ، إلاّ الواحدة بعد الواحدة، وإنَّما الثمينات المرتفعات، والغوالي الخطيرات بصريّاتٌ، مثل عجوز عُمير، ومتيَّم، وبذل، وعريب،

وبذْل: جارية المراكبيّ، وشارية: جارية إبراهيم بن المهْدي، وزرْياب الكبْرى، وعساليج: جارية الأحدب، وفضْل:

جارية العبديّ. وقبل هذا سلسل وأشباه سلسل.

أخبار في البريد

وبُرُد كُتب الملوك كانت ما بين فرْغانة القُصْيا إلى السُّوس الأقصى، وكانت البُرُد منظومة إلى كسرى، من أقصى بلاد اليمن إلى بابه، أيام وهرز، وأيام قُتل مسروقٌ عظيم الحبشة. وكذلك كان عظيم الروم. قال امرؤ القيس:

ونادمت قيصر في ملكهفأوْجهني وركبْت البريدا
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»
إذا ما ازدحمنا على سكَّةٍسبقت الفرانق سبقاً بعيدا
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»

وكذلك كانت بُرُد كسرى إلى الحيرة: إلى النعمان وإلى آبائه. وكذلك كانت بُرُده إلى البحريْن: إلى المُكعبر مرزبان الزَّارة، وإلى مشكاب، وإلى المُنْذر بن ساوى، وكذلك كانت بُرده إلى عُمان، إلى الجُلندي

ابن المستكبر. فكانت بادية العرب وحاضرتها مغمورتين ببُرُده، إلاّ ما كان من ناحية الشام؛ فإنَّ تلك الناحية من مملكة خثعم وغسَّان إلى الروم، إلاّ أيّام غلبت فارس على الروم. ولذلك صرنا نرى النواويس بالشَّامات إلى قُسطنطينية.

وهل كانت بُرُد كسرى إلى وهرز، وباذام، وفيروز بن الدَّيْلميّ، وإلى اليمن، وإلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى النُّعمان بالحيرة، إلاّ البغال؟ وهل وجدوا شيئاً لذلك أصلح منها؟

ما قيل من الشعر في البغال

ومما ذكروا به شأن البغال في الشعر وغيره، قول الشاعر:

جعل ابن حزْمٍ حاجبين لبابهسبحان من جعل ابن حزْمٍ يُحجبُ
وعجبت أنْ ركب ابن حزْمٍ بغلةٍوركوبه فوق المنابر أعجبُ

وقال أعشى همدان، في خالد بن عتَّاب بن ورقاء وكنية خالد أبو سليمان، اكتنى بكنية خالد بن الوليد، فقال:

تُمنِّيني إمارتها تميمٌوما أمِّي بأمِّ بني تميمِ
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وكان أبو سليمانٍ خليليولكنَّ الشِّراك من الأديمِ
أتينا أصْبهان فهزَّلتناوكُنَّا قبل ذلك في نعيمِ
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
أتذكرنا ومرَّة إذْ غزوناوأنت على بُغيْلك ذي الوشومِ
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
ويركب رأسه في كلِّ وهْدٍويعثُرُ في الطَّريق المستقيمِ
وليس عليك إلاَّ طيلسانٌنصيبيٌّ وإلاَّ سحقُ نيمِ
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة

بغلة عكرمة

وكان عكرمة بن ربعيّ التَّيمي، الذي يقال له " الفيّاض "، يُعجب ببغلة عنده، وكان على شُرط الحجَّاج، وكان لا يأتي الحجَّاج في موكبا مع الأشراط والوجوه إلاّ عليها، وفيها يقول عكرمة:

لمْ أرَ شيْئاً بين شيْئين مثْلهأشدَّ انتزاعاً للتَّشابه في الأصْلِ
تقسَّمه أطرافُهُ فاستزالهابقسمة عدلٍ من يدي حكمٍ عدلِ

وأنشد أبو زيدٍ النحوي:

فكيف بأطرافي إذا ما شتمتنيوما بعد شتم الوالدين صُلُوحُ

شبه البغل بوالديه

وقال أصحاب البغال: لا نعلم شيئاً من الحيوان رُكِّب بين شيئين نزع إليهما نزعاً سواءً لا يغادر شيئاً غير البغل، فإنّ شبه أبويهْ عليه بقسمة عدْل، وقد ذكر ذلك محمد بن يسير في شعره الذي طلب فيه من مُويس بن عمران بغلةً لرحلةٍ، فقال:

اضمم عليَّ مآربا قد أصْبحتشتَّى بداد شتيتة الأوطانِ
بزفوف ساعات الكلال دليقةٍسفواء أبدع خلْقها أبوانِ
لمْ يعتدل في المنصبين كلاهماعند التَّناسب منهما الجنْسانِ
إلاَّ تكن لأبٍ أغرَّ فإنَّهاتنْمي إلى خالٍ أغرَّ هجانِ
نزعتْ عن الخيْل العتاق نجاءهامنها، وعتق سوالفٍ ولبانِ
ولها من الأعيار عند مسيرهاجدٌّ وطول صبارةٍ ومرانِ

قال ذلك لأن حافر العير أوْقح الحوافر، فأعطاه أبوه من الخصْلة التي بان بها من سائر الحوافر.

الخلق المركب

قالوا: وليس في جميع الخلق المركَّب مثل الراعبيّ، الذي هو من نتاج ما بين الورشان والحمام: لم يأخذ من هداية أُمّه شيئاً، ولم يُعْطه أبوه من طول عمره شيئاً.

ومن المركَّب: السِّمْع، والعسبار. وكما تحكي الفلاسفة والمجرِّبون عن الكوْسج، واللُّخْم.

والدَّجاج الخلاسيّ، من بين النَّبطيّ والهنْدي. وإذا كان مثل ذلك بين البيضاء والحبشيّ فهو خلاسيّ، فإذا كان بين البيضاء والسِّنْدي فهو بيْسريٌّ. وكذلك الخلاسيُّ من الكلاب الذي بين الكرْديّ وبين السَّلُوقيّ.

ومثل الجمَّازات التي تجيء بين فوالج البُخْت وقلاص العراب، ومثل البرْذون الشِّهريّ من الرَّمكة والفرس العتيق.

قالوا: فليس يعتدل في شيءٍ من ذلك الشَّبه، كما يعتدل في البغل.

ولذلك قال الشاعر السَّوّاق، وهو إبراهيم مولى المهالبة:

تساهم فيه الخالُ والعمُّ مثلماتساهم في البغل الحمارة والطِّرْفُ

فزعم في هذا الشعر أنّ هذا البغل أبوه فرس، وأُمّه أتانٌ. وهذا خلاف ما رواه أبو عُبيْدة. وأنشد أبو عبيدة:

وشاركها في خيمها وهو راغمٌكما شاركتْ في البغل عيْراً حجُورها

لأنهم يقولون: إذا كانت الأم رمكةً، خرج البغل وثيجاً قوياً عريضاً، وإذا كانت الأم حجْراً خرج البغل مُسلَّكاً، طويل العنق، وفيه دقَّة.

وذكر عن بعض الناس أنّه شتم بعض الأشراف، فقال: " عجبتُ لقوم إذا قيل لهم: من أبوكم؟ قالوا: أُمُّنا فرس ".

رجع إلى ذكر بغلة عكرمة

ثم رجع القول بنا إلى ذكر بغلة عكرمة بن ربْعيّ.

قالوا: فلما ألحَّ عكْرمة في ركوب ذلك البغل إلى باب الحجَّاج، كتب إليه بعض بني عمِّه، يردُّ عليه امتداحه البغل باستواء الشَّبه فيه، ويُخوِّفه بالحجَّاج إن ارتفع إليه في الخبر أنَّ صاحب أشراطه يأتي بابه في فُرسان أهل العراق والشام ووجوههم، على بغل.

وقال في كلمةٍ له:

فكيْف بغرْمولٍ وعُمْرٍ سوى الَّذييكون لعيْر الأهل والفرس الفحلِ
ورأْسٍ يجوزُ الخالَ والعمَّ بعد ماتحوَّل شحَّاجاً خلافاً على الأصلِ
وليس شحيج البغل من عزف ناهقٍوقد باعد الله الشَّحيج من الصَّهْلِ
متى كان ذو الأشراطِ يركب بغلةًويترك طرْفاً ذا تمامٍ وذا نُبْلِ
عذيري من الحجَّاج إنْ ذاكرٌ نعىعليك رُكوب البغل في ساعة الحفلِ
فما لك تجْتاب الهُويْني مُهمْلجاًإلى باب حجَّاجٍ على المرْكبِ الرَّذْلِ
أُعيذُك بالرَّحمن من زيِّ تاجرٍشقيٍّ لئيم الكسْبِ ذي خُلُقٍ نذْلِ
بغيضٍ إلى جاراتهِ وبناتهِوعرْسٍ له عرْجاء بارزةِ الرَّحلِ
إذا زارهُ منهم شقيٌّ لحاجةٍتوثَّق من باب الخزانة والقفْلِ
وأنْت امرؤٌ تندى بنانك باللُّهىإذا ساء ظنُّ النَّاس في الزَّمن المحْلِ
بقيَّة أشياخٍ كسوْك ثيابهموأنت وليُّ القومِ في البأسِ والبذْلِ

صفة البغال في الشعر

ولمّا قال الحكم بن قنْبر في قصيدته في البغل، وفيما يصلح له، ويُرْتفق به منه، وفيها يقول:

وفي الرِّداغ، فإنَّ الوحل مزْلقةٌوفي الطَّحين، وفي الحاجات، والرِّحلِ

وقال مُسلم بن الوليد الأنصاري والحكم بن قنبر مازنيّ، وكان الحكم قد عظُم شأنه في بني تميم، حتى كان يصلِّي على جنائزهم، فلما لجَّ في رأي الشُّعوبيَّة، وقال في ذلك الأشعار، ضربته بنو مازنٍ، وهم مواليه، فلما ألحُّوا عليه في الضرب، نادى: يا آل تميم! فقال أعرابيّ:

يدعُو تميماً، وتميمٌ تضربُهْتلطُمهُ طوراً، وطوراً تركبْهْ

وقال مُسلم بن الوليد:

تركْت صفاتِ الخيلِ والخيلُ معقلٌوأصبحت في وصف البغال الكوادنِ
حننْتَ إليْها رغْبةً في أُيورهافدونك أير البغل يا عبْد مازنِ

وبغلته ودابتَّه، قال بعض الشُّعراء يُخاطب دابتَّه:

فهبيها ليْلةً أدْلجتْهافكلي إن شئت تبناً أو ذري
قد أتى مولاك خُبزٌ يابسٌفتغذَّى وتعزَّى واصْبري

وقال آخر:

بتُّ ظمْآن وباتت بغلتيتشتكي الخلوة في بيتِ عُمرْ
صُمت يا بغلة من غير تُقىًابْشري بالصَّوْمِ في شهرِ صفرْ

وقال آخر:

وإنِّي إذا ما المرء آثر بغلهعلى نفسه آثرْتُ نفسي على بغلي
وأبْذُلُهُ للمُسْتعيرين لا أرىله علَّةً ما دام ينقاد في الحبْلِ

وقال آخر:

أيا مُنزلي مالي عليك كرامةٌإذا أنت لم يكرمْ عليك جوادي

وقال دعْبل:

أتيت ابن عمران في حاجةٍهُويِّنة الخطب فالتاثها
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أتيت ابن عمران في حاجة»
تظلُّ جيادي على بابهتروثُ وتأكل أرْواثها
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أتيت ابن عمران في حاجة»
غوارث تشكو إليَّ الخلاأطال ابن عمران إغراثها
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أتيت ابن عمران في حاجة»

وقال ابن حازم:

وخلَّيْت برْذوني يلوك شكيمهخليطاه نعْفٌ دارسٌ وطُلُولُ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وقال سهل بن هارون: بُعثت وأنا صبيٌّ إلى جارٍ لنا أستعير منه بغلاً، فزعم أنه مبطون، فغبرْت أيَّاماً، ثم كتبت إليه:

نُبِّئت بغلك مبطوناً فزعْت لهفهلْ تماثل أو نأتيه عُوَّادا

ما قيل في طول عمر البغل

قال أهل التجربة: ليس في جميع الحيوان الذي يُعايش الناس، أطول عمراً من البغل، ولا أقصر عمراً من العصفور، وظنُّوا أنّ ذلك لكثرة سفاد العصفور، وقلّة ذلك من البغل.

قالوا: ولذلك وجدنا طول الأعمار في الرُّهبان وأصحاب الصَّوامع خاصَّة، وفي الخصيان عامَّة. ولذلك قال الراجز:

أُحبُّ أنْ أصْطاد ضبّاً سحْبلاوخرباً يرعى ربيعاً أرملا

فجعله أرمل، ليكون أقوى له وأسمن.

قالوا: وقال معاوية: ما رأيا رجلاً قطُّ يستكثر من الجماع، إلاّ رأيت ذلك في مُنَّته.

وقال معاوية: كلّ خصال الشباب قد كان فيَّ، إلاّ أنِّي لم أكن نُكحةً، ولا صُرعة، ولا طُلعة، ولا ضُحكة، ولم أك سبّاً.

قالوا: والبغل أطول عمراً من كلّ شيء من الحيوان، ممَّا يُعاش الناس في دُورهم.

قالوا: وكلّ شيء يُنتج ويولد ويتربَّى في منازل الناس، من طائر وسبع وبهيمة، إذا تحوَّل صاحب الدار، لم يتحوَّل معه منها شيء، وآثرت الأوطان على صاحب الدار، إلاَّ الكلب، فإنه يؤثره على وطنه، ويموت دونه، ويصبر على جفائه وإقصائه.

قصيدة لابن داحة يذكر فيها أعمار الحيوان

الذي يعايش الناس

وأنشد إبراهيم بن داحة، لرجل ذهب عنِّي اسمه، قصيدةً وصف فيها أعمار الحيوان التي تعايش الناس، فقال لأخيه:

عزمْت على ذمِّ البعير موفِّقاًوأنْ ليس في المرْكوب أجمع من بغلِ
وأنَّ اقْتناء الإبل موقٌ وحُرْفةٌيبيت على يُسْرٍ ويغْدو على ثكْلِ
وبين المنايا والبراذين نُسبةٌوكُلُّ نتاج النَّاس خيرٌ من الإبْلِ
وقلت وشاهدت البغال وغيرهافأحمدتها في العمر والهرم المُبْلي
وليس لها بذْخُ الخيول وكبْرُهاولا ذِلَّةُ العيْر الضَّعيف عن الرَّحْلِ
ومؤْنته في الصَّيْفِ والشَّتْو واحدٌولا خيْر في المؤناتِ من حامل الكلِّ
ولا تُركب الأرماك والحجْرُ دونهالدى المصْر والبغلات ترْكبُ كالبغلِ
وقد فرَّق الرَّحمن بين شكولهاكما بين عيْرِ الوحش والآخر الأهْلي
وفي البغْلِ في كلِّ الأمور مرافقومرْكب قاضٍ أو شيوخٍ ذوي فضلِ
فيرْكبها والخيلُ مُحدقةٌ بهويؤثرها يوم المباهاة والحفلِ
وقد جاوزت في السَّومِ كلَّ مُثمَّنٍمن الرَّائع المنسوب والجامل البزْلِ
يفوت هماليج البراذين سيْرُهاعلى قحة الأعْيار من شبه النَّجْلِ

ركوب البغلة والطمع في القضاء

ونحن بالبصرة إذا رأينا الرجل يطلب الرأي، ويركب بغلا، ويردف خلفه غلاماً، قضينا بأنه يطمع في القضاء. قال ابن الممزَّق:

إذا ركب الشَّيْخُ الشَّريفُ بُغيْلةًوناظر أهْلَ الرَّأي عند هلالِ
فداك الَّذي يبْغي القضاء بسمْته......الذِّئْب أُمَّ غزالِ
فإنْ أرْدف العبْد الصَّغير وراءهفويلٌ لأيتامٍ وإرْث رجالِ
وإنْ ركب البرْذوْن واشتدَّ خلْفهُفصاحب أشراطٍ وحمْلِ إلالِ

وقال ابن مُناذر في واحدٍ من هذا الشكل:

رأيت أبا موسى يغُرُّ بسمْتهويقسم في الجيران كُرَّ طعامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
ويخْدعهمْ والله غالب أمرهبقدٍّ كقدِّ المشرفيِّ حُسامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
يُريد قضاء المصْر والمصْر مُنْكرٌلكلِّ مُراءٍ مُهْترٍ بغلامِ
ببشْرٍ وسمتٍ واكتئابٍ وخشْعةٍوكثرةِ تسْبيحٍ ولين كلامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
ويرْكبُ بغلاً ثُمَّ يُرْدفُ خَلْفهُغُلاماً كما أبْصرت شقَّ جلامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
يريد هلالاً لا يُحاول غيرهوقدْماً سما للرَّأي غير مسامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
سواءٌ لذي الرَّأي الشَّريف وغيرُهُإذا كُنت ذا حفظٍ فلجْ بسلامِ
يصير فقيهاً في شُهُور يسيرةٍفيالك حفْظاً لم يُشبْ بغرامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
ولو كان خيْراً كدَّ... كما كدَّ ذا الآثارِ بُعْدُ مرامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
وما ضرَّ سلْماناً وكعْباً وبعْدهُشُريْحاً وسوَّاراً ورهط هشامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
وياساً وياساً والغلابيَّ بعدهأُلاك الأولى كانوا نُجُوم ظلامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
وما عرفوا النُّعْمان....ولا زُفر المسْتقيَّ صوبَ غمامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
لقد تاب ممَّا أحدث القوْم توبةًلساعة إخْلاصٍ ووقت حمامِ
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

تشبيه الأسد بالبغل

قالوا: ويشبِّهون الأسد بالبغل، إذا كان الأسد تامَّ الخْلق. قال نهْشل بن حرِّيّ:

وما سبق الحوادث ليْث غابٍيجُرُّ لعرسه جزر الرِّفاقِ
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
كميْتٌ تعْجزُ الخُلعاءُ عنْهُكبغْل السَّرْج حطَّ من الوثاقِ

وقال أبو زُبيْدٍ الطائيّ:

من الأسْد عاديٌّ يكاد لصوتهرءوس الجبالِ الرَّاسياتِ

تقعَّرُ

كأنَّ اهتزام الرَّعْدِ خيط بجوْفهإذا جُرَّ فيه الخيْزرانُ المُعتِّرُ
فأبصر ركباً رائحين عشيَّةًفقالوا: أبغْلٌ مائلُ الرِّجْل أشقرُ
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
أم اللَّيْث؟ فاسْتنجوا وأين نجاؤكمفهذا وربِّ الرَّاقصاتِ المُزعْفرُ

ولأبي زُبيدٍ مثلها، في قصيدته التي ذكر فيها شأن كلبه، وشأن الأسد، فقال:

فجال أكْدرُ مُشتالاً كعادتهحتَّى إذا كان بين البئر والعطنِ
لاقى لدى ثُللِ الأطْواءِ داهيةًأسْرت وأكْدر تحت اللَّيْلِ في قرنِ
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
إلى مُقابل خطْو السَّاعديْن لهفوق السَّراة كذفْرى الفالج الغضنِ
رئبال غابٍ فلا قحْمٌ ولا ضرعٌكالبغل حطَّ من المحلين في شطنِ

الحمير الأخدرية

وزعم ناسٌ من العلماء أنّ الحمير الأخْدرية، وهي أعظم حمير الوحش وأتمُّها، زعموا أنَّ أصل ذلك النِّتاج أن خيلاً لكسرى توحَّشت، وضربت في العانات، فكان نتاجها هذه الحمير التي لها هذا التمام.

وقال آخرون: الأخدريّة هي الحُمرُ التي تكون بكاظمة ونواحيها، فهي كأنها بريّة بحريّة.

قالوا: ولا يجيء فيما بين الخيل والحمير إلاَّ البغال، وليس للبغل نسْل يعيش، ولا نجل يبقى، فكيف لقحت هذه الأُتُن من تلك الخيل حميراً، ثم طبَّقت تلك الصحارى بالحمرُ الخالصة؟

وقالوا: وكان الملك من الأكاسرة إذا اصطاد عيْرا وسمه باسمه، وبيومه الذي اصطاده فيه، وأطلقه، فإنْ تهيَّأ أن يصطاد ذلك العير بعينه ملكٌ من بعده، وسمه مع وسم الملك الذي قبله بمثل تلك السِّمة وخلاَّه يذهب، فكان هذا الصنيع بعض ما كانوا يعرفون به حمير الوحش. فعسى أن تكون هذه الحمير أو بعضها صار في ذلك الصُّقع الذي هذا صفته، فإنَّ للماء والتربة

والهواء في هذا عملاً ليس يخفى على أهل التجربة.

وكلُّ عربيّ تراه بخراسان أصهب السِّبال، أحمر اللون، مفطوح القفا، فإنّ الأعرابيّ الذي انتقل إلى ما هناك كان على ضدّ ذلك.

أثر البيئة في الحيوان

وقد رأينا بلاد التُّرْك، فرأينا كلَّ شيء فيها تركيّاً. ومن رأى دوابِّهم وإبلهم علم أنّها تركيّة. وحرَّة بني سُليْم التي جميع طيرها، وسباعها وهوامّها وأهلها كلّهم سُود. وهذا كثير جدّاً.

وقد نرى جراد البقل وديدانه خُضْراً، ونرى قمل رأس الشابّ الأسود الشعر: أسود، ونراه في رأس الشيخ الأبيض الشعر: أبيض، ونراه في رأس الخاضب بالحمرة: أحمر. نعم حتى إنّك لترى في القملة شُكلْةً إذا كان خضاب الشيخ ناصلاً.

وهكذا طبع الله الأشياء.

ضربهم المثل في أير البغل

قال أبو شُراعة:

أيْرُ حمارٍ في حرامِّ شعْريوأيْر بغْلٍ في حِرامِّ قدري

لو كنت ذا مالٍ دعاني السِّدْري

وقال أبو فرعون:

أيْرُ حمارٍ في حِرِامِّ عدْنانوأيْرُ بغلٍ في حرامِّ قحْطانْ
ما النَّاس إلاَّ نبطٌ وخوزانككهْمسٍ أو عُمر بن مهْرانْ
للشاعر أبو فرعون الساسي، اقرأ القصيدة

ضاق جرابي عن رغيف سلْمانْ

وأنشد:

وعُظمُ أير البغل في رهز فرسْوطول دحسِ جملٍ إذا دحسْ

والمذكور بطول الكوْم: الخنزير، والورل، والذُّباب، والجمل.

وأنشد:

وما الخنزير والورل المُذكِّيولا كوْمُ الذُّبابِ ككومِ بشرِ

والعصفور وإن كان كثير عدد السّفاد، فإن الإنسان أكثر منه إذا حُصِّلت الأمور؛ لأنَّ الإنسان إذا كان يهيج الليل والنهار، والصَّيف والشتاء، فليس ذلك لشيءٍ غيره؛ ويطأ الحبالي، ويريدها وتريده.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع