تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ابن أبي الإصبع

وأما المغاربة فلم يقع إلينا من هذه الطائفة منهم أحد، ممّن هو على شرط هذا الكتاب.

وأما مصر فلم يقع إلينا من أهلها إلاّ واحد، ولكنه أيّ واحد! واحد كالألف إن أقرعنا، وهو الزكي عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد بن جعفر بن الحسن بن محمد العدواني المصري. عرف بابن الإصبع. جدّ حتى انقاد له الحظّ، وسهر حتى رقّ عليه قلب الليل الفظّ. طالما تمحّى ليل بإدراكه، وتنحّى سهيل فوقع في أشراكه. مرّ على قطائع الكواكب فساق قلائصها، وسام في طرائد الليل قنائصها. وكان بمصر، وله مثل مقطعاتها، ونضير مصبغات ربيعها ومصبغاتها، قطع شعر، هي السحر الحلال، والبارد العذب لا ماء النيل الزلال. وعليه تخرج جماعة المتأخرين من الأدباء. وكان الأديب أبو الحسين الجزار يمتّ بحضوره لديه، وعرض أوائل شعره عليه. وله عمّ، أي الحسين بسببه حكايات ليس هذا موضعها. مولده سنة خمس، وقيل: سنة تسع وثمانين وخمسمئة بمصر. وتوفي في الثالث والعشرين من شوال سنة أربع وعشرين وستمئة. وله تصانيف مفيدة.

وذكر شيخنا أبو الثناء الكاتب في التوشيع، قال: وقال ابن أبي الإصبع: وما بشعر قلته في هذا الباب من بأس، هو:

بي محنتان ملام في هوى بهمايرمى لي القاسيان الحبّ والحجر
لولا الشقيقان من أمنيّة وأسىأودى بي الموديان الشوق والفكر

قال شيخنا أبو الثناء: ويحسن أن يسمى ما في بيته مطّرف التوشيع، إذ وقع المثنى في

أول كل بيت وآخره. وذكر في التفريع، أن ابن الإصبع ذكره في صدر الباب، وقال: إنه هو الذي استخرجه، وهو أن يبتدئ الشاعر بلفظة، هي إما اسم أو صفة، ثم يكرّرها في البيت مضافة إلى أسماء أو صفات، تتفرع عليهما جملة من المعاني في المدح وغيره، كقول المتنبي:

أنا ابن اللّقاء أنا ابن السّخاءأنا ابن الضّراب أنا ابن الطّعان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»
أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافيأنا ابن السّروج أنا ابن الرّعان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»
طويل النّجاد طويل العمادطويل القناة طويل السّنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»
حديد اللّحاظ حديد الحفاظحديد الحسام حديد الجنان،
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»

قال شيخنا: وفيما ذكره نظر؛ لانه باب تعديد الصفات أنسب.

وقال في الإبداع: قال ابن أبي الإصبع: وما رأيت فيما استقريت من الكلام كأنه استخرجت منها واحدا وعشرين ضربا من المحاسن، وهي قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ اَلْماءُ وَقُضِيَ اَلْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى اَلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظّالِمِينَ (¬﴾، وهي المناسبة الثامنة بين اقلعي وابلعي، والمطابقة بذكر الأرض والسماء، والمجاز في قوله: (يا سماء)؛ فإن المراد، والله أعلم، يا مطر السماء، والاستعارة في قوله:

(أقلعي) والإشارة في قوله تعالى ﴿غِيضَ اَلْماءُ﴾؛ فإنه عبرّ بها بين اللفظتين عن معان كثيرة.

والتمثيل في قوله سبحانه: ﴿وَقُضِيَ اَلْأَمْرُ﴾؛ فإنه عبّر عن هلاك الهالكين، ونجاة الناجين بغير لفظ المعنى الموضوع له، والإيذان في قوله تعال: ﴿وَاِسْتَوَتْ عَلَى اَلْجُودِيِّ﴾، فإنه عبرّ عن استقرارها بهذا المكان استقرارا متمكنا بلفظ قريب من لفظ المعنى والتعليل؛ لأن غيض الماء علة الاستواء، وصحة التقسيم، اذا استوعب سبحانه اقتسام أحوال الماء حالة نقصه؛ إذ ليس

إلا الاحتباس لماء السماء، واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض. وغيض الماء الحاصل على ظهرها والاحتراس في قوله: «وقيل بعدا للقوم الظالمين»؛ إذ الدعاء عليهم يشعر بأنهم مستحقو الهلاك؛ احتراسا من ضعيف العقل، يتوهم أن العذاب شمل من يستحق ومن لا يستحق فتأكد بالدعاء كونهم مستحقين. والإيضاح في قوله تعالى؛ ليبيّن أن القوم الذين سبق ذكرهم في الآية المتقدمة، حيث قال: ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ (¬﴾ هم الذين وصفهم بالظلم؛ ليعلم أنّ لفظة القوم ليست فضلة، وأنه يحصل بسقوطها ليس في الكلام والمساواة؛ لان لفظ الآية لا يزيد على معناها، وحسن النسق؛ لانه ﷾ عطف القضايا بعضها على بعض بحسن وائتلاف اللفظ مع المعنى؛ لأن كل لفظة لا يصلح موضعها غيرها والإيجاز، لانه ﷾ اقتصّ القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يحل منها في أقصر عبارة. والتسهيم؛ لأن أول الآية إلى قوله: أقلعي، يقتضي آخرها.

والتهذيب؛ لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، عليها رونق الفصاحة سليمة من التعقيد والتقديم والتأخير والتمكين؛ لأن ألفاظه مستقرة في قرارها، مطمئنة في مكامنها، والانسجام وهو يجدر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء. وباقي مجموع الآية من الإبداع، وهو أن يأتي في البيت الواحد من الشعراء، والقرينة الواحدة من النثر عدّة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جمله.

قال: فهذه سبع عشرة لفظة تضمنت واحدا وعشرين ضربا من البديع غير ما تكرر من أنواعه فيها.

وأنشد له ابن سعيد قوله في المريض:

ولمّا رأيتك عند المديح (مجهم المحيّا لنا تنظر
تيقّنت بخلك لي بالنداءلأنّ الجهامة لا تمطر

ومن بقية ماله قوله:

وساق إذا ما ضاحك الكأس قابلتفواقعها من ثغره اللؤلؤ الرّطبا
خشيت وقد أمسى نديمي على الدّجىفأسدلت دون الصّبح من شعره حجبا
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «وساق إذا ما ضحك الكأس قابلت»
وقسّمت شمس الطاس في الكأس أنجماويا طول ليل قسّمت شمسه شهبا

وقوله:

تبسّم لّما أن بكيت من الهجرفقلت ترى دمعي فقال ترى ثغري
فديتك لّما أن بكيت تنظّمتبفيك لآلي الدّمع عقدا من الدرّ
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «وساق إذا ما ضحك الكأس قابلت»
فلا تدّعي يا شاعر الثّغر صنعةفكاتب دمعي قال ذا النظم من نثري
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «وساق إذا ما ضحك الكأس قابلت»

وقوله:

أيا عبلة الألحاظ قلبك عنترومالي على غاراته في الحشا صبر
نعم أنت يا خنساء حسناء عصرناوشاهد قولي أنّ قلبك لي صخر

ومنها:

أغاية قصدي بطن يمناك غايةبها أبدا للمجتدي ينبت التّبر
أغضت الحيا والبحر جودا فقد بكى الحيا من حياء منك والتطم البحر
عيون معانيها صحاح وأعين الملاح مراض في لواحظها كسر
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «أيا عبلة الأحاظ لخطك عنتر»
أضاعت عقولا حين ضاعت فما درىأبابل أهداها إليك أم السّحر
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «أيا عبلة الأحاظ لخطك عنتر»

وقوله:

إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرهاتذكّرت ما بين العذيب وبارق
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها»
ويذكرني من أدمعي وقوامهابجرّ عوالينا ومجرى السّوابق

وقوله:

وقيّم كلّمت جسمي أناملهبغير ألسنة تكليم خرسان
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «وقيّم كلمت جسمي أنامله»
إن رام مسك يميني كاد يخلعهاأو سرّح الرأس بعد الغسل أبكاني
فليس يمسك بالمعروف منه يداولا يسرّح تسريحا بإحسان

وقوله:

تصدّق بوصل إنّ دمعي سائلوزوّد فؤادي نظرة فهو راحل
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «تصدق بوصل إن دمعي سائل»
فجدّ لموجود به البرّ والغنىوحسبك معدوم لديه المماثل
أيا قمرا من شمس وجنته لناتطلّ عذاريه الضّحى والأصائل
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «تصدق بوصل إن دمعي سائل»
تقلّب من طرف لقلب مع النّوىوهاتيك للبدر التّمام منازل
إذا ذكرت عيناك للصبّ درسهامن السّحر قامت بالدّلال الدّلائل
جعلتك بالتّمييز نصبا لناظريفلا رفعت للهجر والهجر فاعل
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «تصدق بوصل إن دمعي سائل»
ولمّا أضفت السّحر للجفن بيّنتبه الكسر من غنج الجفون العوامل
أعاذلي قد أبصرت حبي وحسنهفإن لمتني فيه فما أنت عاقل
محيّاه قنديل لديجور شعرهتعلّقه بالصّدغ منها السّلاسل
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «تصدق بوصل إن دمعي سائل»
غدا القدّ غصنا منه يعطفه الصّبافلا غرو إن هاجت عليه البلابل

ومنها:

له من ودادي ملء كفّيه صافياولي منه ما ضمّت عليه الأنامل
ومن قدّه الزّاهي ونبت عذارهصدور رماح شرّعته سلاسل

وقوله:

تبسّم لمّا رأى راحنالأقداحنا أبدا تلثم
فقال المدامة بنت الزّجاجفقلت التبسّم ابن الفم

وقوله يمدح الملك الأشرف ويذكر اجتماعه بالشمس خضر بالرقّة على شاطئ الفرات:

قران أرانا برجه الشمس والبدرافأضحى لنا بل للأنام به البشرى
بذا العالم السفلي بات فقد غداعلى العالم العلوي يبدي به الفخرا
غدا مجمع البحرين شرط قرانناألم ير موسى فيه قد صادف الخضرا
به اجتمعا لكنّ ذا لم يقل لذاغداة اللّقا لن تستطيع معي صبرا

وأولها:

أرى الجدّ يبدي تارة جنّة خضراأسطري به أم خطّ من صدغه سطرا
عجبت له خدّا تورّد خجلةتريك بآس الصّدغ فيه الدّجى ظهرا
رفعت له عن دمع عيني طلابةأروم بها عطفا فوّقع لي يجرى

وقوله في الزوبعة:

علا رهج الإعصار عند التفاتهفأعجل عيني أن تغمّض جفنيها
كراقصة قد أسرعت دورانهااذا انقلبت لفّت على الخصر كميّها

وقوله فيها:

قام في قائم الظّهيرة نقعمستطيل أثاره إعصار
مثل ظلّ الاشباح في الارض خطّامستطيلا إذا تولّى النّهار

وقوله فيها:

أقول للنّاس وقد أنذر الإعصار من شاهده في الهوا
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
تعوّذوا في الأرض من فتنةغبارها يصعد نحو السما
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة

وقوله:

شكى البخار ببطن الأرض محبسهعساه يطلق فاهتزّت لشكواه
وكانت الأرض كالحبلى إذا صلح الحنين في جوفها يهتزّ أعلاه

وقوله:

قلت إذ زلزلت الأرض ومافوقها للعهد إلاّ ناقص
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
حمّت الدّنيا من الغيظ علىساكنيها فاعتراها ناقص

وقوله:

قامت إلى شمعة في اللّيل تصلحهابلا مقطّ فطارت مهجتي فرقا
فأدركتني وقالت لا تخف لهباعلى بنان من الياقوت قد خلقا

وقوله:

أظنّ خيال العامريّة قد ضنّاوحاشاه لكن ليس لي مقلة وسنا
وكيف يزور الطّيف صبّا يراقب النجوم إذا ما ليلة موهنا جنّا
سميري ما للطّيف ذنب لأنّهرأى خدنه وهو الكرى قد جفا الجفنا
وكم ليلة فاوضته أن يلمّ بيإذا ما هدى ليل فعنّ وما عنّى
فأهدى لنا في الحضر بادية الفلابها السّرب من ولد الضّراغم قد رعنا
قصدنا غزالا أعلقته حبائل المنام ولولا أخته ما نجا منّا

ومنها:

بكيت فناداني أتبكي وبيننابحكم التّداني قاب قوسين أو أدنى
فقلت كذا كنّا بمنعرج اللّوىولكنّنا من بعد ذاك تفرّقنا
رأيت بفيه إذ تبسّم أدمعافقلت وفى لي إذ بكى فمه حزنا
أجاد له في النّظم شاعر ثغرهولكنّه من مقلتي سرق المعنى

آخر الجزء الرابع، ويتلوه في الخامس إن شاء الله تعالى:

فأما طوائف الفقراء، خلاصة ذوي القلوب، وخاصة المحبوب.

السفر الثامن: طوائف الفقراء والصوفية

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.