من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)
الباب الرابع فيما قيل في مُجامَلَة الأعداء وترك كشفهم عمَّا في قلوبهم
قَالَ أُحَيْحَةَ بنُ الْجُلاحِ الأنصاري:
ألْبِسْ عَدُوَّكَ فِي رِفْقٍ وَفِي دَعَةٍأطْوَارَ ذِي أُرْبَةِ لِلدَّهْرِ لَبَّاسِ
وَلا تَغرَّنْكَ أَضْغَانٌ مُزَمَّلَةٌقَدْ يُرْكَبُ الدّبَرُ الدَّامِى بأَحْلاسِ
وَقَالَ عُرْوَة بنُ شَرَاحِيل التميمي:
تَطَلَّعُ مِنْهُ بِغْضَةٌ لا يجِنُّهَاإِلَيَّ وَدُونِي غَمْرَةٌ لا يَخُوضُهَا
أُجَامِلُهُ وَالشِّنْؤُ بَيْنِي وَبَيْنَهُكَكَسْرِ الذِّرَاعِ هَيِّنٌ مَا يَهِيضُهَا
وَقَالَ الْقَتَّالُ الْكِلابِيُّ:
فَإِنْ أَنْتُم لَمْ تَفْعلُوا وَاتَّدَيْتُمُفَمُشُّوا بأَعْرَافِ النَّعَامِ الْمُصَلَّمِ
وَلا تَشْرَبُوا إلاَّ فُضُولَ نِسَائِكُمْإِذَا ارْتَمَلَتْ أَعْقَابُهُنَّ مِنَ الدَّمِ
وَقَالَ بَلْعاءُ بنُ قَيْسٍ الكِنَانيُّ:
يَقُولُونَ خذْ عَقْلًا وَصَالِحْ عَشِيرةًفَمَا يَأْمُرُونِي بِالْهُمُومِ إِذَا أُمْسِي
فَأقْسَمْتُ لا أنْفَكُّ حَتَّى أزُورَهُمْبِقُبٍّ كَأَمْثَالِ الْمجُموَّعَةِ الْغُبْسِ
وَقَالَ عبدُ الرَّحمنُ بنُ زَيد العذري:
أبعدَ الذي بالنَّعْفِ نعفِ كَويْكِبٍرهينةَ رَمْسٍ من ترابٍ وجَندلِ
أُذَكّرُ بِالْبُقْيَا عَلَى مَنْ أصَابَنِيوَبُقْيايَ أَنّي جَاهِدٌ غَيْرُ مَؤْتَلِي
فَإِنْ لَم أَنَلْ ثَأْرِي مِنَ الْيَومِ أوْ غَدٍبَنِي عَمِّنَا فالدَّهْرُ ذُو مَتَطَوَّلِ
أنَخْتُمْ عَلَيْنَا كَلْكَلَ الْحَرْبِ مَرَّةًوَنَحْنُ مُنِيخُوهَا عَلَيْكُمْ بِكَلْكَلِ
فَلا يَدْعُني قَوْمِي لِزَيْدِ بنِ مَالِكٍلَئِنْ لَمْ أُعَجِّلْ ضَرْبَةً أَوْ أُعَجَّلِ
وَقَالَ أيْضًا:
بِاسْتِ امْرِئٍ وَاسْتِ الَّتِي زَحَرَتْ بِهِيُؤَمِّلُ عَقْلًا مِنْ أَخٍ أَنا ثَائِرُهْ
وَمَنْ يُعْطَ عَقْلًا مِنْ أَخِيهِ يَسُوقُهُيُزَعْزَعْ وَتغْبُرْ بَعْدَ ذَاكَ مَعَائِرُهْ
فَإِنّي وَإِنْ ظَنَّ الرِّجَالُ ظُنُونَهُمْعَلَى وِرْدِ أَمْرٍ لَمْ تُبَيَّنْ مَصَادِرُهْ
وَقَالَ أيْضًا:
يُؤَسَّى عَنْ زِيَادَةَ كُلُّ مَوْلًىخَلِيٌّ مَا تَأَوَّبُهُ الْهُمُومُ
وَكَيْفَ تَجَلُّدُ الأَقْوَامِ عَنْهُوَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ الثَّأرُ الْمُنِيمُ
وَقَالَ الزَّبَّانُ بنُ مُجَالِدٍ الْبَكْرِيُّ:
أنَسِيتُمْ قَتْلَى كَثِيفٍ وَأَنْتمْبِبِلادٍ بِهَا تَكُونُ الْعِشَارُ
سِتَّةٌ قُتِّلُوا بِغَيْرِ قَتِيلٍفَلَكَ الذُّلُّ بعدهم والصَّغارُ
إِنْ نجت نجوةٌ بتغلبَ أو نَجَّــتْ على نأيها عقيلةَ دارُ
قبلَ أَن يثأَرَ القتيلُ بقتلَىبعد قتلَى وتُنقضَ الأوتار
وَقَالَ الْكمَيْتُ بنُ مَعْرُوفٍ الأَسَدِيُّ:
مَنْ مُبْلِغٌ عُلْيَا مَعَدٍّ وطَيِّئًاوَكنْدَةَ مَنْ أَصْغَى لَهَا وَتَسَمَّعَا
خُذُوا الْعَقْلَ إِنْ أَعْطاكُمُ الْعَقْلَ قَوْمُكُمْوَكَونُوا كَمَنْ سِيمَ الْهَوَانَ فَأَرْبَعَا
وَلا تُكْثِرُوا فِيهَا الضَّجَاجَ فَإِنَّهُمَحَا السَّيفُ مَا قَالَ ابْنُ دَارَةَ أَجَمْعَا
فَمَهْمَا تَشَأْ مِنْكُمْ فَزَارَةُ تُعْطِكُمْوَمَهْمَا تَشَأْ مِنْهُ فَزَارَةُ تَمْنَعَا
وَقَالَ أَبُو الْرَّبيعُ بنُ لَقِيطٍ يُعَيِّر الْكُمَيْتَ بنَ مَعْرُوفٍ بِقَبُول دِيةٍ كَانَ قَبلِها، وَكَانَت قَبِيلَةُ الْكمَيتِ تُلَقَّبُ بِالكُرْش:
شَرَا الْكُرْشُ عَنْ طُولِ النَّجِيِّ أَخَاهُمُبِمَالٍ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ حِذْلِم
شَرَوْهُ بِحُمْرٍ كَالصُّخُورِ وَأَجْذَمُواعَلَى الْعَارِ، مَنْ لا يُنْكِرِ الْعَارَ يُجْذَمِ
وَقَالَ عَمْروُ بنُ أَسَدٍ الأَسَدِيُّ:
لا تأْخُذوا الإِرْشَ الدَّقِيقَ فَإِنَّنيأرَى الْعَارَ يبْقَى وَالْمَعَاقِلُ تَذْهَبُ
كَأَنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ لَيْلَةًإِذَا أَنْتَ أَدْرَكتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمن بنُ دَارَة الْفَزَارِيُّ:
يَا رَاكبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلّغَنْمُغَلْغَلَةً عَنَّي الْقَبَائِلَ مِنْ عُكْلِ
لَئِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَثْأَرُوا بأَخِيكُمُفَكُوُنُوا نِسَاءً لِلْخَلُوقِ وَللْكُحْلِ
وَبِيعُوا الْرُّدَيْنِيَّاتِ بِالْحُلْيِ واقْعدواعَنِ الْحَربِ وَابْتَاعُوا الْمَغَازِلَ بالنِّبْلِ
وَقَالَ أُمَيَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ:
لِيَطلُبِ الْوِتْرَ أَمْثَالْ ابْنِ ذِي يَزَنٍخَيَّمَ فِي الْبَحْرِ لِلأَعْدَاء أَحْوَالا
أَتَى هِرَقْلَ وَقَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُفَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهْ النَّصْرَ الَّذِي قَالا
ثُمَّ انْثَنَى نَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ سَابِعَةٍمِنَ السِّنِينِ، لَقَدْ أَبْعَدْتَ قَلْقَالا
حَتَّى أَتَى بِبَنِي الأَحْرَارِ يَحْمِلُهُمْتَخَالُهُمْ فَوْقَ مَتْنِ الأرْضِ أَجْمَالا
حَمَلْتَ أُسْدًا عَلَى سُودِ الْكِلابِ فَقَدْأضْحَى شَرِيدُهُمُ في الأَرْضِ فُلاَّلا
فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِقًافِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَارًا مِنْكَ مِحْلالا
واضْطَمَّ بِالْمِسْكِ إِذْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْوَأَسْبِلِ الْيَوْمَ مِنْ بُرْدَيْكَ إِسْبَالا
وَقَالَ مُكْرِزُ بنُ حَفْصٍ الْقُرَشِيُّ:
لَمَّا رَأيْتُ الْمَرْء ذَا التَّبْلِ عَامِرًاتَذَكَّرْتُ أَشْلاءَ الْحَبِيبِ الْمُلَحّبِ
وَقُلْتُ لِنَفْسِي إِنَّهُ هُوَ عَامِرٌفَلا تَرْهَبِيهِ وَانْظُرِي أَيَّ مَرْكَبِ
خَفَضْتُ لَهُ جَأْشِى وَألْقَيْتَ كَلْكَلِيعَلَى بَطَلٍ شَاكِي السِّلاحِ مُجَرِّبِ
وَلَمْ آلُ لَمَّا الْتَفَّ صَفْقِي وَصَفْفُهُصُيَابَةَ هُجْنٍ مِنْ نِسَاءٍ وَلا أبِ
حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَلَمْ أنسَ ذَحْلَهُإِذَا مَا تَنَاسِى ذَحْلَهُ كُلُّ غَيْهَبِ
وَقَالَ عَبَّاسُ بنُ مِرْدَاسٍ السُلَميّ:
رَسول امْرِئٍ أَهْدَى إِليْكَ نَصِيحَةًفَإِنْ مَعْشُرٌ جَادُوا بِعِرْضِكَ فَابْخَلِ
فإِنْ بَوَّأُوكَ مَنْزِلًا غَيْرَ طَائِلٍغَلِيظًا فَلا تَنْزِلْ بِهِ وَتَحَوَّلِ
وَلا تَطعَمَنْ مَا يُطْعِمُونَكَ إِنَّمَاأَتَوْكَ عَلَى قُرْبَانِهِمْ بالْمُثَمَّلِ
وَحُلَّ النَّجَاةَ لَيْسَ مَنْ حَلَّ نَجْوَةًكَمَنْ حَلَّ في فَرْجِ السِّمَاكِ بِمَحْفِلِ
أَرَاكَ إِذًا قَدْ كُنْتَ للْقَوْمِ نَاضِحًايُقَالُ لَهُ بِالْغَرْب أَدْبِرْ وَأَقْبِلِ
وَأنْبِئْتُ أَنْ قدْ أَلْزَمُوكَ نُفُودَةًوَذلِكَ لِلْجِيرَانِ عَزْلٌ بِمَعْزِلِ
كِلانَا عَدُوٌّ لَوْ يَرَى فِي عَدُوِّهِمَسَاغًا وَكُلٌّ فِي الْعَدَاوَةِ مُجْمِلُ
إِذَا مَا الْتَقَيْنَا كَانَ أنْسُ حَدِيثِنَاصُمَاتًا وَطَرْفٌ كَالْمَعَابِلِ أَطْحَلُ
وقَالَ مَعْنُ بنُ أَوْسٍ الْمُزنِيُّ، وَيُرْوَى لِغَيْرِهِ:
أُكَاشِرُ ذَا الضِّغْنِ الْمُبَيِّنَ ضِغْنهُوأَضْحَكُ حَتَّى يَظهَرَ النَّابُ أَجْمَعُ
وَأَدْهُنُهُ بِالقَوْلِ دَهْنًا وَلَوْ رَأَىسَرِيرَةَ مَا أَخْفِي لَبَاتَ يُفَزَّعُ
وَقَالَ عَمْرُو بن عَبْدِ الْقِدِّ الأَسَدِيُّ:
دَاجِ الْعَدُوَّ تَنَظُّرًابِهِم غَدًا فِعْلَ الْمُوَارِبْ
فَإِذَا ظَفِرْتَ بِهِم ظَفِرْتَ بِمِنَّةٍ إِنْ لَمْ تُعَاقِبْ
وَقَالَ عَمْرُو بنُ أُمِّ صَاحِبِ:
وَقَدْ عَلِمْتُ عَلَى أَنَّي أُعَاشِرُهُمْلا نَبْرَحُ الدَّهْرَ إلاَّ بَيْنَنَا إِحَنُ
كُلٌّ يُدَاجِي عَلَى الْبَغْضَاءِ صَاحِبَهُوَلَنْ أُعَالِنَهُمْ إلاَّ كَمَا عَلَنُوا
وَلَنْ يُرَاجِعَ قَلْبي وُدَّهُمْ أَبَدًازكِنْتُ مِنْهُم عَلَى مِثْلِ الَّذِي زَكِنْوا
وَقَالَ عَمْرُو بنُ جَابِرٍ الْحَنَفِيُّ:
أُكَاشِحُ أَقْوَامًا عَلَى سِرِّ بِغْضَةٍوَأَضْحَكُ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ الْمُكَاشِرِ
أُرِيهِ كَذَاكُمْ مَا يُرِينِي وَأَبْتَغِيبِهِ في غَدٍ خَوْفَ الْجُدُودِ الْعَوَاثِرِ
ثَنَى ضِلَعًا مِنْ جَنْبِهِ وَثَنَيْتُهَاعَلَى مِثلِهَا مَنْ عَائِفِ الطَّيْرِ زَاجِرِ
كَلانَا يُرِي أَنْ لَيْسَ في الصدْرِ رِيبَةٌعَلَى حَنَقٍ بَيْنَ الشَّرَاسِيفِ وَاغِرِ
وَقَالَ أَيْضًا:
وَكَائِنْ مِنْ عَدُوٍّ ظَلْتُ أُبدِيلَهُ وُدًّا يُغَرُّ بِهِ الْفَنِيصُ
أَكَاشِرُهُ وَأَعْلَمُ أَنْ كِلانَاعَلَى مَا سَاءَ صَاحِبَهُ حَرِيصُ
النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع