من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)
الباب الثاني والثمانون فيما قيل في الغَدْر والخيانة وذمّهما
قَالَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ:
وَلا أَشْتَرِي مَالاً بِغَدْرٍ عَلِمْتُهُأَلا كُلُّ مَالٍ خَالَطَ الْغَدْرَ أَنْكَدَا
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
يا حَارِ مَنْ يَغْدِرْ بِذمَّةِ جَارِهِمِنْكُمْ فَإِنَّ مُحَمَّداً لَمْ يَغْدِرِ
إِنْ تَغْدِرُوا فَالْغَدْرُ مِنْكُمْ شِيمَةٌوَالْغَدْرُ يَنْبُتُ فِي أُصُوِلِ السَّخْبَرِ
وَأَمَانَةُ الْمُرِّيِّ حَيْثُ لَقِيتَهُمِثْلُ الزُّجَاجَةِ صَدْعُهَا لَمْ يُجْبَرِ
وَقَالَ حَرْبُ بْنُ جَابِرٍ الْحَنَفِيُّ:
رَأَيْتُ أَبَا الْقَيَّارِ لِلْغَدْرِ آلِفاًوَلِلْجَارِ وَابْنِ الْعَمِّ جَمًّا غَوَائِلُهْ
وَإِنَّ أَبَا الْقَيَّار كَالذِّئْبِ إِنْ رَأَىبصَاحِبِهِ يَوْماً دَماً فَهْوَ آكِلُهْ
وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
لَقَدْ خُنْتَ قَوْماً لَوْ لَجَأْتَ إِلَيْهِمُطَرِيدَ دَمٍ أَوْ حَامِلاً ثِقْلَ مَغْرَمِ
لَلاقَيْتَ فِيهِمْ مُطْعِماً وَمُطَاعِناًوَرَاءَكَ شَزْراً بِالْوَشِيجِ الْمُقَوَّمِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَكُنْتَ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَماًبِصَاحِبِهِ يَوْماً أَحَالَ عَلَى الدَّمِ
رَضِعْتَ بثَدْيِ الْغَدْرِ مُذْ أَنْتَ نَاشِئٌوَنُودِيتَ بِاسْمِ الظُّلْمِ فِي كُلِّ مَوْسِمِ
وَقَالَ الأُمَوِيُّ:
غَدَرْتُمْ بِعَمْرٍو يَا بَنِي خَيْطِ بَاطِلٍوَكُلُّكُمُ يَبْنِي الْبُيُوتَ عَلَى الْغَدْرِ
كَأَنَّ بَنِي مَرْوَانَ إِذْ يَقْتُلُونَهُبُغَاثٌ مِنَ الطَّيْرِ اجْتَمَعْنَ عَلَى صَقْرِ
وَقَالَ الذَّبَّالُ بْنُ فُلَيْحٍ الْكِنَانِيُّ:
إِنَّ بَنِي مُدْلِجَ النَّوْكَى بِجَهْلِهِمُلا يَعْقِدُونَ وَلا يُوفُونَ لِلْجَارِ
لا يَعْطِفُونَ عَلَى جَارٍ لمَصْرَعَةٍوَلا يُبَالُونَ مَا لاقَوْا مِنَ الْعَارِ
قَوْمٌ إِذَا نَبَحَ الأَضْيَافَ كَلْبُهُمُقَالُوا لأُمِّهِمُ بُولِي عَلَى النَّارِ
وَقَالَ عَارِقٌ الطَّائِيُّ:
غَدَرْتَ بِأَمْرٍ أَنْتَ كُنْتَ دَعَوْتَنَاإِلَيْهِ وَشَرُّ الشِّيمَةِ الْغَدْرُ بِالْعَهْدِ
وَقَدْ يَتْرُكُ الْغَدْرَ الْفَتَى وَطَعَامُهُإِذَا هُوَ أَمْسَى جُلَّةٌ مِنْ دَمِ الْفَصْدِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزَّبِيرِ الأَسَدِيُّ:
عَقَدْتُمْ لِعَمْرٍو حَبْلَكُمْ فَغَدَرْتُمُوَعَمْرٌو بِهِ جَارُ الحَمَامَةِ فِي الرُّكْنِ
فَلَمْ أَرَ وَفْداً كَانَ أغْدَرَ عَاقِداًفَيَا لَكَ عَقْداً غَيْرَ مُوفٍ وَلا مُسْنِ
فَكَبَّلْتَهُ حَوْلاً تُفَوِّتُ نَفْسَهُيَنْوءُ بِهِ فِي سَاقِهِ حَلَقُ اللِّبْنِ
وَكُنْتَ كَذَاتِ الطِّبْيِ لَمْ تَدْرِ إِذْ خَلَتْتُؤَامِرُ نَفْسَيْهَا أَتَسْرِقُ أَمْ تَزْنِي
جَزَى اللهُ عَنْهُ خَالِداً شَرَّ مَا رَأَىوَعُرْوَةَ شَرًّا مِنْ خَلِيلٍ وَمِنْ خِدْنِ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَرْدَى عُبَيْدَةُ جَارَهُبِشَنْعَاءَ عَارٍ لا تُوَارَى عَلَى الدَّفْنِ
وَقَدْ كانَ عَمْروٌ قَبْلَ أَنْ يَغْدِرُوا بِهِصَلِيبَ الْقَنَاةِ مَا تَلِينُ عَلَى الدَّهْنِ
فَمَا قَالَ عَمْروٌ إِذْ يَجُودُ بِنَفْسِهِلِخَالِدِكُمْ حَتَّى قَضَى نَحْبَهُ دَعْنِي
أَغارَ حَنْتَمَةُ بْنُ مَالِكٍ الجعفيّ على حيٍّ من بني القَين بْنِ جَسْر، فاستاق منهم إِبلاً فلحقوهُ ليستنقذوها منهُ فلم يطمعوا فيهِ، ثم إِنهُ ذكر يداً كانت لبعضهم عندهُ فخلَّى عمَّا كان في يده، وولَّى منصرفاً ففادوهُ وقالوا: إِنَّ المفازة أَمامك ولا ماء معك، وقد فعلت جميلاً فأنزل ولك الذِمامُ والحِباء؛ فنزل ولمَّا اطمأَنَّ واستمكنوا منهُ غدروا بهِ وقتلوهُ فقالت عمرةُ ابنتهُ:
غَدَرْتُمْ بِمَنْ لَوْ كَانَ سَاعَةَ غَدْرِكُمْبِكَفَّيْهِ مَفْتُوقُ الْغِرَارَيْنِ قَاضِبُ
لَذَادَكُمُ عَنْهُ بِضَرْبٍ كَأَنَّهُسِهَامُ الْمَنَايَا كُلُّهُنَّ صَوَائِبُ
تلاحَى بنو مفروق بن عمرو بْنِ مُحارب وبنو جَهْم بن مُرَّة بْنِ مُحارب على ماءٍ لهم فغلبتهم بنو مفروق وظهرت عليهم وكان في بني جهم شيخ لهُ تجربة وسنٌّ فلمَّا رأَى ظهورهم قال: يا بني مفروق، نحن بنو أَبٍ واحدٍ، فلِمَ نتفانى؟ ! هلمُّوا إلى الصلحِ ولكم عهد اللهِ وذمَّة آبائنا ألَّا نهيجكم أَبداً، ولا نُزاحمكم في هذا الماء. فأَجابتهم بنو مفروق إلى ذلك، فلمَّا اطمأَنَّوا ووضعوا السلاح عدَا عليهم بنو جهمٍ فنالوا منهم منالاً عظيمًا وقتلوا جماعة من أشرافهم؛ فقال أُبَيُّ بنُ ظَفَر المحاربيُّ في ذلك:
هَلَّا غَدَرْتُمْ بِمَفْروقٍ وَأُسْرَتِهِوَالْبِيضُ مُصْلَتَةٌّ وَالْحَربُ تَسْتَعِرُ
لَمَّا اطْمَأنُّوا وَشَامُوا مِنْ سُيُوفِهمثُرْتُم إلَيْهِمْ وَغِبُّ الْغَدْرِ مُشْتَهَرُ
غَرَّرْتُمُوهُمْ بأَيْمَانٍ مُؤَكَّدَةٍوَالْوِرْدُ منْ بَعْدهِ للْغَادِرِ الصَّدَرُ
أَغارَ الصُّمُلُّ بْنُ مرجومٍ الطائيُّ على بني مالك بن عمرِو الطائيُّ، وكانت بينهم مُعاودَة، فاكتسب منهم ماشيةً وأَفراساً، واتَّبَعُوهُ فعطف عليهم وردعهم وجرح فيهم، فقالَ لهُ عُوَيْر بنُ جابر المالكيُّ: يا صُمُلُّ اجعل حدَّك بغير عشيرتك. فقال: صدقت واللهِ يا ابنَ عمِّ. وردَ عليهم ما كان اطَّردهُ لَهم. فقال لهُ عُوَيْر وقد ولَّى مُنْصرفاً: سأَلتك يا صُمُلُّ هل بقي في قلبك شيءٌ ممَّا كان بيننا؟ قال: لا واللهِ. قال. فإِن كُنتَ صادقاً فانزل عندنا وتحرَّم بطعامنا لنعلم أَنَّك صادق فِيما ذكرت ولك الذِّمام. فنزل
مُطمَئِنًّا إِلى قولهم غير شاكٍّ في وفائهم. فلمَّا أَمكنتهم الفرصة أَسروهُ وأَخذوا سيفهُ وجنبوهُ إِلى بعض مطاياهم وطالبوهُ بالفداء أَو القتل، فدفع إِليهم ما أَرادوا من الفداء وقال:
بَنِي مَالِكٍ لَوْ كَانَ سَيْفِيَ في يَدِيلَمَا كنْتُ مَجْنُوباً أُسَاقُ وَأعْنَفُ
أأَعْطَيْتُمونِي عَهْدَكُمْ وَذِمَامَكمْوَعَهْدَ أَبِيكُمْ وَهْوَ بِالْغَدْرِ أَعْرَفُ
فَشِمْتُ حُسَامِيَ وَاستنمتُ إِلَيْكُمُوَكلُّكُمُ مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ يَرْجُفُ
وَقَدَّمتُمُ زَادًا خَبِيثاً فَلَمْ أَخَفْمَعَ الزَّادِ مَا يُخْشَى وَمَا يُتَخَوَّفُ
فَثُرتُمْ وَقَدْ أَعْطَيْتمونِي ذِمَامَكمْإِلَيَّ فَهَلَّا وَالأَسِنَّةُ تَرْعَفُ
النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع