من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)
الباب الخامس والسبعون فيما قيل في الصبر على المصائب والتجلُّد للشامتين وترك الاستكانة
قَالَ أبو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ:
وَتجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهُمُأَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أَتَخَشَّعُ
حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌبِصَفَا الْمُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
وَقَالَ الْجَمَّالُ بنُ الْمُعَلِّي الْعَبْدِيُّ:
لا النَّائِبَاتُ لِهذَا الدَّهرِ تَقْطَعُنِيوَالصَّبْرُ مِنِّي عَلَى مَا نَابَنِي خُلُقُ
إِنَّ الْكَرِيمَ صَبُورٌ كَيْفَمَا انْصَرَفَتْبِهِ الصُّرُوفُ إِذَا مَا أَفْلَقَ الْفَرَقُ
وَقَالَ أَنَسُ بنُ مُدْرِكٍ الْخَثْعَمِيُّ:
كَمْ مِنْ أَخٍ لِي كَرِيمٍ قَدْ فُجِعْتُ بِهِثُمَّ بَقِيتُ كَأَنِّي بَعْدَهُ حَجَرُ
لا أَسْتَكِينُ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ وَلاأُغْضِي عَلَى الأَمْر يَأْتِي دُونَهُ الْعُذُرُ
مِرْدَى حُرُوبٍ أُجِيلُ الأَمْرَ مُقْتَدِرًاإِذْ بَعْضُهُمْ لأُمورٍ تَعْتَرى جَزَرُ
وَقَالَ عَمْرُو بنُ مَعْدِي كَرِبَ:
كَمْ مِنْ أَخٍ لِيَ مَاجِدٍبَوَّأْتُه بِيَدَيَّ لَحْدَا
ألْبَسْتُهُ أَثْوَابَهُوَخُلِقْتُ يَوْمَ خُلِقْتُ جَلْدَا
مَا إِنْ جَزِعْتُ وَلا هَلِعْــتُ وَمَا يَرُدُّ بُكَايَ زَنْدَا
وَقَالَ عَدِيُّ بنُ الرِّقاعِ الْعَامِليُّ:
وَفِرَاقِ ذِي حَسَبٍ وَرَوْعَةِ فَاجِعٍدَاوَيْتُهُ بِتَجَمُّلٍ وَعَزَاءِ
لِيَرَى الرِّجَالُ الْكَاشِحُونَ صَلابَتِيوَأَكُفُّ ذَاكَ بِعِفَّةٍ وَحَيَاءِ
وَقَالَ حَضْرَمِيُّ بنُ عَامِرٍ الأَسَدِيُّ:
وَذِي لَطَفٍ عَزَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُحِذَارَ الشَّامِتِينَ وَقَدْ شَجَانِي
قَطَعْتُ قَرِينَتِي مِنْهُ فَأَغْنَىعَنَاهُ فَلَنْ أَرَاهُ وَلا يَرَانِي
وَقَالَ هُدْبَةُ بنُ خَشْرَمٍ الْعُذْرِيُّ:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِإِذَا اخْتِيرَ قَالُوا لَمْ يَقُلْ مَنْ تَخَيَّرَا
مِنَ الرَّافِعِينَ الْهَمَّ لِلذِّكْرِ وَالْعُلَىإِذَا لَمْ يَبُقْ إِلَّا الْكَرِيمُ لِيُذْكَرَا
رُزِينَا فَلَمْ نَعْثَرْ لِوَقْعَتِهِ بِنَاوَلَوْ كَانَ فِي حَيٍّ سِوَانَا لأَعْثَرَا
وَمَا دَهْرُنَا إِلَّا يَكُونُ أَصَابَنَابِنَفْلٍ وَلكِنَّا رُزِينَا لِنَصْبِرَا
وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ بنُ غَالِبٍ:
بِفِيِّ الشَّامِتِينَ الصَّخْرُ إِنْ كَانَ مَسَّنِيرَزِيَّةُ شِبْلٍ مُخْدِرٍ فِي الضَّرَاغِمِ
فَقَدْ رُزِيَ الأَقْوَامُ قَبْلِي بَنِيهِمُوَإِخْوَانَهُمْ فَاقْنَيْ حَيَاءَ الْكَرَائِمِ
وَمَاتَ أَبِي وَالْمُنْذِرَانِ كِلاهُمَاوَعَمْرُو بنُ كُلْثُومٍ شِهَابُ الأَرَاقِمِ
وَقَدْ مَاتَ خَيْرَاهُمْ فَلَمْ يُهْلِكَاهُمُعَشِيَّةَ مَاتَا رَهْطُ كَعْبٍ وَحَاتِمِ
وَقَدْ مَاتَ بِسْطَامُ بنُ قَيْسِ بنِ خَالِدٍوَمَاتَ أَبُو غَسَّانَ شَيْخُ اللَّهَازِمِ
فَمَا ابْنَاكِ إِلَّا مِنْ بَنِي النَّاسِ فَاصْبِرِيفلَنْ يُرْجِعَ الْمَوْتَى حَنِينُ الْمَآتِمِ
وَقَالَ هُدْبَةُ بنُ خَشْرَمٍ الْعُذْرِيُّ:
وَكَمْ نَكْبَةٍ لَوْ أَنَّ أَدْنَى مُرُورِهَاعَلَى الدَّهْر ذَلَّتْ عِنْدَهَا نُوَبُ الدَّهْرِ
فَإِنْ تَكُ فِي أَمْوَالِنَا لا نَضِقْ بِهَاذِرَاعًا وَإِنْ تَقْسِرْ أَبَيْنَا عَلَى الْقَسْرِ
وَإِنْ يَكُ قَتْلٌ لا أَبَا لَكَ نَصْطَبِرْعَلَى الْقَتْلِ إِنَّا فِي الْحُرُوبِ أُولُوا صَبْرِ
وَقَالَ عَدِيُّ بنُ الرِّقاعِ الْعَامِليُّ:
وَنَكْبَةٍ لَوْ رَمَى الرَّامِي بِهَا حَجَرًاأَصَمَّ مِنْ يَابِسِ الصَّوَّانِ لانْصَدَعَا
أتَتْ عَلَيَّ فَلَمْ أُنْزِعْ لَهَا سَلَبِيوَلا اسْتَكَنْتُ لَهَا شَكْوَى وَلا جَزَعَا
وَقَالَ الطِّرِمَّاحُ بنُ حَكِيمٍ الطَّائِيُّ:
فَإِنْ أَشْمَطْ فَلَمْ أَشْمَطْ لَئِيمًاوَلا متَخَشِّعًا لِلنَّائِبَاتِ
وَمَارَسْتُ الأُمُورَ وَمَارَسَتْنِيفَلَمْ أَجْزَعْ وَلَمْ تَضْعُفْ قَنَاتِي
وَقَالَ ابنُ عَدَّاءَ النَّخَعي:
إِنِّى لَمِنْ قَوْمٍ إِذَا نُكِبُوالَمْ يَجْزَعُوا لِنَوَائِبِ الدَّهْرِ
صُبُرٍ عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَدَثٍوَالأَكرَمُونَ أَحَقُّ بِالصَّبْرِ
وَقَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ الْخَثْعَمِيُّ:
وَأَكْبَرُ فَقْدًا مِنْكَ قَدْ رَاحَ أَوْ غَدَافَبَانَ بِلا ذَمٍّ وَلا شَنَئَانِ
فَوَدَّعْتُهُ ثُمَّ انْصَرَفْتُ كَأَنَّنِيسُدىً لَمْ تُصِبْنِي رَوْعَةُ الْحَدَثَانِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ حَسَّانَ الأَنْصَارِيُّ:
ألَمْ تَرَ أَنِّي لا أَلِينُ لغَامزٍوَلا أَبْتَدِي رَبَّ الْقَطِيعَةِ بِالْوَصْلِ
وَأَنِّي مَتَى أُنْكَبْ مِنَ الدَّهْر نَكْبَةًأُكَفْكِفُ غَرْبَيْهَا بِصَبْرِ فَتًى جَزْلِ
وَقَالَ هِلالُ بنُ سَدُوسٍ الجُهَنِيُّ:
وَحَسْوَةِ حُزْنٍ تَمَزَّزْتُهَاوَردَّدْتُ فِي الصَّدْرِ مِنْهَا غَلِيلا
خَلَوْتُ بِنَفْسِي فعَاتَبْتُهَاوَقُلْتُ لَهَا وَيْكِ صَبْرًا جَمِيلا
وَأَنْبَأْتُهَا أَنَّها تُبْتَلَىوَأَنْ لا تُلَبَّثَ إِلَّا قَلِيلا
وَقَالَتْ أُمُّ الأُسْوَارِ الْكِلابِيَّةُ وَكَانَتْ مَحْبُوسَةً بِالْمَدِينَةِ لِجنَايَةٍ جَنَاهَا ابْنُهَا:
كِلانَا إِذَا مَا كَبْلُهُ عَضَّ سَاقَهُوَأُحْكِمَ حَتَّى زَلَّتِ الْقَدَمَانِ
أَرَى شَاهِدَ الأَعْدَاءِ مِنْهُ جَلادَةًوَإِنْ كَانَ مَرْمِيًّا بِنَا الرَّجَوَانِ
وَأوَّلُ هذِهِ الأَبْيَاتِ:
وَإِنِّيَ وَالْعَبْسِيَّ فِي سِجْنِ خَالِدٍصَبُورَانِ عِنْدَ الْبَثِّ مُؤْتَشِبَانِ
النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع