من «حماسة البحتري» للبحتري (ت ٢٨٤هـ)
الباب الثامن عشر والمائة فيما قيل في مَدْح المَشِيب
قَال عَمْرُو بْنُ زَيْدٍ التَّمِيمِيُّ:
نَزَلَ الْمَشِيبُ بِلِمَّتِي فَتَأَشَّبَاأهْلاً وَسَهْلاً بِالْمَشيبِ وَمَرْحَبَا
حَلَّ الحِجَى وَالْحِلْمُ عِنْدَ مَحَلِّهِوَنَفَى السَّفَاهَ وَطَيْشَهُ فَتَجَنَّبَا
أهْدَى لَنَا حِلْماً وَعِلْماً أَزَّرَاجِسْمِي وَبِالتَّقْوَى أَرُوحُ مُعَصَّبَا
الشَّيْبُ حِلْمٌ رَاجِحٌ وَرَزَانَةٌفِيهِ وَتَجْرِبَةٌ لِمَنْ قَدْ جَرَّبَا
جَاءَتْكَ فِيهِ سَكِينَةٌ وَبَصِيرَةٌفَاشْكُرْ لِرَبِّكَ وادْعُهُ مُتَحَوِّبَا
وَقَالَ طُرَيْحُ بْن إِسمَاعِيلَ الثَّقَفيُّ:
بَانَ الشَّبَابُ فَليسَ فيهِ مطمَعُوَغَدَا غُدُوَّ مودِّعٍ لا يَرجعُ
وثَوَى الْمَشيبُ مُبَصِّراً وَمُحَكِّماًكُلٌّ يَغولُكَ نَازِلٌ وَمُوَدِّعُ
وَالشَّيْبُ لِلْحُكَمَاءِ مِنْ سَفَهِ الصِّبَابَدَلٌ تكُونُ لَهُ الفَضِيلَةُ مُقْنِعُ
وَالشَّيْبُ زَيْنُ ذَوِي الْمُرُوءَةِ وَالْحِجَىفِيهِ لَهُمْ شَرَفٌ وَحَقٌّ يبدِعُ
وَتَنزَّهٌ عَن كُلِّ مَا نَقَصَ الْفَتَىوَتأمُّلٌ وتحفُّظٌ وتورُّعُ
وَالْبِرُّ تَخْلِطُهُ الْمُرُوءَةُ وَالتُّقَىفِي حَالِ أَشيَبَ جِسْمُهُ متَضَعْضِعُ
أهْوَى إِلَيَّ مِنَ الشَّبَابِ مَعَ الْعَمَىوَالْغَيِّ يَتْبَعُهُ الْغَوِيُّ الْمُهْرَعُ
وَقَالَ الأَحْوَصُ بْنُ مُحَمَّدٍ:
الشَّيْبُ يَأْمُرُ بِالْعَفَافِ وَبِالتُّقَىوَإلَيْهِ يَأْوِيَ الْعَقْلُ حِينَ يَؤُولُ
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ فَخُذْ بشَيْبِكَ فَضْلَةًإِنَّ الْعُقُولَ يُرَى لَهَا تَفْضِيلُ
وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ مَقْرُومٍ الضَّبِيُّ:
أمَا تَرَيْ لِمَّتي لاحَ الْمَشِيبُ بِهَامِنْ بَعْدِ أَسْحَمَ دَاجٍ لَوْنُهُ رَجِلِ
أُعقِبْتُهُ بَدَلاً منْهُ وَفارَقَنيلِلّهِ دَرُّ مَشِيبِ الرَّأْسِ مِنْ بَدَلِ
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عقبَةَ:
نَزَلَ الْمَشِيبُ بِنَا فَنِعْمَ النَّازِلُوَحَلِيفُنَا غُصْنُ الشَّبَابِ يُزايِلُ
لَيْسَا سَوَاءً فِي الْمَوَدَّة عِنْدنَاهذَا الْمُنِيخُ بِنَا وَهذَا الرَّاحِلُ
وَكِلاهُمَا فِيهِ مَنَافِعُ لِلْفَتىإِنْ كَفَّ غَرْبُ شَبَابِهِ وَنَوَافِلُ
حِلْمٌ وَإِسْلامٌ لِهذَا منْهُمَاوَندَىً وَلَذَّاتٌ لِذَا وَفَوَاضِلُ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجَعْفَرِيُّ:
شِبْتُ وَالشِّيبُ وَاعِظٌ مَنْ عَصَاهُلَمْ يُطِعْ بَعْدُ نَاصِحاً زَجَرَهْ
وَقَالَ أَيْضاً:
أقُولُ لمَّا بَدَتْ بَيْضَاءُ لائِحَةٌقَوْلَ امْرِئٍ عَنْ طِلابِ اللَّهْوِ مُنْخَزِلِ
أهْلاً بِوَافِدَةٍ لِلشَّيْبِ وَاعِظَةٍتَبْغِي الشَّبَابَ وَتَنْهَانَا عَنِ الغَزَلِ
وَقَالَ أَيْضاً:
أَتَتْنِي تَجَنَّى عَلَيَّ الذُّنُوبَوَمَا لِيَ ذَنْبٌ سِوَى الشَّيْبِ صَارَا
وَمَا زَادَنِي الشَّيْبُ إلا نَدىًوَإِلاَّ عَفَافاً وَإِلاَّ وَقَارَا
وإلاَّ اصْطِبَاراً عَلَى النَّائِبَات وَالمَرْءُ يَمْنَعُ مَنْ قَدْ أَجَارَا
فَلا تَعْجَبِي مِنْ مَشُوقٍ صَحَاوَعَمَّمَهُ الشَّيْبُ مِنْه خِمَارَا
النص من طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع