من «عيار الشعر» لابن طباطبا العلوي (ت ٣٢٢هـ)
الأبيات الحَسَنَةُ الألُفاظ الواهيةُ الْمعَانِي
ومنَ الأبياتِ الحَسَنَةِ الألفاظِ، المُسْتَعْذَبِة الرَّائِقَةِ سَماعاً، الوَاهِيةِ تَحصِيلاً ومَعْنَىً - وإنَّما تُستَحْسَنُ مِنْهَا اتَّفَاقْ الحَالَاتِ الَّتِي وُضِعَتْ فِيهَا، وتَذَكُرُ الّلَذَّاتِ بمعانيها، والعِبارةُ عَمَّا كانَ فِي الضَّمير مِنْهَا، وحِكاياتُ مَا جَرَى من حَقَائِقها دونَ نَسْجِ الشَّعرِ وجَوْدتِهِ، وإحْكامِ رَصفِهِ وإتقانِ مَعْناهُ قولُ جَميل:
فَيَا حُسنَها إذْ يَغسِلُ الدَّمْعُ كُحْلهَاوإذْ هِيَ تُذْري الدَّمْعَ مِنْهَا الأنَاملُ
عَشِيَّةَ قَالَت فِي العِتَابَ: قَتَلْتَنيوقَتْلي بِمَا قَالتْ هُنَاكَ تُحَاوِلُ
وكَقَوْلِ جَريرِ:
إنَّ الَّذين غَدَوْا بِلُبِّكَ غَادَرُواوشَلاً بِعَيْنِكَ لَا تَزَالُ مَعِينا
غَيَّضْنَ من عَبَراتِهنَّ وقُلْنَ ليمَاذَا لَقِيتَ من الهَوَى ولقينا؟
وكقَوْلِ الأعْشَى:
قَالَتْ هُرَيرَةُ لما جئتُ زَائِرَهَاوَيْلي عَليْكَ وَوَيْلي منكَ يَا رَجُلُ
فَوَيْلي الأولى تَهَدُّدٌ، وَوَيْلِي الثانيةُ اسْتِكانَةٌ.
وكَقْولِ قَيْس بن ذَرِيح.
خَلِيَليَّ، هَذَي زَفْرَةٌ قد غَلَبْتُهَافَمَنْ لي بأخْرَى مِثْلهَا قَدْ أطَلَّتِ
وَبِي زَفَراتٌ لَو يَدُمْنَ قَتَلْنَنِيتَسُوقُ الَّتِي تَأتي الَّتِي قَدْ تَوَلَّتِ
وكقَوْلِ عُمَر بنِ أبي رَبيعة:
غَفَلْنَ عَن اللَّيْل حتىَّ بَدَاتَبَاشِيرُ من وَاضحٍ أشْقَرَا
فَقُمْنَ يُعَفِّينَ آثارَنَابأكْسِيَةِ الخَزِّ أنْ تُقْفَرَا
فالمُسْتَحْسَنُ من هَذه الأبْيات حقائق مَعَانيها الواقِعَةُ لأصْحَابِها الواصِفِين لَهَا دون صَنْعَةِ الشِّعْرِ وإحْكَامَهِ.
فأمَّا قَوْلُ القَائِل:
ولمَّا قَضَيْنَا من مِنَى كلّ حَاجَةٍومَسَّحَ بالأرْكانِ من هُوَ مَاسِحُ
وَشُدَّتْ على حُدْبِ المَهارَى رحَالُنَاوَلَا ينظُر الغَادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ
أخَذْنَا بأطرَافِ الأحَاديثِ بينَنَاوسَالَتْ بأعْنَاقِ المَطِيِّ الأباطِحُ
فإنَّ فائدةَ هَذَا الشِّعر هُوَ اسْتِشْعَارُ قائِلهِ لفرحَةِ قُفُولِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وسرورِهِ بالحَاجَةِ الَّتِي وَصَفَها من قَضَاءِ حَجِّهِ، وأُنْسِهِ برُفَقَائِهِ ومُحَادَثَتِهم، وَوَصفِهِ سَيْلَ الأبَاطِحِ بأعْنَاق المَطِيِّ كَمَا تَسِيلُ بالمياه، فَهُوَ مَعْنَى مُسْتوفىً على قَدْر مُرَاد الشَّاعر.
وَمن الأبْيَاتِ الَّتِي تَخلبُ مَعَانيها للطَافَةِ الكَلَامِ فِيهَا قَوْلُ زُهَير:
تَرَاهُ إِذا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلاًكأنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أنْتَ سَائِلُهْ
أخي ثقةٍ مَا تُهْلِكُ الخَمْرُ مالهُولكنَّهُ قد يُهْلِكُ المَالَ نائِلُهْ
غَدَوْتُ عَلَيْهِ غَدْوةً فَرَأيْتُهُقُعُوداً لَدَيْهِ بالصَّرِيمِ عَوَاذلُهْ
يُفَدِّينَهُ طَوْراً وطَوْراً يَلُمْنَهُوأعْيَا، فَمَا يَدْرينَ أينَ مَخَاتِلُهْ
فَأعْرَضْنَ منهُ عَنْ كَرِيمٍ مُرَزَّأٍفَعُولٍ، إذَا مَا جَدَّ بالأمْرِ فاعِلُهُ
وقوْلُ طُفَيلٍ الغَنَويِّ:
جَزَى اللهُ عَنَّا جَعْفراً حِين أزلَقَتْبِنَا نَعْلُنَا فِي الوَاطِئينَ فَزَلَّتِ
أبَوْا أنْ يَمَلُّونا وَلَو أنّ أُمَّنَاتُلَاقي الَّذِي لَا قَوْهُ مِنَّا لمَلَّتِ
[هُمُ أنْزَلُونا فِي ظِلَالِ بُيُوتِهِمْإِلَى حُجُراتٍ أدْفَأتْ وأظَلِّتِ
وقالُوا: هَلُمُّوا الدَّارَ حَتَّى تَبَيَّنواوتَنْجَلي الغَمَّاءُ عَمَّا تَجَلَّتِ
ومِنْ بَعْدِ مَا لنَّا لِسَلْمَى وأهْلِهَاعَبِيداً، ومَلَّتْنَا البِلادُ ومَلَّتِ]
وكَقَولِ كُثِّير بن عبد الرَّحْمَن الخُزَاعي:
إِذَا مَا أرادَ الغَزْوَ لم يَثْنِ هَمَّهُحَصَانٌ عَلَيْهَا نَظْمُ دُرٍّ يَزِينُهَا
نَهَتْهُ، فلمَّا لم تَرَ النَّهْيَ عَاقَهُبكَتْ، فَبَكَى مِمَّا شَجَاهَا قَطِينُهَا
وقَوْلِ ابْن هَرْمة:
إنيِّ نَذَرتُ لَئِن لَقِيتُكَ سَالماًأنْ لَا أعَالجِ بعدَكَ الأسْفَارا
وقَوْلِ حَمْزَة بن بَيْض:
تَقُولُ لي، والعُيونُ هاجعةٌ،أقِمْ عَلَيْنَا يَوْماً فَلَمْ أَقِمِ
أيَّ الوُجُوهِ انتَجَعْتَ؟ قُلْتُ لَهَا:لَا أيَّ وَجْهٍ إلاّ إِلَى الحكَمِ
مَتَى يَقُلْ صَاحِبَا سُرَادِقِهِهَذَا ابنُ بَيْضٍ بِالْبَابِ، يَبْتَسِمِ
قد كُنْتُ أسْلَمْتُ فيكَ مُقْتَبِلاًفَهَاتِ، إذْ حَلٌ، أعْطِني سَلَمي
وقَوْلِ الآخرِ:
نُقَلَّبُهُ لِنَبلُوَ حَالَتْيهِفَنَخْبُر مِنْهُمَا كَرَماً ولِينَا
نَمِيلُ على جَوانبهِ كأنَّانَمِيلُ إِذَا نَمِيلُ على أبِينَا
وكَقَوْلِ نُصَيْب:
فَعَاجُوا، فأثْنَوْا بِالَّذِي أنتَ أهْلُهُوَلَو سَكَتُوا أثْنَتْ عليكَ الحَقَائِبُ]
وقَوْلِ أبي العَتَاهِية:
إنَّ المَطَايا تَشْتكِيكَ لأنَّهاتَفْري إِلَيْك سَبَاسِباً ورِمَالَا
فإذَا أتَيْنَ بِنَا أتَيْنَ مُخِفَّةًوَإِذا رَجَعْنَ بِنَا رَجَعْنَ ثِقَالَا
وأمَّا المَعْرَضُ الحسَنُ الَّذِي قد ابتُذِل على مَالا يشاكِلُهُ من المَعَاني، فكَقْولِ كُثِّير.
فَقُلْتُ لَهَا: يَا عَزُّ كُلَّ مُصِيبَةٍإذَا وُطنَتْ يَوْماً لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ
وقَدْ قَالَت العُلَماءُ: لَو أنَّ كُثِّيراً جَعَل هَذَا البَيْتَ فِي وَصْفِ حَرْبٍ لكانَ أشْعَرَ النَّاس!
وكقَوْلِ القُطَاميِّ فِي وَصْفِ النُّوقِ.
يَمْشِينَ رَهْواً فَلَا الأعْجَازُ خَاذِلَةٌوَلَا الصُّدورُ على الأعْجَازِ تَتَّكِلُ
[قَالَت العُلمَاءُ] لَو جَعَلَ هَذَا الوَصْفَ للنِّسَاءِ دُونَ النُّوقِ كانَ أحْسَن.
وكقَوْلِ كُثِّير أَيْضا.
أسِيئِي بِنَا أَو أحْسِني لَا مَلُومَةًإلينَا وَلَا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ
قَالت العُلَماءُ: لَو قالَ هَذَا البَيْتَ فِي وَصْفِ الدُّنيا لكانَ أَشْعَرَ النَّاس!
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع