من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر انقطاع الرجاء والأمل من الطالبين وتركهم للرحيل والطلب
قال أبو تمام:
توفيت الآمال بعد محمدوأصبح في شغل عن السفر السفر
ألا في سبيل الله من عطلت لهفجاج سبيل الله وانثغر الثغر
أخذ هذا المعنى من قول مسلم بن الوليد:
نفضت بك الأيام أحلاس المنىواسترجعت نزاعها الأمصار
وقال البحتري في مثل ذلك:
خبر ثنى ركب الركاب فلم يدعللركب وجه ترحل فأقاموا
وقال أبو تمام:
أظلمت الآمال من بعدهوعريت من كل حسن وطيب
كانت خدود صقلت برهةفاليوم صارت مألفاً للشحوب
فيا ويحه! ضاقت المعاني والاستعارات الحسنة حتى جعل للآمال خدوداً وصقولة وشاحبة.
قال عبد الله بن أبي الشيص في هذا المعنى -وأظن أباه إنما كني لأنه كان شيص الشعراء في وقته، وكأن يقفو مذهب أبي تمام-:
قد هدمت قبة آماليواجتث فرع الشرف العالي
لا رحلة بعد أبي جعفرأيقن بالراحة أجمالي
فذكر أن قبة آماله قد انهدمت، ولا ينكر لعبد الله مثل هذه الاستعارة، فليس أبو العذافر بأشعر منه إذ يقول:
باض الهوى في فؤاديوفرخ التذكار
ولا الذي يقول -وأنشده أبو العنبس-:
ضرام الحب عشعش في فؤاديوحضن فوقه طير البعاد
وأنبذت الهوى في دن قلبيفعربدت الهموم على فؤادي
فيا ويح الطائي! أما كفاه من هذا المعنى ما حذاه على حذو مسلم حتى جاء بهذا التخليط؟!.
ولله در مسلم بن الوليد إذ قال في الفضل بن سهل ذي الرياستين:
ثوى وثوب عيس الفلاة مناخةبكل سبيل ما لهن سبيل
خليلي ما لي في سرخس تئيةعلى جدث فيه السماح قتيل
وقال مروان بن أبي حفصة:
أقمنا بالمدينة بعد معنمقاماً ما نرد به زيالا
وقلنا أين نذهب بعد معنوقد ذهب النوال فلا نوال
وهذا وإن كان غاية في مرثية الميت، فهو خطأ من جهة الشعر، لأن مروان دخل على المهدي في جملة الشعراء فقال له: ألست القائل في معن:
وقد ذهب النوال فلا نوالا؟
اذهب فلا شيء لك عندنا، وحجب مروان عنه برهة من الزمان حتى عمل هذه القصيدة:
طرقتك زائرة فحي خيالها
وتلطف في الوصول فأنشده فحظي منه بما لم يحظ به شاعر قط ولا من غيره.
وقد سبق النابغة إلى هذا المعنى فقال:
فإن يهلك النعمان تعر مطيةوتخبأ في جوف العياب قطوعها
وقال البحتري في نحو هذا:
من يعتفي بهمته ومنيحدو إليه المعتم المعتام
وقال:
أسفي عليك لآسف بين القناأسوان تعذل خيله وتلام
ولمجتد رجعت يداه بلا جدًاأعيا عليه البذل والإنعام
وقال:
ستبكيه عين لاترى الجود بعدهإذا فاض منها هامل عاد هامل
وهذا معنى كثيرًا ما تذكره العرب وتكرره في مراثيها، ومن ذلك قول أوس بن حجر:
ليبكك الشرب والمدامة والــفتيان طرًا وطامع طمعا
وذات هدم عار نواشرهاتصمت بالماء تولبًا جدعا
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع