من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
الذم المجمل لغير مذكور
قال أبو تمام:
غاب والله أحمد فأصابتــني له قطعة من الأحزان
وتخلفت عنده في أناسألبسوني صبرًا على الحدثان
ما لنور الربيع في غير حسنما لهم من تغير الألوان
أنكرتهم نفسي وما ذلك الإنــكار إلا من شدة العرفان
كثرة الصفر يمنة وشمالًاأضعفت في نفاسة العقيان
قوله: «قطعة من الأحزان» ضرورة من قلت حيلته في الألفاظ.
وقد قال البحتري في معنى هذا البيت ما هو أجود وأحسن وألطف معنى، وذلك قوله:
غرائب أخلاق هي الروض جادهملث العزالى ذو رباب وهيدب
وقد زادها إفراط حسن جوارحهاخلائق أصفار من المجد خيب
وحسن داري الكواكب أن ترىطوالع من داج من الليل غيهب
وقال أبو تمام:
أخو ثقة نأى فبقيت لمانأى غرضاً لإخوان السلام
ذوي الهمم الهوامد والأكف الــجوامد والمروات النيام
يظل عليك أصفحهم حقودًالرؤيا إن رآها في المنام
ومن شر المياه إذا استمحيتأواجنها على طول المقام
وقال البحتري:
وخلفني الزمان على أناسوجوههم وأيديهم حديد
لهم حلل حسن فهن بيضوأفعال سمجن فهن سود
وأخلاق البغال فكل يوميعن لبعضهم خلق جديد
وأكثر ما لسائلهم لديهمإذا ما جاء قولهم تعود
ووعد ليس يعرف من عبوس انــقباضهم أوعد أم وعيد؟
أناس لو تأملهم لبيدبكى الخلف الذي يشكو لبيد
ألا ليت المقادير لم تقدرولم تكن الأحاظي والجدود
فأنظر أينا يضحي ويمسيله هذي المراكب والعبيد
فلو كان الغنى حظاً كريماًلأخطأه النصارى واليهود
ولكن الزمان زمان سوءسجال الأمر يفعل يفعل ما يريد
فأسعده على قوم نحوسوأنحسه على قوم سعود
وقال:
سألت عن أصدقاء الصدق مؤتنفاًوقد ترى عدمي منهم وإقلالي
أشيم منهم بروق الخلبات فهلشخص يبلغنا عن بارق الخال؟
والناس كالشجر البادي تفاوتهوقد ترى بعد بين النبع والضال
وقال:
يا أحمد بن محمد نضب الندىمن كف كل أخي ندى يا أحمد
أشكوا إليك أناملًا ما تنطوييبساً وأخلاقاً تقصفها اليد
وأنا لبيد عند آخر دمعةيصف الصبابة والمكارم أربد
الناس حولك روضة ما ترتعىريا النبات ومنهل ما يورد
جدة ولا جود وطالب بغيةفي الباخلين وبغية لا توجد
تركوا العلا وهم يرون مكانهاودعا اللجين قلوبهم والعسجد
فتماحكوا في البخل حتى خلتهديناً يدان به الإله ويعبد
أرضيهم قولًا ولا يرضوننيفعلًا وتلك قضية لا تقصد
فأذم فيهم ما يذم وربماسامحتهم فحمدت مالا يحمد
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع